|
البدعة |
|
البدعة - عند ابن السكّيت -: كل شيء محدث. وعند الجوهري في الصحاح والراغب في المفردات: الحدث في الدين بعد الإكمال. وفي مجمع البحرين للطريحي: هو أن يبتدع الإنسان شيئاً من نفسه ولم يكن له أصل في كتاب أو سنّة. وفسّرها الشيخ الفتوني (أعلى الله مقامه) في مقدمة مرآة الأنوار بمادة السنّة: أنها خلاف السنة، ومقصودة ما حدث بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) من غير طريق أهل البيت. وفي العوائد للمحقّق النراقي: البدعة ما قرّره غير الشارع لغيره من دون دليل شرعي. فصار المتحصّل من كلام أهل اللغة والفقهاء: أن البدعة المحرّمة: إدخال ما ليس من الدين على أن يكون منه، من دون دليل عليه من الشارع. وأمّا ما علم رضا الشارع به غير أن فعله لم يتعارف في أيامه، فلا يكون من البدعة. وعدم التعارف إمّا للاستغناء عنه - كتدوين تمام القرآن والحديث، فانه لا شك في أن جمع القرآن والحديث راجح، والشارع يرغّب فيه، ولكن الصحابة مستغنون عنه أيام الرسول (صلى الله عليه وآله) لإمكان الرجوع إلى مصدر الوحي واستعلام الأحكام منه -. وإمّا أن يكون عدم التعارف من جهة انعدام الموضوع في الخارج، فان الطائرة لو كانت موجودة أيام الرسول (صلى الله عليه وآله) لما منع من الركوب فيها لسفر الحج ونحوه، فانعدامها في أيامه وحدوثها بعده لا يلحق الركوب فيها بالبدعة المحرّمة. وإما أن يكون عدم التعارف أيام الرسول (صلى الله عليه وآله) من جهة عدم مساعدة الوقت على فعله، كالشهادة بالولاية في الأذان والإقامة، فإن ملاحظة الروايات الكثيرة الحاكية تصريحات الرسول (صلى الله عليه وآله) بما جعل الله تعالى لوصيّه من الولاية المكملة للشهادتين، وما ورد كثيراً من الأخبار المتضمنة لاشتراط قبول الأعمال بالولاية - وفي بعضها: (لو أن عبداً صفّ قدميه بين الركن والمقام وعبد الله سبعين عاماً ثم لم يأت بالولاية كان عمله هباءً)(1) - تفيدنا الجزم برجحان الشهادة الثالثة بعد الشهادتين في الأذان وغيره أيام النبي (صلى الله عليه وآله). غاية الأمر أنه لم يسع نبي الإسلام إلزام الأمة بالجهر بها، كي لا يرتدّوا على الأعقاب، لعدم تحمّل جملة منهم ما كان يتظاهر به (صلى الله عليه وآله) من فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) فكيف ترغب نفوسهم إلى الإقرار بما فيه تركيز الخلافة في غيرهم؟!. ومما يفسّر لنا مراعات النبي (صلى الله عليه وآله) حال أمته وتحرّيه استقامتهم على المحبة: إرساله أبا بكر بتبليغ الآيات من سورة براءة أول ذي الحجة سنة 9 مع أنه (صلى الله عليه وآله) (العالم بما يكون) لم يخف عليه ما سيأتي الوحي به من إرسال الإمام علي (عليه السلام) للياقته في تمثيل مقام النبوة حينما تتوارد عليه المشاكل والشبهات، ولكنه (صلى الله عليه وآله) خاف وسوسة ضعفاء النفوس ومن خالطهم الريب والشك الطعن عليه بأن الرحم والقرابة حرّكه على تقديم ابن عمه، والنبي الأعظم أجلّ من أن يعمل عملاً يكون لضعفاء قومه فيه الحجة عليه. وبعد أن سار أبو بكر بالآيات ووصل (الحليفة) نزل جبرائيل يحمل الوحي الإلهي بإرسال أمير المؤمنين مكانه، فأمره النبي (صلى الله عليه وآله) بأخذ الآيات من أبي بكر وقراءتها على قريش في منى أيام الموسم(2). وقصة الغدي تشرح الحالة في ذلك الظرف، فلقد بلغ النبي (صلى الله عليه وآله) عن بعض أصحابه إساءة الرأي فيه لمّا شاهد إعلانه بالخاصة المميّزة للإمام علي (عليه السلام) على المسلمين حتى يكون له من يلبي نداءه. ومع هذا فهل يسع النبي (صلى الله عليه وآله) قهر الأمة على الإعلان بالشهادة بعد الشهادتين في اليوم والليلة خمس مرات؟!. ولكنه أرجأ هذا الحكم الإلهي إلى الوقت الذي يسع الخلفاء من أبنائه (عليهم السلام) على التظاهر به، غير أن التقية شدّدت وطأتها على تنفيذ هذا القانون، إلى أن استنشق الشيعة روح الأمن، فجهروا بما دعاهم المولى (عزّ شأنه) من الولاية المكملة للشهادتين. نعم كان النبي (صلى الله عليه وآله) يتحيّن الفرص ويستغل المناسبات في النصّ على الشهادة الثالثة والإشادة بأنها من مكملات الشهادتين، فمن ذلك تلقينه فاطمة بنت أسد بها(3). وجاء في نص صحيح أنها أجابت الملكين بما أوجب الله عليها من الشهادة لله بالوحدانية ولمحمّد بالرسالة ولعلي بالولاية(4). وقد أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) من اجتمع عنده من المسلمين - تعليماً لمن وعى حديثه من الحاضرين ومن يأتي من الأجيال - بأن الشهادة الثالثة أخذت شرطاً في الشهادتين، ولو لم يلحظ (صلى الله عليه وآله) هذه النكتة الدقيقة لكان إخباره قليل الجدوى، وحاشا من يستمد من السماء أن ينطق عن الهوى. وبالجملة: البدعة المحرّمة هي نفس التشريع الذي هو عبارة عن الالتزام بشيء خارج عن الشريعة، على أن يكون منها بلا سبب مبرّر. وأما إذا ورد دليل من الشارع المقدّس أو خلفائه المعصومين (عليهم السلام) على شيء فالعمل بمضمونه لا يكون بدعة وتشريعاً وان لم يتعارف العمل به أيام الرسول (صلى الله عليه وآله) كالسجود على التربة الحسينية فإنها لم تخرج عن الأرض التي يقول فيها النبي (صلى الله عليه وآله): (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)(5). غاية الأمر أنه لم يتعارف في أيامه السجود على تربة أرض كربلاء، ولا يرتاب أحد في إنكار النبي (صلى الله عليه وآله) لو وجد من يسجد على تراب جاء به من كربلاء. فإذاً: يكون أصل جواز السجود على هذه التربة ثابتاً بنص النبي (صلى الله عليه وآله) وأما فضلها على غيرها من أجزاء الأرض فقد نصّت به روايات أهل البيت (عليهم السلام). ومع هذا الحال لا يتصوّر التشريع والبدعة في السجود على التربة الحسينية التي يقول فيها السيد محمد مهدي بحر العلوم (نوّر الله ضريحه): فنورها يخرق سبع الحجب***يفوق نور نيّرات الشهب ما سجدت الصادق مهما صلّى***إلاّ عليها وكفانا فضلا(6) ومثل التربة - في الخروج عن التشريع المحرّم -: الشهادة بالولاية لعلي (عليه السلام) في الأذان، فإن أصل الجواز ثابت في اصل الدين كما أفاده عموم الروايات الدالة على رجحان الاعتراف بالولاية مع الشهادتين، سواء في ذلك الأذان وغيره. وعدم تعارف الشهادة بالولاية في أيام الرسول (صلى الله عليه وآله) لا يلحقها بالبدعة لما قلناه من عدم مساعدة ذلك الظرف بمضايقة الأمة على الجهر بها في الأذان خوفاً من الارتداد فكانت كبقية الأحكام التي أودعها النبي (صلى الله عليه وآله) عند خلفائه ويكون التعريف بها تدريجياً، ومنها ما هو باق إلى أيام الحجة المنتظر (عجّل الله فرجه). وعلى هذا فالمخرج للعمل المأتي به عن التشريع المحرّم والبدعة - التي لا تقال عثرتها - هو استناد العامل إلى دليل وارد عن الأئمة (عليهم السلام) يطمئن به ويؤمن بصحته، ولا يلزمه العقل ولا الشرع بأكثر من ذلك. فالشيعة إذا التزموا بأحكام وقاموا بأعمال مستندين إلى أدلّة وردت عن أئمتهم (عليهم السلام) لا يصح لغيرهم الطعن عليهم بأنها بدعة وضلالة. فلا يقال لهم: زيارة المشاهد المشرّفة بدعة، والبكاء على مصاب أهل البيت (عليهم السلام) بدعة، وإقامة الحفلات في مواسم الفرح والحزن للأئمة (عليهم السلام) بدعة، إلى غير ذلك مما ثبت رجحانه لديهم، اللهم إلا أن يقوم دليل صحيح عند الشيعة يمنع من هذه الأعمال. والى ما شرحناه من معنى البدعة والتشريع المحرّم أشار السيد علي الطباطبائي - المتوفى سنة 1231 هـ- في (كتاب الرياض)، فانه قال - عند الكلام على الترجيع في الأذان -: (التشريع المحرّم هو أن يعتقد شرعية شيء، من دون استناد إلى شيء، وأما مع الاستناد إلى سبب فلا يكون بدعة). وقال المحقق النراقي - المتوفى سنة 1244 هـ- في كتاب (المستند)، عند ذكر كيفية الأذان -: (الحكم بتحريم الشيء مع اعتقاد مشروعيّته باطل إذ لا يتصور الاعتقاد إلاّ مع دليل، ومعه لا إثم، إذ لا تكليف فوق العلم). وعلى هذا... فالحكم باستحباب الجهر بالشهادة الثالثة في الأذان بعد الشهادتين - استناداً إلى العمومات الدالّة على رجحان الشهادة بالولاية بعد الشهادتين - خصوصاً خبر القاسم بن معاوية عن الإمام الصادق (عليه السلام): (إذا قال أحدكم: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، فليقل: علي أمير المؤمنين) - خارج عن البدعة والتشريع، لأنه حكم بالتشريع، مع الاستناد إلى سبب ودليل وارد عن الشارع. ولو تنزّلنا إلى موافقة المانع بأنّ هذه الأخبار ضعيفة السند، فأخبار التسامح في أدلة السنن تساندها وترفع حكم الضعف ويكون العمل بواسطتها على طبق تلك الضعاف (لو سلّمنا ضعفها) ومضى عند الشارع. وهذا الذي قلناه كبرى كليّة تتمشّى مع كل عمل ثبت رجحانه بدليل خاص أو عام سواء في ذلك الشهادة الثالثة أو غيرها من الأعمال. هذا اعتقادي فالزموه تفلحوا هذا طريقي فاسلكوه تهتدوا
|
|
1- وسائل الشيعة: ج 1 باب 29. 2- لم يختلف اثنان ممن تعرض لقصة الآيات من سورة براءة على عزل أبي بكر عنها وإرسال (صاحب الولاية) بالآيات. انظر الكشاف للزمخشري ج 2 ص 132 والدر المنثور للسيوطي ج 13 ص 209 وروح المعاني للالوسي ج 10 ص 44 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 332 وتفسير الخازن ج 3 ص 48 وتفسير البغوي بهامشه ص 49 والإمتاع للمقريزي ج 1 ص 499 ومسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 3 ص 283 والمستدرك على الصحيحين ج 2 ص 283 وكنز العمال ج 1 ص 247 والخصائص للنسائي ص 20 والرياض النضرة ج 2 ص 173 وتاريخ الطبري ج 3 ص 154 والكامل لابن الأثير ج 2 ص 111 وتاريخ الخميس ج 2 ص 156 والروض الآنف للسهيلي ج 2 ص 328 وغيرها. 3- خصائص أمير المؤمنين للشريف الرضي ص 35. 4- أمالي الصدوق: ص 189 مجلس 51. 5- الجامع الصغير للسيوطي ج 1 ص 143، صحيح البخاري، وغيرهما. 6- ما عدى البيت الأول من أرجوزة حجة الإسلام آية الله الشيخ هادي كاشف الغطاء (قدس الله سره) اسماها (المقبولة الحسينية) في واقعة الطف /طبع النجف. |