فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

وقفة مع الشيخ الصدوق

كل من وقف ضد الشهادة الثالثة في الأذان تشبّث بكلام الشيخ الصدوق في هذا المجال، حيث نسب الشهادة الثالثة في الأذان إلى المفوّضة، ولعنهم وتبرّأ منهم.. وقال:

(... والمفوّضة - لعنهم الله!! - قد وضعوا أخباراً وزادوا في الأذان: محمّد وآل محمّد خير البريّة - مرتين - وفي بعض رواياتهم - بعد: أشهد أن محمداً رسول الله -: أشهد أن علياً وليّ الله - مرتين - ومنهم من روى بدل ذلك: أشهد أن علياً أمير المؤمنين حقاً حقاً - مرتين -...) إلى آخر كلامه(1).

هذا.. وعند التأمّل في كلام الشيخ الصدوق يتّضح لنا ما يلي:

أولاً: إن هناك - بالفعل - أحاديث شريفة وردت في الشهادة الثالثة في الأذان، ولكن الصدوق حكم عليها بالوضع واعرض عن ذكرها وذكر رواتها وإسنادها.

وهذا - طبعاً- ليس من نهج الاستدلال ولا أسلوب البحث والاجتهاد، بل إن الأسلوب المتّبع عند العلماء والفقهاء هو ذكر الأحاديث بإسنادها ورواتها أولاً، ثم الحكم عليها بالصحة أو السقم، والقبول أو الرفض، مع بيان وجهة نظرهم من خلال بيان موارد الإشكال والضعف في السند أو المتن أو الدلالة.

أمّ الإعراض عن ذكرها صفحاً، وسدّ الطريق أمام من يأتي من الفقهاء والمحدّثين كي لا ينظروا فيها ويبدوا رأيهم بالنسبة إليها.. فهذا غير صحيح.

ولهذا يقول احد علمائنا الأجلاّء - وهو الفقيه الكبير الشيخ عبد النبي العراقي (رضوان الله عليه)(2) - في تعليقه على كلام الشيخ الصدوق:

(لم يقل أحد من الإمامية إن من شرط حجيّة الخبر هو عمل الصدوق أو عدم إعراضه، فليس لعمله ولا لإعراضه دخل في مسألة حجيّة الخبر الواحد على مسالكهم العديدة، فان له - أي: للصدوق - فتاوى نادرة كثيرة لم يوافقه احد من الفقهاء فيها، كمسألة سهو النبي (صلى الله عليه وآله) وطرح أخبار عدم جواز السهو عليه (صلى الله عليه وآله)، ووجوب الحج على كل من تمكن منه في كل سنة، وجواز الوضوء والغسل بالماء المضاف، وطهارة الدم إذا كان بقدر الحمصة، وطهارة الخمر، وعدم نجاسة الماء القليل بملاقاة النجاسة و و... حتى لو جمعت فتاواه النادرة فتكون رسالة كبيرة، كما اشرنا إليه.

ولذا قال [الشيخ البحراني] - في الحدائق في مسألة الماء المضاف -: (إن الصدوق لم يكن معصوماً حتى يكون قوله حجة على غيره أو يلزمه اتّباعه).

ثانياً: إن الشيخ الصدوق نسب تلك الأحاديث - التي تثبت جزئية الشهادة بالولاية في الأذان - إلى المفوّضة.

ونتساءل: من هم المفوّضة؟

الجواب: إن المفوّضة عند الشيخ الصدوق يختلفون تماماً عن المفوّضة المذكور عنهم في الكتب.

فأنت إذا راجعت الكتب التي تعرّف المفوّضة تراها تقول:

(المفوّضة: قوم قالوا: إن الله خلق محمداً وفوّض إليه خلق الدنيا فهو الخلاّق لما فيها).

وقيل: فوّض ذلك إلى علي.

وفي الحديث: (من قال بالتفويض فقد اخرج الله عن سلطانه)(3).

هذا معنى المفوّضة المذكور في الكتب. لكن الشيخ الصدوق يقول عنهم:

(.. إن الغلاة والمفوّضة - لعنهم الله!! - ينكرون سهو النبي (صلى الله عليه وآله) ويقولون: لو جاز أن يسهو في الصلاة لجاز أن يسهو في التبليغ، لأن الصلاة عليه فريضة كما أن التبليغ عليه فريضة...)(4).

ويظهر من كلامه إن كل من اعتقد بالنبي وآله الطاهرين (عليهم السلام) الاعتقاد الكامل الراسخ الصحيح فانه من الغلاة والمفوّضة ولهذا تراه يلعن المفوّضة الذين يقولون بعدم سهو النبي (صلى الله عليه وآله) والشيعة كلّهم - منذ اليوم الأول - تعتقد بعدم سهو النبي، وتنتقص كلّ من يقول بذلك.

وفي هذا المجال يقول شيخنا المجلسي الأول: الفقيه الكبير الشيخ محمد تقي(5):

(... والذي يظهر منه - كما سيجيء - انه [أي: الصدوق] يقول: كل من لم يقل بسهو النبي فانه من المفوّضة، وكل من يقول بزيادة العبادات من النبي فانه من المفوّضة، فان كان هؤلاء فهم كلّ الشيعة، غير الصدوق وشيخه، وان كانوا غير هؤلاء فلا نعلم مذهبهم حتى ننسب إليهم الوضع واللعن).

ثالثاً: يظهر من كلام الشيخ الصدوق - حول الشهادة الثالثة - أنها كانت في الأذان في عصره، أي: في القرن الرابع الهجري، وكانت الشيعة - يومئذ - حديث عهدٍ بعصر الغيبة الصغرى والنوّاب الأربعة المنصوبين من قبل الإمام الحجة المهدي (صلوات الله عليه) فلو كانت الشهادة الثالثة بدعة في الأذان لصدر النهي عنها في التوقيعات الصادرة من الناحية المقدّسة من قبل الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) كما كانت العادة جارية بصدور النهي والتبرّي عن أهل البدع والباطل، كالشلمغاني وأمثاله.

بل يبدو أن الأمر كان متّفقاً عليه عند الشيعة ولم يكن بينهم أيّ خلاف واختلاف حول الشهادة الثالثة في الأذان، حتى جاء الشيخ الصدوق ورفع راية الخلاف.

ونحن في الوقت الذي ننظر إلى الشيخ الصدوق بنظرة التجليل والاحترام فإنها لا تمنعنا من مناقشة آرائه الخاصة به، كما هو دأب العلماء والفقهاء قديماً وحديثاً.

سؤال وجواب

وقد يسأل سائل ويقول: سلّمنا ورود الأخبار والأحاديث الشريفة بالشهادة الثالثة في الأذان... ولكن كيف يمكن الاعتماد عليها والقول بصحتها؟

الجواب: لقد وصف الشيخ الطوسي - المسمّى بشيخ الطائفة - وصف تلك الأخبار والأحاديث بالشواذ، ومعنى الشاذ - هنا - هو الحديث الذي رواه الراوي الثقة وكان مخالفاً لما رواه المشهور(6) وهذا يدل على صحة ذلك الحديث ولكن الفقهاء لم يعملوا به.

إذاً: لقد شهد الشيخ الطوسي بصحة تلك الأحاديث الشريفة.

بالإضافة إلى قاعدة التسامح في أدلّة السنن، هذه القاعدة المتّفق عليها بين العلماء والفقهاء قديماً وحديثاً.

 

1- من لا يحضره الفقيه: ج 1 كتاب الصلاة باب الأذان.

2- في رسالة الهداية في كون الشهادة بالولاية في الأذان والإقامة جزء كسائر الأجزاء: ص 39.

3- مجمع البحرين: ج 4 ص 223 مادّة: فوض.

4- من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 359.

5- في كتاب روضة المتقين: ج 2 ص 245.

6- راجع رسالة الدراية للشهيد الثاني: ص 13.