الصفحة الرئيسية

مكتبة الموقع

مكتبة العقائد الإمامية

فهرس الكتاب




( 145)

الفصل الرابع

علي مع الخلفاء



( 146 )

1 ـ الافتيات على الامام


لا يشك التأريخ ان عليا عليه السلام ـ كما قدمنا ـ لم يكن على علم من اجتماع الانصار في سقيفتهم ، حتى بعد ذهاب الثلاثة من حزب المهاجرين متكتمين ، وهم ابو بكر وعمر إذ ذهبا يتقاودان ـ على حد تعبير الطبري في تاريخه ـ وتبعهما ابو عبيدة . بل لم يعلم الامام بما تم في السقيفة إلا بعد خروجهم إلى المسجد في ضجيجهم « وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب وبيده عسيب نخل وهو محتجز يحث الناس على البيعة » ، فبلغه تكبيرهم ، وهو مشغول ـ لا يزال ـ في جهاز النبي . ولم يخرج إليهم إلا في اليوم الثاني .
واول شيء يبدو دليلا على افتيات القوم عليه بالمشهورة ، وهم يشعرون بأنهم في مقام الخصومية له انهم لم يخبروه بحادث اجتماع الانصار عندما أسر عمر إلى ابي بكر وهو في بيت الرسول بالخبر ، وهما ايضا لم يخبرا احدا غير ابي عبيدة الذي تبعهما وحده حيث الاجتماع السري ، مع ان مثل الامام اولى الناس بتدارك هذا الموقف الدقيق ان كان في اجتماع الانصار خطر على الاسلام أو فتنة ، والامور جارية على ظواهرها الطبيعية بين الامام وبين هذه الجماعة . ثم الاغرب انهم لم يدعوه للمشاورة بل حتى للبيعة قبل أن يتم كل شيء ينتظر لبيعة أبي بكر . ولا ينتهي التساؤل عما إذا


( 147)


ينبغي ان يرسلوا إليه من يخبره بالامر على الاقل ! اما كانوا على حسن نية معه أو ثقة بموافقته لهم ورضاه ؟
نعم ! لقد وجدناهم قد قضوا أمرهم بينهم ، ودعوا الناس إلى البيعة اشتاتا ومجتمعين ، مستشعرين الكفاح والخصومة بل الخوف امام حزب علي . ولذا انتهزوا فرصة انشغاله وانشغال اصحابه وبني هاشم بجهاز سيدهم . ويشهد لهذا قول الطبري في تاريخه : « وجاءت اسلم فبايعت فقوي بهم جانب ابي بكر وبايعه الناس » ، تأمل كلمة ( فقوي بهم جانب أبي بكر ) ، لتفهم ان هناك جانبين متخاصمين يقوى احدهما ويضعف الآخر ، وليس المراد بالجانب الآخر الانصار لانهم قد بايعوا في السقيفة ولم يبق إلا سعد بن عبادة وابنه ، وليس له كبير اهتمام وقد اهملت بيعته حسب اشارة بعض ابناء عمه .
أما علي فقد قلنا انه جاءه الخبر عفوا لما سمع تكبير القوم في المسجد وهو حول النبي مشغول بجهازه . ولما بلغته حجتهم على الانصار لم يكتم نقدها ، فقال كما في نهج البلاغة : « احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة » .

2 ـ رأيه في بيعة السقيفة


قلنا في آخر الفصل الاول انه لماذا لم يطالب الامام


( 148 )


صراحة بالنص عليه بالخلافة ، وهنا نقول : انه مع ذلك لم يكتم رأيه في بيعة السقيفة ، فان التأريخ لا يشك ، عند من ينظر إليه نظرة فحص وتمحيص ، أنه كان ناقما على ما اسرعوا إليه من بيعة ابي بكر ، وكان يعدها غضبا لحقه ، فلم يلاق الحادث إلا بالاستغراب والاستنكار كما يبدو من كلمته السابقة التي قرأتها أخيرا ، ومن كلمات كثيرة منبثة في نهج البلاغة وغيره وأهمها الخطبة الشقشقية . وأقل ما يقال في انكاره تخلفه عن البيعة حتى ماتت فاطمة الزهراء عليها السلام .
على ان من الظلم نقول : ان الامام تخلف عن البيعة ، وهو صاحب الامر الذي يجب أن يؤتى إليه ، وإنما الحق أن نقول : إن الناس هم الذين تخلفوا عنه .
وأول اعلان له عن رأيه كان عند خروجه في اليوم الثاني من السقيفة بعد البيعة العامة ـ كما في مروج الذهب ـ فقال لابي بكر : « أفسدت علينا أمرنا ولم تستشر ولم ترع لنا حقا » . وهذا القول صرخة في وجه الاستئثار عليه ، وتصريح بعدم الرضى بما تم ، وليس علي ممن يداجي أو يخاتل ولا ممن تأخذه في الله لومة لائم . ولذلك هم كانو يفرون من التحرش به قبل تمام البيعة خوف اعلان خصومتهم ، فنرى ابا بكر في جواب كلامه السابق يعترف له ويقول : « بلى ! ولكن خشيت الفتنة » .
ويسكت التأريخ عن ذكر جواب الامام ، أفتراه اقتنع


( 149 )


بكلمة ابي بكر أو أغضى عن جوابها أو التأريخ أهمل الجواب . ولكن عليا نفسه يقول من خطبة له عن هذه الحادثة : « فلما قرعته بالحجة في الملا الحاضرين هب كأنه لا يدري ما يجيبني به » .
ولئن فرض انه سكت هذه المرة فانه لم يترك الدعوة إلى نفسه واستنكار حادث السقيفة ، وان بايع بعد ذلك فلم يبايع عن طيبة خاطر واطمئنان إلى الوضع ، وهو الذي يقول بالصراحة في الشقشقية : « فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى أرى تراثي نهبا » .
ثم التأريخ يحدثنا انه لم يبايع إلا بعد أن صرفت عنه وجوه الناس بموت فاطمة الزهراء . وكم تذمر وتظلم من دفعه عن حقه مثل قوله من كلام له في النهج : « فو الله ما زلت مدفوعا عن حقي مستأثرا علي منذ قبض نبيه صلى الله عليه وآله وسلم حتى يوم الناس هذا » ويشير بهذا اليوم إلى عصره في خلافته .

* * *


هذا هو الصريح الواضح من رأي الامام في بيعة السقيفة وما وقع بعدها . ويكفي النظر في الشقشقية وحدها ، غير ان التأريخ قد يحاول ان يكتم هذه الصراحة ، لانه لا ينكر على كل حال ان عليا مع الحق والحق مع علي ، فلا


( 150 )


يمكنه ان يتهمه بالحيدة عن طريق الحق إذا اعترف بهذا الرأي منه ، وهو ـ أعني التأريخ ـ يريد ان يصحح ما وقع يوم السقيفة الذي لا يصح من دون رضى صاحب الحق وموافقته ، فير‍كن إلى المداورة .
ولكن في الحقيقة لابد ان تتم على نفسها ، فانه جاء في صحيحي البخاري ومسلم عدا كتب التأريخ والسير ما لا يخرج عن هذا القول : « ان وجوه الناس كانت إليه وفاطمة باقية فلما ماتت انصرفت وجوه الناس عنه وخرج من بيته فبايع ابا بكر وكانت مدة بقائها بعد أبيها ستة أشهر » .
وجاء ما هو أصرح من كل ذلك في جوابه لكتاب لمعاوية ، إذ يتهمه معاوية بالبغي على الخلفاء والابطاء عنهم وكراهية أمرهم ، فيقول الامام منكرا لبعض التهم ومعترفا بالبعض الآخر : « فأما البغي فمعاذ الله أن يكون واما الابطاء والكراهية لامرهم فلست اعتذر إلى الناس في ذلك » (1) .

3 ـ الموقف الدقيق


يظهر للمتتبع ان الامام كان يرى ـ عطفا على رأيه السابق ـ وجوب مناهضة القوم حتى يأخذ حقه منهم.
____________
(1) راجع شرح النهج ( 3 : 409 ) .


( 151 )


ويستشعر ذلك من سيرته معهم ومن كثير من أقواله التي منها قوله في الشقشقية عن حربه لاهل الجمل ومعاوية : « أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم ؛ لالقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها » .
فانظر إلى موقع كلمته : « لسقيت آخرها بكأس أولها » ، فانه يريد أن يقول : ان زهدي بالدنيا يدعو إلى أن أترك حقي في المرة الاخيرة كما تركته في المرة الاولى ، ولكن الفرق كبير بين الحالين : ففي الاولى لم تقم علي الحجة في القتال لفقدان الناصر دون هذه المرة ، فلا يسعني ان اعرض عنها هذه المرة واسقيها بالكأس الذي سقيت به اولها يوم طويت عنها كشحا وصبرت على القذى .
وأصرح من ذلك ما كان يقوله : « لو وجدت اربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم » وهذا ما عده معاوية من ذنوبه ، وذلك فيما كتب إليه من قوله : « فمهما نسيت فلا أنسى قولك لابي سفيان لما حركك وهيجك لو وجدت اربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم ، فما يوم المسلمين منك بواحد » ، ولم ينكر امير المؤمنين عليه السلام هذا القول في جوابه على هذا الكتاب .
وفي التاريخ مقتطفات تؤيد ذلك ، كما في تأريخ


( 152 )


اليعقوبي : إن اصحابه الذين كانوا يجتمعون إليه طالبوه بمناهضة القوم وتعهدوا بالنصرة ، وكأنهم ظنوا ان قد بلغوا العدد المطلوب « 40 ذوي عزم » فقال لهم : اغدوا على هذا محلقي الرؤس ، وهو إنما يريد ان يريهم انهم لم يبلغوا المنزلة التي تقام بها الحجة ، فلم يعد عليه إلا ثلاثة نفر .
وإذا كان هذا رأيه في المناهضة للقوم يبلغ ـ يا سبحان الله ـ هذه الشدة والصرامة فماذا تراه صانعا ؟ لنتركه الآن يحدثنا هو عن نفسه وموقفه الدقيق ، إذ يقول من الشقشقية : « وطفت ارتئي بين أن أصول بيد جذاء أو اصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه » . ثم يبين لنا كيف ان يده جذاء من خطبة ثانية . « فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم على الموت » .
فهو إذن بين امرين لا ثالث لهما : اما المغامرة بما عنده من اهل بيته ، واما الرضوخ للامر الواقع ، اما الحالة الاولى ففيها خطر على الاسلام لا يتدارك فانه إذا قتل هو وآل بيته ارتفع الثقل الثاني من الارض « عترة الرسول » وافترق عن عديله القرآن الكريم وهناك الضلالة التي لا هداية معها ، وقد قال النبي : « لا تضلوا ما ان تمسكتم بهما أبدا » أو« لن يفترقا حتى يردا علي الحوض » واما الحالة الثانية فان في الصبر على هضم حقوقه اضاعة لوصية النبي ، وتعطيل لنصبه اياه اماما وخليفة من بعده .


( 153 )


فأي الامرين هو اولى بالرعاية لحفظ بيضة الاسلام ؟
وأنى لنا ان نتحكم في ترجيح أحد الامرين ، ونعرف الامام واجبه في هذا الامر ؟ !
وما بالنا نذهب بعيدا ، فانا نعرف ما صنع الامام ، انه استسلم للقوم وبايع كما بايع الناس بالاخير ، وقد قرر الرأي الاخير بعد ان طفق يرتئي بين ان يصول بيد جذاء أو يصبر على طخية عمياء عندما قال : « فرأيت الصبر على هاتا احجى » فسدل دونها حينئذ ثوبا وطوى عنها كشحا .
على انه لا يضيع وجه الرأي على الناظر في هذا الامر ليعرف كيف كان الصبر أحجى ، لانه لو نهض في وجه القوم مع قلة الناصر وحسد العرب له وترات قريش عنده ، لكان المغلوب على أمره ، وعندئذ يصبح نسيا منسيا ، ولربما لا يحفظه التأريخ إلا باغيا بغى على الدين كأولئك اصحاب الردة ، فقتل « بسيف الاسلام » واضيع مع ذلك النص على خلافته . وقد رأيناه مع بقائه حيا وانتهاء الامر إليه بعد ذلك كيف غمط حقه وأعلن سبه وبقي الشك فيه إلى يوم الناس هذا !
وقد أشار إلى ذلك في كلامه لعمه العباس وابي سفيان لما طلبا بيعته ، إذ قال لهما : « أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح . . . ثم قال : ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه » .


( 154 )


حقا ، لا ينهض في هذا الموقف إلا من لا يبالي إلا بالحرص على الملك ومطاولة الناس مهما كانت النتائج على الدين والصالح العام ، وأمير المؤمنين أحرص على الاسلام من ان يغرر به لامر يقول عنه : « انه ماء آجن ولقمة يغص بها آكلها » . ولا يساوي عنده نعله التي لاتسوى درهما ، إلا إذا كان يقيم حقا أو يدحض باطلا . ولذلك ، ينصح الناس في كلامه الذي أشرنا إليه مع العباس وابي سفيان ، وهما يحثانه على قبول البيعة ، فيقول : « شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة وعرجوا عن طريق المناظرة ، وضعوا عن تيجان المفاخرة » .
وكأنه في كلامه هذا يحس منهما إذ دعواه لهذا الامر الانفة من الخضوع لاخي تيم ، و( تيم ) على حد تعبير أبي سفيان أقل حي في قريش ، فهما ينظران إلى الامر من ناحيته القبلية ، والعصبية الجاهلية . أما فقهه هو فكما قال من كتاب له في جواب معاوية في خصوص هذا الامر : « وما على المسلم من غضاضة في ان يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه » ، وهو غير فقههما فان العباس مشى إليه أبو بكر وجماعة ليلا ، لما عرفوا موقفه ، فأطمع في الخلافة له ولولده ، بعد نقاش انتهي بالاعراض عن النزاع . واما ابو سفيان فقد نقل ابن أبي الحديد ( 1 : 30 ) وغيره ان عمر كلم ابا بكر فقال إن ابا سفيان قد قدم وانا لا نأمن شره ، فدفع له ما في يده فتركه ، وكان أبو سفيان قد بعث قبل وفاة النبي على الصدقات .


( 155 )


ثم لنفترض ثانيا أنه ما كان ليقتل لو ناهض القوم ولكن مع ذلك فالصبر على ترك حقه كان أحجى وأجدر لان منازعتهم كانت ـ لاشك ـ تجر إلى الفتنة وتبعث على الفرقة ، والاسلام بعد لم يتغلغل في نفوس العرب ولم يضرب جرانه في الجزيرة ، وقد أشرأبت الاعناق للانتقاض عليه .
فهو إذ وطن نفسه على ما هو أمر من طعم العلقم كما يقول بالتنازل عن حقه ، كان يخاف ويخشى ، ولكن لا على الحياة ـ وهو هو إبن أبي طالب في شجاعته واستهانته بالحياة ، الذي كان يقول : والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها ـ بل كان خوفه على الدين من التصدع وعلى جامعته من التفرق ، فسالم إبقاء لكلمة الاسلام واتقاء للخلاف والشقاق في صفوف المسلمين فيرتدوا جميعا على أعقابهم ، والمفروض ليس عنده القوة الكافية لاظهار كلمة الحق وإقامة السلطان .
وهو يشير إلى هذا الخوف فيما يقول في هذا الصدد من خطبته في النهج : « ما شككت في الحق مذ رأيته . لم يوجس موسى عليه السلام خيفة على نفسه . اشفق من غلبة الجهال ودول الضلال . اليوم توافقنا على سبيل الحق والباطل من وثق بماء لم يظمأ » . فهو في هذه الكلمة يتأسى بموسى عليه السلام إذ رموه بالخيفة ولكن فرقا بين الخوف على الحياة والخوف من غلبة الباطل : وهذا أفضل تفسير لقوله تعالى : « فأوجس في نفسه خيفة » وفيه تبرئة لنبي الله من الوهن والشك وما أدق



( 156 )


معنى كلمة « من وثق بماء لم يظمأ » بعد تقديم قوله : « ما شككت في الحق مذ رأيته » وقد رأى الحق وهو إبن عشر سنين ! .
ويوضح لنا ذلك جوابه المشهور لابي سفيان لما جاءه مستفزا على أبي بكر وهو يقول : « فو الله لئن شئت لاملؤها خيلا ورجلا » وأنت تعرف ما قال له الامام أنه قال : « أنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة وأنك والله طالما بغيب للاسلام شرا لا حاجة لنا في نصيحتك » ما أعظم هذه الصرامة والصراحة منه لمن يريد أن يبذل نفسه وقومه في ظاهر الحال ناصرا ومعينا على خصومه وهو يشكو فقد الناصر . نعم أن الدين الذي بذل له مهجته كان عنده فوق جميع الاعتبارات ، وإن استهان به غيره ، وقد رأينا أبا سفيان كيف أسرع في الرجوع عن وعده ووعيده لما تركوا له ما في يده . وأمير المؤمنين قد صرح بغرضه هذا بعد ذلك في جوابه الذي أشرنا إليه عن كتاب معاوية كما في النهج والعقد الفريد إذ قال عن إبائه على أبي سفيان : « حتى كنت أنا الذي أبيت لقرب عهد الناس بالكفر مخافة الفرقة بين أهل الاسلام » .

 

4 ـ سلوكه مع الخلفاء

اما وقد تركنا الامام يغضي عن حقه ويقرر بالاخير خطة


( 157 )


الصبر على ما فيها من قذى وشجى فماذا تراه يتخذ من خطة في سياسته وسلوكه مع الخلفاء : أيستسلم فيسرع إلى بيعتهم كسائر الناس ويعمل لهم كما يعمل باق المسلمين أم يسلك بقدر ما تسمح به الضرورة وتقتضيه المصلحة للدين ؟
قد ابى بعض المؤرخين من القدماء والمحدثين إلا ان يصور الامام مسالما إلى أبعد حدود المسالمة ، فيسرع إلى البيعة عن طيبة خاطر ورضى بمن نصب لها ، ولكن البحث الصحيح يأبى علينا أن نسلم بهذا التسرع في النقل أو الحكم : فقد ثبت تأريخيا ان عليا لم يبايع ابا بكر إلا بعد موت فاطمة بضعة الرسول ، وفي تقدير ابن الاثير في تاريخه والبخاري ومسلم في صحيحهما وغيرهم انه ستة أشهر ، وفي كل هذه المدة هو جليس بيته لم يشترك في جماعة ولا جمعة ولا أمر ولا نهي ولم يسمع له صوت في حروب الردة وغيرها . واكثر من ذلك كان يطرق ابواب الانصار واهل السوابق ليلا حاملا معه فاطمة والحسنين يدعوهم إلى نفسه ويذكرهم عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهذا ما جعله معاوية من ذنوبه في كتابه السابق الذكر ، ثم انه كان يقرعهم بالحجة وينير لهم طريق المحجة ذلك قوله المتقدم : « فلما قرعته بالحجة » .
وهل يظن الظان انه كان يحاول في هذا العمل ان يتحولوا في البيعة وان يتركوا ما ابرموه وهو الذي اسدل دونها


( 157 )


ثوبا وطوى عنها كشحا ورأى الصبر على ذلك احجى وهو الذي يدعوه العباس وابو سفيان إلى البيعة فيأبي ؟ ان هذا الاباء وذاك الصبر لا يجتمعان مع تلكم المحاولة والدعوة إلى نفسه ما لم يكن يرمي الامام من وراء ذلك إلى غرض أسمى مما يظن ، انه كان يقيم الحجة في عمله على اولئك الناس ويفهمهم خطأهم فيما ارتكبوا وتنكبهم عن الحق فيما اسرعوا والى ذلك يشير فيما قال : « اللهم انت تعلم انه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شيء من فضول الطعام ولكن لنرد المعالم في دينك ونظهر الصلاح في بلادك » .
ويؤخذ من طيات التأريخ انه لم تأخذه هوادة في الدعاية والدعوة إلى مبدئه اظهارا لحقه واقامة للحجة على سواه ، فلا ينكر التأريخ اجتماع اصحابه عنده طيلة ايام انعزاله ، فيعتبره الطرف الآخر كمؤامرة يحاول ابطالها خشية توسعها ، فيرسل من يفرق القوم المجتمعين فيجتمعون . ولا ينكر التأريخ ايضا تطوافه على الانصار واهل السوابق كما قدمنا . ولا ينكر عدم اشتراكه في جمعة ولا جماعة ، وهو احرص على الشعائر الدينية والواجبات الالهية من أن يجرأ مجترئ على اتهامه بالمسامحة فيها .
وهذه المقاطعة وما إليها اعلان صريح برأيه فيما عليه القوم ولذا نرى الخليفة ابا بكر يتذمر من موقف الامام


( 159 )


فعرض فيه من خطبة : « يستعينون بالضعفة ويستنصرون بالنساء كأم طحال احب اهلها إليها البغي إلا اني لو اشاء ان أقول لقلت ولو قلت لبحت . اني ساكت ما تركت » . وفي هذا تخوف مما يظن انه سيقع وتهديد باذاعة أمر مكتوم . ما أدري ـ ولا أظن أحد يدري اليوم ـ أي شيء هذا الامر الذي يهدد الخليفة بافشائه ، والظنون تذهب ولا تقف على شيء معين !
وزبدة المخض : انا نفهم من كل ذلك ان خطة الامام في حياة فاطمة كانت المقاطعة والدعوة إلى مبدئه وان يقعد حجزة الضنين ـ على تعبير فاطمة نفسها ـ معتزا بوجودها ، وقد جاهدت معه في هذا المضمار جهادا له الاثر فيما بعد في تركيز مقام الامام في ذهنية المجتمع الاسلامي . ولا ننسى خطبتها البليغة التي يرن صداها إلى اليوم .
ولذا نراه بعد وفاتها يبدل خطته ، فبايع ، ويبايع معه اهل بيته واصحابه ، ويدخل فيما يدخل فيه القوم . ولكن إلى حد محدود بقدر ما تحكم به الضرورة الدينية للاحتفاظ بالجامعة الاسلامية .
لنسمعه يحدثنا هو عن تبديل خطته في كتابه إلى اهل مصر : « فأمسكت يدي ، حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه وآله ،


( 160 )


فخشيت ان لم انصر الاسلام وأهله ان أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به علي اعظم من فوت ولايتكم . . » .
ولم تكن نصرته للاسلام وأهله إلا بسكوته عن حقه ومتابعته للقوم ، ونصيحته لهم في مواقع النصح ، وإلا فلم يشترك معهم في طعنة رمح ولا ضربة سيف في جميع المواقف إلى يوم بويع بالخلافة .
وماذا يظن الظان في من جاهد وجالد في سبيل الاسلام عشرين عاما ، وفي كل هذه المدة كان سيفه يقطر من دماء المشركين ، ولم تثر حرب إلا وهو ابن بجدتها ، وحامل لوائها ، ومقطر أبطالها والمقذوف في لهواتها ؟ ماذا يظن الظان فيه عندما يجلس جلس البيت عن هذا الدين الذي قام بسيفه ، وقد تألبت العرب عليه واشرأبت اعناق النفاق ؟ والجهاد فرض من فروض الاسلام ، أكان ذلك زهدا في الجهاد وتواكلا عن الواجب ، أم ماذا ؟ أهناك غير ما نقول من رأيه في المقاطعة إلا ما تدعو إليها ضرورة المحافظة على الجامعة .
وقد يقول القائل : ان الخلفاء هم الذين لم يدعوه إلى الدخول معهم في الحروب والاشتراك في الحكم لمصلحة يرونها ، وما كان يجب عليه ان يقدم نفسه متبرعا ، كما لم يدع إلى ذلك جميع الهاشميين ، ولم يسمع ان هاشميا اشترك قائدا في حرب أو حكم في عهد الخلفاء الثلاثة . ويشهد لذلك


( 161 )


المحاورة (1) بين الخليفة عمر بن الخطاب وابن عباس حينما يدعوه إلى العمل في حمص ، فيقل لابن عباس : « وفي نفسي شيء لم أره منك وأعياني ذلك » ثم يصرح بذلك الشيء : « اني خشيت ان يأتي علي الذي هو آت وأنت في عملك فتقول : هلم إلينا ولا هلم اليكم دون غيركم اني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل الناس وترككم » .
فيقول ابن عباس : فلم نراه فعل ذلك ؟
فقال عمر : والله ما أدري اضن بكم عن العمل ، فأهل ذلك انتم ، أم اخشى ان تبايعوا بمنزلتكم منه ، فيقع العقاب ولا بد من عتاب ؟
وعندئذ يمتنع ابن عباس عن قبول العمل ويقول : ان اعمل لك وفي نفسك ما فيها لم ابرح قذى في عينيك .
أليست هذه المحاورة شاهدة على ان الخلفاء هم الذين كانوا يمتنعون عن استعمال بني هاشم خوف ان يستغلوا مناصبهم للدعوة إلى أنفسهم ؟
وللمجيب ان يجيب ، فيقول : ان امتناع الخلفاء عن استعمال علي وبني هاشم ـ ان صح ـ فهو دليل آخر على سيرة الامام معهم ، واستعماله خطة يخشون معها ان يأخذ وقومه ناصية الامر ان تولوا عملا من الاعمال . على انا لا
____________
(1) راجع مروج الذهب ( 1 : 427 ) .


( 162 )


نعدم شاهدا على ان عليا هو الذي كان يمتنع عن قبول اعمالهم ، فلنستمع إلى الحديث الذي جرى بين الخليفتين عمر وعثمان .
يشير عثمان على عمر : « ابعث رجلا ـ أي لحرب فارس ـ له تجربة بالحرب ومضر بها .
عمر : من هو ؟
عثمان : علي بن أبي طالب !
عمر : فالقه وكلمه وذاكره ذلك ، فهل تراه مسرعا إليه ؟
فيخرج عثمان . ويلقى عليا ، فيذاكره فيأبى علي ذلك ويكرهه » .
تأمل استفهام عمر وشكه في قبول علي ، ثم امتناع علي وكراهيته للامر ! وما نستنتج من ذلك ؟
من هذا وامثاله نعرف ماذا كان علي عليه السلام يتبع في سيرته مع القوم ، وما كان يجري عليه في معاملته معهم ، حتى كان يخفت صوته في جميع الحروب والمواقف ، وكأنه ليس من المسلمين أو ليس موجودا بينهم ، وهو منهم في الرعيل الاول ، اللهم إلا صوته إذا استشير ونبراس علمه إذا استفتي ، حتى اشتهر عن عمر كلمته « لولا علي لهلك عمر » أو « لا كنت لمعضلة ليس لها ابو الحسن » .


( 163 )


وتتبع استشاراته واحكامه في كثير من الوقائع يخرج بنا إلى موضوع آخر يحتاج إلى كتاب آخر .

انتهى
29 جمادى الاولى 1368 هـ