|
الصحابة عند اهل السنة
يقول البخاري: من صحب النبي او رآه من المسلمين فهو
من
اصحابه(322).
ويعلق ابن حجر قائلا: يعني ان اسم صحبة النبي صلى
اللّه عليه
و آله وسلم مستحق لمن صحبه اقل ما يطلق عليه اسم
صحبة
لغة وان كان العرف يخص ذلك ببعض الملازمة. ويطلق
ايضا
على من رآه رؤية ولو عنبعد. وهذا الذي ذكره
البخاري هو
الراجح الا انه هل يشترط في الرائي ان يكون بحيث
يميز ما رآه
ام يكتفي بمجرد حصول الرؤية؟ محل نظرهم ومنهم من
بالغ
فكان لا يعد في الصحابة الا من صحب الصحبةالعرفية
وكذلك
روي عن سعيدبن المسيب انه كان لا يعد من اقام مع
النبي
صلى اللّه عليه و آله وسلم سنة فصاعدا او غزا معه
غزوة فصاعدا.
والعمل على خلاف هذا القول لانهم اتفقوا على عد جمع
جم
منالصحابة لم يجتمعوا بالنبي صلى اللّه عليه و
آله وسلم الا
في حجة الوداع. ومن اشترط الصحبة العرفية اخرج من له
رؤية
او من اجتمع به لكن فارقه عن قرب. ومنهم من اشترط في
ذلك ان يكون حين اجتماعه بهبالغا وهو مردود ايضا
لانه يخرج
مثل الحسنبن علي ونحوه من احداث الصحابة. والذي
جزم به
البخاري هو قول احمد والجمهور من المحدثين ويرد على
التعريف من صحبه او رآه مؤمنا به ثم ارتد بعد ذلك
ولميعد الى
الاسلام فانه ليس صحابيا اتفاقا فينبغي ان يزاد فيه
اي في
قول البخاري (ومات على ذلك). فلو ارتد ثم عاد الى
الاسلام لكنه لم يره ثانيا بعد عوده فالصحيح انه
معدود في
الصحابة لاطباق المحدثين علىعد الاشعثبن قيس
ونحوه
ممن وقع له ذلك واخراجهم احاديثهم في المسانيد. اما
الجن
فالراجح دخولهم لان النبي بعث اليهم قطعا وهم
مكلفون
فيهم العصاة والطائعون فمن عرف اسمه منهم لا ينبغي
الترددفي ذكره في الصحابة. واما الملائكة فيتوقف
عدهم فيهم
على ثبوت بعثته اليهم فان فيه خلافا بين الاصوليين
حتى نقل
بعضهم الاجماع على ثبوته وعكس بعضهم، وهذا كله فيمن
رآه
وهو في قيد الحياة الدنيوية امامن رآه بعد موته
وقبل دفنه
فالراجح انه ليس بصحابي(323).
وقد نقل ابن حجر قول شيخ البخاري عليبن المديني:
من
صحب النبي صلى اللّه عليه و آله وسلم او رآه ولو
ساعة من نهار
فهو من اصحاب النبي(324).
وقال القاضي الباقلاني: ان الصحبة لا يوصف بها الا
من كثرت
صحبته واتصل لقاؤه ولا يجري هذا الوصف على من لقي
النبي
ساعة ومشى معه خطا او سمع منه حديثا(325).
ويقول الغزالي: اعلم ان للناس في الصحابة والخلفا
اسرافا في
اطراف. فمن مبالغ في الثنا حتى يدعي العصمة للائمة،
ومنهم متهجم على الطعن يطلق اللسان في ذمة الصحابة.
فلا
تكونن من الفريقين واسلكطريق الاقتصاد في
الاعتقاد. واعلم
ان كتاب اللّه تعالى مشتمل على الثنا على المهاجرين
والانصار
وتواترت الاخبار بتزكية النبي صلى اللّه عليه و آله
وسلم اياهم.
فينبغي ان تستعمل هذا الاعتقاد في حقهم ولا
تسىءالظن
بهم(326).
ويقول ابن حجر: واصح ما وقفت عليه من ذلك ان الصحابي
من لقي النبي صلى اللّه عليه و آله وسلم مؤمنا به
ومات على
الاسلام فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له او
قصرت،
ومن روى عنه او لم يرو، منغزا معه او لم يغز، ومن
رآه رؤية
ولو لم يجالسه ومن لم يره لعارض كالعمى. ويدخل في
قولنا
مؤمنا به كل مكلف من الجن والانس. واتفق اهل السنة
على ان
الجميع عدول ولم يخالف في ذلك الا شذوذ
منالمبتدعة(327).
ويقول ابن الاثير: والصحابة يشاركون سائر الرواة في
جميع
ذلك الا في الجرح والتعديل فانهم كلهم عدول لا
يتطرق
اليهم الجرح لان اللّه عز وجل زكاهم وعدلهم وذلك
مشهور لا
نحتاج لذكره(328).
ويقول ابن عبد البر: فهم خير القرون وخير امة اخرجت
للناس
ثبتت عدالة جميعهم بثنا اللّه عز وجل عليهم وثنا
رسول اللّه
صلى اللّه عليه و آله وسلم ولا اعدل ممن ارتضاه
اللّه بصحبة
نبيه ونصرته ولا تزكيةافضل من ذلك ولا تعديل اكمل
منها.
قال تعالى: (محمد رسول اللّه والذين معه اشد ا على
الكفار
رحما بينهم) الاية(329).
ويقول الطحاوي: ونحب اصحاب رسول اللّه صلى اللّه
عليه و آله
وسلم ولا نفرط في حب احد منهم. ولا نتبرا من احد منهم
ونبغض من يبغضهم وبغير الحق يذكرهم، ولا نذكرهم الا
بخير
وحبهم دين وايمانواحسان وبغضهم كفر ونفاق
وطغيان(330).
ويقول ابن تيمية: ومن اصول اهل السنة والجماعة
سلامة
قلوبهم والسنتهم لاصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه
و آله
وسلم. ويقبلون ما جا في الكتاب والسنة والاجماع من
فضائلهم ومراتبهم(331).
ويقول السفاريني: والذي اجمع عليه اهل السنة
والجماعة انه
يجب على كل واحد تزكية جميع الصحابة باثبات العدالة
لهم
والكف عن الطعن فيهم والثنا عليهم. والاعتقاد
بنزاهتهم
وانهم افضل جميع الامة بعدنبيهم. هذا مذهب كافة
الامة ومن
عليه المعول من الائمة(332).
ويقول ابن الصلاح: للصحابة باسرهم خصيصة وهي انه لا
يسال
عن عدالة احد منهم. بل ذلك امر مفروغ منه لكونهم على
الاطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة والاجماع(333).
ويفسر اهل السنة المقصود بالعدالة بقولهم: تفصيله
ان يكون
مسلما بالغا عاقلا سالما من اسباب الفسق وخوارم
المروءة(334).
ويقول ابن حجر: والمراد بالعدل ملكة تحمله على
ملازمة
التقوى والمروءة والمراد بالتقوى اجتناب الاعمال
السيئة من
شركة او فسق او بدعة(335).
وقال ابن عابدين: العدل من يجتنب الكبائر كلها حتى
لو ارتكب
كبيرة تسقط عدالته وفي الصغائر العبرة بغلبه او
الاصرار على
الصغيرة فتصير كبيرة. وتعود اليه عدالته اذا تاب(336).
وروى ابو عروة الزبيري من ولد الزبير: كنا عند
مالكبن انس
فذكروا رجلا ينتقص من اصحاب رسول اللّه صلى اللّه
عليه و آله
وسلم فقرا مالك هذه الاية (محمد رسول اللّه والذين
معه)
حتى بلغ (يعجب الزراعليغيظ بهم الكفار) فقال مالك:
من
اصبح من الناس في قلبه غيظ على احد من اصحاب رسول
اللّه
صلى اللّه عليه و آله وسلم فقد اصابته هذه الاية(337).
وقال القرطبي: لقد احسن مالك في مقالته واصاب في
تاويله
فمن نقص واحدا منهم او طعن عليه في روايته فقد رد
على
اللّه رب العالمين وابطل شرائع المسلمين(338).
ويروى عن الرسول صلى اللّه عليه و آله وسلم: (ان
اللّه اختار
اصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين واختار
لي من
اصحابي اربعة يعني ابا بكر وعمر وعثمان وعليا
فجعلهم
اصحابي)(339).
وقال الامدي في الاحكام: اتفق الجمهور من الائمة
على عدالة
الصحابة، وقال قوم: حكمهم في العدالة حكم من بعدهم
في
لزوم البحث عن عدالته عند الرواية.
ويقول القرطبي: فالصحابة كلهم عدول. اوليا اللّه
تعالى
واصفياؤه وخيرته من خلقه بعد انبيائه ورسله، هذا
مذهب اهل
السنة والذي عليه الجماعة من ائمة هذه الامة. وقد
ذهبت
شرذمة لا مبالاة بهم الى ان حالالصحابة كحال
غيرهم فيلزم
البحث عن عدالتهم.
ومنهم من فرق بين حالهم في بد اة الامر. فقال: انهم
كانوا
على العدالة اذ ذاك ثم تغيرت بهم الاحوال فظهرت
فيهم
الحروب وسفك الدما فلا بد من البحث. وهذا مردود ولا
يجوز
ان ينسب الى احد من الصحابةخطا مقطوع به اذ كانوا
كلهم
اجتهدوا فيما فعلوه وارادوا اللّه عز وجل. وهم كلهم
لنا ائمة،
وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم والا نذكرهم الا
باحسن
الذكر لحرمة الصحبة ولنهي النبي صلى اللّه عليه و
آله وسلم
عنسبهم وان اللّه غفر لهم واخبر بالرضا عنهم.
ومن اصحابنا من قال: ان سبيل ما جرت بين الصحابة من
المنازعات كسبيل ما جرى بين اخوة يوسف مع يوسف. ثم
انهم
لم يخرجوا بذلك عن حد الولاية والنبوة فكذلك الامر
فيما
جرى بين الصحابة، وقد سئلالحسن البصري عن قتالهم
فقال:
قتال شهده اصحاب محمد صلى اللّه عليه و آله وسلم
وغبنا
وعلموا وجهلنا واجتمعوا فاتبعنا. واختلفوا فوقفنا(340).
وقد استند اهل السنة في رؤيتهم هذه الى عدة نصوص من
القرآن والاحاديث منها قوله تعالى: (كنتم خير امة
اخرجت
للناس) «آل عمران /110».
وقوله: (وكذلك جعلناكم امة وسطا) «البقرة/143».
وقوله: (لقد رضي اللّه عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت
الشجرة
فعلم ما في قلوبهم) «الفتح / 18».
وقوله: (والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار
والذين
اتبعوهم باحسان رضي اللّه عنهم ورضوا عنه)
«التوبة/100».
وقوله تعالى: (يا ايها النبي حسبك اللّه ومن اتبعك
من
المؤمنين) «الانفال /64».
وقوله تعالى: (للفقر ا المهاجرين الذين اخرجوا من
ديارهم
واموالهم يبتغون فضلا من اللّه ورضوانا وينصرون
اللّه ورسوله
اولئك هم الصادقون) «الحشر/8».
ومن النصوص النبوية:
قول الرسول صلى اللّه عليه و آله وسلم: (خير القرون
قرني ثم
الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)(341).
وقوله: (لا تسبوا اصحابي فان احدكم لو انفق مثل احد
ذهبا ما
بلغ مد احدهم ولا نصفه)(342).
وقوله: (اللّه اللّه في اصحابي لا تتخذوهم غرضا
بعدي)(343).
وقوله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفا الراشدين
المهديين من
بعدي عضوا عليها بالنواجذ)(344).
ومثل ما يقال حول الصحابة عند اهل السنة يقال مثله
عن
امهات المؤمنين زوجات النبي. ومثلما جعلوا افضل
الصحابة ابو
بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. جعلوا الاضو ا مركزة على
عائشة
من دون بقية ازواج النبيصلى اللّه عليه و آله وسلم
واعتبروها
حاملة علم الرسول(345).
ولاجل هذه النظرية القدسية التي ينظر بها اهل السنة
للصحابة
وهذا التنزيه المطلق لهم اعتبروهم مصدرا من مصادر
التلقي
وقدموهم على النصوص بل اخضعوا النصوص لهم.
ومثال ذلك اجتهادات عمر على النصوص واخضاعها لفهمه وحصرها في رايه(346).
ومثال ذلك ايضا النصوص الواردة في ردتهم وفسقهم
وبغيهم
فهذه النصوص قد تم تاويلها وتطويعها بحيث لا تمس
الصحابة
ولا تشكك فيهم ولا تهز صورتهم(347).
ومن هنا تحولت اقوال الصحابة وممارساتهم الى نصوص
تتعبد
بها الامة خاصة مواقف ابن عمر واقواله(348).
ولقد ساد في واقع الامة هذا الراي الذي تبنته جماعة
اهل
السنة حول الصحابة بينما ضرب الراي الاخر ونبذ وهو
من
داخل الجماعة، بعد ان دعم الحكام هذا الراي لكونه
يخدم
مصالحهم ويتيح لهم فرصة استثماركثير ممن يدخل ضمن
هذا التعريف ممن لا يستحقون درجة الصحبة ليروي باسم
الرسول صلى اللّه عليه و آله وسلم الروايات التي
تضفي
المشروعية على سياساتهم وممارساتهم وانظمتهم
وتفرض
علىالجماهير طاعتهم(349).
وعلى هذا الاساس طغى الرجال على النصوص واصبح الحق
يعرف بهم لا يعرف بالنصوص واعتبر القوم المساس بهم
مساسا
بالنصوص.
من هذا اعتبرت قضية الصحابة عند اهل السنة قضية
بالغة
الحساسية فقد ارتبط بها الدين كله واي محاولة للطعن
فيهم
تعتبر طعنا في الدين.
|