|
قال :
وللشيعة في تكفير الاوّل والثاني صراحة
شديدة، ومجازفات طاغية(36).
إلى آخر إرجافه.
* *
*
زعم
أنّ لهم في لعنهما عبارات ثقيلة شنيعة(37).
إلى آخر عدوانه.
فأقول :
ليس هذا الرجل أوّل من رمى الشيعة بهاتين
المسألتين، ولا نحن أوّل من ناقش في ذلك، وقد
أكل الدهر على هذه الاُمور وشرب، فالتحريش
بمثل هذه المسائل ليس إلاّ إيقاظاً للفتنة
الراقدة، وإيقاداً للحرب الخامدة ( وتفريقاً بين
المؤمنين وإرصاداً لِمَنْ حاربَ اللّه
وَرَسُوله مِنْ قَبل ولَيحلِفُنَّ إنْ
أَرَدنا إلاّ الحُسنى واللّه يَشهدُ
إِنَّهُمْ لكاذبونَ )(38).
وأيّ
فائدة للاُمّة في هذا البوق يجأر فيه المرجف
بأنكر الاصوات ؟ وأيّ عائدة من هذا الطنبور
ونغمه المزعج، وقد تقطّعت أوتاره بتقادم عهده ؟
وطول ما وقعت عليه أجيال المرجفين، وقد كان
لبني أبي سفيان وبني مروان وأوليائهم قدم في
هذه الدعاية وهم أهل السطوة، وأهل الحول
والقوّة، وأهل الطول والثروة، وأهل المكر
والنكرة، وأهل الخداع والحيلة،
وقد سخّروا كلّ ما لديهم في تعريض هذه المسائل
وتطويلها ( فَمَا رَبِحَتْ تجِارَتهُمْ وَمَا
كَانُوا مُهتَدِينَ )(39).
والشيعة كانوا حيال ذلك كالجبل الاشمّ، لا
يحفل بالعواصف، ولا يأبه بالقواصف.
هذا
والعصر مظلم، والحياة مهدّدة، أمّا اليوم
فنور وحرّية يأبيان ذلك كلّ الاباء، وما على
الشيعة لو جابهت النواصب بالحقيقة الناصعة،
وأدلّتها القاطعة، ولعلّ النواصب يضطرّوننا
إلى هذا.
رأيت
الحلمَ دلّ عليّ قومي وقد يُتجهّل الرجلُ الحليمِ
أستغفر
اللّه، إنّ المسلمين إلى المسالمة أحوج منهم
إلى الملاكمة، وما أغنانا عن استعراض مثل هذه
المسائل المثيرة عوناً في المعارك الفكريّة
التي لا تحمد عقباها، وقد أعذر من أنذر.
على
أنّ هاتين المسألتين ـ مسألتي التكفير
واللعن ـ ممّا لا وزن له عند أهل السنّة لو
رجعوا إلى أُصول مذهبهم الاشعري، لان الايمان
عندهم عقد بالقلب لا ينافيه شيء ممّا يلفظه
اللسان، حتى شتم اللّه تعالى ورسوله، كما نصّ
عليه ابن حزم في كتابه الفِصَل، حيث نسب إلى
إمام أهل السنّة أبي الحسن علي بن اسماعيل
الاشعري وأصحابه القول بأنّ الايمان عقد
بالقلب، وإن أعلن الكفر بلسانه بلا تقيّة،
وعبد الاوثان، أو لزم اليهوديّة أو
النصرانيّة في دار الاسلام، وعبد الصليب،
وأعلن التثليث في دار الاسلام، ومات على ذلك
فهو مؤمن كامل الايمان عنداللّه عزّ وجّل،
وليّ للّه عزّ وجلّ من أهل الجنّة! هذا كلامه
بعين لفظه(40).
وقال
أيضاً : وأمّا الاشعريّة، فقالوا : إن
شتم من أظهر(41)
الاسلام للّه تعالى ولرسوله بأفحش ما يكون من
الشتم وإعلان التكذيب بهما باللسان بلا تقيّة
ولا حكاية، والاقرار بأنّه يدين بذلك ليس شيء
من ذلك كفراً(42).
انتهى بعين لفظه.
نقل
في الصفحة نفسها عن الاشاعرة القول بأنّ من
عرف الحقّ من اليهود والنصارى المعاصرين
لرسول اللّه، فاعتقد بأنّه رسول اللّه حقّاً،
ثمّ كتم ذلك وتمادى في الجحود، وإعلان الكفر،
فحارب النبيّ في خيبر وغيرها، فهو مؤمن عند
اللّه، وليّ للّه تعالى من أهل الجنّة(43).
قلت :
ما عسى بعد هذا أن يقول المرجف بالشيعة مع
علمه بما انعقدت عليه قلوبهم، واعتقدته
ضمائرهم، ولهجت به ألسنتهم، ونبضت به
شرايينهم; فخالط دمهم ومخّهم، ونبت عليه
لحمهم، وأشتدّ عظمهم، ودانت به جوارحهم من
الايمان باللّه وحده، والتصديق بما جاءت به
رسله، وهبطت به ملائكته، ونزلت به كتبه؟
ولو
فرض أنّ في الشيعة جماعة يُكفّرون، أو يلعنون
الذين ذكرهم هذا المرجف، فإنّهم إنّما نزلوا
في ذلك على حكم الادلّة الشرعيّة، وهبها
شبهاً لكنّها توجب العذر لمن غلبت عليه;
لانّها لا تعدو الكتاب والسنّة، وقد أوجبت
لهم القطع الجازم بما صاروا إليه، فهم
معذورون ومأجورون بحكم ما سمعته من النصّ
والفتوى(44)،
وقد قال ابن حزم في الفصل، ما هذا لفظه: وأما
من سبّ أحداً من الصحابة، فإن كان جاهلاً
فمعذور، وإن قامت عليه الحجّة، فتمادى غير
معاند فهو فاسق، كمن زنى أو سرق، وإن عاند
اللّه في ذلك ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)
فهو كافر. وقد قال عمر بحضرة النبيّ(صلى الله
عليه وآله وسلم) عن حاطب، وحاطب مهاجر بدريّ :
دعني أضرب عنق هذا المنافق. فما كان عمر
بتكفيره حاطباً كافراً، بل كان مخطئاً
متأوّلاً(45).
قلت :
هذا رأي من لا تزدهفه العاطفة، ولا يستخفّه في
هذه المسألة غضب، من كلّ عالم معتدل لا يؤثر
على اتّباع الادلّة شيئاً، وابن حزم لم يكن من
هؤلاء المنصفين، لكنّ اللّه عزّ وجلّ غالب
على أَمره، والحقّ ينطق منصفاً وعنيداً. إنّ
أدلّة العقل والنقل، وشواهد الطبع والوضع،
لتثبت معذرة المتأوّلين في هاتين المسألتين
وأمثالهما، كما فصّلناه في فصولنا المهمة(46) وهو
الذي صرّح به مجتهدو الاُمة(47).
وقد
كان الصحابة على عهد رسول اللّه(صلى الله عليه
وآله وسلم) يتنازعون ويتشاتمون، فلم يؤثر عنه
في حقّهم شيء سوى الصلح بينهم. وقد تشاتموا
مرّة أمامه(صلى الله عليه وآله وسلم) وتضاربوا
بالجرائد والايدي والنعال(48) فأصلح(صلى الله عليه وآله
وسلم) بينهم، وتقاتل الاوس والخزرج على عهده(صلى
الله عليه وآله وسلم)وأخذوا السلاح وأصطفوا
للقتال(49)،
فلم يروَ عنه(صلى الله عليه وآله) إلاّ إصلاح
ذات بينهم.
وتشاتم
عمّار بن ياسر(رضي الله عنه) وخالد بن الوليد
بين يديه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأغلظ
عمّار لخالد، فغضب خالد وقال : يا رسول
اللّه أتدع هذا العبد يشتمني ؟ فواللّه لو
لا أنت ما شتمني، فقال رسول اللّه(صلى الله
عليه وآله وسلم) : يا خالد كفّ عن عمّار،
فإنّه من يسبّ عمّاراً يسبه اللّه، ومن يبغض
عمّاراً يبغضه اللّه(50)، الحديث.
وشتم
رجل أبا بكر، والنبيّ جالسٌ فجعل النبيّ(صلى
الله عليه وآله وسلم) يعجب ويبتسم، فلمّا أكثر
الشتم ردّ عليه أبو بكر بعض قوله، فغضب النبيّ(صلى
الله عليه وآله وسلم) وقام منصرفاً من المجلس،
فلحقه أبو بكر، فقال : يا رسول اللّه كان
يشتمني وأنت جالس ؟ فلمّا رددت عليه بعض
قوله غضبت وقمت، الحديث(51). وليس فيه
أن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فعل مع ذلك
الرجل أو قال له شيئاً أصلاً.
وتسوّر
على مقام أبي بكر أيّام خلافته بالشتم رجل
آخر، فقال أبو برزة الاسلمي(52) :
يا خليفة رسول اللّه دعني أضرب عنقه، فقال :
أجلس ليس ذلك لاحد إلاّ لرسول اللّه(صلى الله
عليه وآله وسلم). هذا حكم أبي بكر فيمن واجهه
بالسب، وتسوّر على مقامه بالشتم، فمن أين
نحكم بعده بالتكفير، أو نفتي بالتعزير ؟؟
واقتدى
به في ذلك عمر بن عبد العزيز إذ كتب إِليه
عامله بالكوفة يستفتيه في قتل رجل سبّ عمر بن
الخطّاب، فكتب إليه : لا يحل قتل امرئ مسلم
بسبّ أحد من النّاس، إلاّ رجلاً سب رسول
اللّه، فمن سبه(صلى الله عليه وآله وسلم) حلّ
دمه(53).
وأنت
إذا نظرت في أحوال الصحابة بعد رسول اللّه(صلى
الله عليه وآله وسلم) وجدت حروباً تشبّ،
وغارات تشنّ، وحرمات مهتوكة، ودماءً مسفوكة،
وشتماً وضرباً، وهضماً وسلباً، وحسبك :
أُقتلوا نعثلاً فقد كفر(54)، فحوصر وقتل، ثمّ كانت
وقعة الجمل الاصغر، فوقعة الجمل الاكبر
فصفّين، ثمّ كان من معاوية وأوليائه ما كان
ممّا طار في الاجواء، وطبق الارض والسماء.
فلينظر
ناظر بعقله هل كان بين هؤلاء وبين اللّه عزّ
وجلّ قرابة فيحابيهم بها ؟ كلاّ ما كان
اللّه ليثيب قوماً بأمر يعاقب عليه آخرين،
إنّ حكمه في الاوّلين والاخرين لواحد، وما
بينه عزّ وجلّ وبين أحد من خلقه هوادة في
إباحة حمى حرّمه على العالمين، فإذا كان
التأوّل عذراً للاوّلين فهو عذر للاخرين ( إنَّ في ذلك لذِكْرى لِمَن كان لَهُ
قَلبٌ أو أَلقى السّمعَ
وَهُوَ شهيدٌ )(55).
* *
*
فصل
إنّ
في سيرة الصحابة نوادر تؤيّد ما قلناه، من أنّ
الصحبة بمجرّدها ليست بعاصمة، وحسبك ما كان
من قدامة بن مظعون الصحابي إذ شرب الخمر على
عهد الخليفة الثاني، وشهد عليه بذلك أبو
هريرة الدوسي، والجارود العبدي، وهما يعلمان
أنّه أحد السابقين الاوّلين، وأنّه ممّن هاجر
الهجرتين، وأنّه من أهل بدر، فلم تمنعهما
صحبته، ولا سابقته من الشهادة عليه، ولا كان
شيء من ذلك وازعاً للخليفة عن إقامة الحدّ
عليه إذ جلده ثمانين(56).
وشهد
أبو بكرة وهو من فضلاء الصحابة، ونافع بن
الحرث وهو من الصحابة أيضاً، وشبل بن معبد(57)،
وزياد بن عبيد ـ وهم اخوة لامّ ـ شهدوا
جميعاً عند الخليفة الثاني على المغيرة بن
شعبة بالزنى، في محصنة الحجّاج بن عتيك
الجشمي; وهي أمّ جميل بنت عمرو، في قضيّة
ثابتة(58)
هي من أشهر الوقائع التأريخية، فما أنكر
عليهم أحد بشهادتهم على الصحابي بالفاحشة،
ولا ردّ الخليفة شهادتهم من حيث أنّها توجب
رجم الصحابي، وحين تلكّأ الشاهد الرابع وهو
زياد أمر الخليفة بجلد كلّ من الشهود
الثلاثة، ثمانين جلدة، ولم تكن صحبة أبي بكرة
ونافع وازعة للخليفة عن جلدهما حدّ القذف.
وقال
عمر لابي هريرة مرّة : يا عدوّ اللّه، وعدوّ
كتابه، سرقت مال اللّه، قال أبو هريرة :
فقلت : ما أنا بعدوّ اللّه، ولا عدُو كتابه،
ولكنّي عدوّ من عاداهما، ولا سرقت مال اللّه;
قال : فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف ؟ قال :
قلت : خيلي تناسلت، وعطائي تلاحق، قال :
فأمر بها أمير المؤمنين فقبضت. الحديث; أخرجه
ابن سعد في ترجمة أبي هريرة من طبقاته(59).
وقال
ابن عبد ربّه المالكي في أوائل الجزء الاوّل
من عقده الفريد(60) :
دعا عمر أبا هريرة، فقال له : هل علمت أنّي
استعملتك على البحرين، وأنت بلا نعلين، ثمّ
بلغني أنّك ابتعت أفراساً بألف دينار وستمائة
دينار، قال : كان لنا أفراس تناتجت; وعطايا
تلاحقت، قال : قد حسبت لك رزقك ومؤونتك،
وهذا فضل فأدّه، قال : ليس لك ذلك، قال :
بلى واللّه أوجع ظهرك، ثمّ قام إليه بالدرّة
حتّى أدماه، ثمّ قال : إئت بها، قال :
احتسبتها عند اللّه، قال : ذلك لو أخذتها من
حلال، وأدّيتها طائعاً، أجئت من أقصى حجر
البحرين يجبي الناس لك لا للّه ولا للمسلمين،
ما رجّعت(61) بك اميمة إلا لرعية الحمر(62).
قال
ابن عبد ربّه: وأميمة أمّ أبي هريرة.
قال :
وفي حديث أبي هريرة : لما عزلني عمر عن
البحرين، قال لي : يا عدوّ اللّه، وعدوّ
كتابه، سرقت مال اللّه، قال : فقلت : ما
أنا عدوّ اللّه، ولا عدوّ كتابه، ولكنّي عدوّ
من عاداك، وما سرقت مال اللّه، قال : فمن
أين اجتمعت لك عشرة آلاف ؟ قلت : خيل
تناتجت، وعطايا تلاحقت، وسهام تتابعت، قال
فقبضها منّي فلمّا صليت الصبح استغفرت لامير
المؤمنين، قال لي بعد ذلك : أتعمل ؟ قلت :
لا، قال : قد عمل من هو خير منك يوسف(عليه
السلام)، قلت : يوسف نبيّ، وأنا ابن أميمة
أخشى أن يشتم عرضي، ويضرب ظهري، وينزع مالي.
قلت :
لو كان أمر الصحابة كما تعتقده العامّة ما ضرب
عمر ظهره، ولا شتم عرضه، ولا أخذ ماله.
وقتل
خالد بن الوليد مالك بن نويرة، وهما
صحابيّان، ونكح خالد من ليلته(63)زوجة
مالك اُم تميم بنت المنهال، وكانت من أجمل
نساء العرب.
ثمّ
رجع إلى المدينة وقد غرز في عمامته أسهماً،
فقام إليه عمر فنزعها وحطمها، وقال له ـ كما
في تأريخ ابن الاثير(64) وغيره ـ : قتلت امرأً
مسلماً ثم نزوت على امرأته، واللّه لارجمنّك
بأحجارك، ثمّ قال لابي بكر ـ كما في ترجمة
وثيمة بن موسى من وفيات ابن خلّكان ـ(65) :
إنّ خالداً قد زنى فارجمه، قال : ما كنت
لارجمه، فإنّه تأوّل فأخطأ، قال : إنّه قتل
مسلماً فاقتله به، قال : ما كنت لاقتله به،
إنّه تأوّل فأخطأ(66)، وودى
مالكاً من بيت المال، وفكّ الاسرى والسبايا
من آله(67).
وإنّ
هذه العجالة لتضيق عن استقصاء ما كان من هذا
القبيل من الحوادث الدالّة على أنّ الصحابة
لم يثبتوا لانفسهم من المنزلة ما أثبته لهم
المجازفون.
* *
*
نسب
إلى الشيعة القول بتحريف القرآن باسقاط كلمات
وآيات(68) الخ.
فأقول :
نعوذ باللّه من هذا القول، ونبرأ إلى اللّه
تعالى من هذا الجهل، وكلّ من نسب هذا الرأي
إلينا جاهل بمذهبنا، أو مفتر علينا، فإنّ
القرآن العظيم، والذكر الحكيم متواتر من
طرقنا بجميع آياته وكلماته، وسائر حروفه
وحركاته وسكناته، تواتراً قطعيّاً عن أئمّة
الهدى من أهل البيت(عليهم السلام)، لا يرتاب
في ذلك إلاّ معتوه; وأئمّة أهل البيت كلّهم
أجمعون رفعوه إلى جدّهم رسول اللّه(صلى الله
عليه وآله وسلم) عن اللّه تعالى، وهذا أيضاً
ممّا لا ريب فيه، وظواهر القرآن الحكيم ـ فضلاً
عن نصوصه ـ أبلغ حجج اللّه تعالى، وأقوى
أدلّة أهل الحقّ بحكم الضرورة الاوّليّة من
مذهب الاماميّة، وصحاحهم في ذلك متواترة من
طريق العترة الطاهرة، ولذلك تراهم يضربون
بظواهر الصحاح المخالفة للقرآن عرض الجدار،
ولا يأبهون بها عملاً بأوامر أئمّتهم(عليهم
السلام) .
وكان
القرآن مجموعاً أيّام النبيّ(صلى الله عليه
وآله وسلم) على ما هو عليه الان من الترتيب
والتنسيق في آياته وسوره، وسائر كلماته
وحروفه، بلا زيادة ولا نقصان، ولا تقديم ولا
تأخير، ولا تبديل ولا تغيير.
وصلاة
الاماميّة بمجرّدها دليل على ذلك; لانّهم
يوجبون بعد فاتحة الكتاب ـ في كلّ من
الركعة الاولى والركعة الثانية من الفرائض
الخمس ـ سورة واحدة تامّة غير الفاتحة من
سائر السور(69)
ولا يجوز عندهم التبعيض فيها، ولا القرآن بين
سورتين على الاحوط، وفقههم صريح بذلك، فلولا
أن سور القرآن بأجمعها كانت زمن النبيّ(صلى
الله عليه وآله وسلم)على ما هي الان عليه من
الكيفيّة والكميّة ما تسنّى لهم هذا القول،
ولا أمكن أن يقوم لهم عليه دليل.
أجل
أن القرآن عندنا كان مجموعاً على عهد الوحي
والنبّوة، مؤلّفاً على ما هو عليه الان; وقد
عرضه الصحابة على النبيّ(صلى الله عليه وآله
وسلم) وتلوه عليه من أوّله إلى آخره، وكان
جبرئيل(عليه السلام) يعارضه(صلى الله عليه
وآله وسلم) بالقرآن في كلّ عام مرّة، وقد
عارضه به عام وفاته مرّتين، وهذا كلّه من
الامور الضروريّة لدى المحقّقين من علماء
الاماميّة، ولا عبرة ببعض الجامدين منهم، كما
لا عبرة بالحشويّة من أهل السنّة القائلين
بتحريف القرآن والعياذ باللّه فإنّهم لا
يفقهون.
نعم
لا تخلو كتب الشيعة وكتب السنّة من أحاديث
ظاهرة بنقص القرآن، غير أنّها ممّا لا وزن لها
عند الاعلام من علمائنا أجمع، لضعف سندها
ومعارضتها بما هو أقوى منها سنداً، وأكثر
عدداً، وأوضح دلالة، على أنّها من أخبار
الاحاد، وخبر الواحد إنّما يكون حجّة إذا
اقتضى عملاً، وهذه لا تقتضي ذلك، فلا يرجع بها
عن المعلوم المقطوع به، فليضرب بظواهرها عرض
الحائط، ولا سيّما بعد معارضتها لقوله تعالى :
( إنّا نَحْنُ
نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنّا لَه
لَحافِظُونَ )(70).
ومن
عرف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في حكمته
البالغة ونبوّته الخاتمة، ونصحه للّه
ولكتابه ولعباده، وعرف مبلغ نظره في العواقب،
واحتياطه على أمّته في مستقبلها، يرى أنّ من
المحال عليه أن يترك القرآن منثوراً مبثوثاً،
حاشا هممه وعزائمه، وحكمه المعجزة من ذلك،
وقد كان القرآن زمن النبي(صلى الله عليه وآله
وسلم) يطلق عليه الكتاب قال اللّه تعالى : ( ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ
هُدَىً لِلْمُتَّقينَ )(71)،
وهذا يشعر بأنّه كان مجموعاً ومكتوباً، فإن
ألفاظ القرآن إذا كانت محفوظة ولم تكن مكتوبة
لا تسمّى كتاباً، وإنّما تسمّى بذلك بعد
الكتابة كما لا يخفى.
وكيف
كان فإنّ رأي المحققين من علمائنا أنّ القرآن
العظيم إنّما هو ما بين الدفّتين الموجود في
أيدي الناس، والباحثون من أهل السنّة يعلمون
منّا ذلك، والمنصفون منهم يصرّحون به، وحسبك
ممّن صرّح بهذا إمام أهل البحث والتتبّع
الشيخ رحمة اللّه الهندي فإنّه نقل كلام كثير
من عظماء علماء الاماميّة في هذا الموضوع
بعين الفاظهم(72)،
فإنّ هناك كلام المعروفين من متقدّمي علماء
الاماميّة ومتأخّريهم منقولاً عن كتبهم
المشهورة المنشورة التي يمكنكم بعد مراجعة
إظهار الحقّ أن تراجعوها أيضاً بأنفسكم
لتزدادوا بصيرة فيما نقول.
وسترون
هذا الشيخ الجليل بعد نقله كلام علماء الشيعة
حول هذا الموضوع، قد علّق عليه كلمة تبيّن كنه
مذهبهم فيه، حيث قال ما هذا لفظه : فظهر أنّ
المذهب المحقّق عند علماء الفرقة الاماميّة
الاثني عشريّة أنّ القرآن الذي أنزله اللّه
على نبيّه هو ما بين الدفّتين، وهو ما في أيدي
النّاس ليس بأكثر من ذلك، وإنّه كان مجموعاً
مؤلّفاً في عهد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله
وسلم)، وحفظه، ونقله الوف من الصحابة، وجماعة
من الصحابة، كعبد اللّه بن مسعود، وأُبي بن
كعب، وغيرهما، ختموا القرآن على النبي عدّة
ختمات، ويظهر القرآن ويشهر بهذا الترتيب عند
ظهور الامام الثاني عشر رضي اللّه عنه.
قال :
والشرذمة القليلة منهم التي قالت بوقوع
التغيير، فقولهم مردود عندهم، ولا اعتداد به
فيما بينهم.
قال :
وبعض الاخبار الضعيفة التي رويت في مذهبهم لا
يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحّته.
وقال :
وهو حقّ لانّ خبر الواحد إذا اقتضى علماً، ولم
يوجد في الادلّة القاطعة ما يدلّ عليه، وجب
ردّه على ما صرّح به ابن المطهّر الحلّي في
كتابه المسمّى بمبادئ الوصول إلى علم الاصول،
وقد قال اللّه تعالى : ( إنّا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون ).
قال :
ففي تفسير الصراط المستقيم الذي هو تفسير
معتبر عند علماء الشيعة، أي : « إنّا
لحافظون له من التحريف والتبديل والزيادة
والنقصان»(73). انتهى كلامه بعين لفظه.
ونحن
تعرّضنا للبحث عن هذا الموضوع في الفصل (11) من
فصولنا المهمّة، وفاتنا ثمّة النقل عن كتاب
كشف الغطاء، وهو من أجلّ الكتب الفقهيّة
المشهورة المنشورة، لمؤلّفه إمام
المتبحّرين، وعيلم علوم المتقدّمين
والمتأخّرين، شيخنا الاكبر الشيخ جعفر رضي
اللّه عنه، فراجع منه كتاب القرآن تجده يقول
في المبحث السابع من مباحثه : لا زيادة في
القرآن من سورة، ولا آية من بسملة وغيرها، ولا
كلمة ولا حرف، وجميع ما بين الدفّتين ممّا
يتلى كلام اللّه تعالى بالضرورة من المذهب بل
الدين وإجماع المسلمين، وأخبار النبيّ(صلى
الله عليه وآله) والائمّة الطاهرين(عليهم
السلام) .
وقال
في المبحث الثامن : لا ريب في انّ القرآن
محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديّان، كما
دلّ عليه صريح الفرقان، وإجماع العلماء في
جميع الازمان قال : ولا عبرة بالنادر وما
ورد من أخبار النقيصة تمنع البديهة من العمل
بظاهرها(74)،
إلى آخر كلامه، زاد اللّه في شرف مقامه.
هذا
رأي علماء الشيعة في القرآن، من الصدر الاوّل
إلى الان، أخذوه ـ وهو عين الصواب ـ عن
أئمّتهم، وعن أعدال الكتاب، وقد شذّ بعض
الجامدين من الشيعة(75)، فقالوا
بنقصان القرآن، محتجّين بظواهر بعض الاحاديث
التي لم يفقهوا معناها، وهي بين ضعيف ومرسل
ومأوّل، كما شذّ من قال بهذا القول من أهل
السنّة محتجّين بما أخرجه البخاري(76)وغيره،
عن عمر بن الخطاب إذ قال : إنّ اللّه بعث
محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) بالحقّ،
وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل آية
الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها فلذا رجم
رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)ورجمنا
بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل :
ما نجد آية الرجم في كتاب اللّه، فيضلّوا بترك
فريضة أنزلها اللّه.
إلى
أن قال : ثمّ إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من
كتاب اللّه أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنّه كفر
بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إنّ كفراً بكم ان
ترغبوا عن آبائكم، الحديث(77)، وهو
صحيح عندهم صريح في نقصان آية الرجم وآية
الرغبة عن الاباء.
وأخرج
مسلم وغيره عن أبي الاسود عن أبيه، قال :
بعث أبو موسى الاشعري إلى قرّاء أهل البصرة،
فدخل عليه ثلاثمئة رجل قد قرأوا القرآن، فقال :
أنتم خيار أهل البصرة وقرَّاؤهم، فاتلوه
ولايطولنَّ عليكم الامد فتقسو قلوبكم كما قست
قلوب من كان قبلكم، وإنَّا كنّا نقرأ سورة
كنّا نشبهها في الطّول والشدّة ببراءة،
فأنسيتها غير أنّي قد حفظت منها: لو كان لابن
آدم واديان من مال لا تبغى وادياً ثالثاً ولا
يملا جوف ابن آدم إلاّ التراب، وكنّا نقرأ
سورة كنّا نشبهها، بإحدى المسبّحات،
فأنسيتها غير أنّي حفظت منها: يا أيّها الذين
آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في
أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة(78). انتهى بلفظه. والحديث صحيح
عندهم صريح في نقصان سورتين طويلتين كما لا
يخفى.
وأخرج
الامام الطبري في تفسيره قوله تعالى : ( فَمَا استَمتَعْتُم
به مِنهُنَّ فآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ )(79) من
أوائل الجزء الخامس من تفسيره الكبير
بالاسناد إلى كلّ من أُبيّ بن كعب، وابن
عبّاس، وسعيد بن جبير، والسديّ، إنّهم كانوا
يقرأونها: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى
فآتوهن أجورهن(80).
وأرسل
الزمخشري في كشّافه هذه القراءة عن ابن عبّاس
ارسال المسلّمات(81).
وذكر
الرازي في تفسير الاية أنّه روي عن أُبيّ بن
كعب أنّه كان يقرأ: فما استمتعتم به منهنّ إلى
أجل مسمّى فآتوهن أجورهن، قال : وهذا أيضاً
هو قراءة ابن عبّاس، قال : والائمّة ما
أنكروا عليهما في هذه القراءة، قال : فكان
ذلك اجماعاً من الامّة على صحّة هذه القراءة(82).
قلت :
هذا كلامه بعين لفظه فراجعه في ص 201 من الجزء 3
من تفسيره الكبير، ونقل القاضي عياض عن
المازري ـ كما في أول باب نكاح المتعة من
شرح صحيح مسلم للعلاّمة النّووي ـ : أنّ
ابن مسعود قرأ: فما استمتعتم به منهنّ إلى
أجل، والسنن في ذلك كثيرة وهي صحيحة صريحة في
النقصان(83).
وأخرج
البخاري من طريقين عن الاعمش عن إبراهيم، قال :
قدم أصحاب عبداللّه ـ ابن مسعود ـ على أبي
الدرداء ـ وهو في الشام ـ فطلبهم فوجدهم، فقال :
أيّكم يقرأ عليَّ قراءة عبداللّه، فقالوا :
كلّنا، قال : فأيّكم يحفظ ؟ فأشاروا إلى
علقمة، قال : كيف سمعته يقرأ: والليل إذا
يغشى ؟ قال علقمة : والذَّكر والاُنثى،
قال : اشهد انّي سمعت النّبيّ(صلى الله عليه
وآله وسلم) يقرأ هكذا وهؤلاء يريدوني على أن
اقرأ: وما خلق الذّكر والاُنثى واللّه لا
أتابعهم، فقرأت: والليل إذا يغشى والنهار إذا
تجلّى والذكر والانثى، قال اشهد أني سمعت
النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ هكذا،
وهؤلاء يريدوني على أن أقرأ وما خلق الذكر
والانثى، واللّه لا أتابعهم(84).
وهذا
حديث صحيح صريح في الزيادة لا في النقصان،
والسنن في ذلك من طريق أهل السنّة أكثر من أن
تحصى في هذه العجالة، أو تستقصى في هذا
الاملاء، فما يقوله أهل السنّة في الجواب
عنها هو بعينه الجواب عمّا هو في كتبنا.
وما
أدري واللّه ما يقولون فيما نقله عنهم في هذا
الباب غير واحد من سلفهم الاعلام، كالامام
أبي محمّد بن حزم، إذ نسب إلى الامام أبي
الحسن الاشعري أنّه كان يقول : إنّ القرآن
المعجز انّما هو الذي لم يفارق اللّه عزّ وجلّ
قطّ، ولم يزل غير مخلوق ولا سمعناه قطّ، ولا
سمعه جبرئيل ولا محمّد(عليهما السلام) قطّ،
وأما الذي يُقرأ في المصاحف ونسمعه فليس
معجزاً بل مقدور على مثله، إلى آخر ما نقله عن
الامام الاشعري وأصحابه، وهم جميع أهل السنة.
حتى
قال ما هذا لفظه : وقالوا كلّهم: إنّ القرآن
لم ينزل به قطّ جبرئيل على قلب محمّد عليه
الصلاة والسلام، وإنّما نزل عليه بشيء آخر،
هو العبارة عن كلام اللّه، وأنّ القرآن ليس
عندنا البتّة إلاّ على هذا المجاز، وأنّ
الّذي نرى في المصاحف، ونسمع من القرآن،
ونقرأ في الصلاة، ونحفظ في الصدور ليس هو
القرآن ألبتّة، ولا شيء منه كلام اللّه
ألبتّة; بل شيء آخر، وانّ كلام اللّه تعالى لا
يفارق ذات اللّه عزّ وجلّ.
ثمّ
استرسل في كلامه عن الاشاعرة حتّى قال: ولقد
أخبرني علي بن حمزة المراوي الصقلي الصوفي
أنّه رأى بعض الاشعريّة يبطح المصحف برجله،
قال : فأكبرت ذلك، وقلت له : ويحك هكذا
تصنع بالمصحف وفيه كلام اللّه تعالى؟ فقال لي :
ويلك واللّه ما فيه إلا السخام والسواد، وأما
كلام اللّه فلا.
قال
ابن حزم : وكتب إليّ أبو المرحي بن رزوار
المصري: أنّ بعض ثقات أهل مصر من طلاّب السنن
أخبره أنّ رجلاً من الاشعريّة قال له مشفاهة :
على من يقول إن اللّه قال : قل هو اللّه أحد
اللّه الصمد ألف لعنة. الى آخر ما نقله عنهم
فراجعه(85).
ثمّ
قل لي كيف تحتمل الاُمّة منكم هذا المحال؟
وكيف تقوى لكم على حمل ما لا تقلّه الجبال؟
ثمّ يضعف درعها ويضيق وسعها عن هدي آل محمّد(صلى
الله عليه وآله وسلم) المتمثل في صحاح شيعتهم
بأجلى المظاهر ـ ما هكذا تورد يا سعد
الاِبل ـ عفا اللّه عنك يا موسى، ولا حول
ولا قوّة إلاّ باللّه.
* *
* |
|