|
مقدمة المؤلف
جرى بعض الباحثين على دراسة التشيّع بوصفه ظاهرة طارئة في المجتمع الإسلامي، والنظر الى القطاع الشيعي من جسم الأُمة الإسلامية بصفته قطاعاً تكوّن على مرِّ الزمن، نتيجةً لأحداثٍ وتطورات اجتماعية معينة، أدّت إلى تكوينٍ فكريّ ومذهبي خاص لجزء من ذلك الجسم الكبير، ثمّ اتّسعَ ذلك الجزء بالتدريج(1). إنَّ هؤلاء الباحثين، بعد أن يفترضوا ذلك، يختلفون في تلك الأحداث والتطورات التي أدّت إلى نشوء تلك الظاهرة وولادة ذلك الجزء. فمنهم من يفترض أنّ عبد الله بن سبأ(2) ونشاطه السياسي المزعوم كان هو الأساس لقيام ذلك التكتل الشيعي. ومنهم من يردّ ظاهرة التشيع إلى عهد خلافة الإمام عليّ (عليه السلام)، وما هيأه ذلك العهد من مقامٍ سياسي واجتماعي على مسرح الأحداث. ومنهم من يزعم أن ظهور الشيعة يكمن في أحداث متأخرة عن ذلك في التسلسل التاريخي للمجتمع الإسلامي(3). والذي دعا ـ فيما أظن ـ كثيراً من هؤلاء الباحثين إلى هذا الافتراض والاعتقاد بأن (التشيّع) ظاهرة طارئة في المجتمع الإسلامي، هو أنّ الشيعة لم يكونوا يمثلون في صدر الإسلام إلاّ جزءاً ضئيلاً من مجموع الاُمة الإسلامية. فقد أوحت هذه الحقيقة شعوراً بأنّ اللاتشيع كان هو القاعدة في المجتمع الإسلامي، وأنّ التشيع هو الاستثناء والظاهرة الطارئة التي يجب اكتشاف أسبابها من خلال تطورات المعارضة للوضع السائد. ولكن اتخاذ الكثرة العددية والضآلة النسبية أساساً لتمييز القاعدة والاستثناء أو الأصل والانشقاق، ليس شيئاً منطقياً؛ فمن الخطأ إعطاء الإسلام اللاشيعي صفة الأصالة على أساس الكثرة العددية، واعطاء الإسلام الشيعي صفة الظاهرة الطارئة ومفهوم الانشقاق، على اساس القلة العددية؛ فإنّ هذا لا يتفق مع طبيعة الانقسامات العقائدية؛ إذ كثيراً ما نلاحظ انقساماً عقائدياً في إطار رسالة واحدة، يقوم على اساس الاختلاف في تحديد بعض معالم تلك الرسالة، وقد لا يكون القسمان العقائديان متكافئين من الناحية العددية ولكنهما في أصلهما معبران بدرجةٍ واحدةٍ عن الرسالة المختلف بشأنها، ولا يجوز بحالٍ من الأحوال أن نبني تصوراتنا عن الانقسام العقائدي داخل إطار الرسالة الإسلامية إلى شيعةٍ وغيرهم، على الناحية العددية(4)، كما لا يجوز أيضاً أن نقرن ولادة الاطروحة الشيعية، في إطار الرسالة الإسلامية، بولادة كلمة (الشيعة) أو (التشيّع) كمصطلح واسم خاص لفرقةٍ محددة من المسلمين، لأن ولادة الأسماء والمصطلحات شيءٌ، ونشوء المحتوى وواقع الاتجاه والإطروحة شيءٌ آخر، فإذا كنّا لا نجد كلمة (الشيعة)(5) في اللغة السائدة في حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، أو بعد وفاته، لا يعني هذا أنّ الاطروحة والاتجاه الشيعي لم يكن موجوداً. فبهذه الروح يحب أن نعالج قضية (والتشيعّ) و(الشيعة)، ونجيب عن السؤالين الآتيين: كيف وُلِدَ التشيّع؟ وكيف وُجِدت الشيعة؟
الهوامش: 3- راجع الصلة بين التصوف والتشيع السابق. راجع أيضاً تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة، الدكتور عبد الله فياض. وكذلك إسلام بلا مذاهب، الدكتور مصطفى الشكعة ص 152، وما بعدها. وراجع: النظريات السياسية الإسلامية، الدكتور ضياء الدين الريس ص 72 وما بعدها. 4- نعم ليس متسقاً مع المنطق، وليس متّسقاً مع منطق القرآن الكريم أيضاً؛ فالقرآن نجده غالباً ـ إن لم يكن دائماً ـ يذمّ الكثرة في موارد كثيرة جداً، كما نجده يمدح القلة في موارد مثلها، فقد جاء مثلاً قوله تعالى: (... وَلكِنَّ أَكثَرهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ)[سورة النمل: الآية 73]، وجاء قوله تعالى: (... وَقَليلٌ مِن عِبَادِيَ الشَّكُورُ)[سورة سبأ: الآية 13]، وجاء قوله تعالى: (... وإنّ كَثيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ)[سورة المائدة: الآية 49]، وجاء قوله تعالى: (أُوْلَئكَ المُقَرَّبُونَ * في جَنَّاتِ النَّعيِم* ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلينَ * وَقَليلٌ مِنَ الآخرِينَ)[سورة الواقعة: الآية 11 ـ 14. هذا من وجهٍ، ومن وجه آخر نجدُ القرآن الكريم ينبه في موارد كثيرة إلى أن الذين يتبعون الحق ويتبعون الرسل، وينقادون للتعاليم الإلهية قليلون دائماً بالقياس الى الكثرة من المعاندين للحق، قال تعالى: (... وَأَكثَرُهُم لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)[سورة المؤمنون: الآية 70]، وقال تعالى: (وَمَا اَكْثَرُ النَّاسِ وَلَو حَرَصْتَ بِمُؤْمِنينَ)[سورة يوسف: الآية 103]، وفي كل ذلك إشارة الى بطلان اعتماد معيار الكثرة لتقييم صحة الاتجاه، وصحة الرأي في مثل هذه الأُمور. وراجع: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 597 وما بعدها. |