فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

الايه الثالثه:
قال تعالى: (وقال رجل مومن من آل فرعون يكتم ايمانه اتقتلون رجلا ان يقول ربى اللّه وقد جاءكم بالبينات من ربكم وان يك كاذبا فعليه كذبه وان يك صادقا يصبكم بعض الذى يعدكم ان اللّه لا يهدى من هو مسرف كذاب).

اتفق مفسرو المذاهب والفرق الاسلاميه على ان هذا الرجل  الذى قال هذا القول‏فيما حكته هذه الايه الشريفه‏كان قد آمن بنبوه موسى ولكنه كان يكتم ايمانه خوفا على نفسه من فرعون واعوانه، وقد روى بعضهم‏كما سياتى‏انه قد كتم ايمانه مائه عام، واختلفوا فى من هو هذا الرجل، والظاهر من اقوال اكثر المفسرين انه كان ابن عم فرعون، ومما يويد قولهم ان لفظ (الال) يقع عليه.
وسبب قوله هذا انه علم بما قاله فرعون لقومه فى موسى(ع)، كما حكاه القرآن الكريم بقوله تعالى: (وقال فرعون ذرونى اقتل موسى وليدع ربه انى اخاف ان يبدل دينكم او ان يظهر فى الارض الفساد).
وعلى الرغم من وضوح دلاله الايه على تقيه هذا الرجل المومن، الا انه سنذكر طائفه من اقوال المفسرين بشان هذه الايه، لكى يتاكد من خلالها ان التقيه كانت معروفه قبل الاسلام بقرون عديده.
فقد نقل الماوردى (ت/450ه ) قول السدى (ت/127ه ): ان هذا الرجل كان ابن عم فرعون، وهو الذى نجا مع موسى(ع).
ونقل عن ابن عباس (ت/68ه ) قوله: (لم يكن من آل فرعون مومن غيره، وامراه فرعون، وغير المومن الذى انذر: (ان الملا ياتمرون بك).
ثم قال: انه كان مومنا قبل مجى‏ء موسى، وكذلك امراه فرعون، قاله الحسن، فكتم ايمانه، قال الضحاك: كان يكتم ايمانه للرفق بقومه، ثم اظهره، فقال ذلك فى حال كتمه).
ولاشك ان ما يعنيه كتمان الايمان هو التقيه لا غير، لانه اخفاء امر ما خشيه من ضرر افشائه، والتقيه كذلك.
ونقل ابن الجوزى الحنبلى (ت/597ه ) قول السدى المتقدم، ونقل عن الحسن البصرى (ت/110ه ) انه قال: (كان مومنا قبل مجى‏ء موسى) وعن مقاتل: (انه كتم ايمانه من فرعون مائه سنه).
وقال الرازى الشافعى (ت/606ه ) (انه تعالى حكى عن ذلك المومن انه كان يكتم ايمانه، والذى يكتم كيف يمكنه ان يذكر هذه الكلمات مع فرعون؟
ولهذا السبب حصل هنا قولان:
الاول: ان فرعون لما قال: (ذرونى اقتل موسى) لم يصرح ذلك المومن بانه على دين موسى بل اوهم انه مع فرعون وعلى دينه، الا انه زعم ان المصلحه تقتضى ترك قتل موسى، لانه لم يصدر عنه الا الدعوه الى اللّه، والاثبات بالمعجزات القاهره، وهذا لايوجب القتل، والاقدام على قتله يوجب الوقوع فى السنه الناس باقبح الكلمات.
الثانى: ان مومن آل فرعون كان يكتم ايمانه اولا، فلما قال فرعون: (ذرونى اقتل موسى) ازال الكتمان واظهر كونه على دين موسى، وشافه فرعون بالحق).
اقول: ان سياق الايه وما بعدها من آيات اخر يوكد صحه القول الاول من انه كان الرجل المومن يكتم ايمانه قبل قول فرعون وبعده ايضا، اذ لو كان قد ازال كتمان الايمان لما قال: (وان يك كاذبا فعليه كذبه) وقوله: (ان اللّه لا يهدى من هو مسرف كذاب) وهذا لا يقوله من يظهر الايمان، وقد احتمل ابن الجوزى فى هذا القول احتمالين، وهما:
(احدهما: مسرف على نفسه، كذاب على ربه، اشاره الى موسى، ويكون هذا من قول المومن.
الثانى: مسرف فى عناده، كذاب فى ادعائه، اشاره الى فرعون ويكون هذا من قوله تعالى).
والاول ارجح، فقد نص عليه اكثر المفسرين، ويدل عليه تظاهر هذا المومن بمظهر الناصح الشفيق عليهم، الحريص على مصلحتهم، وانه لا يهمه امر موسى(ع)بقدر ما تهمه مصلحه فرعون وقومه كما فى قوله: (وان يك صادقا يصبكم بعض الذى يعدكم).
فهذا القول يدل بظاهره على انه اراد ان يوهمهم، والا فهو غير شاك فى انه سيصيبهم غضب اللّه تعالى فيما لو اقدموا على قتل موسى(ع).
كما ان ما قاله هذا المومن لقومه بعد ذلك يدل على هذه الحقيقه ويرشد اليها.
كقوله: (ياقوم لكم الملك اليوم ظاهرين فى الارض فمن ينصرنا من باس اللّه ان جاءنا).
وكقوله: (ياقوم انى اخاف عليكم مثل يوم الاحزاب).

وكقوله: (وياقوم انى اخاف عليكم يوم التناد).
ولاشك ان هذه الاقوال تدل على ان هذا المومن كان يشعر قومه باقواله هذه بانه منهم وعلى دينهم واعتقادهم، غايه الامر انه يروم ما فيه مصلحتهم، اذ عسى ان يكون موسى(ع) صادقا فيما يقول فعندها تحل الندامه بهم كما حلت بمن سبقهم، بقتلهم الانبياء(ع)، ولو لم يكن صادقا فلن يضرهم، لان اللّه لا يهدى من هو مسرف كذاب.
واى كان الصحيح من القولين، فان الرجل المومن كان قد كتم ايمانه فى صدره على وجه التقيه من قومه حفظا على نفسه من بطش فرعون واعوانه.
والقرآن الكريم لم يصفه‏على تقيته هذه‏بانه كان مخادعا منافقا يظهر خلاف مايعتقد، وانه لا يعرف صدقه من كذبه، بل وصفه باحب الاوصاف اليه تعالى، وهى صفه الايمان، فهو مومن بنص القرآن الكريم، بل هو من الصديقين على لسان المصطفى، وكفى بذلك فخرا.
فقد اخرج علماء الحديث من اهل السنه، عن ابن عباس وغيره، عن رسول اللّه انه قال: الصديقون ثلاثه: حبيب النجار مومن آل ياسين، ومومن آل فرعون الذى قال: (اتقتلون رجلا ان يقول ربى اللّه)، والثالث: على بن ابى طالب، وهو افضلهم)، وهذا ما عرفه المفسرون كما سياتى فى كلماتهم.
قال ابن عطيه الاندلسى المالكى (ت/541ه )نقلا عن الجوهرى: (وقد اثنى‏اللّه على‏رجل مومن من آل فرعون كتم ايمانه واسره، فجعله اللّه تعالى فى كتابه، واثبت ذكره فى‏المصاحف لكلام قاله فى مجلس من‏مجالس الكفر).
ثم اكد ان قوله: (يا قوم لكم الملك) هو استنزال لهم ووعظ لهم من جهه ما هم عليه من شهوات، مع‏التحذير من زوالها، وباسلوب‏الناصح‏الشفيق لهم.
وقال القرطبى المالكى (ت/671ه )عن نصائح الرجل المومن، وقوله لهم: (وان يك كاذبا فعليه كذبه)ما نصه: (ولم يكن ذلك الشك منه فى رسالته وصدقه، ولكن تلطفا فى الاستكفاف واستنزالا عن الاذى)، وهذا القول صريح بان الرجل لم يظهر
ايمانه امام فرعون، والافكيف يتفق اظهار الايمان مع رجاء التاثير عليهم فى هذه النصائح المقرونه بالتلطف فى الاستكفاف والاستنزال عن الاذى؟

وقال عن قوله تعالى: (يكتم ايمانه): (ان المكلف اذا نوى الكفر بقلبه كان كافرا وان لم يتلفظ بلسانه، واما اذا نوى الايمان
بقلبه فلا يكون مومنا بحال حتى يتلفظ بلسانه، ولا تمنعه التقيه والخوف من ان يتلفظ بلسانه فيما بينه وبين اللّه تعالى، انما تمنعه التقيه من ان يسمعه غيره، وليس من شرط الايمان ان يسمعه الغير فى صحته من التكليف، وانما يشترط سماع الغير له، ليكف عن نفسه وماله).
وقال تاج الدين الحنفى (ت/749ه ) فى قول المومن: (اتقتلون رجلا): (وهذا استدراج الى الاعتراف بالبينات بالدلائل على
التوحيد...ولما صرح بالانكار عليهم غالطهم بعد فى ان قسم امره الى كذب وصدق، وابدى ذلك فى صوره احتمال ونصيحه، وبدا فى التقسيم بقوله: (وان يك كاذبا فعليه كذبه) مداراه منه، وسلوكا لطريق الانصاف فى القول، وخوفا اذا انكر عليهم قتله انه ممن يعاضده وينصره، فاوهمهم بهذا التقسيم والبداءه بحاله الكذب حتى يسلم من شره، ويكون ذلك ادنى الى تسليمهم).

وهذا الكلام متين ومنسجم مع سياق الايات القرآنيه الحاكيه لاقوال هذا المومن لفرعون وقومه، ولا شك انه قد ادرك بان الاسلوب الامثل لاقناع فرعون‏وهو ابن عمه كما مربترك ما اراد فعله هو النصح والمداراه، ليكون اقرب الى الاخذ باقواله مما لو اعلن ايمانه، فهو قد كذب وقومه نبيا مرسلا جاءهم بالمعجزات والدلائل الداله على صدقه، فكيف يصدقون بمن هو دونه وعلى دينه؟
ولقد اكد هذا المعنى ابو حيان الاندلسى المالكى (ت/754ه ) بقوله: (وقال صاحب التحرير والتحبير: هذا نوع من انواع علم البيان تسميه علماونا: استدراج المخاطب. وذلك انه لما راى فرعون قد عزم على قتل موسى والقوم على تكذيبه، اراد الانتصار له بطريق يخفى عليهم بها انه متعصب له، وانه من اتباعه، فجاءهم من طريق النصح والملاحظه فقال: (اتقتلون رجلا ان يقول ربى اللّه)، ولم يذكر اسمه، بل قال: (رجلا) يوهم انه لا يعرفه، ولا يتعصب له (ان يقول ربى اللّه) ولم يقل: رجلا مومنا باللّه، او: هو نبى، اذ لو قال شيئا من ذلك لعلموا انه متعصب، ولم يقبلوا قوله. ثم اتبعه بما بعد ذلك فقدم قوله: (وان يك كاذبا) موافقه لرايهم فيه، ثم تلاه بقوله: (وان يك صادقا)، ولو قال: هو صادق بكل ما يعدكم، لعلموا انه متعصب، وانه يزعم انه نبى، وانه يصدقه...ثم اتبعه بكلام يفهم منه انه ليس بمصدق وهو قوله: (ان اللّه لا يهدى من هو مسرف كذاب) انتهى).
ومن هنا يتبين ان ما ذهب اليه البرسوى الحنفى (ت/1137ه ) فى معنى قوله تعالى حكايه عن حال المومن: (وقال رجل مومن من آل فرعون يكتم ايمانه) من‏انه كان يستره ويخفيه من‏فرعون وملئه لا خوفا، بل ليكون كلامه بمحل من القبول ، لا دليل عليه، وتخالفه سائر الاقوال المتقدمه واللاحقه ايضا، على انه قال بعد ذلك: (وكان قد آمن من بعد بمجى‏ء موسى او قبله بمائه سنه وكتمه).
ولعمرى من اين له ان يعلم ان كتمان ايمانه قبل ان يسمع بمقوله فرعون بمائه عام كان من غير خوف على نفسه من الكافرين؟ قال الشوكانى الزيدى (ت/1250ه )بعد ان ذكر قول المومن: (ثم تلطف لهم فى الدفع عنه فقال: (وان يك كاذبا ...)، ولم يكن قوله هذا لشك منه، فانه كان مومنا كما وصفه اللّه ولا يشك المومن).
وقال‏الالوسى‏الوهابى (ت/1270ه )وقد ذكر قول‏المومن لفرعون‏وقومه: (ثم ان الرجل احتاط لنفسه خشيه ان يعرف اللعين حقيقه امره فيبطش به، فتلطف‏فى‏الاحتجاج فقال: (وان يك كاذبا فعليه كذبه) لا يتخطاه‏وبال كذبه). وقال القاسمى (ت/1332ه )عن الرجل المومن: (انه سلك معهم طريق المناصحه والمداراه، فجاء بما هو اقرب الى تسليمهم وادخل فى تصديقهم له، ليسمعوا منه ولا يردوا عليه نصيحته، وذلك انه حين فرضه صادقا، فقد اثبت انه صادق فى جميع ما يعد. ولكنه اردفه (يصبكم بعض الذى يعدكم)، ليهضمه بعض حقه فى ظاهر الكلام، ليريهم انه ليس بكلام من اعطاه حقه واثنى عليه، فضلا عن ان يكون متعصبا له. وتقديم الكاذب على الصادق من هذا القبيل).

وقال الخارجى الاباضى محمد بن يوسف اطفيش (ت/1332ه )عن الرجل المومن‏انه: (من القبط، ابن عم فرعون، وكان يجرى مجرى ولى العهد، ومجرى صاحب الشرطه، وقيل: كان اسرائيليا...فمعنى كونه من آل فرعون -على القولين‏انه فيهم
بالتقيه مظهرا انه على دينهم، وظاهر قوله: (يا قوم) انه منهم).
وقال فى مكان آخر: (واستعمل الرجل تقيه على نفسه، ما ذكر اللّه عز وجل عنه بقوله: (وان يك كاذبا فعليه كذبه) ومعنى عليه كذبه: انه لا يتخطاه وبال كذبه من اللّه تعالى فضلا عن ان يحتاج فى دفعه الى قتله).
وقال الشيخ المراغى (ت/1364ه ): (الرجل المومن هو ابن عم فرعون، وولى عهده وصاحب شرطته، وهو الذى نجا مع موسى، وهو المراد بقوله:
(وجاء رجل من اقصى المدينه يسعى) ثم قال فى تفسير الايه الكريمه: (اى: وقال رجل من آل فرعون يكتم ايمانه منهم خوفا على نفسه: اينبغى لكم ان تقتلوا رجلا ما زاد على ان قال: ربى اللّه، وقد جاءكم بشواهد داله على صدقه؟ ومثل هذه المقام لا تستدعى قتلا، ولا تستحق عقوبه!
فاستمع فرعون لكلامه، واصغى لمقاله، وتوقف عن قتله).

وهكذا شاء اللّه ان يجعل من تقيه هذا الرجل المومن‏رضى اللّه تعالى عنه ومن نصحه لقومه، ومداراته وتلطفه تقيه فى الكلام سببا لدرء القتل عن موسى(ع).
واذا كان الامر كذلك‏وهو كذلك‏فكيف ساغ لبعضهم القول : بان التقيه من وضع ائمه الرافضه ليبرروا بها ما اختلف من اقوالهم؟!
بل كيف يصح القول بعدئذ بان من يتقى هو مخادع كذاب؟!

 

الايه الرابعه:
قال تعالى: (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما او بعض يوم قالوا ربكم اعلم بما لبثتم فابعثوا احدكم بورقكم هذه الى المدينه فلينظر ايها ازكى طعاما فلياتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم احدا × انهم ان يظهروا عليكم يرجموكم او يعيدوكم فى ملتهم ولن تفلحوا اذا ابدا).
هذه الايه الكريمه هى من جمله الايات المبينه لقصه اصحاب الكهف فى القرآن الكريم، ولاجل تقريب دلالتها على التقيه كان لا بد من التعرض لقصتهم على نحو ما فى كتب التفسير السنيه، وباختصار كثير فنقول:
ان للمفسرين فى بيان قصتهم اقوالا، اشهرها ثلاثه، وهى:

القول الاول: انهم هربوا من ملكهم بعد ان دعاهم الى عباده الاصنام، فلجاوا الى الكهف الذى سده الملك عليهم ليموتوا فيه. وان رجلين من المومنين كانا يكتمان ايمانهما قد كتبا اسماء اهل الكهف فى لوح من الرصاص وجعلاه فى تابوت من نحاس واثبتاه فى باب الكهف، لعل اللّه تعالى يطلع عليهم قوما مومنين فيعلمون اخبارهم، وقد اسند هذا القول الى ابن عباس(رضى‏اللّه).
وهذا القول يدل على انهم كانوا يتقون من ملكهم، ويكتمون ايمانهم عنه قبل ان يكرههم ملكهم على عباده الاصنام، فلم يسعهم بعد ذلك الا الهرب بدينهم ونجاه انفسهم، ولا شك انهم كانوا قبل ذلك ليس فى عزله عن الناس، وانما كانوا فى معاشره ظاهره، ومخالطه فيها من المداراه الكثير، لان كتم الايمان لا يكون فى العزله، وانما يكون فى المعاشره والمخالطه، وهذا هو معنى التقيه.

القول الثانى: انهم هربوا من ملكهم بجنايه اتهم بها احد المومنين من الذين كانوا يكتمون ايمانهم خوفا على انفسهم من ملكهم الكافر، وكان اصحاب الكهف من رفاق هذا المومن، فخافوا من الملك بعد ان امر بطلبهم فهربوا الى الكهف، وقد نسب هذا القول الى وهب بن منبه (ت/114ه ).
وهذا القول على الرغم من ضعفه بوهب، وهو احد اقطاب الاسرائيليات، وكان يقول بالقدر كما هو معروف فى كتب التراجم، الا انه كالاول فى دلالته على تقيتهم قبل هروبهم، لانهم من المومنين بنص الكتاب العزيز، وكان ملكهم كافرا باتفاق المفسرين، ولا يمكن ان يجتمع المومن الضعيف مع كافر متسلط من غير تقيه فى كتم الايمان.
القول الثالث: وهو من اقوى الاقوال، وخلاصته: انهم كانوا ابناء عظماء المدينه واشرافهم، خرجوا من المدينه على غير ميعاد لما كان من امر ملكهم دقيانوس الذى يعبد الاوثان ويجبر الناس على عبادتها، فاتفقت كلمه اصحاب الكهف على الهرب بدينهم وانفسهم منه، فلجاوا الى الكهف، وقد نسب هذا القول الى ابن عباس (ت/68ه )، ومجاهد بن جبر (ت/103ه )، وعكرمه (ت/105ه )، وقتاده (ت/118ه ).
ويويد هذا القول ما نسبه الفخر الرازى (ت/606ه ) الى امير المومنين على ابن ابى طالب(ع) من انهم كانوا سته وسابعهم الراعى الذى وافقهم لما هربوا من ملكهم، وكان ثلاثه منهم اصحاب يمين الملك، وكان الملك يستشيرهم جميعا فى مهماته.
وهذا القول كسابقيه يدل على انهم كانوا يكتمون الايمان مع منزلتهم وشرفهم فى قومهم ولعل فيما حكاه الرازى اقوى فى الدلاله على تقيتهم، اذ لا يمكن بموجبه تصور عدم تقيتهم، الا ان يقال بانهم لم يكونوا من المومنين اصلا، وهذا احتمال باطل لم يقل به احد قط، وقد صرح القرآن الكريم بخلافه، حيث قال تعالى عنهم: (انهم فتيه آمنوا بربهم وزدناهم هدى) .
وكيف يعقل عدم اتقائهم وهم من مستشارى ملكهم الكافر؟

نعم، قد يقال بان قوله تعالى: (وربطنا على قلوبهم اذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والارض لن ندعوا من دونه الها لقد قلنا اذا شططا) بانه دال على عدم تقيتهم، كما ورد فى كتب التفسير لدى الشيعه الاماميه كما ان قولهم: (ربنا رب السموات والارض لن ندعوا من دونه الها) هو قول من لا يرى التقيه اصلا، فاين تقيه اصحاب الكهف حينئذ؟

والجواب: ان هذا القول ان دل على عدم تقيتهم فلا دليل فيه انهم كانوا لا يرون التقيه قبل قولهم هذا، وقد مر ما يشير الى ان قولهم هذا كان فى آخر ايام مكثهم بين قومهم، وكانوا قبل ذلك سائرين على التقيه لا محاله.
ولقد مر ايضا فى دلاله الايه السابقه على التقيه ان مومن آل فرعون -كما فى احد القولين قد اظهر ايمانه حين سمع فرعون اللعين يقول: (ذرونى اقتل موسى)، وان هذا المومن قد شافه فرعون بالحق ولم يتق منه، مع انه كان يكتم ايمانه عن فرعون وقومه بنص القرآن الكريم.
وبعد سلامه دلاله قول اصحاب الكهف المتقدم على عدم التقيه، فيكون موقفهم منها كموقف مومن آل فرعون، حين شافه فرعون بالحق وترك التقيه بعد ان كان عليها.

ويدل عليه ما ذكر ابو السعود العمادى التركى المفسر (ت/982ه ) قال: (ونباهم -حسبما ذكره محمد بن اسحاق بن يسار انه قد مرج اهل الانجيل، وعظمت فيهم‏الخطايا، وطغت‏ملوكهم. فعبدوا الاصنام، وذبحوا للطواغيت. وكان ممن بالغ فى ذلك، وعتا عتوا كبيرا دقيانوس، فانه غلا فيه غلوا شديدا، فجاس خلال‏الديار والبلاد بالعبث‏والفساد، وقتل‏من خالفه من المتمسكين بدين المسيح(ع)، وكان يتبع الناس فيخيرهم بين القتل وعباده الاوثان).
ومن هنا يفهم ان تقيه اصحاب الكهف‏قبل قولهم هذا كان فيها من مجاهده النفس الشى‏ء العظيم، لان ما يكره عليه المسلم مثلا من مسلم آخر، فهو فى اغلب الاحوال لا يكون مثل ما يكره عليه المسلم من كافر. بل وما يكره عليه المسلم من قبل الكافر مره واحده او مرات، لايقاس بمعاناه الفتيه الذين آمنوا بربهم، وقضوا جل حياتهم بين قوم عكفوا على عباده الاوثان.
اقول: ولهذا ورد عن الامام جعفر بن محمد الصادق(ع) (ت/148ه )من طرق الشيعه الاماميه‏انه قال: (ما بلغت تقيه احد تقيه اصحاب الكهف، ان كانوا ليشهدون الاعياد، ويشدون الزنانير، فاعطاهم اللّه اجرهم مرتين).
وكيف لا يشدون الزنار على وسطهم، وهم فى اوساطهم؟ وكيف لا يشهدون اعيادهم، وهم من اعيانهم؟ على ان القرآن الكريم قد اشار الى تقيتهم بعد بعثهم من رقدتهم التى جعلها اللّه تعالى آيه للعالمين...حيث قال قائل منهم: (فابعثوا احدكم بورقكم هذه الى المدينه فلينظر ايها ازكى طعاما فلياتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم احدا).

قال الرازى الشافعى ( ت/606ه ): (وقوله: (وليتلطف): اى: يكون ذلك فى سر وكتمان، يعنى: دخول المدينه وشراء الطعام (ولا يشعرن بكم احدا) اى: لا يخبرن بمكانكم احدا من اهل المدينه).
وقال القرطبى المالكى (ت/671ه ): ((وليتلطف): اى فى دخول المدينه وشراء الطعام (ولا يشعرن بكم احدا) اى: لا يخبرن، وقيل: ان ظهر عليه فلا يوقعن اخوانه فيما وقع فيه، (انهم ان يظهروا عليكم يرجموكم). قال الزجاج: معناه: بالحجاره، وهو اخبث القتل، وقيل: يرموكم بالسب والشتم، والاول اصح، لانه كان عازما على قتلهم كما تقدم فى قصصهم).
ثم بين فى المساله السادسه من مسائل هذه الايه حكم الوكاله اذا اقترنت بالتقيه كما فى توكيل اهل الكهف صاحبهم بشراء
الطعام مع ايصائه بان يتقى قومه باخفاء سره ما استطاع فقال ما نصه: (فى هذه الايه نكته بديعه، وهى ان الوكاله انما كانت مع التقيه خوف ان يشعر بهم احد لما كانوا عليه من خوف على انفسهم، وجواز توكيل ذوى العذر متفق عليه). وبعد فلا حاجه للاطاله فى ايراد اقوال المفسرين بمعنى قوله: (وليتلطف) فقد اتفق جميع المفسرين على القول بان المراد من ذلك هو ايصاله بان يخفى امره عن قومه، لانهم اذا اطلعوا على واقع الحال، عرفوا المكان، واذا عرفوه فهم اما سيقتلون من فيه او يجبروهم على عباده الاوثان.
نعم ذكر بعضهم وجها آخر للتلطف، خلاصته ان يكون على حذر من اهل المدينه بحيث لا يغبن فى شراء الطعام، وهذا الوجه بعيد عن اجواء الايه الكريمه كل البعد، خصوصا مع قوله: (ولا يشعرن بكم احدا) كما نبه عليه الشوكانى الزيدى (ت/1250ه ).