فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

 

الفصل السادس

موسى وهارون

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمّن أسس بنيانه على شفا جرف هارٍ فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين)(1).

 

الآيات القرآنية

(وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين)(2).

(قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تـتـّبعن أفعصيت أمري * قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي)(3).

 

العناوين المشكلة

"65ـ إختلاف نبيين في الرأي في مسألة واحدة.

66ـ موسى (ع) يغضب لله سبحانه على هارون (ع).

67ـ موسى (ع) يحمّـل هارون (ع) مسؤولية ضلال قومه.

68ـ هارون (ع) يتساهل مع قومه وموسى (ع) يعنف.

69ـ موسى (ع) يشعر بالحرج مما صدر منه.

70ـ لو احتاط موسى (ع) وهارون (ع) لكانت النتائج أفضل.

71ـ خطأ موسى (ع) أو هارون (ع) في تقدير الموقف.

72ـ مرة أخرى العصمة لا تمنع من الخطأ في تقدير الأمور.

73ـ الجهل المركب لدى الأنبياء (ع).. ثانية.

74ـ لا يفهم العصمة بالطريقة الغيبية.

75ـ هارون (ع) مقصّر لكنه ليس بعاص"(4).

 

النصوص المشكلة :

" وأخذ برأس أخيه يجره إليه، في تعبير صارخ عن الحالة النفسية التي كان يعيشها موسى إزاء ما حدث.. وربما تحدث الكثيرون عن مبدأ العصمة في شخصيته كنبي،.. وعن التساؤل الإيماني، في مدى انسجام هذا التصرف الغاضب مع هذا المبدأ.. ولكننا لا نجد هناك تنافياً بينهما إذا أردنا أن نأخذ القضية ببساطة تحليلية بعيداً عن التعقيد والتكلف.. فموسى بشر يغضب كما يغضب البشر، ولكن الفرق بينه وبينهم، أن لغضبه ضوابط في التصرفات، فلا يتصرف بما لا يرضي الله وفي الدوافع فلا يغضب إلا لما يرضاه الله.. وقد غضب موسى على قومه لله.. وعلى أخيه هارون لنفس الغرض.. لأنه اعتبره مسؤولاً عما حدث، من خلل التساهل وعدم ممارسة الضغط الشديد عليهم، ومنعهم من ذلك، فقد كان تقديره، أن رفع درجة الضغط يمكن أن تساهم في منع ما حدث.. ما لم يقم به هارون.. فكان موسى منسجماً مع نفسه، ومع دوره، فيما اتخذه من إجراء مع هارون.. ولكن هارون كان له رأي آخر.. فقد وقف ضدّهم، وواجههم بكل الوسائل التي يملكها في الضغط عليهم.. ولكنهم كانوا لا يهابونه كما يهابون موسى من خلال شخصيته القوية، فيما عاشه من عنف المواجهة مع فرعون حتى قهره".

(قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء..) فلم أفعل ما أحاسب عليه، لأن الظروف كانت أقوى من قدرتي.. فقاومت حتى لم يعد هناك مجال للمقاومة.. وجابهت.. حتى كدت أن أقتل.. فإذا تصرفت معي بهذه الطريقة.. فإن ذلك سوف يكون دافعاً لشماتة الأعداء بي.. لأنني قاومتهم وجابهتهم.. وها هم يرونني أمامك واقفاً وقفة المذنب من دون ذنب.. فلا تفعل بي ذلك (ولا تجعلني مع القوم الظالمين) لأني قمت بما اعتقدت أنه مسؤوليتي من دون تقصير..

وشعر موسى بالحرج.. وسكن غضبه.. فرجع إلى الله يستغفره، لنفسه ولأخيه، لا لذنب ارتكباه.. ولكن للجو الذي ابتعد فيه القوم عن الله، من خلال الفكرة التي كانت تلح عليهما.. فيما لو كان الإحتياط للموقف أكثر، فقد تكون النتائج أفضل.."

"وتبقى لفكرة العصمة.. بعض التساؤلات، كيف يخطئ هارون في تقدير الموقف، وهو نبي.. أو كيف يخطئ موسى في تقدير موقف هارون، وهو النبي العظيم، وكيف يتصرف معه هذا التصرف.. ولكننا قد لا نجد مثل هذه الأمور ضارة بمستوى العصمة.. لأننا لا نفهم المبدأ بالطريقة الغيبية التي تمنع الإنسان من مثل هذه الأخطاء في تقدير الأمور.. بل كل ما هناك، أنه لا يعصي الله في ما يعتقد أنه معصية، أما أنه لا يتصرف تصرفاً خاطئاً يعتقد أنه صحيح ومشروع.. فهذا ما لا نجد دليلاً عليه.. بل ربما نلاحظ في هذا المجال حياتهم العملية.. قد يؤكد الحاجة إلى الإيحاء بأن الرسالية لا تتنافى مع بعض نقاط الضعف البشري في الخطأ في  تقدير الأمور.. والله العالم بأسرار خلقه.."(5)

"ربما كانت القضية على أساس أنه اعتبر أن هارون قصّر، وليس من الضروري أن يكون تقصيره معصية.."

"هارون عنده تقييم معين للمسألة، وانطلق فيها من حالة أنه قال : (إني خشيت أن تقول : فرقت بين بني إسرائيل)، ولهذا واجه القضية بطريقة لينة.

وكان موسى (ع) يعتقد على أنه لازم تواجه القضية بقوة، لأن بني إسرائيل لا يفهمون إلاّ بلغة القوة.. إلخ"(6)

هذا هو الفصل السادس، والمشكلة هي المشكلة والوسائل هي الوسائل، إصرار على التحريف والتزوير والتهويل، وإدعاءات عريضة، لكنها فارغة..

وقد بات القارئ يدرك تماماً – بعد ما مرّ في الفصول السابقة – أسلوب هذا "الكاتب"، وبات يملك من المؤونة ما يمكنه من ملاحظة مفارقاته ومغالطاته.. التي لا يترك فرصة إلا ويظهرها..

 

الكيل بمكيالين

وكما هو ديدنه في هذا الكتاب، فقد صدّر "الكاتب" وقفته السابعة بنشر الإتهامات والإفتراءات على العلامة المحقق لا لشيء إلا لأنه وجده متلبساً "بجريمة" تنزيه الأنبياء عن الخطأ والمعصية والجهل والتقصير.. الأمر الذي يبدو أنه يؤرق بعضاً ويقلق آخرين وها هو يقول : " لست أدري – سماحة السيد – لماذا تنظرون إلى الآيات المباركة بهذه النظرة التي لا تحتمل إلا رأياً واحداً، ولا ترى إلا اتجاهاً وتراً فارداً، وكأن الوحي نزل عليكم، أو كأن تفسيره ليس من حق أحد إلا ما يراه سماحتكم أو ما توافقون عليه من رأي مطروح من قبلكم"(7).

ولن نتوقف هنا عند هذه المفردات الصادرة عن هذا "الكاتب" الذي – ربما – هاله ما رأى من انهيار وتهافت لمقولات صاحبه التي لا تصمد أمام النقد، لذا فهو يعلن في كل مرة يواجه فيها هذه الحقيقة، عن عجزه عن الرد العلمي بهذه الطرق والأساليب التي اعتدناها منه وممن سبقه ولم نفاجأ، فكل إناء بما فيه ينضح.

ولكن ما نود التوقف عنده والإشارة إليه هو : لماذا يضنّ "الكاتب" على العلامة المحقق أن يتبنّى رأياً ويرفض آخر ما دام يعتبر أن ثمة إشكالات محكمة تطعن بالعصمة في بعض التفاسير لهذه الآيات التي سنأتي على ذكرها فيما يلي، هذا في الوقت الذي يرفض فيه هذا "الكاتب" هكذا، وبكل بساطة، ما قاله معظم أعلام التفسير من وجوه للآيات تبرئ ساحة نبي الله موسى (ع) وهارون (ع)، وتنزههما عما لا يليق بساحة قدسهما، بحجة أنها بعيدة عن الظهور أو السياق، متمسكاً برفض العلامة الطباطبائي (قده) لها باعتبار عدم ملائمتها للسياق(8).

ونسأل : ألا يعتبر إعتراض "الكاتب" على تبنّي العلامة المحقق رأياً ورفضه  وتوهينه  لآخر، في الوقت الذي  يقوم هو نفسه  بذلك  من  خلال تمسكه ودفاعه عن رأي العلامة الطباطبائي (قده) الذي يتبنى هو بدوره رأياً ويرفض آخر، وهو أمر طبيعي يمارسه العلماء ولكن وفق معايير وضوابط واضحة وصريحة يلتزمون بها، لا سيما في الموارد التي تمس بعقيدة العصمة مدار تبني هذا الرأي أو رفضه – ألا يعتبر ذلك – من مصاديق الكيل بمكيالين؟‍.

أم أن باء هذا "الكاتب" تجر وباء غيره لا تجر؟‍‍‍‍‍!!.

"أم أن الوحي نزل عليه، أو كأن تفسيره ليس من حق أحد"؟!! إلا ما يراه هو وصاحبه وإن كان في ذلك مسّ أو طعن بعقيدة العصمة، فتبارك الله أحسن الخالقين!!.

وإن كان هذا "الكاتب" قد وجد عند العلامة الطباطبائي (قده) ما يؤيد ما ذهب إليه، فإن لكل جواد كبوة، ولا أحد يدّعي العصمة لغير الأنبياء (ع) والأئمة (ع) وهنا تكمن المشكلة مع هذا "الكاتب" وأمثاله الذين يتمسكون بكبوة لعالم كبير هنا، وآخر جليل هناك ليدافعوا عن عشرات، بل مئات الكبوات(9)، بل الهفوات التي أفصحت عن وجود نهج إنحرافي يقوم على أساس الطعن بالأنبياء، وبعصمتهم بسبب أو بدون سبب، حتى لم يعد بالإمكان اعتبارها كبوة جواد.. بل أصبحت الإستقامة على جادة الحق هي الأمر المستهجن، وهي الإستثناء..

 

آراء العلماء في مهب التحريف

مرة جديدة يطل "الكاتب" برأسه من وراء كومة من المقولات التي سطّرها باسم أعلام التفسير وهم منها براء، وليس ذلك منه إلا إمعاناً في منهجه الذي اتخذه لنفسه، ألا وهو: منهج الدفاع عن "صاحبه" مهما كانت النتائج والتضحيات وتعددت الوسائل والغايات.. فهو:

أولاً : أراد أن يذم فمدح :

إن أول ما يطالعنا به "الكاتب" من طعن على ما ذهب إليه العلامة المحقق في تفسيره هو قوله : "إن ما ذهبتم إليه من تفسير ما حصل بين موسى وهارون "ع" والذي هو رأي قديم للشيخ المفيد (قده) قد ضعفه أعلام التفسير كالعلامة الطباطبائي في ميزانه واعتبره مخالفاً لسياق الآيات في سورتي طه والأعراف"(10).

ولا يخفى أن وصف "الكاتب" لرأي العلامة المحقق بأنه رأي قديم للشيخ مفيد (قده) هو محاولة لتوهين هذا الرأي وتسخيفه!!.

وإذا كان ثمة من حاجة للرد على هذا الكلام، فخير رد هو ما قاله أمير المؤمنين (ع) لمعاوية عندما وصفه بأنه كان يقاد كالفحل المخشوش فأجابه (ع) بقوله " لعمرو الله لقد أردت أن تذم فمدحت"(11).

فإن كون هذا الرأي قد ذهب إليه الشيخ المفيد (قده) هو شرف كبير أنّى لهذا "الكاتب" ولأمثاله أن ينالوه، اللهم إلا إذا كان "الكاتب" يعتقد بأن الدهر يفسد الرأي الصحيح ويصحّح الفاسد منه!!.. على أننا سنكشف أن هذا الرأي ليس رأياً للشيخ المفيد (قده) وحسب، بل هو ما ذهب إليه معظم علماء الأمة وأعلامها..

وما يستوقفنا في كلامه هذا أيضاً هو قوله عن هذا الرأي بأنه : "قد ضعّفه بعض أعلام التفسير كالعلامة الطباطبائي (قده) إذ لا يخفى بأن تعبيره "بالبعض" قد ينحصر بالعلامة الطباطبائي (قده) كما سنكشف عن ذلك بعد قليل.

ثانياً : وأن يفضح فافتضح :

ومما قاله أمير المؤمنين (ع) لمعاوية : "لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فأفتضحت..".

هذه هي حال "كاتبنا" الذي أتى بكلام العلامة الطبرسي(قده) على أنه شاهد لما يرمي إليه وإذا به شاهد عليه.

فقد نقل عنه (قده) قوله في (جوامع الجامع) :

"وعنّف بأخيه وخليفته على قومه إذ أجراه مجرى نفسه إذا غضب في القبض على شعر رأسه ووجهه".(12)

وهذا كلام صريح من العلامة الطبرسي (قده) في أن موسى (ع) لم يغضب على أخيه هارون (ع) كما صّرح بذلك "صاحب من وحي القرآن" الذي ذهب أيضاً إلى أن موسى (ع) قد غضب على هارون لأنه : "إعتبره مسؤولاً عما حدث من خلل التساهل معهم وعدم ممارسة الضغط الشديد عليهم"(13).

وما ذهب إليه الطبرسي (قده) هو أحد الوجوه التي ذكرها الأعلام في تنزيه موسى (ع) وقد ذهب إليه الطوسي (قده) أيضاً كما سترى.

وكذلك السيد المرتضى (علم الهدى) الذي قال :

"ليس فيما حكاه الله تعالى عن فعل موسى (ع) وأخيه عليهما السلام مما يقتضي وقوع معصية ولا قبيح من واحد منهما، وذلك أن موسى (ع) أقبل وهو غضبان على قومه لما أحدثوه بعده مستعظماً لفعلهم مفكراً منكراً ما كان منهم، فأخذ برأس أخيه وجرّه إليه كما يفعل الإنسان بنفسه مثل ذلك عند الغضب وشدة الفكر. ألا ترى أن المفكر الغضبان قد يعض على شفتيه ويفتل أصابعه، ويقبض على لحيته؟ فأجرى موسى (ع) أخاه هارون مجرى نفسه، لأنه كان أخاه وشريكه، وحريمه، ومن يمسّه من الخير والشر ما يمسّه، فصنع به ما يصنعه الرجل بنفسه في أحوال الفكر والغضب، وهذه الأمور تختلف أحكامها بالعادات، فيكون ما هو استخفاف في بعضها إكراماً في غيرها، ويكون ما هو إكرام في موقع استخفافاً في آخر"(14).

إذن فما ذهب إليه السيد المرتضى (علم الهدى) وتبعه عليه الطبرسي (قده) إنما كان إكراماً من موسى لهارون عليهما السلام لأنه قد أجرى أخاه مجرى نفسه.

وقد ذكر الطبرسي (قده) في مجمع البيان خمسة وجوه في معنى أخذ موسى (ع) برأس أخيه :

الأول : ما ذكرناه من رأي السيد المرتضى (علم الهدى) بأنه (ع) قد أجرى أخاه مجرى نفسه.

والثاني : إظهار خطورة ما صدر من قومه، ونسب هذا القول للشيخ المفيد (قده) وهو الذي اختاره العلامة المحقق كما أشرنا إليه فيما سبق.

والثالث : أنه جرّه إليه ليستعلم منه الحال..

والرابع : أنه أخذ برأس أخيه مسكّناً فكره متوجعاً له مواسياً..

الخامس : أنه أنكر على هارون ما بيّنه في سورة "طه" من قوله تعالى : ((ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتّبعن)) ونسبه إلى أبي مسلم(15).

ولا يخفى أن الطبرسي (قده) لا يقبل بها جميعاً، إذ لا يمكنه أن يقبل برأيين متناقضين،لأن الخامس يتنافر مع الأوجه الأربعة الأولى. على أن الطبرسي قد اختار الرأي الأول في كتابة جوامع الجامع وهو النص الذي ذكره "الكاتب" نفسه كما مر.

وعليه نسأل هذا "الكاتب" :

أين هذا الكلام من كلام صاحب "من وحي القرآن" الذي اعتبر أن أخذ موسى (ع) برأس أخيه هو تعنيف له، وغضب عليه لأنه اعتبره مسؤولاً عما حدث!!.

وبعد هذا كله يأتي ليقول بكل جرأة.. أن "السيد" لم يأت بشيء جديد وغريب وعجيب!!(16) وأن العلماء الأعلام قد ذهبوا إلى ما ذهب إليه "السيد" من مقولات، وتبنّوا ما تبنّاه من آراء وأقوال وتفسيرات!!(17).

هذه بعض هرطقات هذا "الكاتب" وسيأتي المزيد :

ثالثاً : لا غضاضة في أن تكون مظلوماً :

ويتابع أمير المؤمنين (ع) في رسالته لمعاوية قائلاً : ".. وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوماً ما لم يكن شاكاً في دينه".

فكيف إذا كان يشكك الناس في دينهم ويزرع الشبهة في نفوسهم ثم بعد ذلك يأتي إلى كتب الأعلام ليحرّف الكلم عن مواضعه ويزوّر التاريخ؟..

وهذا ما فعله "الكاتب" برأي الشيخ الطوسي (قده) عندما نقل عنه تفسيره لمعنى قوله تعالى : ((إني خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل)) حيث قال : "معناه إنما خفت إن فعلت ذلك على وجه العنف والإكراه أن يتفرقوا وتختلف كلمتهم ويصيروا أحزاباً.."(18).

ولا ندري ما يرمي إليه "الكاتب" من نقل كلام الطوسي (قده) هذا إذ أنه لم يتهم فيه موسى (ع) بأنه قد غضب على أخيه لغضبه على قومه وأنه أخذ برأس أخيه تعنيفاً له وغضباً عليه، لأنه اعتبره مسؤولاً عما حدث على حد تعبير "السيد".

وقد ذكر الطوسي (قده) أيضاً في شرحه للآية الواردة في سورة "الأعراف" أنه قيل في معنى الآية : (وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه) قولان : "إحدهما، قال الجبائي : إنما هو كقبض الرجل منا على لحيته، وعضّه على شفته أو إبهامه، فأجرى موسى (ع) هارون مجرى نفسه" ثم نقل قول ابن الأخشيد : "إن هذا أمر يتغيّر بالعادة ويجوز أن تكون العادة في ذلك الوقت أنه إذا أراد الإنسان أن يعاتب غيره لا على وجه الهوان، أخذ بلحيته وجره إليه" وقد علمت أن هذا قول السيد المرتضى علم الهدى (قده) والطبرسي (قده)..

أما القول الثاني فهو أنه (ع) "إنما أخذ برأسه ليسرّ إليه شيئاً أراده" (19).

ولا مانع في هذا الوجه، فإنه ليس فيه طعناً بالنبي (ع).

أما ما ورد في سورة "طه" فقد ذكر الطوسي (قده) أيضاً أن في الآية قولين : "أحدهما : إن عادة ذلك الوقت أن الواحد إذا خاطب غيره قبض على لحيته كما يقبض على يده في عادتنا والعادات تختلف، ولم يكن ذلك على وجه الإستخفاف. والثاني : أنه أجراه مجرى نفسه إذا غضب في القبض على لحيته، لأنه لم يكن يتهم عليه، كما لا يتهم على نفسه"(20).

ولا شك أن القارئ قد التفت إلى قوله (قده) : "ولم يكن ذلك على وجه الإستخفاف" وقوله (قده) : "لم يكن يتهم عليه، كما لا يتهم على نفسه".

فليقارن القارئ كلامه (قده) هذا مع قول صاحب "من وحي القرآن": "وقد غضب على قومه لله.. وعلى أخيه هارون لنفس الغرض.. لأنه اعتبره مسؤولاً عما حدث من خلل التساهل معهم وعدم ممارسة الضغط الشديد عليهم"(21).

ورغم ذلك يأتي "الكاتب" وبكل جرأة ليدّعي أن ما أتى به "السيد" ليس جديداً وأنه يوافق ما قاله أعلام التفسير؟!!.

ولعل "الكاتب" يقول : إني إنما ذكرت كلام الشيخ الطوسي (قده) في مقام الرد على ما قاله العلامة المحقق من أن ما جرى بين موسى (ع) وأخيه هارون (ع) : " لـم يكن سببه الإختلاف في الرأي بينهما في كيفية المعاملة"(22) أو أن ذكر كلام الطوسي (قده) إنما هو لإثبات أن ما قاله العلامة المحقق يخالف ما قاله أعلام التفسير.

فإن كان هذا هو ردّه، فإنه لا يخلو من طرافة وأسف في آن معاً، حيث أن هذا الفهم لكلام الطوسي (قده) بعيد كل البعد عن ما يرمي إليه، فإن الطوسي (قده) صرّح بما لا يقبل التأويل والجدل بأن قول موسى (ع) لأخيه هارون (ع) : "أفعصيت أمري" : "صورته صورة الإستفهام، والمراد به التقرير، لأن موسى (ع) كان يعلم أن هارون لا يعصيه في أمره"(23).

إذن فالشيخ الطوسي(قده) يعتبر أن موسى (ع) كان يعلم أن هارون لا يعصيه في أمره، وأن صورة الإستفهام الظاهرة في قوله لأخيه هارون (ع) : "أفعصيت أمري" إنما يراد بها التقرير، أي أن مفاد الآية هو : أن موسى (ع) وكأنه قال لأخيه (ع) : أنا أعلم أنك لا تعصي أمري فلماذا لم تتّبعن؟!.

وتفسير الطوسي (قده) لقول هارون (ع) : (إني خشيت أن تقول..) بما ذكره "الكاتب" من أنه خاف إن فعل ذلك على وجه العنف أن يتفرقوا، يدل على أن الطوسي (قده) يرى أن الإتباع هنا يراد به اتباعه في استعمال الشدة، ولا يعني أبداً أن الطوسي (قده) يتحدث عن وجود اختلاف في وجهات النظر وفي الرأي حول كيفية التعامل بل على العكس تماماً، لأن هارون (ع) اعتبر عدم استعماله للشدة والعنف ليس رأياً له في مقابل رأي موسى (ع) بل هو التزام بتعاليمه حيث قال له : (أخلفني في قومي وأصلح) لذا قال له هارون (ع) أنه خشي أن يقول له، إن هو استعمل الشدة والعنف، أنه لم يرقب قوله في توصيته بالإصلاح كما أجمع على ذلك المفسرون.

ومما تقدم من تفسير الطوسي (قده) لقوله تعالى : (أفعصيت أمري) من أن المراد به التقرير وإن كانت صورته صورة الإستفهام يتضح أن الشيخ الطوسي (قده) يرى أن هذا الإستعلام عن الوضع من أخيه هارون (ع) لم يكن في مقام السؤال عن عصيان أوامره لأنه يعلم أن هارون لا يعصيه، وإنما كان السؤال عن سبب عدم اتّباع الشدة والعنف، واستفهامه هذا (ع) لا يدل أيضاً على أن موسى (ع) كان يصرّ على إتّباع هذا الإسلوب وأنه عاتبه على عدم إتباعه، لذلك فإنه عندما أخبره هارون (ع) بسبب ذلك قبله منه وحوّل كلامه إلى السامري.

وثمّة لطيفة في الآيات ينبغي التوقف عندها، ترتبط بقول هارون (ع): ((إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل)) واللطيفة هي أنه لو كانت المسألة تتعلق بإختلاف وجهات النظر في أسلوب وكيفية المعاملة، فيرى الأول أصلحية الشدة، ويرى الآخر أصلحية اللين؛ وأن الأمر يتعلق بإظهار وجهة نظر هارون (ع) في أسلوب التعامل، لكان الأنسب أن يقول : إني خشيت أن تتفرق بنو إسرائيل وما يفيد هذا المعنى، لكن الآية لم تأت على هذا النحو وإنما قال هارون (ع) : (إني خشيت أن تقول..) أي أن يقول موسى (ع) أن هارون (ع) قد فرق بين بني إسرائيل.

ويدل ذلك على أن الخشية لم تتعلق بالتفرقة، وإلا لكان قال :"خشيت أن يتفرق" وإنما تتعلق الخشية بقول موسى (ع).

وبعبارة أخرى : إن هارون (ع) لم يخش إن استعمل الشدة والعنف من تفرقة بني إسرائيل، فإن ذلك ليس محطّ نظر من يدعو للتوحيد ونبذ عبادة الأصنام والتهيؤ للحرب في سبيل هذه الدعوة، إنما الذي خشيه هو أن يقول له موسى (ع) أنه فرق بين بني إسرائيل، فالذي خشيه إذن هو قول موسى (ع) ذلك لا لنفس التفرقة.

أما لماذا خشي قوله (ع)، فيوضحه قوله (ع) (ولم ترقب قولي) فالأمر يعود لوصيته (ع) لهارون (ع) بأن يخلفه في قومه ويصلح.

ومقتضى هذا التعبير هو أن تكليف هارون (ع) كان منحصراً في ذلك الوقت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحدود التي لا تؤدي إلى التفرقة بين بني إسرائيل، لأن الحرص على أن لا يؤدي ذلك إلى التفرقة بينهم من مصاديق الإصلاح، ومراقبة قول موسى (ع) والإلتزام به بدقة. وعليه، فإن رفع مستوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى حد الشدة والضرب وغيره مما قد يؤدي إلى التفرقة يحتاج إلى أمر من موسى (ع) نفسه لأنه إمام هارون وصاحب الرسالة، ولما كان هارون (ع) بمقتضى خلافته لموسى (ع)، يعلم أولويات موسى (ع) وأن من هذه الأولويات عدم التفرقة، لم يلجأ إلى ما من شأنه أن يؤدي إليها، وعندما استفسر منه (ع) موسى (ع) الأمر أخبره بخشيته، فقبل منه ذلك.

وإن دلّ ذلك على شيء، فإنه يدل على تقيد هارون (ع) بتعاليم وأوامر موسى (ع) بحذافيرها..

ولو أن موسى (ع)، كما يدعي البعض، كان يرى ضرورة معاملتهم بالشدة؛ فلماذا عدل هو عن ذلك ولم يلجأ إليه، وإن كان يلوم هارون (ع) على عدم استعمال الشدّة فلماذا لم يتدارك ذلك بنفسه وقد كان ذلك بإمكانه إذ لم يكن قد فات الأوان بعد، وقد اكتفى بالإستغفار لنفسه ولأخيه عما صدر من قومه، وبنفي السامري، وحرق العجل، ونسفه في اليم نسفاً.

بعد ما مر نسأل "الكاتب" : ما الفرق بين ما ذكره الشيخ الطوسي (قده) وبين ما ذكره العلامة المحقق أيده الله الذي يقول : أن موسى (ع) وجه إلى هارون (ع) "سؤالاً عن ذلك ليسمع الناس جوابه الذي يتضمن برهاناً إقناعياً يدل على دقّته، وحسن تقديره للأمور، وقد قبل موسى (ع) منه ذلك بمجرّد تفوّهه به، ودعا لنفسه وله"(24).

الحق يقال : أن لا فرق جوهرياً بين القولين وإن كان هناك إختلاف، فإنما هو في أسلوب عرض المسألة.

وما يؤيد هذا التفسير هو قول الطبرسي (قده) الذي نقله "الكاتب" حيث قال في معرض تفسيره لقول هارون (ع) : (إني خشيت..) : " لو قابلت بعضهم ببعض لتفرقوا وتفانوا فأردت أن تكون أنت الملاقي لأمرهم بنفسك، وخشيت عتابك على ترك ما أوصيتني به حين قلت : (إخلفني في قومي وأصلح)"(25)، وهذا يؤكد ما ذكرناه أيضاً من أن إتخاذ قرار قتالهم واستعمال الشدّة معهم مع ما يلزم منه، يحتاج إلى قرار من موسى (ع) بنفسه.. وهذا معنى قوله (قده) "أن تكون أنت الملاقي لأمرهم بنفسك".

 ويلاحظ أيضاً أن هارون (ع) كان يخشى عتاب موسى (ع)، ولا يخفى أن الذي يحرص على أن لا يكون معرضاً للعتاب، لا يتصوّر أن يقدم على أمور تجعله في معرض التأنيب أو العقاب أو الغضب كما ذهب إلى ذلك صاحب "من وحي القرآن".

رابعاً : دفع توهم الإيذاء :

ولماذا تجاهل "الكاتب" ما أجمع عليه أعلام التفسير من أن قول هارون (ع) : (ولا تشمت بي الأعداء) إنما يراد به أنه خاف من أن يتوهم بنو إسرائيل من فعل موسى (ع) عندما أخذ برأسه يجره إليه، أنه أراد إيذاءه.

ولا يخفى ما في استعمالهم للفظة "توهم" من دلالة، إذ لو كان فعل موسى (ع) ناتجاً عن غضب حقيقي على أخيه كما يدعي صاحب "من وحي القرآن" لما كان للحديث عن توهم الإيذاء، أو عن "ما ظاهره الإهانة" معنى، لأن فعله (ع) يكون والحال هذه، غضباً وإيذاءً حقيقياً، لا توهم أو ما ظاهره ذلك.

وها هي أقوالهم(رحمهم الله) بين يديك :

1ـ الشيخ المفيد (قده) : قد تقدم أن الطبرسي نقل عنه قوله في معنى الآية (وأخذ برأس أخيه يجره إليه) أنه كان لإعلامهم "عظم الحال عنده لينزجروا عن مثله في مستقبل الأحوال"(26) فالشيخ المفيد (قده) لا يرى أصلاً أن موسى (ع) قصد بفعلته إيذاء هارون (ع).

2 ـ السيد المرتضى علم الهدى (قده) : فإنه بعد ما ذكر أن أخذه (ع) برأس أخيه يعني أنه أجراه مجرى نفسه ذكر أن قوله (ع) (لا تأخذ بلحيتي) : " لا يمتنع من أن يكون هارون (ع) خاف من أن يتوهم بنو إسرائيل لسوء ظنهم أنه منكر عليه معاتب له"(27).

3 ـ الشيخ الطوسي (قده) : وفي تفسيره لقوله تعالى : (ربي اغفر لي ولأخي..) قال الطوسي (قده) : "في هذه الآية حكاية عن دعاء موسى (ع) ربه عز وجل حين تبين له ما نبهه إليه هارون من خوف التهمة، ودخول الشبهة عليهم بجره رأسه إليه"(28).

4 ـ الشيخ الطبرسي (قده) : أما الشيخ الطبرسي (قده) فلم يخرج عما ذهب إليه من سبقه حيث قال :" (لا تشمت بي الأعداء) أي لا تسرّهم بأن تفعل ما يوهم ظاهره خلاف التعظيم"(29).

وليتأمل في قوله (قده) : "خلاف التعظيم" فإنه لا يخلو من دلالة.

5 ـ صدر الدين الشيرازي (قده) : أما صدر المتألهين فقد ذكر بما لا لبس فيه من أن موسى (ع) عندما أخذ " رأس أخيه يجره إليه لم يكن على سبيل الإيذاء، بل يدنيه من نفسه ليتفحّص منه حقيقة الحال، فخاف هارون (ع) أن يحمله بنو إسرائيل على سبيل الإيذاء ويفضي إلى شماتة الأعداء"(30).

6 ـ إبن أبي جامع العاملي (قده) : أما العاملي فقد ذكر في الوجيز ما نصه : "يجره إليه" غضباً على قومه كما يفعل الغضبان بنفسه.. (فلا تشمت بي الأعداء) لا تسرّهم بأن تفعل بي ما ظاهره الإهانة"(31).

خامساً : ماذا عن رأي الشيخ الصدوق (قده) :

إن المطلع على رأي الصدوق (قده)، يدرك حجم التهويل الذي أطلقه "الكاتب" عندما وصف ما ذهب إليه العلامة المحقق بأنه رأي قديم للمفيد (قده)!! مصرِّحاً بأن هذا الرأي قد ضعّفه بعض أعلام التفسير كالعلامة الطباطبائي (قده) موحياً بإنفراد الشيخ المفيد به.

وهذا غاية في التمويه والتعمية، بل التضليل، وتزوير ما بعده تزوير. فما ذهب إليه الشيخ المفيد (قده) سبقه إليه الصدوق (قده) الذي قال : " وفي العادة أيضاً أن يخاطب الأقرب ويعاتب على ما يأتيه البعيد عن إتيان ما يوجب العقاب، وقد قال الله عز وجل لخير خلقه وأقربهم إليه (لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) وقد علم عز وجل أن نبيه (ص) لا يشرك به أبداً.. إنما خاطبه بذلك وأراد به أمته، وهكذا موسى (ع) الذي عاتب أخاه هارون (ع) وأراد بذلك أمته اقتداء بالله تعالى ذكره وإستعمالاً لعادات الصالحين قبله وفي وقته"(32).

والشواهد على هذا الأمر كثيرة، فقد نقل عن رسول الله (ص) قوله لابنته الصديقة الشهيدة الطاهرة : والله لو سرقت فاطمة لقطعت يدها، ولا يتوهم بحق الزهراء (ع) فعل القبيح.

وكذلك قول الله لعيسى (ع) مما جاء في محكم التنزيل : ((وإذ قال الله لعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس إتخذوني وأمي إلهين من دون الله، قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق))(33) فالله يعلم بأن عيسى (ع) لم يقله، إنما سأله ليظهر براءته على لسانه.

وقال تعالى : ((ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين))(34) وهو تعالى يعلم أنه (ص) لا يتقوّل عليه ذلك.

ونكتفي بما مر فإن اللبيب من الإشارة يفهم.

سادساً : العلامة المجلسي (قده) أيضاً :

وهذا الرأي لم ينفرد به الصدوق (قده) والمفيد (قده)، بل تابعهما عليه العلامة المجلسي (قده) في بحاره إذ بعد نقله لنص الصدوق (قده) وإستعراضه للوجوه التي ذكرها علم الهدى، علق قائلاً : "أقول : لعل الأظهر ما ذكره الصدوق (قده) أخيراً من كون ذلك بينهما على جهة المصلحة لتخفيف ألامة، وليعلموا شدّة إنكار موسى عليهم (ع)"(35).

سابعاً : وماذا عن المعاصرين :

وحتى لا نبقى مع المتقدمين أو أصحاب الآراء القديمة كما يحلو "للكاتب" أن يعبر، وإن كنا ذكرنا أن العلامة المجلسي (قده) كان من بين الذين تبنوا رأي "إظهار خطورة الموقف" وهو المتوفي سنة 1110 هـ أي منذ حوالي ثلاثماية سنة، فإننا نذكر رأي أحد العلماء المعاصرين، وهو سماحة الشيخ جعفر السبحاني الذي ذهب إلى عين ما ذهب إليه المجلسي (قده) تبقاً للصدوق (قده) والمفيد (قده) حيث يقول : " واجه أخاه القائم مقامه في غيبته ، بالشدة والعنف حتى يقف الباقون على خطورة الموقف"(36).

بعد ما مرّ نسأل "الكاتب" : ما الفرق بين ما قاله الشيخ السبحاني وما قاله العلامة المحقق :" إن ما أظهره موسى (ع) تجاه أخيه هارون (ع) لم يكن سببه الإختلاف في الرأي بينهما في كيفية المعاملة، بل كان من أجل إظهار خطر ما صدر منهم"(37) .

ولو أردنا تتبع أقوال المفسرين الذين نزّهوا موسى (ع) عن أن يكون قد أخذ برأس أخيه غضباً عليه لأنه اعتبره مسؤولاً عما حدث، كما ذهب إلى ذلك صاحب "من وحي القرآن" الذي يدافع عنه هذا "الكاتب" لسطّرنا عشرات الأسماء إن لم نقل المئات ممن ذهبوا إلى خلاف ذلك واستبعدوه ، تنزيهاً لنبي الله موسى (ع).. ومن لم يكفه الصدوق (قده) والمفيد (قده) وابن أبي جامع العاملي (قده) والمجلسي (قده).. لن يكفيه المئات ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً..

وبعد ذلك كله يأتي هذا "الكاتب" "المدعي" ليقول : إن "السيد" لم يأت ببدع من القول، ولا بشيء جديد، وإن ما قاله قد سبقه إليه أعلام التفسير‍‍‍‍‍‍‍!!!! فتبارك الله أحسن الخالقين ‍‍‍!!!!.

ثامناً : تحريف سافر لرأي الشيرازي :

ولا ينقضي عجبي من جرأة هذا "الكاتب" المزدوجة : جرأته على تحريف رأي العلامة ناصر مكارم الشيرازي، وجرأته على الإدعاء بأن ما ذهب إليه العلامة المحقق رأي قديم للمفيد (قده)‍!!.

ففضلاً عن أننا قد بيّنا أن هذا الرأي "القديم" – على حد تعبيره – قد ذهب إليه الصدوق (قده) والمجلسي (قده) أيضاً من المتقدمين، والشيخ السبحاني من المعاصرين ، فإن جرأته على تحريف رأي العلامة الشيرازي تزداد خطورة، مع علمه بأن صاحب الأمثل يذهب إلى عين ما ذهب إليه العلامة المحقق تبعاً للصدوق (قده) والمجلسي (قده)، فقد ذهب هذا "الكاتب" إلى أبعد الحدود حيث قام بالعبث بكلام العلامة الشيرازي    فقطعه تقطيعاً ومزقه تمزيقاً - كما يحلو "للكاتب" أن يعبر -، فلم يعد هناك أثر لظهور أو سياق، حيث أنه قد حرّفه عن مقصد كاتبه 180 درجة.

والأنكى من ذلك كله : أنه يرمي الآخرين ويتهمهم بذلك ، حتى إذا صدقته فوجئت ببراءة الآخرين منه وابتلائه هو بما رماهم به، فهو، كما قال الشاعر : " رمتني بدائها وانسلت ".

فليعد القارئ الكريم إلى ما دوّنه "الكاتب" عن رأي صاحب "الأمثل"(38) ليرى ماذا فعلت يدا "هذا الكاتب" غير الأمينة حيث ذكر قول الشيرازي الذي يقول فيه : إن ما فعله موسى (ع) كان : "وسيلة مؤثّرة لهزّ عقول بني إسرائيل الغافية، وإلفاتهم إلى قبح أعمالهم"(39).

لكنه لم يكمل النص الذي يقول فيه : ".. وبناء على هذا إذا كان إلقاء ألواح التوراة في هذا الموقف قبحاً (فرضاً) وكان الهجوم على أخيه لا يبدو عملاً صحيحاً في النظر، ولكن مع ملاحظة الحقيقة، وهي أنه من دون إظهار هذا الموقف الإنزعاجي الشديد لم يكن من الممكن إلفات نظر بني إسرائيل إلى أهمية وعمق خطئهم.."(40).

وعليه نسأل "الكاتب" من الذي يقطِّع النصوص تقطيعاً ويمزقها تمزيقاً؟!!.

وما هو الفارق بين كلام العلامة الشيرازي عن إلفات نظر بني إسرائيل إلى أهمية وعمق خطئهم أو قبح أعمالهم، وبين كلام العلامة المحقق عن إظهار خطورة موقفهم؟!.

على أن التضليل الأخطر هو تجاهل "هذا الكاتب" لرأي العلامة الشيرازي الذي ورد في تفسير سورة "طه" وإن كان ما تقدم كافٍ خاصة أنه نقل عنه من هناك بعض العبارات، مع أنه هو نفسه الذي يطلب من الآخرين مراجعة كل أجزاء "من وحي القرآن" للوقوف على رأي صاحبه عند كل مسألة!! بل مراجعة كل كتبه!! إذ لعله بيّن مراده في مكان آخر ما، وإن أخّر البيان عن موضع الحاجة!!!.

والنص الذي تجاهله "الكاتب" لغاية لم تعد خافية صريح كل الصراحة، وواضح كل الوضوح، ويحدد تماماً رأي العلامة الشيرازي من هذه القضية، وهو الرأي الموافق والمطابق لرأي العلامة المحقق أيده الله تبعاً للصدوق (قده) والمفيد (قده) والمجلسي (قده).. كما أسلفنا.. هذا الرأي الذي يتمحور حول أن ما جرى بين موسى (ع) وهارون (ع) من أخذه برأس أخيه وجره إليه، إنما كان نوعاً من العمل "الإستعراضي" الذي يريد موسى (ع) من خلاله إظهار خطورة ما فعله بنو إسرائيل.

فلنقرأ بإمعان ما يقوله العلامة الشيرازي بالنص الحرفي :

فهو يقول : " وهنا ينقدح السؤال التالي وهو : لا شك أن كلاً من موسى (ع) وهارون (ع) نبي فكيف يوجه هذا البحث والعتاب واللهجة الشديدة من قبل موسى (ع)، وما أجاب به هارون (ع) مدافعاً عن نفسه؟!.

 ويمكن القول في الجواب : إن موسى (ع) كان متيقناً من براءة أخيه [لا يخفى أن المتيقن من براءة أخيه لا يعامله بشدة على نحو الحقيقة] إلا أنه أراد أن يثبت أمرين بهذا العمل :

الأول : أراد أن يفهم بني إسرائيل أنهم قد ارتكبوا ذنباً عظيماً جداً، وأي ذنب؟! ذنب ساق حتى قدّم هارون الذي كان نبياً عظيماً إلى المحكمة، وبتلك الشدة من المعاملة، أي أن المسألة لـم تكن بتلك البساطة التي كان يتصورها بنو إسرائيل، فإن الإنحراف عن التوحيد والرجوع إلى الشرك أمر لا يمكن تصديقه، ويجب الوقوف عنده بكل حزم وشدة، قد يشق الإنسان جيبه، ويلطم على رأسه، عندما تقع حادثة عظيمة أحياناً، فكيف إذا وصل الأمر إلى عتاب أخيه وملامته، ولا شك أن هذا الأسلوب مؤثر في حفظ الهدف وترك الأثر النفسي في الأناس المنحرفين، وبيان عظمة الذنب الذي ارتكبوه، كما لا تشك في أن هارون (ع) – أيضاً – كان راضياً كل الرضا عن هذه الحادثة.

الثاني : هو أن يثبت للجميع براءة هارون (ع) من خلال التوضيحات التي يبديها، حتى لا يتهموه فيما بعد بالتهاون في أداء رسالته.

وبعد الإنتهاء من محادثة أخيه هارون (ع)، وتبرأة ساحته بدأ بمحاكمة السامري"(41).

ونسأل "الكاتب" : ما الفرق بين ما ذكره العلامة المحقق المؤيَّد من أن ذلك كان لإظهار خطورة الموقف، وبين ما نقلناه عن العلامة الشيرازي الذي تحدث عن أن ذلك كان لإفهام بني إسرائيل عظم ما ارتكبوه من ذنب؟.

وهل بعد حديث صاحب تفسير "الأمثل" عن أن هارون (ع) كان راضياً، بلا شك، عما جرى بينه وبين أخيه من أخذ رأسه وجره إليه – هل بعد هذا – شك في أن هارون (ع) كان يعلم أن هدف موسى (ع) هو إظهار خطورة الموقف على حد تعبير العلامة المحقق؟.

ونسأل الكاتب بعد ما مرّ :

هل لا زال رأي العلامة المحقق، رأياً قديماً للشيخ المفيد؟!. أم أنه هو الرأي الأصيل في مقابل ما هو غير أصيل.

تاسعاً : تأويل غريب.. عند عقول القاصرين!!.

وما يستوقفنا في كلام العلامة الشيرازي هو النقطة الثانية، أعني حديثه عن أن من أهداف الحادثة هو إثبات براءة هارون (ع) كي لا يُتهم بالتهاون.

وكذلك تعبيره بأن موسى (ع) بدأ بمحاكمة السامري بعد تبرئة ساحة أخيه.

إذ نسأل عند هذه النقطة : ما الفرق بين ما ذكره العلامة الشيرازي هنا، وبين ما ذكره العلامة المحقق من أن هذا الموقف يهدف، فضلاً عن إظهار خطورة ما صدر منهم إلى : "إظهار براءة هارون (ع) وتحصينه من نسبة القصور أو التقصير إليه"(42).

هذا الذي ذكره العلامة المحقق علّق عليه "الكاتب" تحت عنوان : تأويل غريب!!! قائلاً : "وهذا وجه لم يسبقكم إليه أحد من المفسرين، لا من القدماء، ولا من المعاصرين، بل لم يخطر على بال واحد منهم"(43) فاقرأ وأعجب!!!.

مما مرّ يتبين بشكل واضح، بل فاضح مدى زيف ادعاءات هذا "الكاتب" وتهويلاته، وتهكماته على العلامة المحقق، إذ كيف " قطع" و "جزم" بأن رأي العلامة المحقق هو مما لم يسبقه إليه أحد من المفسرين قاطبة لا من القدماء ولا من المعاصرين على حد تعبيره. مع أن كلام الشيرازي بين يديه صريح وواضح بأن من أهداف هذه الحادثة : " أن يثبت للجميع براءة هارون (ع)... حتى لا يتهموه فيما بعد بالتهاون في أداء رسالته"(44).

فهل نقول أنه ليس عنده تفسير الأمثل؟! كيف وقد نقل عنه تلك النصوص التي : " قطعها تقطيعاً ومزقها تمزيقاً، فلم يعد في البين سياق ولا ظهور" كما يحلو له أن يعبّر.

أم نقول : إن "الكاتب" يحمل الكتاب بين يديه، ولكنه قاصر عن فهم معانيه؟ كيف وهو الذي يدعي المعرفة باتجاهات التفسير، ومناهجه ويتهم الآخرين بعلمهم!!.

أم نقول : أن الكتاب لديه ونصوصه بين يديه، لكنه لم يلتفت إلى هذا النص؟! كيف وهو يقفز فوق سطوره قفزاً!!

إذن لا محيص عن القول : إنه الدهاء والفجور وإن لم تستح فافعل ما شئت.

وإن ما ذكره هؤلاء الأعلام ليس بتأويل غريب.. إلا عند القاصرين.

عاشراً : هل الشيخ السبزواري من القدماء ؟! :

قد ذكرنا بأن مقولة : " إظهار خطورة ما صدر من بني إسرائيل" قد تبنّاها الصدوق (قده) والمفيد (قده) من القدماء، والمجلسي (قده) من المحدثين، والشيخ السبحاني والعلامة مكارم الشيرازي من المعاصرين، وليس ذلك عملاً إحصائياً منا، فإن ذلك يحتاج إلى توافر مصادر تفسيرية تخولني إجراء نوع من المسح الشامل لهذه التفاسير.. ومكتبتي المتواضعة غير قادرة على توفير ذلك.

ومهما يكن من أمر، فإن الشيخ "محمد السبزواري" صاحب تفسير "الجديد في تفسير القرآن المجيد" تحدث عن أربعة وجوه في تفسير الآية، قبل إثنتين منها وضعف إثنتين،عبر عنها بلفظ "قيل"؛ أمّا الوجهان المقبولان عنده فهما :

الأول : أنه (ع) أجراه مجرى نفسه.

الثاني : وهو ما ذكره الشيخ المفيد (قده) بأن ذلك إنما صدر منه(ع): " تألماً واعلاماً لهم بعظم الحال عنده لينزجروا عما وقعوا فيه "(45).

أما الوجهان اللذان أوردهما بلفظ " قيل" فهما :

الثالث : أنه (ع) أخذ برأس أخيه " مهدئاً، ومتوجعاً له".

الرابع : أنه (ع) أخذ برأس أخيه منكراً عليه فعل قومه (ع)، والشيخ السبزواري من المعاصرين كما لا يخفى، إلا أن يدعي "الكاتب"، وكما هو ديدنه، وحال سائر ادعاءاته، أنه من القدماء وأن رأيه رأي "قديم"، كما وصف رأي الشيخ المفيد (قده)!! مع العلم أنه ما فتئ يردد أن "السيد" لم يأت بشيء جديد!!!

حادي عشر : بنيان على شفا جُرف هارٍ :

إن كل ما ادعاه "الكاتب" من إفك وإفتراء ومارسه من تهكّم على العلماء لا يلبث أن ينهار بعد أن أظهر الله زلـله عن حقيقة ادعاءاته بأن صاحبه "لم يأت بشيء جديد".

فهلمّ عزيزي القارئ نسمع ونقرأ معاً، معزوفة "الكاتب" النشاز وتناقضاته السافرة.

فهو يقول : " لست أدري لماذا يكون ديدنكم في كتاب "خلفيات" الإبتعاد عن مراجعة المصادر، وأقوال العلماء الأعلام"(46)!!!.

وطبعاً من حق القارئ أن يسأل بعد ما مرّ : من هم هؤلاء الأعلام الذين يتحدث عنهم هذا "الكاتب"؟!.

ولكن فلنتابع، ونترك هذا السؤال جانباً، حيث يضيف"الكاتب":"لعلمتم أن ما جاء به "السيد" هو بعينه ما قاله العلامة الطباطبائي (قده) في ميزانه، وغيره من الأعلام"(47).

ومن جديد نسأل "الكاتب" : من هم هؤلاء الأعلام؟ ولا جواب!! ولكن فلنحفظ قوله : "هو بعينه ما قاله العلامة الطباطبائي في ميزانه، وغيره من الأعلام".

ويتابع "الكاتب" قائلاً :" أريد أن أقول : أن "السيد" لم يأت بشيء جديد، وغريب، وعجيب، فمن الأولى أن يكون اعتراضكم على "الكل" بدلاً من "البعض"..(48).

ومن حق القارئ أن يسأل أيضاً : من هم هؤلاء "الكل" الذين طابق قولهم قول "البعض"؟!! ولن يُسمع أي جواب!!.

لكن "الكاتب" لم ينته عند هذا الحد في ادعاء التطابق بين قول "السيد" وقول "الأعلام"، فها هو يختم بالقول : " ينبغي أولاً أن تضعوا أصابعكم الشريفة على جراحات المفسرين النازفة منذ الشريف المرتضى، والطوسي، والطبرسي، وحتى مغنية، والطباطبائي، ومكارم الشيرازي، الذين ذهبوا إلى ما ذهب إليه "السيد" من مقولات، وتبنّوا ما تبنّاه من آراء، وأقوال، وتفسيرات"(49).

وأخيراً نطق وصرّح بأسماء هؤلاء الأعلام الذين منهم المرتضى (قده)، والطوسي (قده) والطبرسي (قده) والشيرازي.

وبعد ما مرّ، وبعد أن اتضح هذا الإدعاء، فلنر إلى أي مدى كان "الكاتب" منسجماً مع ما ذكره في أماكن أخرى من بحثه هذا.

يقول "الكاتب" : " وكما هو معروف في عالم التفسير، فإن الوجوه التي ذكرتموها في تأويل غضب موسى (ع) أربعة.."(50).

ثم يستعرض هذه الوجوه الأربعة التي ذكرناها فيما مرّ عن الطوسي (قده) والطبرسي (قده) والمرتضى (قده)، لكن "الكاتب" "الحذق" بعد أن استعرضها علّق عليها قائلاً وبصوت ملؤه الثقة : " ومن دون شك أن هذه الوجوه الأربعة بعيدة عن الظهور والسياق [!!!].. ولهذا صرّح بعض المفسرين بذلك، كالعلامة الطباطبائي.."(51).

نعود لنستحضر قول "الكاتب" الذي أشرنا إلى ضرورة حفظه وهو وصفه لرأي "السيد" بأنه "هو بعينه ما قاله الطباطبائي وغيره من الأعلام" فنسأل :

كيف يمكن الجمع بين القول بأن رأي "السيد" يوافق ما قاله الأعلام، في الوقت الذي يرى فيه الطباطبائي (قده) وكما يدعي الكاتب – أن ما قاله الأعلام بعيد عن الظهور والسياق؟ فإن ذلك يعني عدم تطابق رأي الأعلام مع رأي العلامة الطباطبائي (قده) بل هو متنافر معه، ويلزم منه أن يكون رأي "السيد" يطابق كلام "الأعلام" فهو بالتالي بعيد عن السياق والظهور وفق رأي الطباطبائي (قده)، لكن "الكاتب" يقول أنه عينه، إذن لا يمكن أن يكون رأي "السيد" مطابق لكلام الأعلام، بل بينهما تنافر، لأنه يعتبر أن رأيهم تبعاً للعلامة الطباطبائي (قده)، بعيد عن الظهور والسياق.

ثم إن الكاتب لم يقتصر في تهافته عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى آخر لا يخلو من افتراء واضح وفاضح على العلامة الطبرسي (قده).

فلنقرأ هذا النص "للكاتب" بتمهّل وإمعان حيث يقول :

" ذكر الشيخ الطبرسي (قده) في "مجمع البيان" الوجوه الأربعة الآنفة الذكر، ثم ذكر الوجه الخامس الذي يتلاءم مع الظهور، عن أبي مسلم، وهو : "أنه (ع) أنكر على هارون (ع) ما بينه في سورة "طه" قوله : (ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألاّ تتّـبعن" الآية، ولا يخفى أن العلامة الطبرسي (قده) يقبل بالوجه الخامس ويرتضيه، بل إنه ذهب إليه في تفسيره لآيات سورة "طه" لملائمته الظهور، حيث يتسأل في تفسيره لقوله : (أفعصيت أمري)(52) : "متى قيل أن الظاهر يقتضي أن موسى كان أمره باللحاق به، فعصى هارون أمره؟".

يجيب الطبرسي (قده) عن هذا السؤال بقوله : " قلنا يجوز أن يكون أمره بذلك بشرط المصلحة، ورأى هارون الإقامة أصلح، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب. [مجمع البيان/7-8/43] " (53).

هذا ما ذكره "الكاتب" بالحرف الواحد عن رأي الشيخ الطبرسي (قده) وقبل أن نشير إلى وجه التهافت لا بد من الإشارة إلى عدّة أمور:

1 ـ إن عبارة : " ثم ذكر الوجه الخامس الذي يتلائم مع الظهور" هي عبارة "الكاتب" أي أن الشيخ الطبرسي (قده) لم يقل أن هذا الوجه يتلائم مع الظهور.

2ـ وكذلك عبارة : " ولا يخفى أن العلامة الطبرسي (قده) يقبل بالوجه الخامس ويرتضيه بل إنه ذهب إليه في تفسيره لآيات سورة "طه" لملائمته الظهور" فإن عبارة "ملائمته للظهور" هي "للكاتب" ولم يقل الطبرسي (قده) ذلك.

3 ـ إن الوجه الخامس المشار إليه إنما ذكره الطبرسي (قده) في عرض الوجوه الأربعة ولا توجد دلالة أو أية إشارة أو حتى إلماحة منه إلى ارتضائه له، بل الدلالات الكثيرة تشير إلى خلاف هذا الأمر بإعتراف "الكاتب" نفسه كما سيأتي.

4 ـ لقد جعل "الكاتب" عمدة دليله على كون الطبرسي (قده) قد اختار الوجه الخامس هو ما ذكره من الإشكال الذي طرحه الطبرسي (قده) في أنه إذا كان موسى (ع) قد أمر هارون (ع) باللحاق به فإن ذلك يعني عصيان هارون (ع) لأمر موسى (ع)، وإجابة الطبرسي (قده) على ذلك بأنه قد يجوز أمره بذلك شرط المصلحة، وأن هارون (ع) رأى الإقامة أصلح.

وكما ترى أخي القارئ فإنه استدلال عجيب، لأن الطبرسي (قده) إنما ذكر هذا الإشكال على سبيل التنزّل، أي عند من يقول بظهور أمره (ع) له (ع) باللحاق به، وعند من يقول أن قوله (ألاّ تتّبعن) يعني ألا تلحق بي.

والسؤال الرئيسي هنا هو : ما هو رأي الطبرسي (قده) في قوله : (ما منعك إذ رأيتهم ضلّوا ألا تتّبعن * أفعصيت أمري)؟، فإذا كان رأي الطبرسي (قده) أن معنى الإتباع هنا هو اللحاق به كان استدلال "الكاتب" في محله، أما إذا كان غير ذلك فيكون إستدلاله افتراءاً وتعسفاً كما هو واضح..

إن الإجابة على هذا السؤال تظهر تهافت "الكاتب" وتناقضاته، لأنه ذكر بنفسه قبل صفحات قليلة رأي الشيخ الطبرسي (قده) في هذه القضية، وقد أشرنا إليه في النقطة الثانية تحت عنوان : " وأن يفضح فافتضح" حيث يقول "الكاتب" :

" في تفسيره لقوله : (قال يا هارون ما منعك إذا رأيتهم ضلّوا ألا تتّبعن أفعصيت أمري) يقول العلامة الطبرسي : (أفعصيت أمري) فيما أمرتك، يريد قوله : (أخلفني في قومي وأصلح ولا تتّبع سبيل المفسدين)، فلمّا أقام معهم ولم يبالغ في منعهم نسبه إلى عصيانه"(54).

أي لم يبالغ في منعهم عبر شدّة الزجر لهم.

وينقل "الكاتب" أيضاً عن الطبرسي (قده) قوله في "جوامع الجامع" حول قول هارون (ع) : (إني خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل) : "إني لو قاتلت بعضهم ببعض لتفرقوا وتفانوا"(55) .

وليس هذا وحسب، فإن الطبرسي (قده) نفسه يصرّح بعد الإشكال الذي طرحه، والذي تحدث عنه "الكاتب" أيضاً بقوله : "يجوز أن يكون لم يأمره بذلك (أي باللحاق به) وإنما أمره بمجاهدتهم وزجرهم عن القبيح"(56).

أضف إلى ذلك أن الطبرسي (قده) قد تبنّى الوجه القائل بأن موسى (قده) بأخذه رأس أخيه يجره إليه قد أجرى أخاه مجرى نفسه، وقد أشرنا إلى أن هذا الفعل هو إكرام من موسى (ع) لهارون (ع) كما صرّح بذلك المرتضى (قده) والطوسي (قده) قبله، وهذا الرأي هو الرأي الأول والوجه الأول من الوجوه التي ذكرها الطبرسي (قده)(57) .

وما دام كتاب (جوامع الجامع) للطبرسي هو خلاصة آرائه كما ذكر ذلك "الكاتب" نفسه فيما أشرنا إليه سابقاً (58) فإن الطبرسي (قده) يتحدث فيه عن هذا الوجه وحسب، حيث قال في النص الذي نقله "الكاتب" أيضاً :   " وعنّف بأخيه وخليفته على قومه إذ أجراه مجرى نفسه إذا غضب في القبض على شعر رأسه ووجهه"(59) .

ولا أخفي أنني عندما قرأت هذه التهافتات والتناقضات العجيبة ذكرت قول الله تعالى :

(فمن أسّس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير، أم من أسّس بنيانه على شفا جرف هارٍ، فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين).(60)

ثاني عشر : اللغة التحريضية :

ذكر :الكاتب" أن العلامة المحقق تحدّث عن مخاطر ومحاذير ثلاث ينبغي الإلتفات إليها في معالجة الآيات المذكورة :

"أولاً : "إنّ مخالفة هارون لموسى(ع) الذي هو إمام هارون، إنما يعني التأسيس لتجويز مخالفة كل مأموم لإمامه، وتبرير خروجه عليه".

ثانياً : إن الإختلاف في الرأي هنا يستبطن وجود مخطئ ومصيب، فبأيهما تكون الأسوة والقدرة للناس، والحالة هذه؟!!.

ثالثاً : إنه إذا كان إختلاف الرأي يرتبط بالدعوة وأسلوبها، فذلك يعني أن هذا النبي يجهل تكليفه، فكيف يمكنه تبليغه للناس وإعلامهم به؟!! إلا يلزم من ذلك تبليغ حكم خاطئ لا واقع له"!!"(61).

ثم علق "الكاتب" على هذه المحاذير بطريقة تحريضية قائلاً :

"ومع الأسف الشديد فإن مفسرّين قدماء ومعاصرين أمثال الطوسي (قده)، والطباطبائي (قده) لم "يتفطنوا" إلى هذه المحاذير الخطيرة التي ذكرتموها".

وأضاف : "وكما أن صاحب تفسير "الكاشف" العلامة مغنية العاملي لم "يتفطن" هو الآخر إلى المحاذير الثلاثة التي ذكرتموها".

ثم استعرض رأي العلامة مكام الشيرازي واضعاً له في سياق مؤيِّد كما يزعم (62).

على أن هذه اللغة التحريضية لن تنفع في جعل الحق باطلاُ والباطل حقاً مهما جاهد "الكاتب" في ذلك.

ومهما يكن من أمر، فإننا يمكن أن نبدي ملاحظات عدة :

1 ـ فيما يتعلق برأي العلامة الطبرسي (قده) قد تقدم الحديث عنه وعن تحريف "الكاتب" له.

2 ـ وكذلك الحال بالنسبة لرأي صاحب تفسير الأمثل.

3 ـ إن هذه المحاذير والمخاطر هي التي دفعت بالصدوق (قده) والمفيد (قده) والمرتضى (قده) والطوسي (قده) والطبرسي (قده) والمجلسي (قده) وابن أبي جامع العاملي (قده) والشيرازي والسبحاني وغيرهم لأن يذهبوا إلى ما ذهبوا إليه من آراء باتت واضحة وقد استعرضناها فلا نعيد.

4ـ أوليست هذه المحاذير هي التي دفعت بالشريف المرتضى (قده) ليذهب إلى ما ذهب إليه مما تقدم؟!! وإلا فما الفرق بين هذه المحاذير وبين ما صاغه الشريف المرتضى (قده) في سؤاله عندما قال : "أوليس ظاهر الآية يدل على أن هارون عليه السلام أحدث ما أوجب إيقاع ذلك الفعل منه؟ وبعد، فما الإعتذار لموسى (ع) من ذلك وهو فعل السخفاء والمتسرّعين وليس من عادة الحكماء والمتماسكين"(63).

ثم أجاب الشريف المرتضى(قده) عن هذه التساؤلات (المخاطر والمحاذير) بما كنا قد ذكرناه من كلامه تحت عنوان : "وأن يفضح فافتضح".

5 ـ أوليست هذه المخاطر والمحاذير هي التي دفعت بالعلامة الشيرازي لطرح السؤال التالي والذي مرّ ذكره :

"وهنا ينقدح السؤال التالي وهو : لا شك أن كلاً من موسى وهارون نبي، فكيف يوجّه هذا البحث والعقاب واللهجة الشديدة من قبل موسى، وما أجاب به هارون مدافعاً عن نفسه؟"(64).

ثم ساق الإجابة التي تحل إشكالية هذه المحاذير والمخاطر وهي عينها التي ذكرها العلامة المحقق وغيره من الأعلام كما أسلفنا.

6ـ إن احتجاج "الكاتب" بشكل تحريضي، بأن بعض المفسرين لم "يتفطنوا" لهذه المخاطر والمحاذير أمراً عجيباً، لأنه حتى الذين استدل بكلامهم كالعلامة الطباطبائي، والشيخ مغنية قد تفطنوا لهذه المخاطر والمحاذير ولذلك تحدث العلامة الطباطبائي عن أن "هذا المقدار من الإختلاف في السليقة والمشية بين نبيين معصومين لا دليل على منعه، وإنما العصمة فيما يرجع إلى حكم الله سبحانه دون ما يرجع إلى السلائق وطرق الحياة على اختلافها"(65).

وتحدث الشيخ مغنية في محاولة منه لحل هذه المخاطر والمحاذير عن أن " العصمة لا تحوّل الإنسان عن طبيعته، وتجعله حقيقة أخرى"(66).

والملفت أن "الكاتب" ذكر هذه النصوص، مما يعني أنه يعرف أن العلامة الطباطبائي قد التفت "وتفطن" إلى هذه المحاذير والمخاطر، وكذلك الشيخ مغنية، وإن لم يوفقا في إجابتهما، وتوهما أن ما ذكراه يحل الإشكالية.

أما بالنسبة للعلامة الطباطبائي فإن قوله : إن العصمة إنما تكون "فيما يرجع إلى حكم الله سبحانه دون ما يرجع إلى السلائق" فغير مقبول على إطلاقه، لأن الدليل، بعكس ما قال العلامة الطباطبائي(قده)، قد قام على منع الإختلاف في السليقة والمشية بين نبيّين معصومين إذا لزم عن هذا الاختلاف توجيه الإتهامات الباطلة من بني إلى آخر بالتقصير أو عدم تقدير الأمور، خاصة إذا وصل الأمر إلى حد القيام بأمور كأنها مقدمة لضربة، كما ذكر العلامة الطباطبائي (قده).

ولا شك أن الدليل لم يقم على منع إقدام نبي على ضرب نبي آخر وحسب، بل قام أيضاً على منع صدور أي مقدمة لهذا الفعل.

لكن المفارقة هنا، لماذا لم يحرّض "الكاتب" على رأي السيد الطباطبائي(قده) ويقول له بأن هذا الحديث عن الإختلاف في السليقة، والذي لم يقم الدليل عليه منع صدوره من المعصوم مما لم يتفطن إليه المفسرون كما حرّض على ما ذكره العلامة المحقق!!.

وما قيل حول رأي العلامة الطباطبائي، يقال أيضاً حول رأي الشيخ مغنية، لأن ما ذكره الأخير من أن " العصمة لا تحوّل الإنسان عن طبيعته" أمرٌ مخالف لأبسط تعاليم الإسلام وأوضح أخلاقياته، إذ لو كان الأمر كذلك، لأضحت إرشادات أهل البيت (ع) وتعاليمهم الأخلاقية حول الحلم، وضبط النفس، والغضب، لا طائل منها ما دامت غير قادرة على تهذيب هذه الطبيعة، وترويض هذه النفس.

فكلام الشيخ مغنية في غير محله، لأنه يخالف ما هو بديهي لدى كل أحد من أن الإسلام أولى عناية خاصة في تعاليمه وأحكامه لتهذيب النفس الإنسانية.

فقد حرص الإسلام في تعاليمه على أن ينحصر غضب الإنسان لله، لكنه الغضب النابع من معرفة دقيقة بالمغضوب عليهم وبالجرم الذي ارتكبوه، أما الغضب الذي يؤدي إلى الإساءة إلى أشخاص وأفراد، واتهامهم بأي نوع من أنواع التهم قبل التثبّت منها، فإنه غير مقبول، وإن كان هذا الغضب لله، فإن الله لا يطاع من حيث يعصى، لذلك كله، فإن أعلام التفسير "تفطنوا" إلى ما تفطن إليه العلامة الطباطبائي (قده) والشيخ مغنية (قده)، لكنهم رأوا أن ذلك غير كاف في حل الإشكالية، ولا ينسجم مع الأدلة التي قامت على العصمة ونهضت بها.

7ـ كل ذلك "والكاتب" نفسه يعترف بأن العلماء الأعلام التفتوا إلى هذه المحاذير وإلا فما معنى قوله :

"لأن المفسرين ما ذكروا هذا الوجه إلا من أجل تأويل المواجهة الغالبة التي صدرت من موسى (ع) تجاه أخيه هارون"(67)

أليس لجوئهم إلى التأويل، على حد تعبير "الكاتب" إنما هو للتخلص من هذه المحاذير والمخاطر الناتجة عن تلك المواجهة القاسية.

ألم يتحدث الكاتب نفسه أيضاً وتحت عنوان "لا داعي للتأويل" :

بأن العلامة المحقق كما فعل غيره من المفسرين، يؤوّلوا ظواهر الآيات لإعتقادهم "بأن القول بغضب موسى (ع) على أخيه يشكل نقطة ضعف في شخصيته"(68).

فمن هم هؤلاء المفسرين الذين فعل العلامة المحقق مثلهم في تأويل الآيات خوفاً من تلك المحاذير والمخاطر!!.

وبعد كل ذلك يأتي هذا الكاتب ليدّعي بأنه لم يلتفت أحد إلى هذه المخاطر التي أشار إليها العلامة المحقق.

8- و بغض النظر عن كل ما تقدم، فإن كان ثمة من لم " يتفطن " إلى هذه المخاطر والمحاذير، فتلك مشكلته، وربما تكون ناتجة عن تقصير، وربما قصور، فالمخاطر والمحاذير الثلاث التي تحدث عنها العلامة المحقق هي محور ادلة العصمة عند الشيعة الإمامية.

ولمزيد من التوضيح نذكر أولاً المحاذير والمخاطر الثلاث التي تحدث عنها العلامة المحقق ونضع مقابل كل واحد منها ما يماثلها من أدلة العصمة.

الأول : يقول العلامة المحقق : "إن مخالفة هارون لموسى، الذي هو إمام هارون، إنما يعني التأسيس لتجويز مخالفة كل مأموم لإمامه وتبرير خروجه عليه"(69).

فما الفرق بين هذا المحذور الذي تحدث عنه العلامة المحقق، وبين ما ذكره الأعلام، والمسمى بـ "وجوب الإنكار".

قال الخواجة نصير الدين الطوسي (قده) : "ويجب في النبي العصمة.. لوجوب متابعته وضدها الإنكار عليه".

وقال العلامة الحلي : في كشف المراد : " لو وقع منه الخطأ لوجب الإنكار عليه، وذلك يضادّ أمر الطاعة له"(70).

الثاني : يقول العلامة المحقق : " إن الإختلاف في الرأي هنا يستبطن وجود مخطئ ومصيب، فبأيهما تكون الأسوة والقدوة للناس والحالة هذه"(71).

فما الفرق بين هذا المحذور وبين ما يسمى بدليل "الإمتثال والإتباع".

يقول العلامة الحلي : " الغرض من إمامته إنقياد الأمة له، وامتثال أوامره، واتباعه، فيما يفعله، فلو وقعت المعصية منه لم يجب شيء من ذلك وهو مناف لنصبه"(72).

ويقول المقداد السيوري : " إذا جازت المعصية عليهم لم يحصل الإنقياد لأمرهم، ونهيهم فتنتفي فائدة البعثة"(73).

ويقول في مكان آخر : " لو صدر عنهم الذنب لوجب اتباعهم"(74).

الثالث : يقول العلامة المحقق عن المحذور الثالث:أنه إذا كان اختلاف الرأي يرتبط بالدعوة وأسلوبها، فذلك يعني أن هذا النبي يجهل تكليفه، فكيف يمكنه تبليغه للناس، وإعلامهم به؟!. ألا يلزم من ذلك تبليغ حكم خاطئ لا واقع له"(75).

فما الفرق بين هذا الكلام وبين ما يسمى في أدلة العصمة بدليل "الوثوق بقوله".

أليس هذا ما تحدّث عنه العلامة الحلِّي عندما قال : "لأنه لولا ذلك (أي العصمة) لم يحصل الوثوق بقوله"(76).

أوليس هذا أيضاً ما تحدث عنه الفاضل المقداد عندما قال : " إذا جازت المعصية عليهم لم يحصل الوثوق بصحة قولهم..وإذا لم يحصل الوثوق بقولهم لم يحصل الإنقياد لأمرهم ونهيهم فتنتفي فائدة البعثة"(77).

ولو فتح "الكاتب" أي كتاب اعتقادي يتحدث عن العصمة لرأى عين هذه العبارات، أو ما يفيد عين معناها، لكن فتح الكتاب لن يفيده ما دام الله قد أقفل على قلبه بعدما أعماه الدفاع عن صاحبه، فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

ثالث عشر : تهافت التهافت :

لّخّص "الكاتب" ما جاء في كتاب "خلفيات" حول موقف موسى (ع) من أخيه هارون (ع) بنقطتين هما :

"النقطة الأولى : أن الموقف كان من أجل إظهار أمرين :

الأمر الأول : خطر ما صدر من القوم، ومدى بشاعة الجريمة التي ارتكبوها.

الأمر الثاني : براءة هارون (ع) وتحصينه من نسبة القصور أو التقصير إليه.

النقطة الثانية : لم تكن مواجهة موسى (ع) لأخيه (ع) مواجهة قاسية.. بل إنه "وجه له سؤالاً عن ذلك ليسمع الناس جوابه الذي يتضمن برهاناً اقناعياً يدل على دقته، وحسن تقديره للأمور!".

ولهذا فإن موسى (ع) لم يغضب على أخيه حتى ولو قلنا أن غضبه كان لله، لأن ذلك "يعني أنه عليه السلام كان يتهم أخاه النبي هارون (ع) بارتكاب المعصية، ويحمله مسؤولية ما جرى.."(78).

ثم استعرض "الكاتب" ردّه على ما لخّصه من كتاب خلفيات بقوله : " إن نفي المواجهة القاسية يتنافى مع ما ذكرتموه في النقطة الأولى من إظهار خطر ما صدر من القوم، لأن المفسرين ما ذكروا هذا الوجه إلا من أجل تأويل المواجهة القاسية التي صدرت من موسى تجاه أخيه هارون، من أخذ رأسه وجرّه إليه.. فقالوا : إن هذا الأسلوب الشديد الغاضب كان ضرورياً في ذلك الوقت الصعب، من أجل إظهار خطر ما صدر من القوم ومدى بشاعته وشناعته"(79).

وهذا التعليق من "الكاتب" الذي حاول فيه إظهار "تهافت" ما ذكره العلامة المحقق، فضلاً عن أنه متهافت في نفسه فإنه لا يخلو من مفارقات غريبة وعجيبة نلخصها بما يلي :

1ـ إن "الكاتب" لم يعمد إلى النقل الحرفي لكلام صاحب كتاب خلفيات وذلك بهدف توجيهه كيفما يريد لإظهار أن ثمة نوعاً من التهافت في كلامه وإلا فما الداعي لعدم نقل كلامه بعينه؟!! والمراجع لكتاب خلفيات سيجد أن العلامة المحقق لم يقل : " لم تكن مواجهة موسى (ع) لأخيه مواجهة قاسية "كما ذكر الكاتب" "الأمين"(80) وإنما قال : " قد بيّن موسى (ع) : أنه لم يتهمه بمعصية أمره ليستحق – بزعم البعض – هذه المواجهة القاسية، وهذا العقاب والتوبيخ بهذه القوة"(81).

والمتأمل في هذا الكلام لا شك سيلتفت إلى أن العلامة المحقق إنما يتحدث عن استحقاق هارون لهذه المواجهة القاسية، المستبطنة لاتهامه بمسؤولية ما حدث، أو عدم استحقاقه لها المستبطن لعدم تحمله أية مسؤولية.

على أن استحقاق هارون لهذه المواجهة أو عدم استحقاقه لها يرتبط بطبيعة الحوار الذي دار بينهما عليهما السلام.

فإن كان ما وجهه موسى (ع) لهارون اتهاماً له بعصيان أمره، دلّ ذلك على استحقاق هارون لهذه المواجهة القاسية، وإن كان ليس اتهاماً، فلا معنى للحديث عن استحقاقه لها.

من هنا، انصب كلام العلامة المحقق على معالجة هذا الحوار لذلك نجده يقول : " بأن موسى (ع) لم يتهم هارون (ع) بمعصية أمره ليستحق – بزعم البعض – هذه المواجهة القاسية".

ثم عمد إلى إبراز أن الحوار إنما كان بمثابة توجيه سؤال إلى هارون عن ذلك الأمر " ليسمع الناس جوابه الذي يتضمن برهاناً إقناعياً يدل على دقّته وحسن تقديره للأمور"(82).

وبذلك يكون العلامة المحقق قد أبرز عدم استحقاق هارون لهذه المواجهة القاسية، لأن موسى (ع) لم يوجه إليه اتهاماً أصلاً.

كما أنه لا ينبغي أن يفهم من كلامنا عن عدم استحقاق هارون (ع) للمواجهة القاسية أن موسى (ع) قد واجهه بها ولكنه لم يكن يستحق ذلك، كما لا ينبغي أن يفهم من كلامنا أيضاً أنه إنكار لحصول مواجهة قاسية، بل أن ما نريد إنكاره هو أن تكون هذه المواجهة القاسية مواجهة حقيقية بين موسى (ع) وهارون (ع).

إن هذا الخلط الذي وقع به "الكاتب" نابع عن عدم تمييزه بين قضية "المواجهة" وبين قضية الإتهام.

لذلك اعتبر أن حديث العلامة المحقق عن أن موسى (ع) إنما وجه سؤالاً إلى هارون (ع) " ليسمع الناس جوابه الذي يتضمن برهاناً إقناعياً يدلّ على دقّته، وحسن تقديره للأمور"اعتبره بمثابة إنكا ر من العلامة المحقق لحصول المواجهة القاسية.

وقد برز هذا الخلط من "الكاتب" في تقسيمه لملخص ما جاء في كتاب خلفيات إلى نقطتين جعل في الأولى مقولتي : "خطر ما صدر من القوم"، و"إظهار براءة هارون (ع) وتحصينه من نسبة القصور أو التقصير إليه".