|
المقدمة
الأيمان بالمبدأ والمعاد
الأصلان المذكوران من أهم أركان الاسلام، وذلك لتعذر إنتظام أي
مشروع أخلاقي وعملي بدونهما، كما لا يسع أي إنسان أن يسلك نهج الحق
والعدل والورع والتقوى.
أمّا الإيمان بالمبدأ فيعني أنّ الإنسان يرى نفسه بين يدي الله
الذي يعلم بكافة نيّات الإنسان وأفعاله وأعماله صغيرها وكبيرها
وظاهرها وباطنها، بل إنّه يعلم حركة أعين الآثمين، ويسمع حسيس
المتناجين، و هو عليم بكل ما يخطر على قلوبنا و يقتدح في أذهاننا:
(يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَ عْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)(1).
إنّه قريب مَنّا، بل أقرب إلينا من حبل الوريد: (وَ نَحْنُ أَقْرَبُ
إِلَيهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)(2).
ليس هنالك أي حجاب يمكنه أن يحجبنا عنه، وهو لا ينفك عنّا في أي
1.
سورة غافر، الآية 19
2.
سورة ق، الآية 16
[
6 ]
زمان ومكان: (وَهُوَ مَعَكُمْ أيْنَما كُنْتُمْ)(1).
و
أمّا الإيمان بالمعاد، فهو يعني الإيمان بمحكمة العدل الإلهي التي
ليس لها أي شبه بمحاكم الدنيا وهذا العالم الذي نعيش فيه، فجميع
الأعمال حاضرة لديه: (وَ وَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً)(2).
و
السّجل يضم كافة الأعمال بغض النظر عن صغرها و كبرها: (لاَ
يُغَادِرُ صَغِيْرِةً وَ لاَكَبِيرِةً اِلاّ اَحْصَاهَا)(3).
و
نحن الذين ينبغي علينا أن نقرأ ملّف أعمالنا، كما علينا أن نقضي
بشأن أنفسنا و نحكم فيها: (اِقْرَأْ كِتَابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ
الَيْومَ عَلَيْكَ حَسِيباً)(4).
ونحن الذين سندلي بشهاداتنا على أعمالنا بما في ذلك أعضاؤنا
وجوارحنا التي ستشهد في تلك المحكمة: (وَ شَهِدَ عَلَيْهِمْ
سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ)(5)
فلا سبيل إلى الإنكار ولا سبيل إلى الرجوع و تلافي ما فرط منّا،
وليس لنا طاقة على تحمل العذاب الإلهي، كما ليس من سبيل للهرب.
المحسنون والصالحون و المقربون في جوار الحق و رحمة الله يتلذذون
بالنعم التي لم ترها عين أو تسمع بها أذن أو تخطر على قلب بشر;
بينما يتجرّع المسيئون و الآثمون و الظالمون غصص جهنم التي تطلع
على أفئدتهم فتحرقهم: (نَارُ اللّهِ الْمُوقَدَةِ الَّتِي تَطَّلِعَ
عَلَى الاَفْئِدَةِ)(6).
نعم لو عشنا الإيمان بالأصلين المذكورين، بل لو كانت لأرواحنا أدنى
1.
سورة الحديد، الآية 4
2.
سورة الكهف، الآية 49
3.
سورة الكهف، الآية 49
4.
سورة الاسرار، الآية 14
5.
سورة فصلت، الآية 20
6.
سورة الهمزة، الآية 6
[
7 ]
إلتفاتة إليهما لكفانا ذلك و كان لنا معيناً في تربية أنفسنا
وهدايتها، وبخلافه إذا غاب الإيمان بالمبدأ و المعاد فسوف لن يكون
هناك أية شرعة أو منهاج يمكنه إصلاح الإنسان.
و
الكتاب الذي بين يديك ـ و الذي نهضت دار سرور للنشر بطبعه ـ هو جهد
متواضع من أجل إحياء الأصل الثاني يعني المعاد، بلسان العصر وبصيغة
إستدلالية سهلة الإدراك و الفهم لجميع المستويات ويتضمن أجوبة
شافية لكافة الأسئلة وعلامات الاستفهام.
نأمل أن نعيش السعي في بناء الذات و تهذيب النفس قبل حلول ذلك
اليوم من خلال الإيمان بهذا الأصل الاعتقادي المهم.
قم ـ
الحوزة العلمية
ناصر
مكارم الشيرازي
نيسان
1997 م
ماذا نعلم عن عالم
ما بعد الموت؟
1ـ
آفاق من أبحاث الكتاب
لقد كتب القليل النادر للأسف الذي لا يتجاوز عدداً محدوداً في مجال
المعاد و قيامة الأرواح و الأجساد و العالم الأخر بعد الموت رغم
الأهميّة القصوى التي تحظى بها هذه الموضوعات، و على الرغم من تعطش
أفراد الجنس البشري لمعرفة ماذا سيحدث بعد الموت، هل ستستمر الحياة
وفي إطار أفق أوسع وأشمل أم لا؟
هل
أنّ ظروف الحياة في العالم الآخر هي ذاتها بالنسبة للحياة في هذا
العالم، أم حالنا بالنسبة إلى حقائق ذلك العالم حال الجنين الذي
لايمكنه أن يتصور أوضاع الحياة خارج رحم أمّه فلا يدرك من مفاهيم
الحياة وشروق الشمس و ضياء القمر و مداعبة نسيم الربيع و جمال
البراعم و الزهور و تلاطم الأمواج و عظمة عالم الخلق سوى أنّها
قبضة من اللحم و الدم.
فهل لجهودنا في ظلّ هذه الحالة أن تكلل بالنجاح؟
هل
حقّاً ستكون أعمالنا السيئة والصالحة معنا في ذلك العالم، و هي
التي ستسوقنا إلى العذاب والنقمة أو الراحة والنعمة؟
وهل يمكننا أن نحيط خبراً بذلك العالم رغم عدم عودة أحد منه؟
[
10 ]
هل
الموت أليم؟ ما الذي يشعر به الإنسان حين الموت؟
هل
تبقى الروح مع تعفن الجسد و تآكله؟
ما
هي الروح؟ و كيف يمكن التعرف عليها و الإرتباط بها من وجهة النظر
العلمية والفلسفية؟
هل
حقّاً يمكن عودة هذا الجسم إلى الحياة (المعاد الجسماني) رغم كونه
في حالة تغيير على الدوام و أحياناً تنتقل بعض ذراته إلى غيره من
الأبدان على مرور الزمان؟!
هل
للإيمان بالمعاد آثار تربوية واجتماعية وفكرية وأخلاقية على روح
الإنسان وجسمه؟
وبالتالي هل يمكن البرهنة على المسائل المرتبطة بعالم ما بعد الموت
على ضوء الأسس العلمية و....؟
هذه هي الأسئلة و الاستفسارات التي يتصدى الكتاب الحاضر لمناقشتها
وبحثها.
و
بالرغم من خضوع مضامين هذا الكتاب للبحث و الدرس لسنوات، لكن وكما
ذكرنا سابقاً فإنّ قلّة الأبحاث في هذا المجال تجعل من الممكن تطرق
العيوب و النقائص لهذا الكتاب، ومن هنا نناشد العلماء و المفكرين
أن يبعثوا لنا بانتقاداتهم ومقترحاتهم ووجهات نظرهم لنستقبلها بكل
رحابة صدر ونستفيد منها في هذا الكتاب ولهم منّا جزيل الشكر و
التقدير.
وأرى من الضروري ألا يتسرع الأخوة القراء الأعزاء ـ و بسبب حداثة
أغلب الأبحاث ـ في إصدار أحكامهم النهائية قبل مطالعة جميع الكتاب.
و قد تبدو مباحث هذا الكتاب شيئاً هامشياً وأجنبياً عن واقع الحياة،
بالنسبة لاُولئك الذين لا تعني الحياة في مدرستهم الفكرية سوى
الخبز والماء
[
11 ]
وأقصى ما يميز مدرستهم شعار الخبز والماء للجميع، مع ذلك وعلى فرض
أننا نمتلك مثل هذه الرؤية الضيقة و المحدودة، فانّنا سنشاهد
التأثير العميق الذي يلعبه الإيمان بعالم الآخرة ـ الحياة بعد
الموت ـ في سبغ هذه الحياة المادية بالهدوء والسكينة و الدعة و
الاستقرار و في الواقع أنّ الإنسان من دون الإيمان بالمعاد ليس
بقادر على تطبيق العدالة الاجتماعية، ولا السير في مراحل التكامل
الإنساني والمعنوي والأخلاقي.
و
هنا أرى ضرورة الإشارة إلى أمرين بعد هذه المقدمة:
2ـ
كبيرة الكاتب
لقد إبتدأت و لله الحمد الكتابة في مجال العقائد الإسلامية
بالاسلوب العصري في كتاب «خالق العالم» و إنتهيت بالكتاب الحاضر، و
ممّا لاشك فيه أنّ مثل هذه الكتابات أحدثت تطوراً نوعياً في كيفية
طرح العقائد الدينية ضمن إطار جديد يجعل من اليسير إدراكها من قبل
الجميع.
إلاّ أنّي أراني مضطراً ـ لبيان حقيقة قد يتصور القاري أنّها من
العُجب والأنانية أو مجرّد بيان حقيقة في هذا المجال، و هي أنّ هذه
السلسلة من الأبحاث التي خاضت في أهم المسائل العقائدية الإسلامية
و التي طرحت في أربعة كتب هي: 1ـ خالق العالم (في أدلة التوحيد و
مناقشة المدارس المادية) 2ـ معرفة الله (في صفات اللّه و مسألة
الجبر والتفويض) 3ـ القادة العظماء (في ضرورة زعامة الأنبياء و
مسألة الوحي و ما شابه ذلك) 4ـ القرآن و النبي الخاتم (بشأن
المضامين الإعجازية للقرآن و معرفة نبي الإسلام) كان لها بالغ
الأثر في أوساطنا و لا سيما لدى شريحة الشباب الواعي، وما كثرة طبع
هذه الكتب ونفاذها من الأسواق إلاّ دليل واضح على صحة الادعاء
[
12 ]
المذكور، أمّا الدليل الآخر هو أنّ هذه الكتب أخذت تعتمد كمواد
دراسية منهجية في بعض الأوساط و المحافل الدينية والعلمية في داخل
البلاد و خارجها، و قد ترجمت بعضها إلى اللغات العربية و الاردية
والانجليزية.
و
لعل نجاح ذلك يعود في الحقيقة إلى أربعة عناصر هي: إجتناب
المصطلحات الرنانة، الصدق في الطرح، البعد عن التعصب، التجدد، إلأ
أنّ البعض يعتقد بأنّ هذه السلسلة من الكتب تنطوي على عيب كبير
يقلل من قيمتها; و إذا لم تعرب عن دهشتك و ذهولك، فعيبها الكبير
برأيهم يكمن في بعدها عن المصطلحات والعبارات الطنانة الرنانة إلى
جانب عدم تقعيد الجمل وايرادها بمنتهى السهولة والبساطة و تقريب
المواضيع الصعبة إلى أذهان العموم; و لعلها هي الأمور التي تجعل
مستوى البحث و اطئاً لاعالياً!
و
لا يسعني هنا إلاّ الاعتراف بهذا «العيب» أو «الذنب» و أعلم لو
تركت العنان لقلمي ليسطر ما يشاء من المصطلحات المعقدة و العبارات
المغلقة لبدا البحث لذلك البعض أكثر علمية، لكني ما فعلت ذلك عامداً
و أعتقد أنّ هذه هي رسالة الكاتب.
و
بالطبع يمكن القول بقوّة أنّه يمكن تعقيد كل بحث من أبحاث هذه
السلسلة بحيث يصعب فهمها على أغلب القراء الاعتياديين، فيكتفون
بالقول أنّها أبحاث علمية ذات مستوى رفيع لايسعنا إدراكه.
والسؤال الذي نطرحه هنا هل يمكن التضحية بالمصالح العامّة المتمثلة
بإدراك الحقائق من أجل حصول الكاتب على شخصية خيالية كاذبة؟! وهل
يجيز الوجدان مثل هذا العمل لمن يملك القدرة على البساطة في كتابة
المواضيع؟!
على كل حال لقد إعتدت على هذا الذنب و لا أراني أقدر لا سامح الله
[
13 ]
على التخلي عن هذا الإدمان و الإصرار.
و
الغريب في الأمر إنّنا نرى أغلب الكتب الجامعية و غيرها التي يمكن
كتابة مطالبها بعبارات أسهل وأوضح دون أن يتطرق إليها أي خلل و نقص
بغية الاقتصاد في وقت و عمر الباحثين و عمومية نفعها و ثمرتها.
فلا يمكن إتهام جميع كتّابها و مؤلفيها بعدم القدرة على البساطة في
التدوين.
و
بناءاً على هذا لابدّ من القول بأنّ البعض قد لايرغب بالقيام بهذا
العمل، ولعل ذلك يؤدّي إلى فقدان الكتاب لقيمته العلمية لو اختصرت
عباراته المغلقة! فلابدّ من الخروج على النظام الطبيعي لترتيب
المطالب وتقديم و تأخير العبارات و الاستفادة من المفردات و
الألفاظ الغريبة غير المألوفة و الطارئة أحياناً لتصبح أعظم علمية!
و مازال ذلك يشكل أحد آلام مجتمعنا.
3ـ
شهادة التأريخ
المطلب الآخر الذي ضرورة ذكره للتأريخ هو أنّ أحد الأصدقاء أخبرني
ذات يوم قائلا: كنت منهمكاً بترجمة كتاب عربي بشأن معرفة الله إلى اللغة
الفارسية، فشعرت بأنّ مطالب الكتاب لم تكن غريبة علىَّ، فلما
تأملتها وتمعنت النظر فيها وجدت أنّ أغلب أبحاثه هي عينا ذات أبحاث
كتاب «خالق العالم» الذي ألفته، فقد تبيّن أنّ الكاتب المحترم
المذكور قد ترجم المطالب و الأبحاث المذكورة دون ذكره لمصادر كتاب
«خالق العالم» و أنّي الآن أقوم مرّة أخرى بإعادته من العربية إلى
الفارسية!
[
14 ]
فقلت بالتالي لا مانع لديّ نشر هذه الترجمة طالما كانت خطوة في
سبيل معرفة الله وخدمة للعلم، ولكن على الأقل كي لا اُتّهم بأنّي
أقتبست منه المطالب دون ذكر المصادر و المراجع فاكتب هذه القضية في
مقدمة الكتاب!
ثم
رأيت أنّه لم يقتصر الأمر في الاستفادة من هذه الأبحاث على ذلك
الكاتب العربي المحترم، بل قام بعض الكتّاب الآخرين بالإتيان بذات
العبارات أو بعض العبارات الأخرى في كتبهم دون أدنى إشارة من قريب
أو بعيد إلى المصادر.
لعل هذه القضية لاتبدو بتلك الأهميّة ولكن أليس من الأفضل أن
يستفرغ الكتّاب الأعزاء وسعهم و يستفيدوا من طاقاتهم في إبداعات
جديدة بدلا من مصادرة جهود الآخرين و الاستعانة بمطالبهم، فيعمل كل
كاتب على ضوء إمكاناته المتاحة من أجل حلّ بعض المعضلات و المشكلات،
كما يسلط الضوء على القضايا التي لم يتطرق لها الآخرون، و ليت شعري
ماذا يضر الكاتب لو لم يتحفظ عن ذكر المصادر و المراجع و يعترف
بحقوق الآخرين؟!
طبعاً لست أنكر أنّ لكل مفكر و عالم، الحق في الاستفادة من أفكار
الآخرين و إبداعاتهم، ولكن بشرط مراعاة الأمانة و الإشارة إلى
مصادر الكتاب و الجهود التي بذلت من أجله إن تعرض لنقل مطالبه دون
أية إضافة أو إبداع أو الإتيان بها بأسلوب عصري جديد يجعلها تختلف
عن سابقها.
نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لبذل الجهود من أجل حفظ دينه و خدمة
خلقه.
[
15 ]
و
لا يسعني هنا إلاّ أن أناشد ثانية كافة الأخوة أن يتحفونا بما
لديهم من توجيهات و إرشادات بهدف تكامل العمل و سد ثغراته.
قم
ـ الحوزة العلمية
ناصر مكارم الشيرازي
ذي
القعده 1396
[
16 ]
[
17 ]
هل الموت هو نهاية الحياة أم بداية
حياة جديدة؟
عادة
ما يعيش الناس حياتهم في الزمان الحاضر و يكتفون بما هم عليه الآن،
و الأفراد الذين يعيشون الزمان الماضي ليسوا قلائل أيضاً، و هذه
الطائفة تنهمك على الدوام في التعامل مع النماذج الحاوية لأحداث
الماضي الحلوة والمريرة بعد إنتشالها من تحت الأنقاض، و الواقع
أنّهم يقضون أعمارهم في نبش قبور الماضين.
فهم لا ينفكون عن أمرين; إمّا ذرف الدموع على الحوادث الأليمة، و
إمّا التغني ببطولات وأمجاد عظمائهم الذين دفنوا تحت التراب! نعم
هناك من يفكر في المستقبل ولاّ سيما المستقبل البعيد و هم قليلون،
و هنا يطرح هذا السؤال: ما السبب الذي يكمن وراء التحفظ عن التعرض
لحوادث المستقبل والذي يتخذ أحياناً طابع الهروب؟
ترى أيعزى ذلك إلى طبيعة المستقبل الخارجة عن دائرة الحس، والناس
أبناء الحس فهم يألفون هذه الأم فقط؟
أم
يعزى ذلك إلى هالة من الغموض و الإبهام التي تغطي المستقبل فتجعله
يكتسي حلّة مخيفة ; الأمر الذي يثير الهلع لدى من يقترب منه؟ أم أنّ
المستقبل شئنا أم أبينا مقرون بالمشيب و العجز و الكهولة و بالتالي
[
18 ]
الموت والعدم، و هي الأمور التي يرتعش منها الفرد و يهرب منها بكل
كيانه.
ولكن على كل حال لامفر لنا من التعامل مع المستقبل رغم الخوف
والهلع والإبتعاد و الهرب، و لا شك أنّ هذا المستقبل هو الذي يختزن
مصيرنا و عاقبة أمرنا، فالماضي ولّى و إندثر و الحاضر سينتهى كلمح
بالبصر إلى الماضي، و عليه فلا يبقى سوى المستقبل; المستقبل البعيد
الذي تكتنفه الأسرار و الألغاز والذي ينتظرنا فنسير نحوه دون تريث،
فلم لا ندركه و نفكر فيه؟
الموت ليس بهذا الرعب
إنّ الناس و رغم كل اختلافاتهم و تنوع مشاربهم الفكرية
والعقائدية سيبلغون شاءوا أم أبوا و كيفما تحركوا و إنطلقوا نقطة
مشتركة تتمثل بالموت وإختتام هذه الحياة.
فنقطة إنطلاقة الحياة غنية كانت أم فقيرة، وفي وسط الجهل كانت أم
العلم، و مقرونة بالسعادة أم الشقاء سيأتي عليها الموت بغتة فيجعل
الجميع يعيشون حالة واحدة تسودهم فيها المساواة التامة المطلقة
التي يعجز الكل عن الإتيان بها.
و
لهذا يمكن تأمل مقدار العمر و طول الحياة، بينما لايمكن مناقشة
الموت، حتى لو استخرجنا ماء الحياة من الظلمات واحتينا جرعة منه،
فإنّ الحياة الأبدية متعذرة محالة، لأنّ طول العمر لايعني الأبدية
قط.
و
على هذا الأساس يتفق جميع الأفراد على الإيمان بالموت رغم الفوارق
الفكرية التي تسودهم، و لعل التعبير عن الموت باليقين على لسان
آيتين من الآيات القرآنية هو إشارة إلى هذه الحقيقة، فقد صرحت إحدى
[
19 ]
هاتين الآيتين بالقول: (وَاَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيكَ
الْيَقينُ)(1).
و
صرحت الآية الأخرى على لسان الآثمين: (وَ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَومِ
الدِّينِ * حَتَّى اَتَيْنَا الْيَقِينُ)(2).
و
معنى ذلك لقاء المحسنين و الآثمين في تلك اللحظة القطعية واليقينة.
الشعور الإنساني حين الموت
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: بم يشعر الإنسان حين الموت؟
لا
أحد يعرف الشعور الذي يخالج الإنسان حين الموت، حيث لم يعد أحد من
هناك ليشرح للآخرين شعوره في تلك اللحظة الحساسة.
فهل مفارقة هذه الحياة كقلع السن اِثر حالة التخدير و دون أي ألم
ومعاناة، أم يعاني الإنسان حينها أقسى أنواع العذاب و الشدّة بحيث
يعجز الإنسان عن وصف تلك الحالة؟
أم
القضية تختلف باختلاف روحيات الأفراد و أخلاقياتهم وصفاتهم
وأعمالهم؟ فهو سهل يسير على البعض كاستشمام رائحة الوردة، بينما
ثقيل وصعب على البعض الآخر كحمل ثقل وزنه الجبل.
و
لعل هناك شعورا آخر يخالج الإنسان لحظة الموت لايسعه فكرنا و ذهننا
ولايمكننا إدراكه في ظل ظروف هذه الحياة.
فلو قدر لوليد خرج من رحم أمّه العودة الثانية إلى توأمه الآخر في
الرحم، فهل يسعه شرح ما شاهده خارج رحم أمّه منذ الولادة حتى عودته
ثانية إلى بطنها؟
1.
سورة الحجر، الآية 99
2.سورة المدثر، الآية 46 ـ 47
[
20 ]
|