لا شك أنّ للإيمان بالقيامة و البعث آثاره في شكل الحياة البشرية، و لو لم تكن هناك من حياة بعد الموت لكانت الحياة في هذا العالم جوفاء و تافهة لا قيمة لها. كان صوت حركة الماء المنحدر بسرعة على الأحجاز المبعثرة في جرف النهر و الذي يتخذ أشكالا حلزونية حول الأشجار كصوت وقع الأقدام المعروفة التي تداعب قلبي و مشاعري فأشعر بالسكينة و الاستقرار، كانت لحظات ثمينة بالنسبة لي سيما أنّها كانت فرص نادرة، و لعلي سمعت كراراً من الكبار ذلك البيت الذي أنشده الشاعر المعروف حافظ الشيرازي حين تقع أعينهم على عيون المياه الجارية و الينابيع و الأنهار و الذي يخاطب فيه نفسه: أن إجلس على حافة النهر و انظر تصرم العمر و كأنّه يوحي إلينا بالاكتفاء بهذه البشارة حول نهاية العالم ـ فكانت هذه الكلمات بمثابة نسيم الربيع المعتدل الذي يهب على شغاف قلبي، فرأيتني أكرر تلك الكلمات مع 1. سورة المؤمنون، الآية 115 [ 46 ] نفسي، فشعرت و كأنّي طرحت حملا ثقيلا عن روحي و تنفست بكل حرية، رغبت آنذاك بأن يكون لي جناحان فأحلق بهما كالطيور التي كانت تطير وترفرف بأجنحتها فوق رأسي، ولكن لما كانت الحياة تقتضي عدم إستقرار الذهن و البال فقد دار في خلدي هذا الهاجس، رغم أنّ تشبيه إنقضاء العمر بمرور الماء يمثل أروع مثال يمكن بيانه بالنسبة للحركة العامة و سرعة حركة عالم الحياة بل عالم الوجود الذي يأبى التوقف و السكون، إلاّ أنّي فكرت مع نفسي ليت شعري ما هي البشارة التي يحملها تصرم العمر لنكتفي بها كدلالة على إنقضاء العالم. لنفرض أنّي قطرة من ملايين قطرات ماء هذا النهر و قد نبعت من عين حسب قوانين الخلقة و قد إندفعت خلال هذه الأحجاز و الاشجار، ولكن ما عساني أبلغ في نهاية المطاف، قطعاً لايمكنني السير إلى الأبد... فالتفكير بالمستقبل المجهول يؤرقني، فهل سأتيه في مستنقع متعفن مليىء بالحيوانات الوضيعة... ما هذه البشارة! و هل تبخرنا وسط الصحراء القاحلة آخر هذه السهول الواسعة المترامية الأطراف يعد فخراً! أم سأعود مرّة أخرى إلى ذلك البحر الواسع الذي نبعت منه في البداية دون أي هدف فأعيش حياة مكررة و جوفاء! ياله من أليم تصرم العمر هذا الذي آخره مثل تلك الأمور! سأغوص في أعماق الأرض إلى جوار جذور شجرة و على ضوء قانون «إسمز» أعبر قوة الجذب الأرضية فأتسلق الأغصان بسرعة و أتنقل بين العروق اللطيفة الجميلة و الزهور العطرة فأصبح فاكهة فانهمك في صنع نفسي حتى أنضبح فتنقطع حاجتي إلى الغصن ثم أهبط من غصن الشجرة [ 47 ] كرائد الفضاء الذي يقذف بصاروخه إلى كرات العالم، فاقع في حضن إنسان مفكر و عالم جلس تحت الشجرة و هو مشغول بابداع مؤلف قيّم أدبي وعلمي و أخلاقي و فلسفي. فأجلب بلطافتي و طراوتي إنتباه ذلك العالم حتى أصبح جزءاً من بدنه فأواصل سعي و جهدي في دمه و عروقه و أخترق الأغطية الرقيقة والحساسة لدماغه فاتحول إلى أمواج فكرية مبدعة لخلق لوحة أدبية وفلسفية رائعة أو أتحول إلى إكتشاف علمي مميز، ثم أصبح أثراً خالداً بعد أن يسطر في قلمه على صفحات كتابه، و هكذا أكتسب صبغة أبدية فاوضع في المكتبات فاحظى باستفادة الجميع. فلو كان الأمر كذلك لكان هذا التصرم دافعاً لي نحو النشاط و الحيوية، وذلك لأنّ قطرة ماء لا قيمة لها قد إختلطت بوجود أكمل حتى تحولت آخر المطاف إلى أثر خالد. فأية بشارة و فخر و إعتزاز أعظم من هذا! أما إن كان مصيري الفناء في المستنقعات المتعفنة أو التبخر أو التطاير في الهواء أو العودة العابثة إلى البحر فياله من مصير مؤلم و مفجع. فهل هناك من فارق بين مصير أولئك الذين يرون الموت هو نهاية الحياة ومصير تلك القطرة من الماء؟ فهل يمكن أن يكون هناك من معنى صحيح لحياتهم و مماتهم؟ هل الإقرار بأصل المعاد و مواصلة الإنسان لتكامله بعد الموت و دخوله لعالم أسمى و أرفع لايمنح حياة الإنسان هدفاً و نماية؟ و يخرجها من عبثيتها؟ و من هنا نلاحظ أنّ عبثية الحياة من أهم القضايا التي تزعج إنسان [ 48 ] عصر الفضاء، و أفضل شاهد حي على ذلك الشعور المزعج هو ظهور بعض المدارس ـ إن أمكن تسميتها كذلك ـ الفلسفية الحديثة كالمدرسة المادية. و يعترف العلماء و المفكرون الذين يمتكلون رؤية صحيحة تجاه البلدان الصناعية التي رأوها أنّ شعوب تلك البلدان قد تغلبوا على مشاكل البطالة والأمراض و الكهولة و العجز و التعليم من خلال المعامل و المصانع الضخمة والإمكانات الصحيحة الهائلة و الأجهزة الثقافية إلى جانب الضمان و التقاعد و ما إلى ذلك، فالواقع هو أنّ حياتهم و حياة أولادهم مضمونة منذ الولادة حتى اللحظات الأخيرة للموت، مع ذلك فهم يألمون من عبثية الحياة ويرون أنفسهم يعيشون الخفة و الطيش. و لعل سر التنوع الذي ينشده عالم الغرب و مبادراتهم العجيبة هو الهروب من التفكير بشأن هذا الطيش و العبثية. و قد نلمس هذه الحقيقة في تعبيرها الفلسفي ضمن المدرسة المادية التي تقول: ينفرد الإنسان من بين سائر الكائنات بإدراكه لمفهوم الوجود والعلم بوجوده، و كما كان الوجود أمراً بديهياً للإنسان فإنّ العدم يسود ذهن الإنسان مقروناً بتصوره للوجود، ففي الوقت الذي نشعر فيه بوجودنا أو وجود شيء آخر، كذلك من الواضح لدينا عدمنا أو عدم الشيء الآخر، و على هذا الأساس فالإنسان يشعر بوضوح بعدمه كما يشعر بوجوده، و ما إضطراب الإنسان و قلقه إلاّ نتيجة لهذا الشعور بالوجود و العدم، و على حد تعبير «سارتر» ـ العالم الوجودي ـ من هنا يتضح عبث الوجود و خوائه: لماذا جئنا للوجود، و ما سبب وجودنا؟ (ليس لدينا من إجابة على ذلك)... فحين لايرى الإنسان من سبب لوجوده يشعر بغربته في هذه الدنيا، إنّه يشعر بانفصاله عن سائر الأشياء و الأفراد، و الخلاصة فإنّ وجوده زائد لايرى [ 49 ] لنفسه من موضع مناسب له.(1) فلو كان للجنين في بطن أمّه من علم و ذكاء دون أن يكون له حظ من علم خارج الرحم و فكر في العيش في ذلك الوسط لما تردد في إتباع مدرسة سارتر. إنّه سيرى تلك الحياة المحدودة و المزعجة التي تدار بشكل تبعي لا تحمل أي هدف و غاية و عبثية تماماً، أمّا إن علم أنّه جاء من هناك ليستعد إلى حياة أخرى أوسع و أشمل، و أنّ هذه المدّة هي فترة تربوية خاصة لايمكن بدونها التمتع بحياة مستقله، و آنذاك سيرى معنى للحياة في فترة كونه جنيناً. و لو أيقنا بأنّ المنزل الذي ينتظرنا لاينطوي على العدم، بل هو وجود بمستوى أرفع و إستمرار لهذه الحياة بآفاق أوسع و أنّ كافة الجهود والمساعي ستنتهي بالتالي إليه، فمن المسلم به أنّ الحياة ستخرج على هذا الأساس من عبثيتها و طيشها و تتخذ لنفسها مفهوماً جدّياً واضحاً. و بناءاً على هذا لابدّ من القول: إنّ الأثر الأول للإيمان بالحياة الآخرة بعد الموت و القيامة هو منح الهدفية و الغائية لهذه الحياة و إخراجها من العبثية. 1. كتاب الفلسفة (مسائل فلسفية، مدارس فلسفية، مباني العلوم) للدكتور شريعتمداري، ص363. [ 50 ]
كان أحد الشباب المتعلمين يقول: «أعتقد أني أتمتع بضمير قوي، و لما كان ضميري قوياً فإنّي ملتزم بأصول الحق و العدل، و من هنا فلا أرى في نفسي من حاجة إلى الدين و التعاليم الدينية، فكل ما من شأنه أن يمنحني الدين في ظلّ الإيمان بالله و الخوف من العقاب في الدار الآخرة إنّما حصلت عليه في ظل ضميري الحي. و عليه أفلا تعتقدون أنّ الدين ضروري بالنسبة لاُولئك الأفراد دوني درجة و الذين لايمكن إصلاحهم و يأكل بعضهم البعض الآخر دون إستنادهم إلى إيمان قوي و راسخ بالدين، أضف إلى ذلك فالإيمان قد لايستطيع أحياناً إصلاحهم، بل هم يعمدون إلى الحيل الشرعية بغية مواصلة أعمالهم الخاطئة وتحقيق بعض المنافع». طبعاً إنّنا نعلم بأنّ هذا الأسلوب من التفكير لا يقتصر على هذا الشاب، فهناك من بين الفلاسفة و المفكرين من يرى نفسه فوق الدين، و يعتقد أنّ الدين وسيلة تربوية مؤثرة بالنسية للأفراد في المستويات المتدنية، بينما هم في غنى تام عن هذه التعاليم! لكنهم كأنّهم قد غفلوا أنّ أعظم الجنايات [ 52 ] و الجرائم إنّما ترتكب على الدوام من قبل كبار الشخصيات و العلماء الأفذاذ و الأفراد من ذوي المستويات العالية، فهم الذين يصنعون القنابل الذرية والهيدروجينية، و هم الذين يخططون للحروب الألكترونية و بالتالي هم الذين يعينون خرائط الاستعمار السياسي و الاقتصادي للبلدان. و الخلاصة فهؤلاء العلماء و المفكرون هم الذين كانوا أداة طيعة بيد قوى الدنيا الشيطانية و هم الذين رسخوا دعائم الاستعمار و الاستبداد والغطرسة من خلال بيعهم لمعلوماتهم و إبداعاتهم و إستعداداتهم العالية، ولايختص هذا الموضوع بعالمنا المعاصر، فالأزمنة الماضية هي الاُخرى كذلك حيث يطالعنا الكثير من الأفراد دائماً الذين يقفون إلى جانب الفراعنة ممن على غرار هامان وقارون العالم المقتدر الثري و هو ابن عم موسى و ممثل فرعون في بني إسرائيل و قد كانت له ثروة طائلة يرى أنّه جمعها بعلمه وقدرته، كما كان العديد ممن على شاكلة عمروبن العاص و أبي هريرة إلى جانب معاوية. و بناءاً على ما تقدم فقد تكون حاجة العلماء و المفكرين و ذوي الاستعداد والمستويات العالية إلى الدين أكثر من غير هم بكثير، فهم الذين يسطيعون إشعال الدنيا أو سوقها إلى الصلح و السلام. أمّا الأفراد من ذوي المستويات المتدنية فعادة ما يأتمرون بأوامر هؤلاء فهم إلعوبة بيدهم و ضررهم أقل بكثير إذا ما قارننا انحرافهم بمن سبقهم. *** و لو آمن هؤلاء ـ و بصورة عامة كافة لبشرية ـ بأنّ الموت ليس نهاية الحياة، بل هو بداية حياة جديدة و كل ما في هذه الحياة الدنيا هو مقدمة لها لاكتسب كل شيء طابع الأبدية، و سوف لن تفنى الأعمال و الأقوال والحسنات والسيئات، [ 53 ] و هذه هي الأمور التي ترسم معالم حياتنا الخالدة التي تنتظرنا فإمّا تمنحنا الطمآنينة و السعادة أو الاضطراب و الشقاء، و الأمر بالضبط كالجنين إن كان له عقل و قد قصر في صنع نفسه خلال تلك المدّة القصيرة من عمره في بطن أمّه و التي تعتبر فترة بناء الجسم و الروح، فإنّ عليه أن يتحمل العواقب الوخيمة لعمر مديد (قد يستغرق مئة سنة مثلا) و يذوق الألم والمعاناة و هكذا الحال بالنسبة للإنسان إنّ قصر في صنع نفسه و تهذيبها في هذه الحياة الدنيا و كبّدها مختلف العيوب و الأمراض الأخلاقية و النفسية فإنّ عليه أن يتحمل العذاب الأليم و شدته في عالم ما بعد الموت. و من شأن هذا الإعتقاد أن يقلب حياة الإنسان رأساً على عقب، كونه يشكل درساً تربوياً عالياً ينهض بتربية روح الإنسان و نفسه، و يحول دونه ودون كل تلك الجنايات التي يمكن أن تصدر من إنسان مادي يعتقد أنّها تفنى و تزول جميعاً بفنائه و زواله. فالإعتقاد بعالم ما بعد الموت و بقاء أثر أعمال الإنسان يمكنه أن يكون عامل وقاية متين إزاء الذنوب و المعاصي، كما يمكنه أن يكون عاملا مقتدراً للحركة و للحث على الاستثمار المادي و المعنوي في سبيل خدمة الخلق. لا شك أنّ آثار الإيمان بعالم ما بعد الموت ليفوق بدرجات دور المحاكم وقوانين العقوبات الاعتيادية و المكافئات و التشجيعات العادية في إصطلاح الأفراد الفاسدين و المنحرفين و تشجيع الأفراد المضحين و المجاهدين، وذلك لأنّ من خصائص محكمة العدل الإلهي في القيامة هو خلوها من الاستئناف والتمييز و لا الواسطة، كما لايمكن تشويش أفكار القضاة من خلال طرح الوثائق المزيفة و ممارسة الكذب و الخداع، كما تخلو من الروتينيات و التشريفات التي تدعوا إلى الإطالة، بل و كما سنذكر ذلك [ 54 ] بصورة مفصلة أنّ الثواب و العقاب في ذلك العالم يشبه إلى حدّ بعيد الآثار والخواص الطبيعية; يعني كما لايخطىء الدواء الشافي أو السم القاتل في تأثيره و لا تجدي الرشوة و التوصية عليه شيئاً و لا تغيّر من تأثيره، فإنّ أفعال الإنسان و أعماله بنفس هذه الكيفية في العالم الآخر بعد الموت، هذا من جانب. و من جانب آخر فليس هنالك من معنى للتشجيع في المحاكم العادية لهذا العالم ـ التي تنطوي على آلاف العيوب ـ مثلا إذا لم ينتهك فرد حرمة القانون لخمسين عاماً ولم يرتكب و لو مخالفة صغيرة، فليس هنالك من ثواب لالتزامه بالقانون، يعني ليس هناك من ثواب ليعطيه. و عليه فالضمانة الإجرائية لهذه القوانين أحادية الجانب: أي أنّه يتّجه دائماً صوب من ينتهك حرمة القانون، لاصوب ذلك الذي يحترم القانون ويلتزم به، والحال ضمانة التطبيق في الدين ثنائية، فهناك كفة الثواب التي تعدل بثقلها كفة العقاب. فمما لاشك فيه أنّ من يؤمن بذلك العالم يكون غاية الجدية في إصلاح نفسه و الإتيان بمختلف الأعمال الثقيلة و المعقدة، و كذلك و على غرار الفرد العالم بخصائص الأدوية المشفية و القاتلة فهو شديد الرغبة في الأول عظيم الخشية من الثاني، فإذا ما أراد أن يقدم على عمل مهما كان حسب آثار ذلك العمل وتمثلها أمام عينيه. و هكذا يكون في حالة مراقبة تامة و دقيقة دائمية على نفسه، بحيث يسيطر عليها و يحول دونها و دون مقارفة الجرائم و الجنايات و المفاسد. إنّ الإيمان بهذه الحقيقة يبلغ بالإنسان درجة يجعله يقول: «وَ اللهِ لاََنْ أَبِيْتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً، أَوْ أُجَرَّ في الاَْغْلَالِ مُصَفَّداً، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللهَ وَ رَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ، وَ غَاصِباً لِشَيء مِنَ الْحُطَام»(1) [ 55 ] و مثل هذا الفرد يحمي حديدة و يقربها من أخيه ـ ذلك الأخ الذي سأله الزيادة من بيت المال و التمييز بين الأفراد في العطاء ـ فيضج منها ويصرخ، فيخاطبه ناصحاً «أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَة أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ، وَ تَجُرُّني إِلَى نَار سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ»(2) و لما إقترح عليه بعض الأفراد من قصار النظر ترسيخ دعائم حكومته من خلال التمييز العنصري بين صفوف المجتمع الإسلامي قال: «أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بَالْجَورِ فِيْمَنْ وُ لِّيْتُ عَلَيْهِ! وَاللهِ لاَأَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ، وَ مَا أَمَّ نَجْمٌ في الَّسمَاءِ نَجْماً»(3)حقّاً كيف ستصبح الدنيا لو أضاء بصيص من الإيمان القاطع في قلوب كافة زعماء العالم و الأفراد من بني البشر؟ فهل سيبقى فيها من أثر لهذه الأنانيات و الاستبدادات و الظلم والانتهاكات و التجاوزات؟ *** و من هنا تسعى كافة الأديان السماوية لبذل كافة الجهود من أجل تربية الأفراد و إصلاح المجتمعات من خلال إحياء الإيمان بعالم ما بعد الموت في قلوب الناس، و لاسيّما القرآن الكريم الذي أفرد جزءاً مهماً للمسائل التربوية من خلال سلوك هذا السبيل، و عليه فليس من العجيب أن ترد 1ـ نهج البلاغة، الخطبة 224 2ـ المصدر السابق، الخطبة 224 3. المصدر السابق، الخطبة 126 [ 56 ] الإشارة إلى هذا الأمر لأكثر من 1400 مرّة في القرآن، و إليك بعض تلك النماذج. 1ـ صرّح القرآن الكريم بأنّ الإيمان و اليقين القطعي بذلك اليوم العظيم يكفي في تربية الإنسان، بل للظن أيضا دوراً عظيماً بهذا الشأن: (اَلا يَظُنُّ اُولَئِكَ اَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوم عَظِيم * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ)(1) 2ـ أكد القرآن الكريم في مختلف المواضع أنّ «الأمل» و «الرجاء» بذلك العالم يكفي الإنسان في عدم الطغيان و ترك اللجاجة إزاء الحق و الإتيان بالعمل الصالح، و هنا ينبغي الالتفات إلى أنّ القطع و اليقين لم يتطرق إلى مفهوم الأمل و الرجاء (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحاً)(2) (وَقَالَ الَّذِينَ لاَيَرْجُونَ لِقَائَنَا لَوْلاَ اُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا)(3) 3ـ ورد في القرآن الكريم أنّ لأعمال و أقوال الإنسان صفة الأبدية، وكلها ستحضر يوم القيامة و تكون مع الإنسان: (يِوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوء)(4) كما أكّد في موضع آخر: (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً)(5) و هكذا يتبلور في أعماق روح الإنسان; الإنسان الذي يؤمن بالحياة بعد الموت قبس كبير من الشعور بالمسؤولية تجاه جميع أحداث الحياة ووقائعها. 1. سورة المطففين، الآية 4 ـ 6 2. سورة الكهف، الآية 110 3. سورة الفرقان، الآية 21 4. سورة آل عمران، الآية 30 5. سورة الكهف، الآية 49 [ 57 ] إنّ هذه المحكمة التي يتحد فيها القاضي و الشاهد و منفذ الأحكام والتي تستقر في أعماق أرواحنا جميعاً هي نموذج حي على محكمة العدل الإلهي في القيامة و البعث. و اليوم حين يراد إنشاء بناية أو مصنع فانّهم عادة ما يصنعون مسبقاً نموذجاً مصغراً يشتمل على كافة مشخصات و مواصفات تلك البناية الضخمة أو المصنع الكبير ليكون مثالا و نموذجاً يحتذونه في عملهم وهو ما يصطلح عليه بالمجسمة. و الإنسان أعجوبة عالم الخلقة هو مجسمة صغيرة جدّاً و مختصرة للعالم، مع فارق هو أنّ هذه المجسمة قد أعدت بعد كل ذلك، لأنّ صانعها ومصممها لم يعدها على غرار الصانعين من الأفراد بهدف تلافي الأخطاء بسبب علمهم المحدود، فالمفروغ منه أنّ الصغر و الكبر يجري علينا بفضل محدوديتنا، بينما هما سيّان بالنسبة لمن كان مطلقا و لامتناهياً في علمه وقدرته. و العجيب في هذه المجسمة الإنسانية أنّها حملت نموذجاً دقيقاً لكل شيء بما في ذلك الأسرار و القوى و العجائب و الدوافع و المنظومات و الكواكب والحيوانات بخلقها و طبائعها و الملائكة بروحياتها و هكذا كل شيء [ 58 ] قد أختصر فيها، و ما أروع تلك العبارة التي وردت في الشعر الذي ينسب إلى أميرالمؤمنين علي (عليه السلام) أنه قال: «و تزعم أنّك جرم صغير و فيك *** إنطوى العالم الأكبر!» لقد ظهر اليوم مشروع للاستفاده من المايكروفيلم في مكتبات العالم الضخمة بهدف حل مشكلة مكان الكتاب، فمثلا يمكن حشر كبار المكتبات في صندوق من خلال استعمال أفلام غاية في الصغر، فإذا برزت الحاجة كبّروا تلك الأفلام بمجاهر خاصة ليتمكنوا من مطالعة مايريدون، و كأن هذا الإنسان بمثابة ذلك المايكروفيلم لمكتبة الخلق العظيمة، و كفاه ذلك فخراً. و هذا تشبيه رائع بين كبير العالم و صغيرة و الذي أخذ يتضح أكثر فأكثر بوسطة التطور و التقدم الذي أحرزه العلم، و إنّنا لنرى نماذج أصغر من ذلك في سائر موجودات العالم. البنية المذهلة للذرة هي مجسمة للمنظومة الشمسية العظيمة بتلك السيارات و الحركة الدورانية العجيبة، و المنظومة الشمسية بدورها مجسمة للمجرّات و كذلك بُنية الخلية التي لايمكن الوقوف على جماليتها و روعتها إلاّ بالمجهر مجسمة لبُنية الشجرة و الحيوان و الإنسان. البذرة الصغيرة للزهور و الخلية الحيّة الكامنة إلى جوار كل نواة، والنطفة الصغيرة المعلقة في صفار البيضة، كل واحدة منها نموذج لطيف وجميل لباقة ورد أو شجرة عملاقة مثمرة أو دجاجة جميلة، فكل ما كان في تلك النماذج موجود في هذه و لابدّ أن يكون كذلك، أو ليس عالم الوجود وحدة واحدة متصلة مع بعضها؟ إن هذا التشابه بين العالم الصغير (الإنسان) و العالم الكبير يجعلنا نلتفت إلى أنّ كل ما في العالم الكبير يوجد نظيره في الإنسان، و العكس بالعكس، [ 59 ] فما كان في الإنسان يلفت نظرنا إلى وجود شبيهه في العالم الكبير (إحتفظ بهذا في ذهنك). يوجد في باطن الإنسان محكمة صغيرة يصطلح عليها اليوم «الوجدان» ويسميها الفلاسفة «العقل العملي» و وردت على لسان الآيات القرآنية باسم «النفس» أو «النفس اللوامة» و يطلق عليها العرب إسم «الضمير»، و حقاً إنّها لمحكمة عجيبة لا تعدلها كافة محاكم الدنيا بكل أجهزتها وأبهتها وعرضها وطولها. محكمة يتحد فيها «القاضي» و «الشاهد» و «منفذ الأحكام» و «الحاضر» وهو ما اصطلحنا عليه بالوجدان. و هذه المحكمة و خلافاً للمحاكم الصاخبة التي قد تطلب أصول المحاكمات فيها خمس عشرة سنة، فهي لا تحتاج إلى الوقت، نعم قد تطلب ساعة أو دقيقة أو لحظة ليتم فيها كل شيء. ليس هنالك من سبيل للاستئناف و التمييز و إعادة النظر و الديوان العالي والتي تفيد جميعاً عدم الوثوق بممارسات المحكمة السابقة إلى هذه المحكمة، فلأحكامها مرحلة واحدة فقط، ولاغرو فالثقة و الإعتماد هي الحاكمة هنا. ليس فيها الانحرافات التي تشوب أعمال القضاة في المحاكم الرسمية من قبيل الخوف من المسؤولين و الانفعال بالوصايا و الوساطات و إصدار الأحكام لصالح هذا و ذلك بعيداً عن العدل و الإنصاف و الإغترار بالرشوة والأموال و ما إلى ذلك، نعم، العيب الوحيد في هذه المحكمة أنّه يمكن إستغلال صفائها وطهرها و بالتالي خداعها و تصوير الحق لها باطلا و العكس [ 60 ]
|