فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

 

 

إشكال محيّر

مادام الكلام في مسألة «عمومية قدرة الخالق» و قد اعتمد عليها بشأن القيامة، لا بأس بطرح إشكال يبدو أنّه حيّر البعض: يقول الإشكال: إن أقررنا بعمومية قدرة الله فاننا سنواجه تناقضاً عجيباً و هو هذا السؤال: هل يستطيع الله خلق جسم عظيم و لا يستطيع أن يحركه؟

هل يستطيع خلق كائن و لايستطيع إعدامه؟

إن قلنا يستطيع، فقد قبلنا عدم استطاعته تحريكه أو اعدامه، و إن قلنا لايستطيع، فقد أنكرنا قدرته أيضاً!

أو يقال: هل يستطيع خلق شبيه له؟

إن قلنا به ذلك فقد قلنا بالشريك، و إن قلنا ليس له ذلك فقد حددنا قدرته!

لايبدو هذا الإشكال كما صوره البعض صعباً محيّراً و لا مهماً، و يمكن الردّ عليه بعدّة وجوه، و يمكن توضيحه بصورة أخرى وهي: قد نصطدم في مجال الرياضيات ببعض المسائل التي يقال عنها «صورة المسألة خاطئة» يعني ليس هناك من جواب للمسألة أصلا، مثلا لو قال شخص: لدينا عشرة أمتار قماش نريد تقسيمها على خمسة أفراد بحيث «يحصل أي منهم على أقل من خمسة أمتار» فإننا نقول له على الفور إن هذه المسألة خاطئة ومتناقضة من أولها إلى آخرها، لأننا نقول في أول الأمر لدينا عشرة أمتار قماش، ثم نقول في الأخير لدينا خمسة و عشرين متراً، فمن البديهي ألا تكون هناك إجابة على هذا السؤال.

و الأسئلة المذكورة بشأن قدرة الله من هذا القبيل. فنحن نقول في البداية «يخلق الله جسماً» يعني أنّ ذلك الجسم مخلوق، و بالطبع فإنّ كل مخلوق محدود (و الله وحده اللامحدود) ثم نقول في الأخير «لايستطيع أن يحركه» ومفهوم ذلك أنّ ذلك الجسم لامحدود، و عليه فستكون صيغة السؤال كالاتي:

هل يستطيع الله أن يخلق جسماً محدوداً و لامحدوداً؟!

[ 102 ]

فمن البديهي أنّ صورة هذه المسألة خاطئة من حيث ترتيب العبارة والسؤال فلا يوجد جواب على مثل هذه السؤال.

أو السؤال الآخر: فحين نقول يخلق موجودا; يعني حادث لا أزلي، و عند ما نقول مثله فهذا يعني أنّه أزلي، و عليه فسيكون السؤال بهذه الصيغة «هل يستطيع الله أن يخلق موجوداً حادثاً و أزلياً في نفس الوقت!».

فهل يحتاج مثل هذا السؤال إلى جواب؟... قطعاً لا.

و للوقوف على المزيد بهذا الخصوص عليك بمراجعة كتاب «معرفة الله» للمؤلف.

[ 103 ]

 أصحاب الكهف

الطريق الخامس

هل قصة أصحاب الكهف حقيقة تاريخية، و إن كانت كذلك فما علاقتها بقضية القيامة؟

هل يقر العلم مثل هذا النوم الطويل، و هل من دليل على ذلك؟

تطالعنا في القرآن الكريم سورة الكهف التي تسرد و قائع فتية مؤمنين هربوا من قومهم الوثنيين الذين لا يؤمنون بالله و المعاد ثم آووا إلى الكهف.

لقد دفعت الأفكار السامية اليقظة لهؤلاء الفتية و نزعتهم التحررية إلى الإعتقاد بخرافة الوثنية التي سادت الأجواء آنذاك و فرضت القيود و الأغلال على الناس التي كرست صنمية الحكومات التي إستخفت بأفكار الناس ومهدت السبيل أمام إلوهيتهم و تسلطهم.

و قد كان اُولئك الفتية أصحاب مراكز حساسة في الدولة و المجتمع، وقد آثرت الحرية من هذه الخراقات و الذلة و الهوان و غادرت سرّاً ديارها وأهلها إلى مكان مجهول حتى إنتهت إلى كهف فاختارته كموضع للإستقرار، و قد سيطرت عليها في الكهف حالة عجيبة من النوم الطويل العميق، فقد نامت مئات السنين، و حين نهضت من نومها العميق ـ و على ضوء العادة ـ ظنت

[ 104 ]

أنّها لبثت يوما أو بعض يوم، إلاّ أنّ كافة الشواهد و الأوضاع المحيطة بالكهف كانت تشير إلى أنّ الأمر ليس كذلك، و من هنا كان هناك ترديد في الموضوع.

ثم إتضحت حقيقة الأمر بعد أنّ قدم أحدهم إلى مدينة قرب الكهف يشتري طعاماً، فأخبر الجميع بالحقيقة، ففهموا أنّ حادثة عجيبة قد وقعت، فلم تكن العملة التي في أيديهم تشير إلى أنّها تعود إلى مئات السنين، بل طريقة تعاملهم مع أهل المدينة ـ التي غادروها قبيل قرون وقد تبدلت كل العادات والتقاليد و الأعراف و الحياة السائدة آنذاك ـ إضافة إلى إطلاعهم على تلك القضية التاريخية التي تفيد غياب عصبة من الشباب من ذوي المناصب العالية و التي تبرهن صحة وقوع تلك الحادثة.

كانت تلك الحادثة درساً عظيماً بالنسبة لاُولئك الذين ينظرون بعين الريب والشك إلى موضوع القيامة، فإن كانت الحياة بعد النوم «أخو الموت» بل كان «نفس الموت» ممكنة، فإحياء الموتى هو الآخر لا يبدو مستعبداً، فكانت تلك الحادثة إنعطافة كبيرة في ثقافتهم الدينية...

و هذا هو الطريق الآخر الذي سلكه القرآن الكريم بهدف إزالة قضية إستبعاد المعاد و تقريبها إلى أذهان عامة الناس:

(اِذْ آوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَ هَيِّىءْ لَنَا مَنْ أَمْرِنَا رَشَداً * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ في الْكَهْفِ سِنيْنَ عَدَداً * ثُّمَ بَعَثْنَا هُمْ لِنَعْلَمَ أَىُّ الْحِزْبَيْنِ اَحْصَى لِما لَبِثُوا اَمَداً * وَ كَذلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلُ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمَا اَوْ بَعْضَ يَوْم قَالُوا ربُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُم فَابْعَثُوا اَحَدَكُمْ بِوَرَقِكُمْ هَذِهِ اِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرُ اَيُهَا اَزْكى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزُق مِنْهُ وَ لْيَتَلَطَّفْ وَ لاَيُشْعِرَنَّ بِكُمْ اَحَداً. اِنَّهُمْ اِنْ يَظْهَرُوا

[ 105 ]

عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ اَوْ يُعيدُوكُمْ في مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا اِذاً اَبَداً * وَكَذلِكَ اَعْثَرنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا اَنّ وَعْدَاللهِ حَقُّ وَ اَنَّ السَّاعَةَ لَارَيْبَ فِيهَا)(1).

هل وردت هذه القصة في سائر الكتب السماوية غير القرآن؟

هل ذكرت في المصادر التاريخية؟

هل يعقل مثل هذا العمر الطويل لبشر ـ و في النوم و دون وجود الطعامـ؟ وبغض النظر عن كل ما سبق كيف لهذه الحادثة أن تساعد في إدراك مسألة المعاد؟

هذه هي الأسئلة التي تثار حول هذه الحادثة و لابدّ من الردّ عليها جميعاً.

***

للإجابة على السؤال الأول و الثاني لابدّ من القول:

لم تتعرض أي من الكتب السماوية لقصة أصحاب الكهف سواء الكتب الأصلية أو المحرفة، و لابدّ أن يكون الأمر كذلك، حيث يفيد التاريخ أنّ تلك الحادثة قد وقعت في القرون التي أعقبت ظهور المسيح (عليه السلام). و بالضبط وقعت على عهد دقيانوس الذي جرع المسيحيين أنواع العذاب، فقد صرّح المؤرخون الاوربيون أنّ هذه الحادثة وقعت خلال سنوات 49 إلى 251 م، كما يرون أن مدّة نومهم إستغرقت 157 سنة و يطلقون عليهم «نيام افسوس السبع»(2) بينما يعرفون عندنا بـ «أصحاب الكهف».

و لابدّ أن نرى الآن أين منطقة «افسوس» و من هو أول من كتب بخصوصهم، و في أي قرن كانوا، فافسوس أو افسس بضم الألف و السين هي


 

1. سورة الكهف، الآية 10، 11، 12، 19، 20، 21.

2. أعلام القرآن، ص 153.

 

[ 106 ]

إحدى مدن آسيا الصغرى (تركيا الحالية و هي قسم من روما الشرقية القديمة) تقع على بعد أربعين ميلا إلى الجنوب الشرقي من «ازمير» التي كانت تعتبر عاصمة الملك «ايوني».

و لافسوس شهرة عالمية بسبب معبدها المعروف «ارطاميس» و الذي يعد من عجائب الدنيا السبع.(1)

يقال: قم العالم النصراني «جاك» زعيم الكنيسة السورية لأول مرّة في القرن الخامس الميلادي بتأليف رسالة باللغة السريانية شرح فيها قصة أصحاب الكهف. ثم قام «جورجيوس» بترجمتها إلى اللغة اللاتينية و أطلق عليها اسم «جلال الشهداء».(2)

و هذا يدل بدوره على أنّ تلك الحادثة قد اشتهرت لقرن أو قرنين قبل ظهور الدعوة الإسلامية في الأوساط المسيحية و اهتمت بها الكنيسة، و كما ورد سابقاً فإنّ هناك بعض الاختلافات ـ من قبيل مدّة نومهم ـ مع ما ورد في المصادر الإسلامية حيث ذكر القرآن تلك المدّة صراحة على أنّها كانت 309 سنة.

من جانب آخر فقد نقل «ياقوت الحموي» في كتاب «معجم البلدان» (ج 2 ص 806) و «إبن خردادبه» في كتاب «المسالك و الممالك» (ص 106 ـ 110) و«أبو ريحان البيروني» في كتاب «الآثار الباقية» (ص 290) أنّ جمعاً من السيّاح وجدوا كهفاً في مدينة «آبس» كان يضم بعض الأجساد اليابسة ويعتقدون أنّها ترتبط بأصحاب هذه القصة.

و الذي تفيده الآيات القرآنية في سورة الكهف و ما ورد في الروايات


 

1. إقتباس من كتاب القاموس المقدس، ص 87.

2. أعلام القرآن، ص 154.

 

[ 107 ]

الإسلامية من أسباب النزول بهذا الخصوص أنّ الحادثة المذكورة كانت مشهورة أيضا كحادثة تأريخية بين الأوساط اليهودية، و هكذا يتبيّن أنّ هذه القصة قد وردت في مختلف المصادر التاريخية للأقوام.

[ 108 ]

حقيقة أم خيال؟

 قلنا أنّ قصة أصحاب الكهف (نيام مدينة افسوس) حقيقة تاريخية ذكرت أسنادها في التواريخ الشرقية و الغربية، و نسلّط الضوء الآن على هذه القصة على أساس و جهات النظر العلمية المعاصرة:

ربّما يتردد البعض إزاء تلك المدّة الطويلة لنوم أصحاب الكهف و لا يراها تنسجم و الموازين العلمية فيعتقد أنّها من قبيل الأساطير و الخرافات وذلك لأنّ مثل هذا العمر الطويل الذي يستغرق عدّة مئات من السنين يبدو مستبعدا بالنسبة لأفراد البشر في حالة اليقظة فضلا عنهم في حالة النوم، هذا من جانب، و من جانب آخر لو سلمنا بمثل هذا العمر لمن كان في حالة اليقظة فانّنا لا نسلم به بالنسبة لمن كان في حالة النوم و الرقود، فهناك مشكلة الأكل و الشرب، فكيف يبقى الإنسان حياً هذه المدّة دون طعام وشراب، و لو فرضنا متوسط ما يلزم الإنسان من طعام و شراب كل يوم كيلواً واحداً ولتراً من الماء، فالذي يلزم لأصحاب الكهف أكثر من طن من الطعام و مئة ألف لتر من الماء، و هو المقدار الذي لايمكن خزنه في الجسم.

و من جهة أخرى فلو أغضفنا الطرف عن كل ما مضى فهناك إشكال آخر يرد هنا و هو أنّ بقاء الجسد في ظل ظروف رتيبة و بهذه المدّة الطويلة إنّما يؤثر على عضوية البدن و يسبب خسائر فادحة.

[ 110 ]

قد تبدو هذه الإشكالات كعقبات كؤود تعترض سبيل هذه المسألة للوهلة الأولى، و الحال ليس الأمر كذلك، فالمدّة الطويلة للعمر ـ لمئة سنة وحتى أكثر من ألف سنة ـ ليست بالمسألة غير العلمية، فانّنا نعلم بعدم وجود مدّة معينة لطول العمر بالنسبة لأي كائن حي من الناحية العلمية بحيث يقطع بموته الحتمي لمجرّد حلول تلك المدّة، بعبارة أخرى صحيح أنّ القوى البدنة للإنسان بالتالي محدودة مهما كانت و آيلة إلى الافول، إلاّ أنّ هذا لا يعني عدم إمكانية عيش و تعمير إنسان أو كائن حي آخر لأكثر من المدّة العادية، و مثلا حين يبلغ الماء درجة المئة الحرارية فإنّه يغلي، و إن بلغ الصفر يجمد، فإن بلغ الإنسان مئة و خمسين سنة توقف قلبه عن الدق و حلّ أجله، بل معيار طول عمر الكائنات الحيّة يعتمد إلى حدّ على أوضاع وظروف الحياة المعاشية و يتغير تبعاً لتغيرها.

و الشاهد الحي على هذا الكلام هو إنّنا نرى من جهة أنّ أحداً من علماء العالم و مفكريه لم يصرّح بوجود ميزان معين لعمر الإنسان، و من جانب آخر فقد تمكنوا في مختبراتهم أحياناً من مضاعفة طول عمر بعض الكائنات الحيّة إلى ضعفين، بل و أحياناً أخرى إلى أثني عشر ضعفاً أو أكثر، و هم يبشروننا اليوم بأنّ عمر الإنسان سيزداد في المستقبل عدّة أضعاف عمره الفعلي في ظل تطور الأساليب العلمية.

هذا خلاصة الكلام بشأن مسألة طول العمر.

و أمّا بالنسبة للطعام و الشراب في هذا النوم الطويل، فلو كان النوم عادياً لكان الحق لمن أورد الإشكال في أنّ هذه القضية لا تتفق و أسس العلم، لأنّ إستهلاك طعام البدن حين النوم العادي أقل منه عادة في اليقظة، و على هذا الأساس فسيكون كثير جداً بالنسبة لتلك السنوات المديدة، ولكن ينبغي الإلتفات إلى وجود نوم في عالم الطبيعة يكون إستهلاك طعام البدن فيها قليلا للغاية.

[ 111 ]

السبات الشتوي

هناك الكثير من الحشرات التي تنام طيلة الشتاء، أي تغط في نوم شتائي، وتتوقف تقريباً مختلف النشاطات الحيوية في مثل هذا النوع من النوم، فلا يبقى إلاّ بصيص منها، فالقلب يتوقف تقريباً عن الدق، أو بتعبير أدق تكون دقاته على درجة من البطىء بحيث لا يمكن الشعور بها، و في مثل هذه الحالة يمكن تشبيه البدن بالكوّر العظيمة التي تبقى منها ولاّعة مشتعلة حين إنطفائها.

فمن الواضح أنّ ما تتطلبه تلك الكورة من المواد النفطية في اليوم لتقذف بلهيبها إلى عنان السماء يمكنه أن يكفي لعشرات بل مئات السنين لإشكال ولاّعة صغيرة (طبعاً يتوقف هذا الأمر على الشعلة العظيمة حال إيقاد الكورة وولاّعتها).

يقول العلماء بشأن سبات بعض الحشرات لو أخرجنا و زغاً من مكانه حين شتاء، فانّه يبدو ميتاً، لا هواء في رئته، و دقات قلبه ضعيفة لايمكن تحسسها... هناك الكثير من الحيوانات التي تسبت في الشتاء كالفراشات والحشرات والحلزونات و الزواحف، كما قد تسبت بعض الحيوانات من فصيلة الثدييات، فانشطة الحيوانات تبطىء جدّاً في مدّة سباتها فتستهلك دهنياتها المدخرة في بدنها تدريجياً، و المراد من ذلك أنّ لدينا نوم تقل

[ 112 ]

فيه الحاجة إلى الغذاء جدّاً، و تبلغ الأنشطة الحياتية فيه درجة الصفر، و هو الأمر الذي يحول دون إستهلاك الاعضاء و طول عمر هذه الحشرات، و يبدو أنّ السبات الشتوي فرصة ثمينة بالنسبة للحيوانات التي يحتمل عدم استطاعتها الحصول على الطعام في الشتاء.

 نموذج آخر: دفن المرتاضين

لقد شوهد أيضا بشأن المرتاضين أنّ بعضهم و بمرأى من الناس الذين لفهم الذهول و الأندهاش قد وضعوا في تابوت و دفنوا في التراب لمدّة اسبوع، وما إن تمّت تلك المدّة حتى أخرجوا و قد عادوا إلى حياتهم العادية بعد أن أجري لهم تنفس صناعي.

قد لا تكون الحاجة إلى الطعام خلال هذه المدّة، إلاّ أنّ الحاجة إلى اُوكسجين الهواء في غاية الأهميّة، فالكل يعلم أنّ خلايا الدماغ حساسة جدّاً تجاه الاوكسجين بحيث لاتستغني عنه أبداً سوى لبضعة دقائق.

و السؤال الذي نطرحه: كيف يتحمل هذا المرتاض الهندي قلّة الاوكسجين لمدّة تستغرق اسبوعاً؟

لا تبدو الإجابة على هذا السؤال صعبة بالنظر لما أوردناه سابقاً، فنشاط بدن المرتاض خلال هذه المدّة يتوقف تقريباً، و عليه تقل حاجة الخلايا بشكل ملحوظ إلى الاوكسجين و إستهلاكه بحيث يكفي الهواء الموجود في التابوت لتغذية خلايا البدن طيلة تلك المدّة.

 تجميد بدن الإنسان الحي

هناك عدّة نظريات و أطروحات بشأن تجميد بدن الأحياء بما فيها

[ 113 ]

الإنسان من أجل إطالة عمرها، و قد وردت بعض تلك الأبحاث حيز التطبيق.

و على ضوء هذه النظريات فإنّه يمكن إيقاف حياة الإنسان أو الحيوان بعد تعريضه إلى برودة تصل إلى الصفر دون أن يموت حقيقة، و بعد مدّة معينة يجعل في درجة حرارة مناسبة فيعود إلى حالته العادية ثانية.

و قد طرح مثل هذا الإقتراح بخصوص الرحلات الفضائية إلى الكرات البعيدة التي قد تستغرق أحياناً مئات أو آلاف السنين حيث يجعل بدن رائد الفضاء في محفظة خاصة و تجميده، و بعد سنوات مديدة حين يقترب من الكرات المطلوبة تعاد إليها الحرارة الاعتيادية بواسطة جهاز تلقائي فيعود إلى حالته العادية دون أن يكون قد هدر شيئاً من عمره.

لقد نشر هذا الخبر في إحدى المجلات العلمية، كما ألف «روبرت نيلسون» في السنوات الأخيرة كتاباً بشأن تجميد بدن الإنسان لإطالة عمره و قد كان لذلك الكتاب صدى واسعاً في عالم العلم و المعرفة.

و قد صرّح في مقالة وردت في المجلة المذكورة بهذا الخصوص أنّ فرعاً علمياً من بين الفروع قد ظهر بهذا الشأن، و جاء في المقالة المذكورة: «إنّ الحياة الخالدة كانت من الأحلام الذهبية و العريقة للإنسان على مدى التاريخ، أمّا الآن فقد أصبح هذا الحلم حقيقة، يدين بالفضل للتطور الهائل الذي حققه العلم المعاصر الذي يعرف بعلم الكريونيك (العلم الذي يصحب الإنسان إلى العوالم المنجمدة و يحفظه كبدن منجمد على أمل أن يعيده العلماء يوماً إلى حياته).

هل يعقل هذا المنطق؟ إنّ أغلب العلماء و المفكرين البارزين يفكرون في هذه المسألة من عدّة جوانب، و قد خاضت فيه بعض الصحف العالمية،

[ 114 ]

والأهم من كذلك أنّ هناك برنامجاً الآن بهذا الخصوص في حيز التنفيذ»(1).

و قد أعلنت الصحف قبل مدّة أنّه ثم العثور في الثلوج القطبية و التي تدّل أغطيتها على أنّها تعود إلى ما قبل آلاف السنين على سمكة منجمدة وبمجرّد أن قذفت في ماء معتدل بدأت حياتها من جديد وقد أصابت الجميع بالذهول لما شرعت بالحركة.

واضح أنّ الاجهزة حتى في حال الانجماد لا تتوقف كما هي عليه الحال في الموت، لأنّ العودة إلى الحياة في تلك الحالة ليست ممكنة.

و الذي نخلص إليه ممّا مرّ معنا هو إمكانية إيقاف الحياة و شل حركتها لتتحرك ببطىء تام، و الدليل على ذلك مختلف الدراسات و الأبحاث العلمية الواردة بهذا الشأن. و في هذه الحالة يبلغ إستهلاك البدن للطعام الصفر، يمكن للاحتياطي الزهيد المخزون في البدن أيديم الحياة بهذا البطىء لسنوات عديدة.

***

قطعاً نوم أصحاب الكهف لم يكن نوماً عادياً طبيعياً على غرار نومنا، بل كان نوماً إستثنائياً، و عليه فليس من العجيب ألا يشكو من قضية الطعام ولا من الضرر على مستوى عضوية البدن بسبب ذلك النوم الطويل!

و الطريف في الأمر أنّ الذي يفهم من آيات سورة الكهف بشأن هذه المسألة هو أنّ طريقة نومهم كانت تفرق عن النوم الاعتيادي: (وَ تَحْسَبُهُمْ اَيْقَاظاً وَ هُمْ رُقُود... لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مَنْهُمُ فِراراً وَ لَمُلِئْتَ مَنْهُمْ رُعْباً)(2).

فالآية تدل على أنّ نومهم لم يكن عادياً، بل كانوا يعيشون حالة تشبه


 

1. مجلة العالم، العدد 47، ص 4.

2. سورة الكهف، الآية 18.

 

[ 115 ]

حالة الميت ـ بعين مفتوحة ـ، أضف إلى ذلك فقد صرّح القرآن بأنّ الشمس لم تكن تشرق على جوف الكهف، و بالنظر إلى أنّ الكهف كان في أحد مرتفعات آسيا الصغرى فقد كانت منطقة باردة; الأمر الذي يكشف عن الشرائط الاستثنائية لنومهم، من جانب آخر القرآن قائلا: (...وَ نُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الَْيمينِ وَ ذَاتَ الشِّمالِ)(1).

و هذا يدل على أنّهم لم يكونوا يعيشون عملية رتيبة واحدة، فما زالت هنالك بعض العوامل الخفية الدخيلة في الأمر و التي بقيت مجهولة علينا (فيحتمل كانت تحدث مرّة كل سنة) تقليبهم على جهة اليمنى و الشمال للحيلولة دون المساس بعضوية أبدانهم.

***

يبدو إنّ البحث العلمي بهذا الشأن قد إتضح تماماً، و النتيجة التي يخلص إليها منه لا تدع من مجال للنقاش بشأن مسألة المعاد، و ذلك للشبه الواضح بين النهوض من ذلك النوم الطويل و النهوض للحياة بعد الموت والذي يقرب قضية المعاد إلى الأذهان.


1. سورة الكهف، الآية 18.

[ 116 ]

فترة الجنين شبح من القيامة

 الطريق السادس

(يَا اَيُّها النَّاسُ اِنْ كُنْتُمْ في رَيْب مِنَ الْبَعْثِ فَانّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُراب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِنْ مُضْغَة مُخَلَّقَة وَ غَيْر مُخَلَّقَة لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ في الأَرحَامِ مَا نَشاءُ اِلَى اَجَل مُسَمًى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا)(1).

إنّ الاعتياد على شيء رغم أنّه يحل كثيراً من مشاكلنا إلاّ أنّه قد يكون مصلّاً أحياناً، و ذلك لأنّ بعض المواضيع الساذجة التي لم نرها سابقاً ونتعودها تبدو لنا مهمّة من قبيل نمو أسنان الفرس أو الطير الذي يضع البيض الكروية أو المخروطية الشكل بحيث تتناقلها الألسن بشيء من الغرابة، بينما تبدو لنا عادية تماماً كسائر المواضيع العجيبة للغاية و التي تنطوي على عدّة أسرار و ذلك لتعودنا عليها، فعادة ما نسمع أنّ السيدة الفلانية أنجبت ولداً فنقول: مبارك عليها إن شاءالله، إلاّ أنّنا لا نكلّف أنفسنا عناء أي تفكير بالحوادث العجيبة والتغيرات التي عرضت على رحم المرأة طيلة تسعة أشهر والتي لايمكن توضيح حقيقتها بمئة كتاب، فذرة ترابية ترد البدن الإنساني عن طريق النباتات فتمتزج معه فتصير بهيئة خلية حيّة


1. سورة الحج، الآية 5.

[ 118 ]

في الرحم و تختلط بخلية أنثوية لتشكل بويضة، ثم ينشط هذا الكائن الآحادي الخليّة بسرعة مذهلة ليشق طريقه التصاعدي الهندسي خلال عدّة شهور ليتحول إلى كائن له آلاف الملياردات من الخلايا.

و كأنّ فريقاً من الرسّامين المهرة قد تجمعوا في ذلك الوسط المظلم وانهمكوا ليل نهار بالرسم فأحالوا كل مجموعة من هذه الخلايا بشكل و قد سبغوا عليه ألواناً و كيفيات خاصّة معينة.

نعم هناك عشرات المهندسين و الفيزيائين و الكيميائين الذين يتفنون في صنع أجهزته الحساسة و الدقيقة و يصنعون كائناً من عدّة غرامات من الحديد إلى جانب بعض الغرامات من الكالسيوم و الفسفور و الكاربون و... ومقدار كثير من الماء الكائن الذي يعجز عن مصافاته أكبر العقول الألكترونية و أعظم الصناعات العالمية الثقيلة و أدق الأدوات و الوسائل والأجهزة و أجمل ألواح الدنيا.

و الجدير بالذكر أنّ الإنسان يتابع بعد ولادته حركة هادئة و تدريجية ذات تكامل كمي لا كيفي، فحركته في المحيط الهائج للرحم سريعة جدّاً ومغيرّة وهي تكشف عن غطاء عجيب كل اسبوع بل كل يوم.

إنّ التطورات المتتالية و المذهلة للجنين في عالمه هي بمثابة الذهول من جراء تحول إبرة صغيرة بعد عدّة شهور إلى طائرة تحلق دون طيار، فالجنين حين يكون في مرحلة «المورول» و خلاياه كحبّة ثمرة التوت تجتمع حول بعضها دون أن يكون لها شكل مشخص، و حين يكون في مرحلة «البلاستول» و تظهر حفرة التقسيم التي تعتبر بداية لتقسيم نواحي الجنين، و حين يبلغ الطبقات الثلاث للكاسترول و هي «الاندوديرم» و«الاكتوديرم» و «المزوديرم» ففي كل هذه المراحل تكون خلايا الجنين

[ 119 ]

شبيهة لبعضها البعض الآخر و لايوجد أدنى أثر لاختلاف أعضاء الإنسان، ولكن فجأة تحدث تغييرات في الأغشية الثلاث للجنين بحيث تتغير أشكالها بما ينسجم و الوظيفة التي تقوم بها فتبدأ الأعضاء بالبروز، لا أحد يعرف أي الظروف دعت لحصول هذه التغيرات في الخلايا المتشابهة تماماً، فأسرارها مكتومة خفيفة كسائر أسرار الجنين، و بالطبع تتم كل هذه المراحل في وسط لا سبيل للوصول إليه و يخضع تماماً للسيطرة الداخلية للبدن.

القرآن الكريم من جانبه يخاطب اُولئك الذين يرون إستحالة الحياة بعد الموت بأنّ القيامة و البعث سوف لن تكون أبعد ممّا تشاهدونه من هذا التبدل السريع الذي تتحول بموجبه النطفة إلى إنسان، و عليه فكيف يمكن للإنسان الشك في القيامة و هو يشاهد علم الجنين. و الآية التي تصدرت البحث، أشارت في البداية إلى تبدل التراب بكائن حي و هي طفرة عظيمة، ثم أشارت إلى المراحل المختلفة للجنين و التي تعتبر كلها قفزات متتالية نوعية بالنسبة للجنين، ثم يدعو منكري البعث و القيامة إلى التوقف عند هذه المسائل، و في عصر لم يكن فيه علم الأجنة علم مستقبل، بل لم يكن حتى جزءاً من العلوم، فلم تكن هناك سوى معلومات ناقصة بهذا الشأن، والتعبير القرآني في الآية المذكورة عن القيامة بالبعث كأنّه إشارة لطيفة إلى معنى «الطفرة» التي تحصل في القيامة على غرار دنيا الرحم، و هذا طريق آخر من الطرق التي سلكها القرآن الكريم من أجل تعريف الناس بالقيامة.