ملف الإمام الحسين

1

الصفحة الرئيسية

رجوع

 

 الحسين قتيل.. وكيدهم في تضليل!

 

 خروج الإمام الحسين

 

 دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) في اليوم العاشر من المحرم

 

رؤية تاريخية لواقعة كربلاء

 

رسالة عاشوراء

 

شهادة على عظمة الإمام الحسين (عليه السلام)

 

فضل الزيارة يوم عاشوراء

 

كيف وصلت إلينا وقائع عاشوراء

 

لماذا البكاء؟

 
 

الحسين قتيل.. وكيدهم في تضليل! 

الحسين فارق اللئام الذين قاتلوه والتحق بالكرام الذين نصروه .. فهذا ما آثره منذ البداية .. مصارع الكرام على طاعة اللئام .. وواجه اليوم مختارا .. السيوف المسلولة لقتله .. على أن يقبل بخيار الذلة .. وما كان سيختار خيارا آخر غير الشهادة .. فهذا ما اختاره الله سبحانه له .. حتى لو كان حوله عدد أكبر من الناس .. لو كان حوله ملايين .. لما اختار غير خيار الشهادة لأن فيها رضى الله وحياة دينه .. وهو ابن علي القائل (لا تزيدني كثرة الناس حولي عزة ولا تفرقهم عني وحشة ولو اسلمني الناس جميعا لم أكن متضرعاً) ..ولو كان مع الحسين في مثل هذا اليوم مليون ناصر .. أو 73 ناصرا .. لا فرق عنده .. بل حتى لو ذهب هؤلاء - وحاشاهم أن يفعلوا ذلك - لما غيّر الحسين من خياراته .. بل هذا ما كان يطلبه حتى من هذه الثلة المجاهدة من حوله .. وكان يلح عليهم أن يتفرقوا عنه في ظلام الليل .. واكد لهم رضاه عنهم إذا تفرقوا .. تشجيعا لهم .. لم يكن الإمام الحسين (عليه السلام) يشعر بوحشة في الحق .. ولم يكن مستاءً من وَحدَته .. فهو يأنس برضى الله سبحانه ويعتز بعزته .. مهما كان موقف الناس .. وقد أصاب من وصفه في مثل هذه اللحظات يوم عاشوراء وقد قتل جميع من حوله بقوله (ما رأيت مكثورا قط قتل جميع أهل بيته وأصحابه أصبح وجها منه...).

اجل وحَدَة الحسين ينبغي أن تكون عظيمة علينا ..إذ لم تكن عظيمة عليه .. فهو الحسين .. في كل الظروف والاحوال .. ولكننا قد نكون لا سمح الله امتدادا لمن أسلموه ولم ينصروه .. فنكون مع الحسين ـ حسب الظروف ـ فاذا كان الوضع يسمح بالتحرك تحركنا .. وإذا لم يسمح الظرف لا نتحرك .. فالظروف تسيرنا .. لا رضى الله وداعيه .. الحسين يعلمنا كيف نخلق الظرف .. وكيف نتحرك رغما عن إرادة العدو وكثرته من حولنا .. ووحدته ضدنا .. نعمل في الوَحَدة .. كما عمل الحسين وحيدا .. وكان سعيدا بوحدته لكنه كان حزين على أولئك الذين تركوه وحيدا .. بكى من اجلهم . وبكى من اجل كل من يخذلوا نهجه اليوم وكل يوم .. لان خسارتهم كبيرة مهما توهموا الربح.

وَحَدَة الحسين قابلت وِحدة عدوه .. وحَدَته لنصرة الدين والقيم .. ووِحدتهم على الدين والقيم .. كان يبكي وِحدتهم .. وكانوا فرحين بوَحدته ..

إن الحسين يحزن لمن يتوحد على الباطل .. ويفرح لمن ينصر الحق حتى لو كان وحيدا .. وكلما توحدنا لنصرة الحق .. والدين والقيم .. اسعدنا الحسين.. وكلما تفرقنا عن ذلك احزنا الحسين بل وابكيناه .. إن كثرة عدونا ... وتظاهر الزمان علينا لا ينبغي أن تنال من حسينيتنا.. والتزامنا بنهج الجهاد كخيار وحيد لحماية التوحيد وعز الدنيا وكرامة الآخرة .. أما أصحاب النفَس القصيرة.. فهم بعيدون عن الحسين حتى لو حسبوا أنفسهم في مسيرته .. الا ترى إن الكثير ممن خرج مع الحسين (عليه السلام) كان يهرب منه في الطريق وكلما اقتربت القافلة إلى كربلاء .. حتى هؤلاء هم مراتب .. البعض هرب من أول الطريق .. البعض في منتصف الطريق .. بل إن البعض تسلل من معسكر الحسين في ليلة عاشوراء .. وهذا يشير إلى أن استعدادات هؤلاء متفاوتة أيضا .. ففي حين انسحب بعضهم سريعا .. صمد البعض الآخر إلى ما قبل ساعات من ملحمة الفوز التي خسرها وانسحب .. وهكذا .. بمقدار ما نوجد في أنفسنا من استعدادات الصبر والنصرة .. بمقدار ما نكون أوفر حظا للصمود حتى النهاية .. والا تفرقنا - وكل حسب استعداده - في أول الطريق أو منتصفه .. أو ما قبل ساعات من نهايته.

الحسين (عليه السلام) نهج وقضية .. والمطلوب أن ننهج نهجه .. والا عطلناه كما عطله اعداءه .. مع فارق واحد .. إن الاعداء فرحوا ونحن حزنّا .. بل إن بعض الاعداء حزنوا أيضا بما فيهم اللعين ابن سعد الذي بكى عند خروج زينب لترى مصرع اخيها.

 

خروج الإمام الحسين  

الإمام الحسين (عليه السلام) في نظرة شيخ الناصبة ابن تيمية: وكان (في خروجه وقتله من الفساد مالم يكن يحصل لوقعد في بلده، فإن ما قصده من تحصيل الخير ودفع الشر لم يحصل منه شيء، بل زاد الشر بخروجه وقتله، ونقص الخير بذلك، وصار ذلك سببا لشر عظيم. وكان قتل الحسين مما أوجب الفتن (منهاج السنة ج4 / 530).

نقول:

في هذا الموضوع جاء كاتبه - بزعمه - يخبرنا القصة الحقيقية لمقتل السبط الشهيد (عليه السلام) ولم يرى إلا أن ينقل عن ابن كثير الدمشقي هو وشيخه أبن تيمية ويستشهد بأقوالهما بالرغم من انكارهما لكثير من الظواهر الكونية وخوارق العادات التي حدثت بعد مقتل الإمام الحسين (عليه السلام)!!.

وكأن كاتب هذا الموضوع لم يرى غيرهما يوافقه فجاء بكل غث من كتابيهما يدسه لنا لكي يخبرنا كما زعم بالقصة الحقيقية لمقتل الإمام الحسين (عليه السلام).

فيا لله ولهذه القصة التي تعتمد على الكذب والروايات الضعيفة وترك الصحيحة والحسنة منها - كما سنبينه - لتصحيح ما يريدون تصحيحه للطعن بالإمام الحسين (عليه السلام) ولتبرئة يزيد بن معاوية من دم الإمام الحسين (عليه السلام)!!.

والأدهى من ذلك إن الكاتب أراد أن يظهر أن الإمام الحسين (عليه السلام) إنما خرج لخلافة زائلة وملك عضوض وليس للإصلاح.. بل إن في خروجه مفسدة تبعا لمقولة شيخه ابن تيمية!. فلا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وسيعلم الذين ظلموا آل محمد أي منقلب ينقلبون ..

ولقصده هذا اورد الكاتب 4 روايات عن بعض الصحابة ينصحون حسينا (عليه السلام) بعدم الخروج توهم بان خروجه (عليه السلام) لم يكن مجديا وبعضها توهم بانه (عليه السلام) خرج طلبا للدنيا وهي كالتالي:

1- .. قول ابن عمر للإمام الحسين (عليه السلام): "(إني محدثك حديثا: إن جبريل أتى النبي فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، الخ) .. فابن عمر يرى الحسين (عليه السلام) بمنظاره عندما أبى مبايعة علي (عليه السلام) بينما بايع يزيد وقبله معاوية وبنظرته تلك ظن إن الحسين مثله يريد الدنيا فحسب ولذلك نصحه بعدم الخروج لأنه لن يصيب من الدنيا شيئا ذاهلا عن إن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يخرج طلبا للخلافة وإنما لطلب الإصلاح في أمة جده (صلى الله عليه وآله).

2- الرواية الثانية وهي رواية سفيان بسند صحيح - كما قال الكاتب بنفسه - عن ابن عباس أنه قال للحسين في ذلك: (لولا أن يزري - يعيبني ويعيرني - بي وبك الناس لشبثت يدي من رأسك، فلم أتركك تذهب).. فقد بتره الكاتب لأنه رأى إن رد الحسين (عليه السلام) لإبن عباس: (لأن أقتل في مكان كذا وكذا أحب إلي من أن أقتل في مكة).

وقول ابن عباس: "(فكان هذا الذي سلى نفسي به)" يهدم ما يريد أن يبينه ويدعيه وهو خروج الإمام الحسين (عليه السلام) طلبا للخلافة لا خوفا من إستحلال مكة بقتله فيه فما كان منه إلا أن بتر رد الإمام الحسين (عليه السلام) وجواب ابن عباس.. وهكذا يفعل النواصب عليهم من الله ما يستحقون.

3- وأما قول عبد الله بن الزبير له: (أين تذهب؟ إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك؟) فهي كسابقتها في البتر فقد بتر الكاتب جواب الإمام الحسين (عليه السلام)"(لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن تستحل بي يعني مكة)" لأنه لم يرق له ان يبين السبب الحقيقي لخروج ابا عبد الله (عليه السلام) من البيت الحرام الا وهو خوفه من استحلال مكة بقتله فيها وهي حرم .

على أن ابن الزبير أمر الإمام الحسين بالخروج وقال له "(أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت عنها)" وكلا القولين موجودين عند ابن كثير فلماذا اختار الكاتب القول الأول وبتره وترك القول الآخر؟.

4- الرواية الرابعة وهي قول عبد الله بن عمرو بن العاص: (عجّل الحسين قدره، والله لو أدركته ما تركته يخرج إلا أن يغلبني). (رواه يحيى بن معين بسند صحيح) .. فياله من صحيح وابن كثير غير أسم الراوي من سليمان بن سعيد بن مينا لعدم وجود راو بهذا الإسم إلى سعيد بن مينا الثقة لكي يصحح الرواية !!

ولو غيره إلى سليمان بن مينا لكان يحتمل اما أن يغيره إلى سعيد بن مينا فهذه المصيبة بعينها ..

ففي تاريخ الشام لإبن عساكر (14 / 202) قال الحراني سليمان بن سعيد بن مينا سمعت عبد الله بن عمر .. ولا يبعد أن يكون تصحيف ولكن أن لا ينوه ابن كثير إلى ذلك فهذا من قلة أمانته في النقل!.

وأي كان فلا تصح الرواية للإشتباه في راوية هل هو سعيد أو سليمان بن مينا أو سليمان بن سعيد بن مينا ..

ثم الا يعجب المرء من هذا الكاتب حتى يستدرك على الإمام الحسين (عليه السلام) سيد شباب أهل الجنة بكلمة لإبن عمرو بن العاص الذي كان على ميمنة الفئة الباغية في صفين وكان عامل معاوية على الكوفة قبل أن يعزله!.

سير أعلام النبلاء .. ترجمة عبد الله بن عمرو.

حكم خروج الحسين :

قال الكاتب "لم يكن في خروج الحسين رضي الله عنه مصلحة ولذلك نهاه كثير من الصحابة وحاولوا منعه ولكنه لم يرجع، وبهذا الخروج نال أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول الله حتى قتلوه مظلوماً شهيداً. وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن يحصل لو قعد في بلده .. إلى آخر ما ذكره.." .

فنقول:

أولا ..هذا هو عين كلام ابن تيمية في منهاج السنة(4 / 530). ولكن بتعديل في ترتيب الجمل فلا نعلم لماذا لم ينوه الكاتب بذلك كما نوه ببعض أقوال ابن كثير أم إنه علم بان كلام ابن تيمية من الكذب ويظهر فيه تحامل شيخه على الحسين (عليه السلام) فاراد التستر عليه؟

ثانيا .. هذا قول فاسد وواضح بطلانه فلو بقي الإمام الحسين (عليه السلام) في مكة لقتل بها وهذا ثابت في الرواية الثانية التي نقلها هذا الكاتب عن سفيان وقال عنها بنفسه "(بسند صحيح)" لقول الإمام الحسين (عليه السلام) لإبن عباس: "لأن أقتل في مكان كذا وكذا أحب إلي من أقتل في مكة" يثبت أنه كان يعلم بانه سيقتل في مكة لو بقي فيه ولذلك خرج وأيده بذلك ابن عباس .. وهذا يثبت بان قول الكاتب أو ابن تيمية قول كذب لا يصح .. و سواء خرج الإمام الحسين (عليه السلام) أو قعد في بلده فهو مقتول فالخروج كان لا بد منه لكي لا تستحل به مكة ..

ثالثا .. في نفس رواية سفيان الصحيحة قال ابن عباس: "(فكان هذا الذي سلى نفسي به)" فلو كان في خروجه مفسدة لما قال ابن عباس مقالته هذا .

رابعا .. لم ينفع ابن الزبير قعوده في مكة وهو بلده الأول فاستحلت به وهو ما كان سيحصل لو قعد الإمام الحسين (عليه السلام) في مكة فكيف يقول الكاتب تبعا لإبن تيمية: "وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن يحصل لو قعد في بلده..!!".

خامسا .. نهي الصحابة له عن الذهاب إلى العراق انما كان لخوفهم على الإمام الحسين (عليه السلام) وشفقة عليه من القتل لما تردد إلى مسامعهم أخبار النبي (صلى الله عليه وآله) بمقتله في كربلاء وليس في مخالفتهم لأصل الخروج على يزيد الفاسق، فقد قال ابن كثير: "وقد ورد في الحديث بمقتل الحسين فقال الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد بن حسان قال أنا عمارة يعنى ابن زاذان عن ثابت عن أنس قال استأذن ملك المطر أن يأتي النبي (صلى الله عليه وسلم فاذن له فقال لام سلمة احفظي علينا الباب لا يدخل أحد فجاء الحسين بن على رضى الله تعالى عنهما فوثب حتى دخل فجعل يصعد على منكب النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال له الملك أتحبه قال النبي (صلى الله عليه وسلم) نعم قال فان أمتك تقتله وإن شئت أريتك المكان الذى يقتل فيه قال فضرب بيده فاراه ترابا أحمر فأخذت أم سلمة ذلك التراب فصرته في طرف ثوبها قال فكنا نسمع يقتل بكربلاء ..

وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثني عبد الله بن سعيد عن أبيه عن عائشة - أو أم سلمة - أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "لقد دخل علي البيت ملك لم يدخل قبلها، فقال لي: إن ابنك هذا حسين مقتول، وإن شئت أريتك الأرض التي يقتل بها، قال: فأخرج تربة حمراء".

وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أم سلمة. ورواه الطبراني عن أبي أمامة وفيه قصة أم سلمة. ورواه محمد بن سعد عن عائشة بنحو رواية أم سلمة فالله أعلم.

وروي ذلك من حديث زينب بنت جحش ولبابة أم الفضل امرأة العباس. وأرسله غير واحد من التابعين" قول ابن كثير...

وهذا الأثر ثابت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد قال الهيثمي: "وعن نجى الحضرمي انه سار مع علي رضى الله عنه وكان صاحب مطهرته فلما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين فنادى علي اصبر ابا عبدالله اصبر ابا عبدالله بشط الفرات قلت وما ذاك قال دخلت على النبي (صلى الله عليه وسلم) ذات يوم وإذا عيناه تذرفان قلت يا نبى الله أغضبك احد ما شأن عينيك تفيضان قال بل قام من عندي جبريل (عليه السلام) قيل فحدثني إن الحسين يقتل بشط الفرات قال فقال هل لك أن أشمك من تربته قلت نعم قال فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عينى أن فاضتا.

رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني ورجاله ثقات ولم ينفرد نجى بهذا. وعن عائشة أو ام سلمة إن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لاحداهما لقد دخل على البيت ملك فلم يدخل على قبلها قال إن ابنك هذا حسين مقتول وان شئت أريتك من تربة الأرض التى يقتل بها قال فأخرج تربة حمراء.

رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ..(مجمع الزوائد 9 / 187...).

فلو كان في خروج الإمام الحسين (عليه السلام) مفسدة كما زعم ابن تيمية لنهاه النبي (صلى الله عليه وآله) عن الخروج واوصى إلى أبيه الإمام علي (عليه السلام) بذلك فلماذا لم يفعل النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك؟.

ثم كيف يبكي النبي (صلى الله عليه وآله) على الحسين وهو يعلم بان خروجه (عليه السلام) فيه مفسدة!!.

سادسا .. بعض من نهى الإمام الحسين (عليه السلام) عن الخروج من الصحابة اقتنع برايه ووافقه مثل ابن عباس كما اوردناه في الحديث الثاني أعلاه وهذه الموافقة تثبت صحة خروج الإمام الحسين (عليه السلام) وعدم وجود أي مفسدة فيه وإلا لما وافقه مثل ابن عباس ..

سابعا .. اخرج مسلم في صحيحه عن ام سلمة عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: "انه يستعمل عليكم امراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن انكر فقد سلم ولكن من رضى وتابع قالوا يا رسول الله الا نقاتلهم قال لا ما صلوا.. (صحيح مسلم ج 6 ص 23 .. سنن أبي داود - ابن الأشعث السجستاني ج 2 ص 427 : الترمذي ج 3 ص 361 وقال: هذا حديث حسن صحيح .. وغيره)

فهذا الحديث الشريف يثبت مشروعية الخروج على يزيد لعنه الله تعالى من حيث انه كان - كما قال ابن كثير -: كان فيه أيضا إقبال على الشهوات وترك بعض الصلوات في بعض الاوقات، وإماتتها في غالب الاوقات.. فالحد بين الكفر والإيمان هو الصلاة.

ثم فليقل لنا حماة يزيد: "هل تصح صلاة شارب الخمر؟!.

وأما قول ابن كثير: "بل قد كان فاسقا والفاسق لا يجوز خلعه لاجل ما يثور بسبب ذلك من الفتنة ووقع الهرج كما وقع زمن الحرة .. فنقول: "وهل تصح إمامة الفاسق؟.

أو ليست العدالة من شروط الإمامة .. فأي عدالة للفاسق؟. فكيف يبايع الإمام الحسين (عليه السلام) فاسق فاقد الأهلية؟.

ثامنا .. قال ابن كثير: "وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا محمد بن هارون، أبو بكر، ثنا إبراهيم بن محمد الرقي وعلي بن الحسن الرازي قالا: ثنا سعيد بن عبد الملك أبو واقد الحراني ، ثنا عطاء بن مسلم، ثنا أشعث بن سحيم، عن أبيه قال: سمعت أنس بن الحارث يقول سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: "إن ابني - يعني الحسين - يقتل بأرض يقال لها كربلاء، فمن شهد منكم ذلك فلينصره". قال: فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء فقتل مع الحسين، قال: ولا أعلم رواه غيره.. البداية والنهاية (8 /216).

فلو كان خروج الإملام الحسين (عليه السلام) فيه مفسدة كما زعم ابن تيمية لما أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بنصرته وحاشا للنبي (صلى الله عليه وآله) أن يامر بنصرة المفسدين.

 

دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) في اليوم العاشر من المحرم

(اللهم أنت ثقتي في كل كرب، وأنت رجائي في كل شدة وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدةٍ، كم من كرب يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشت فيه العدوّ، أنزلته بك وشكوته إليك، رغبة مني إليك عمن سواك، ففرجته عني وكشفته فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل رغبة).

 

رؤية تاريخية لواقعة كربلاء  

من الشائع المستهجن التزحلق باسم الموضوعية والأمانة العلمية للمقاربة البحثية لمناهج علمية وتعميمها في ما يجوز ولا يجوز، ومن ثم لا تستغرب إذا رأيت بعض مفردات هذا الدين عند بعض الباحثين قد مسخت وشوهت بحيث يولد في طيات أوراقهم دين جديد. قد نومن بالحرية الفكرية، لكن لن نؤمن بنتاج فكر الباحث بأنه دين الله الذي أنزل فليفرح به وحده. ونتوقف هنا عند الدراسة التاريخية لكربلاء بنوع من العمومية لتشمل السيرة المعصومة كلها.

إن صلاحية إي منهج تعتمد على رعاية خصوصيات موضوع المعرفة، ولا قيمة لهذه المفردات (الموضوعية والعلمية) مع إقحام منهج دون رعاية المناسبة ومع القبول بحيادية التوثيق التاريخي الاحترافي إلا أنه نسجل ملاحظتين هنا:

أولاً: أن التاريخ يرصد ظاهر الأحداث لا باطنها ( خلفياتها وأهدافها..) ولا سيما أنشطة حركات المعارضة التي لم تحقق انتصارات مادية ملموسة أما لأن التاريخ يسجل الانتصارات وإما لأنه يسجل ظاهر الأمور. ومفاعيل الحركة السرية لا تبرز إلا لحظات الانتصارات وتبرز حينها نتائج دون مقدماتها، فلا غنى عن التحليل والاستنتاج لربط الأشياء وقراءتها لاستكشاف الأهداف الكامنة وراء الستار، فالملاحظات الذكية مفاتيح مهمة، فلنقارن مثلاً بين عصر الإمام الكاظم (عليه السلام) حين يوصي الشيعة بالتقية وعدم لقائه بل والسلام عليه، وعصر الإمام الجواد (عليه السلام) حيث يأمرالشيعة بالعلانية والتميّز. يقول ابن أبي داود المعتزلي وزير المعتصم في قضية قطع اليد (كيف تأخذ برأي من ترى نصف الأمة إمامته)؟

الثانية: وهي ملاحظة فيها نوع من الخصوصية العقائدية، هي طبيعة مهام رتبة الإمامة لا بمعناها الدنيوي المتعارف بل كما هي في النصوص الدينية، وهذا الأمر فيه عقدتان الأولى التسليم العقائدي بها مسبقاً، نعم يهون الخطب أن طبيعة الشخصية والأسرة والخلفية الثقافية ملحوظة في أشد المناهج المادية علمانية. والعقدة الثانية كونه من المسبقات التي تعترض الحيادية ومن ثم الموضوعية. ومما سبق في العقدة الأولى يفهم أن لا مسبقات مستحيلة فاختيار المنهج مهما كان فهو يعترض الحيادية. والإشكال ليس في المسبقات وإنما في الواقعية أو اعتراض العلمية أي السبل المقاربة لكشف الواقع.

أن التاريخ ليس رصداً لحركة أشياء الطبيعة بل البشر بكل تعقيداتهم النفسية والفكرية، لذا فإن دراسة طبيعة الشخصيات وثقافتها أمر حيوي، وهذا ما يجعل البحث في بني هاشم وبني أمية معقولاً وموضوعياً في دراسة كربلاء، وهو ما يجعل استهجان البعد الغيبي أمراً غير موضوعي ويمكن تحمله من الباحث العلماني لا سواه.

 

رسالة عاشوراء

لكل شعيرة من شعائر الإسلام فلسفة خاصة، وأهداف ترتبط بها، وبمقدار وعي الناس لتلك الفلسفة والأهداف تكون معطيات الشعيرة كبيرة ومردود المناسبة عظيم، وبالمقابل تفرغ الشعيرة من محتواها إذا ما اتسمت نظرة الناس إليها بالسطحية والقشرية. فالصلاة، مثلا، لا تكون صلاة إلا إذا نهت عن الفحشاء والمنكر وأورثت صاحبها تقوى وصلاحا، وكذا الحج والصوم وسائر العبادات.

وذكرى عاشوراء من أعظم الشعائر وأهم المناسبات، إذ تأتي أهميتها من أهمية الحدث وأهمية الإنسان الذي صنع الحدث والدور الذي لعبه في تاريخ الإسلام ومصيره. وعلى مر الأجيال أدرك المسلمون هذه الحقيقة بصورة تجلت في إحيائهم للذكرى واحتفائهم بالمناسبة، ومن يطالع تاريخ الفترة التي تلت ثورة كربلاء وإلى الآن يلاحظ تفاوتا في التفاعل مع الذكرى من جيل إلى جيل ومرحلة إلى أخرى، حسب الوعي العام إضافة إلى الظروف الموضوعية الأخرى.

وشأنها كشأن الشعائر الأخرى، فإن ذكرى عاشوراء تختزن في باطنها قيما دائمة العطاء بحيث يستطيع أهل كل زمان التزود منها بما يتناسب مع احتياجاتهم ومع طبيعة القضايا التي يعيشونها، على كافة الأصعدة والمجالات، وهذا يتوقف على مدى استيعاب الناس لمضامين الذكرى ومدى فهمهم لمتطلبات زمانهم، وإلا فإن الذكرى تمر، بكل ما فيها من الدروس، وكأنها مرت بغير وادينا.

من الضروري أن يتهيأ كل إنسان لاستقبال عاشوراء، وليكن التهيؤ ثقافيا وروحيا، ثقافيا بالرجوع إلى أدبيات الثورة وتاريخها ومطالعة كتاب واثنين،على أقل تقدير، مما كتب عن عاشوراء وعن الإمام الحسين (عليه السلام).

ومهما انطوت عليه من دلالات ومفاهيم عظيمة تبقى مجرد ألفاظ ضيقة لا يمكنها أن تحيط بكل المضامين الإلهية ولا يمكنها أن تسع النور الوهاج المتدفق أبداً من تلك الدماء الزكية التي أريقت على عر صات الطف في سنة 61 هـ لتسجيل ملحمة رسالية دموية تبقى مشرقةً في سماء التاريخ البشري تبعث الأرواح وتضئ العقول وتجدد العزائم وتبشر المصلحين وتنذر الطغاة كربلاء ليست كلمات تقال، كربلاء موقف.. سيرة… منهج .. حقيقة لا يغيبها شئ ولا يحيط بها شئ لأنها إنما انبثقت من ضمير الغيب .. أليس الله هو الذي شاء للحسين أن يراه في كربلاء قتيلا (شاء الله أن يراني قتيلا) وهكذا تبقى كربلاء حقيقة نورانية تكتنفها السماء بالحفظ والرعاية لكي تكون في الأمة المصباح الذي ينير الدروب والسفينة التي يلتجئ إليها الذين تتهددهم أمواج الفتن والضلال، أوليس (الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة)، كربلاء هي الصرخة الحسينية العلوية التي لا تقف عند حد ولا يقف أمامها حد.. كربلاء ضمير الوحي وصوت الرب وحصن النبوة وسياج الدين وعز المؤمنين وتاج الثائرين وسيف المصلحين على الظالمين.. كربلاء أثير الزمان النافذ في حقائق الحياة كربلاء بداية بلا نهاية.

ولكن هي الجهود الظالمة التي عملت كل ما في وسعها في سبيل إطفاء شعلة كربلاء المتوهجة لكنها كانت أصلب مما كانوا يتصورون وأعظم مما كانوا يظنون، لذلك فهي ـ كربلاء ـ الخلود وهل يضاهي الخلود في عظمته ورفعته وجلاله شئ؟

من هنا فليس للكلمات التي نعبر بها عن عظمة كربلاء إلا محاولات منا لفهم كربلاء أو شئ من كربلاء لا أننا بهذه الكلمات نحاول إظهار عظمة كربلاء وهل يحتاج الخلود إلى إبراز وإظهار؟ طبعاً لا..

 

شهادة على عظمة الإمام الحسين (عليه السلام)

لمحات من كتاب "الإمام الحسين" للدكتور عبد الله العلايلي

لقد كشف الإمام الشهيد عن برنامجه وخطته التي دفعته إلى الثورة والخروج، وكأنما أراد أن يسجل على الباطل بطلانه، وأن يجعل للحق كوّة يرتفع منها صوته على الدوام، وكذلك تم الأمر على أن يتعالى من هذه الكوّة الصوت. إذ زلزل دولة الظالم وحطّم سلطان الباغي وفرق العادي كل ممزق وأدال به إلى حيث المهوى السحيق.

هذا البرنامج الذي أثاره الإمام الحسين (عليه السلام) ووطّن نفسه عليه إلى النهاية، فمن فمه الطاهر الهادي، قال يخاطب الوليد بن عتبة بن أبي سفيان: "أيها الأمير، إنا بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر وقاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أيّنا أحق بالبيعة والخلافة".

ولم يلبث أن يعلن رأيه الصريح في فلسفة البيعة ومعنى الخلافة وصفة الخليفة، يقول: واجب الخليفة أن يستحيل القانون والشريعة في نفسه وجداناً وضميراً وعاطفة وصدىً شعورياً عميقاً، وإلا كانت خيانته أقرب إليه من نفسه، ودينه وتقاليده وعنعات الأمة جميعها، أهون عنده من عفطة عنز، "فإذا فسق الخليفة عاد على رأس الأمة شريراً، يقذف دائماً بالشر والشرر، ويرمي دائماً بالويل والثبور".

ثم ينتقل الإمام (عليه السلام) بنا إلى روح المبايعة ومعنى العهدة وفلسفة الخلافة، وهنا يلزمنا الكثير من الأناة والتفهم، لأن الإمام يجمل كل معناها في كلمة واحدة وهي: "ومثلي لا يبايع مثله".

هذا معنى البيعة في منطق الحسين (عليه السلام) وهذه فلسفتها عنده، وهي الحقيقة لمن تدبرها، ومن ثم كان لها تبعات ثقيلة الإصر لا يتحملها الكبير بسهولة.

عظمة المبدأ

من أراد أن يلتمس عظمة المبدأ عند الحسين (عليه السلام)، يجده في وصيته لأخيه محمد ابن الحنفية حيث يقول: "إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين".

وفي تصريحه الخطير في بيت الإمارة وفي حظيرة الحكم ورواق السلطة الذي أعلن فيه رأيه بدون مبالاة ولا وجل ولا خوف، ورد على الوليد وملء قوله جأش رابط وشجاعة نادرة واعتداد بالمبدأ واستحكام في العقيدة وقد جاء في الروايات:

دعا الوليد وهو والي المدينة الحسين (عليه السلام)، ونعى له معاوية، فاسترجع، وقرأ له كتاب يزيد في أخذ البيعة، فقال الحسين (عليه السلام)، إني لا أراك تقنع ببيعتي ليزيد سراً حتى أبايعه جهراً فيعلم الناس ذلك، فقال الوليد: أجل، فقال الحسين (عليه السلام): تصبح وترى رأيك في ذلك، فقال الوليد: انصرف على اسم الله تعالى حتى تأتينا مع جماعة الناس، فقال مروان للوليد: والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً، ولكن احبس الرجل لا يخرج حتى يبايع، أو تضرب عنقه، فقال الحسين (عليه السلام) لمروان: ويلي عليك ياابن الزرقاء، أأنت تأمر بضرب عنقي أم هو، كذبت والله ولؤمت، ثم التفت إلى الوليد، وقال: "يا أمير، إنّا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد فاسق فاجر شارب الخمر قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق والفجور، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أينا أحق بالبيعة والخلافة".

فقال الوليد: ويحك، إنك أشرت عليّ بذهاب ديني ودنياي، والله ما أحب أن أملك الدنيا بأسرها وإني قتلت حسيناً، سبحان الله أقتل حسيناً لما أن قال لا أبايع.. والله ما أظن أحداً يلقى الله بدم الحسين إلا وهو خفيف الميزان لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم.

عظمة المضاء

والإمام الحسين (عليه السلام) يتسم بعظمة التصميم والعزم النافذ وتوطين النفس إلى النهاية، وقد جاء ذلك في قوله: "الحمد لله، وما شاء الله، ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على رسوله، خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يونس، وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطعها عُسلان الفلوات بين النواميس وكربلا، فيملأن مني أكراشاً جوفاً وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله لحمته، بل هي مجموعة له في حظيرة القدس تقربهم عينه وينجز بهم وعده، ألا فمن كان باذلاً فينا مهجته وموطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإنني راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى".

وفي جوابه لابن عمر لما أشار عليه بصلح أهل الضلال، وحذره من القتل والقتال فقال: "يا أبا عبد الرحمن، أما علمت أن من هوان الدنيا على الله، أن رأس يحيى بن زكريا أهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل".

عظمة الإبـاء

أبى الإمام (عليه السلام) أن ينحني لكبرياء الظالم، فقال: "لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد، يا عباد الله إني عذت بربي وربكم أن ترجمون، أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب".

البطــولـة

ولعل أبرع تجليات بطولة الحسين (عليه السلام) كانت في هذا الموقف حيث يقول: "قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بد منه، فإن هذه السهام رسل القوم إليكم"، فاقتتلوا ساعة من النهار حملة وحملة، حتى قتل من أصحاب الحسين (عليه السلام) جماعة، فعندما ضرب الحسين (عليه السلام) يده إلى لحيته وجعل يقول: "اشتدّ غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولداً، واشتد غضبه على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة، واشتد غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه، واشتد غضبه على قوم اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم، أما والله لا أجيبهم إلى شيء مما يريدون حتى ألقى الله وأنا مخضّب بدمي".

ثم ضرب الحسين (عليه السلام) مثالاً في كيف نخدم قضايانا المقدسة، وهذا الجانب يدخل في أمس حاجاتنا، فنحن في مرحلتنا الجهادية التي نشمر فيها عن ساق، حري بنا أن نعرف أولاً كيف تخدم القضايا العامة. وهذا الدرس لن نعرفه على وجهه إلا عند الحسين (عليه السلام)، فإن جميع من يعرفنا التاريخ بهم مناشىء الرجالات في شتى الأمم، لا نجد بينهم من يجيء مع الحسين (عليه السلام) قريناً، ولن نجد في التاريخ له مثلاً ولا نظيراً، وإنما نجد إنساناً يندفع على الموت كما يندفع الطفل على الحياة بكل جوارحه واستعداداته، فهي تجتمع عند الطفل لكي تحيا، وتجتمع عند البطل لكي تموت، وفي حيوانية حياة الطفل سر الموت، وفي موت البطل سر الحياة...إنه أعطانا شكلاً للزعيم المكافح الذي إذا خاض معركة الحق والباطل فإنه لا يعود إلا بأن ينتصر به الحق أو بأن ينتظر، وانتصار الحق مما ليس منه بد، وإن كان للباطل صولة، وللمبطل دولة، ولكن إلى حين.

 

فضل الزيارة يوم عاشوراء

أخبرنا زيد بن جعفر بن حاجب، قال نا محمد بن أحمد بن وليد، قال فرات بن ابراهيم، قال حدثني محمد بن علي بن معمر، قال حدثنا علي بن جعفر الهرمزاني قال محمد بن سلمومة(1) القزويني، عن يعقوب بن يزيد الانباري، عن محمد بن أبي عمير، عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله قال: من زار قبر الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء عارفا بحقه كان كمن زار الله عزوجل في عرشه، ومن زار قبر الحسين في يوم عرفة عارفا بحقه كتب له ألف حجة مقبولة وألف عمرة مبرورة، ومن زار قبر الحسين في النصف من شعبان غفر الله لم ما تقدم من ذنبه وما تأخر .

فضل الزيارة في أول يوم من رجب

حدثنا أبو القاسم ميمون بن علي بن حميد المقرئ قال أخبرنا أبو أحمد اسحاق بن محمد التمار، قال انا أحمد بن زكريا بن طهمان، قال حدثنا أحمد بن محمد الاشعري، عن الحسين بن سعيد الاهوازي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من زار الحسين (عليه السلام) أول يوم من رجب غفر له البتة .

فضل زيارة الحسين (عليه السلام) في النصف من شعبان

حدثنا ميمون بن علي بن حميد ، قال انا اسحاق بن محمد المقرئ، قال نا جعفر بن محمد بن مالك، قال أنا علي بن أحمد العطار، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين قال: من زار الحسين ليلة النصف من شعبان صافحه روح أربعة وعشرين ألف نبي كلهم يسأل الله زيارة تلك الليلة.

حدثنا ميمون بن أحمد، قال انا اسحاق بن محمد المقرئ، قال حدثنا جعفر بن مالك، قال أنا عبد الله بن جعفر الارمني(2)، قال أنا يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن زيد الشحام، عن جعفر (عليه السلام) قال: من زار الحسين بن علي في ليلة النصف من شعبان غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر، ومن زاره يوم عرفة كتب له ثواب ألف حجة متقبلة وألف عمرة مبرورة، ومن زاره يوم عاشوراء فكأنما زار الله فوق عرشه .

فضل زيارة الحسين في شهر رمضان

أخبرنا زيد بن جعفر بن حاجب، قال نا محمد بن أحمد بن وليد، قال نا فرات بن ابراهيم، قال حدثني حسين بن سعيد، قال نا محمد بن مروان، قال حدثنا عبيد بن الفضل قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: من زار قبر الحسين في شهر رمضان وهو صائم ومات في الطريق لم يعرض ولم يحاسب وقيل له: أدخل الجنة آمنا.

زيارة الحسين (عليه السلام) يوم عرفة

حدثنا محمد بن محمد بن نوح النخعي ومحمد بن زيد بن أحمد التميمي، قالا نا اسحاق بن محمد المنصوري قال أنا محمد بن عمران بن حجاج، قال نا حسن بن حسين العرني، عن محمد بن اسماعيل بن بزيع، عن بشير الدهان عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: من زار الحسين يوم عرفة عارفا بحقه كتب له ثواب ألف حجة وألف عمرة وألف غزوة مع نبي مرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله).

زيارة يوم العيد

أخبرنا زيد بن جعفر بن حاجب ، قال أنا محمد بن أحمد بن وليد، قال أنا فرات بن ابراهيم، قال حدثنا أحمد - وهو ابن موسى بن اسحاق، قال نا أحمد بن قتيبة قال نا الحسن بن سعيد، عن جعفر بن محمد أنه سئل عمن زار قبر الحسين بن علي، فقال: من زار قبر الحسين بن علي يوم عيد (3) كتب له ثلاث وثلاثون عمرة ومائة غزوة، ومن زاره في يوم عيد كتب له مائة حجة ومائة عمرة ومائة غزوة مع نبي مرسل أو إمام عادل. قال: فقال رجل: ههنا مثل ثواب الموقف ؟ قال: فغضب وقال: من اغتسل في الفرات ثم مشى إلى قبر الحسين كان له بكل قدم يرفعها أو يضعها حجة متقبلة. زيارة يوم الغدير(4).

الهوامش:

1- كذا في الاصل ، ولعله (سلمويه).

2- كذا في الاصل ، لاحظ.

3- يريد (عليه السلام) يوم عيد الاضحى، بقرينة سؤال الراوي (مثل ثواب الموقف).

4- كذا في الاصل، عنوان لم يذكر بعده حديث.

 

كيف وصلت إلينا وقائع عاشوراء

المشهور إن أول من كتب في مصرع الحسين كتابا مختصا بالمصرع والواقعه هو ابو مخنف يحيي بن لوط المتوفي سنة 158 من الهجرة مستندا في رواياته لاحداث تلك الواقعة إلى اشخاص عاشوا احداثها أو تربط بينهم وبين من عاش احداثها واسطة واحده علي الاقل فهو بذلك يكون أقرب الذين كتبوا في قضية الحسين إلى الحقيقة

أما الذين عاصروا تلك الاحداث فهم واحد من أربعة أطراف:

1ـ أهل البيت الناجين من القتل.

2- أصحاب الحسين الناجين من القتل.

3- الخطوط الأولى لمعسكر عمر بن سعد.

4- سكنة الكوفة الذين لم يباشروا الحرب ـ فيما نقل عن أحداث ما قبل المعركة وبعدها.

فعن الطريق الأول نجد روايات أبي مخنف كالتالي:

ا- أبو مخنف ـ عن الحارث بن حصيره ـ عن عبد الله بن شريك العامري ـ عن علي بن الحسين.

ب- أبو مخنف عن ابي الضحاك ـ عن علي بن الحسين.

ج ـ أبو مخنف ـ عن الحارث بن كعب ـ عن علي بن الحسين.

د ـ أبو مخنف ـ عن عقبة بن بشير ـ عن محمد بن علي بن الحسين الباقر.

هـ ـ أبو مخنف ـ عن الحارث بن كعب ـ عن فاطمة بنت الحسين.

أما عن الطريق الثاني فنجد رجال الروايات كالاتي:

ا- أبو مخنف عن عبد الله بن عاصم الفائشي عن الضحاك بن قيس المشرقي.

ب ـ أبو مخنف عن عبد الرحمن بن جندب عن عقبة بن سمعان.

ج ـ أبو مخنف عن عمرو بن مره ـ قرة ـ الجملي عن ابي صالح الحنفي عن غلام عبد الرحمن بن عبد ربه الانصاري.

د ـ أبو مخنف عن علي بن حنظلة الشبامي.

المصدر الثالث كان الخطوط الأولى لمعسكر بن سعد

اـ أبو مخنف عن ابي زهير العبسي عن قرة ـ عزرة ـ بن قيس التميمي.

ب ـ أبو مخنف عن سليمان بن ابي راشد عن حميد بن مسلم.

ج ـ أبو مخنف عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن حميد بن مسلم.

د ـ أبو مخنف عن الصقعب بن راشد عن حميد بن مسلم.

هـ ـ أبو مخنف عن عطاء السائب عن عبد الجبار بن وائل الحضرمي عن مسروق بن وائل الحضرمي.

أما المصدر الأخير للروايات فكان:

اـ أبو مخنف عن يحيي بن هانئ بن عروة.

ب ـ أبو مخنف عن أبي جناب عن عدي بن حرملة ـ ولعل عدي هذا قد باشر الحرب.

ج ـ أبو مخنف عن أبي جناب عن هاني بن نبيط ـ ثبيط ـ الحضرمي.

د ـ أبو مخنف عن المجالد بن سعيد.

هذا فيما تعلق بالروايات التي انحصرت احداثها في مكتن وزمان محددين ولم يطلع عليها احد الا من حضرها اما الاحداث العامه الاخري للواقعه فقد وقعت في محضر جموع غفيره لذا كانت اشبه بالمتواترات ولا سيما خطب الاسري في الشام والكوفة والمدينة.

بهذا نكون قد توصلنا إلى فكرة عامة عن المهمة الشاقة التي اضطلع بها أبو مخنف في جمع رواياته ورصفها وإخراجها بما يعرف الان بكتاب مقتل الحسين لابي مخنف وعن هذا الجهد الكتابي الكبير نقل أغلب المؤرخين نصوص الواقعه .. فعلى سبيل المثال إن أبا الفرج الاصفهاني المتوفي في 356 هجرية أي بعد قرابة القرنين على وفاة أبي مخنف فإنه ينقل عنه بالوسائط التالية:

1ـ الاصفهاني عن احمد بن عيسي عن الحسين بن نصر بن مزاحم عن نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد البصري عن أبي مخنف.

2ـ الاصفهاني أحمد بن محمد بن سعيد عن أحمد بن الحارث الخزاز عن علي بن محمد المدائني عن أبي مخنف.

3ـ الاصفهاني عن عبد الله بن زيدان البجلي عن محمد بن زيد التيمي عن نصر بن مزاحم عن أبي مخنف.

ولو التزم الرواة بالنقل الحرفي لنصوص الواقعة لما تسبب هذا الارباك في قراءة النص الحسيني الذي وردنا محرفا في أغلب مواضعه وللدلالة على ذلك أورد مثالا في عدم التزام الرواة الدقة في النقل للنص وذلك في جواب الوليد بن عتبة بن ابي سفيان والي المدينة أيام وفاة معاوية لمروان بن الحكم حينما أشار عليه مروان بقتل الحسين بن علي حين رفض البيعة ليزيد بن معاوية:

ـ ويحك أتشير ُ علي بقتل الحسين بن فاطمة بنت رسول الله (صلي الله عليه وسلم وعليهما السلام).. واللهِ إن الذي يُحاسَبُ بدم الحسين يوم القيامةِ لخفيفُ الميزان عند الله.

هكذا أورده الدينوري في الأخبار الطوال ص 228

ـ ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربتْ من مال الدنيا واني قتلتُ حسيناً..سبحان الله، اقتلُ حسيناً لما انْ قال لاابايع ! والله اني لاظن امرءاً يحاسب بدم الحسين خفيف الميزان عند الله يوم القيامة.

أورده الطبري والمفيد في الإرشاد ص 201

ـ ويحك اتشير علي أن أقتل الحسين ؟ فوالله ما يسرني أن لي الدنيا وما فيها وما احسب أن قاتله يلقي اللهَ بدمه الا خفيف الميزان يوم القيامة.

هكذا أورده ابن قتيبة في الامامة والسياسة ص 227

وهكذا نري النص ذاته وان توحد مضمونه ومعناه في سياق واحد ومعني واحد الا ان حرفيته تعددت بتعدد اذواق الرواة.

 

لماذا البكاء؟

اقترن البكاء بعاشوراء حتى لم يعد للذكرى شعار أقوى من الدموع، وفي غير عاشوراء ما من اسم يثير ذكره الأحزان في النفوس كاسم الحسين، وهذا أمر يعرفه كل مؤمن لامس الحب شغاف قلبه، وعرفت نفسه الولاء لآل محمد (صلى الله عليه وآله)، بل إن مأساة أبي عبد الله الحسين تعمل آثارها في نفس من ليس له عهد بمعرفة الحسين وولايته، مسلما كان أم غير مسلم، سل عن ذلك الذين لا يزالون يرفعون راية الحسين في كل مكان، من الخطباء والمبلغين والدعاة الذين يمشون في الناس، أي أناس، بذكر محمد وآله الأطهار.

أما لماذا يبكي الناس على الحسين، وقد التحق بالرفيق الأعلى، في جوار جده وأبيه وأمه وأخيه، وفاز برضوان الله في جنة عرضها السماوات والأرض؟ فهو سؤال لا يطرحه إلا القاسية قلوبهم من الناس، والذين لم يحسنوا قراءة التاريخ، ومن ثم لم يعرفوا أبعاد المسألة الحسينية ومعانيها، فظنوا خطأً أن البكاء على الحسين هو حزنا على حياته التي فقدها ونفسه التي أزهقت، ودنياه التي فارقها. فإن كان الأمر كذلك فمن ذا الذي لا يموت ومن ذا يخلد في هذه الدنيا حتى يبكي فراق من فارقها أسفا؟ أم لأنه مات مقتولا؟ لكن، أليس القتل لهم عادة، وكرامتهم من الله الشهادة؟ ألم يقتل من قبل أبوه، ويسم أخوه؟ فلماذا الحسين من دونهم هو قتيل العبرات؟

أولا لابد من التسليم بالجانب الغيبي فيما يتعلق بالحسين والعواطف المرتبطة بشهادته، وهو الجانب الذي تشير إليه مجموعة كبيرة من الروايات والأخبار الواردة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليه السلام)، فجميعهم كانوا يؤكدون على البكاء والنحيب، ويدعون المؤمنين إلى ذلك، وفي مختلف العصور تجد أن الناس يستجيبون لتلك الدعوة بصورة عفوية وتلقائية، مما يؤكد أن هناك بعدا لا نعرفه في المسألة، ويمكن القول أنها من خصائص الحسين (عليه السلام).

ومن الأسباب والدواعي الواضحة للبكاء، أن الجريمة التي أرتكبت بحق الحسين يمكن وصفها بأنها كانت جريمة أمة، إذ نقول في الزيارة: "ولعن الله أمة قتلتك"، وبما أن كل واحد منا فرد من أفراد هذه الأمة، فإن التهمة سوف تحوم من حوله إلى أن يثبت براءته منها، وهو أمر يدعو إلى الخوف، ولن يؤكد المرء براءته إلا بالانحياز الكامل لأهداف الثورة الحسينية، والمسير تحت رايتها، فهي مسيرة مستمرة. وعلى كل مؤمن أن يتساءل: إلى أي المعسكرين كان ينتمي، لو أنه شهد الواقعة؟ معسكر الحسين الذي ناهز السبعين رجلا بقليل، أم المعسكر الآخر؟ أليس هذا بسبب كاف للبكاء؟

سبب آخر أوضح من الأول هو أن كربلاء شهدت أبشع جرائم البشرية، وتركزت فيها المصائب بنسبة مرتفعة، وقد استطاع الحسين وصحبه وأهل بيته أن يكشفوا عن مقدار الشر الكامن في نفوس أعدائهم، ومقدار ما وقع عليهم من ظلم وأذي، بحيث لم يدعوا مجالا لموقف حيادي لآتين من بعد، فإما التعاطف الكامل مع بحيث يكون البكاء هو أهون وسائل التعبير، أو الخذلان الذي قد يخفى على صاحبه، فيتوهم أنه من أنصار الحسين، كما كان هو الحال مع أهل الكوفة الذين لم يكونوا،من حيث الظاهر، يعرفون لهم إماما سوى الحسين.

اعلى