|
|
|
الإمامه أعلى الرتب والمقامات الإلهية |
||
|
إلا أن الإنسان عاجز عن الوصول - بنفسه - إلى الكمال المنشور له، فهو دائم الحاجة طوال مسيرته في هذه النشأة إلى من يأخذ بيده ليدله على غايته المطلوبة، وهدفه المنشود الذي يسعى إليه. ومن هنا نشأت الحاجة إلى الدين، لأنه السبيل الوحيد في وصول الناس إلى غايتهم، فكان من لطف الله سبحانه وتعالى أن أرسل إليهم (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) هداة إلى الله سبحانه وأدلاء على مرضاته، ولئلا يقول أحد (ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى). وهكذا أصبحت الرسالات تترى على الناس، كلما استكملت رسالة أهدافها أعقبتها رسالة أخرى أوسع منها، وأشمل لتلبية حاجات الأمم ومتطلباتها. ونلاحظ من خلال الكتاب العزيز، والسنة الشريفة، أن الرسل لم يكونوا في مرتبة واحدة، بل لكل واحد منهم خصائص ذاتية، وخصائص رسالية، كما أنهم ليسوا صنفاً واحداً، ولا هم في مرتبة واحدة، فهناك أنبياء، ورسل والنبي غير الرسول، وقد تجتمع النبوة والرسالة في شخص واحد، قال تعالى: (وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى...). وقال سبحانه: (واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصاً وكان رسولاً نبيا)، كما أن أولي العزم من الرسل مجموعة اختصت بمميزات خاصة ربما كان من بعضها الصبر، قال تعالى: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) وأيضاً نجد اختلاف مرتباتهم، وتفاوت درجاتهم، ولا أدل من قول الله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات)، إلى غير ذلك مما أوتوا من خصائص متفاوتة، وكان مما اختص به تعالى بعض أنبيائه ورسله (الإمامة) ومن الذين نالوا هذا المقام السامي سيدنا إبراهيم خليل الرحمن إذ قال له تعالى: (إني جاعلك للناس إماماً)، وأيضاً اختص بها أنبياء آخرون كما قال تعالى (ووهبنا له إساق ويعقوب نافلة وكلاً وجعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا...). ومن هنا فقد أصب بحث (الإمامة) من أهم بحوث الفكر الإسلامي على المستويين العقائدي والتشريعي، وهو بحث متشعب الجوانب متعدد الأبعاد، نحاول تسليط الضوء على بعضها بمقدار ما يرتبط ببحثنا. (الإمامة في القرآن). قال تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربْه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) ويقع البحث في هذه الآية في عدة نقاط. 1 - الإمامة والنبوة. من الملاحظ أن مقام الإمامة بلغه إبراهيم (عليه السلام) أواخر حياته، وهذا يعني أنها متأخرة عن النبوة والرسالة وغيرهما من المقامات السامية التي بلغها خليل الرحمن (عليه السلام) ومن هنا فإن الإمامة مقام يختلف عن النبوة والرسالة. وشواهد ذلك جمة منها: 1 - طلب الإمامة للذرية، ومن الواضح أن حصول إبراهيم (عليه السلام) على الذرية كان في كبره وشيخوخته كما قال: (الحمد لله الذي رزقني على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء). وحكى سبحانه عن زوجة إبراهيم: (قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب) وتفيد أحاديث بشارته بالولد - في القرآن الكريم - أنه كان نبياً مرسلاً تتنزل عليه الملائكة آنذاك. ونجد إبراهيم الخليل (عليه السلام) في آية الإمامة يطلبها لذريته، ولا يصح مثل هذا الطلب إلا لمن كان عنده أولاد وذريه، أما من كان آيساً من الولد، ويجيب مبشريه بقوله (أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون) فلا يصح منه - والحالة هذه - أن يطلب أي طلب لذريته وهو يدلنا وبوضوح على أن مقام الإمامة إنما انتهى إليه في أخريات أيام حياته، واختلاف مقامي النبوة والإمامة. 2 - إن مقام الإمامة لم ينله إبراهيم (عليه السلام) إلاّ بعد الابتلاء والامتحان، كما هو صريح بقوله (وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات) ومن جملة ما ابتلى به في حياته ذبح ولده قال تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين). ومن الواضح ان حادثة الذبح كانت أيام شيخوخته وكبره (عليه السلام) أي بعد نبوته، وهذا مما يعني أن النبوة كانت قبل الإمامة، وأنهما مقامان مختلفان. 3 - الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث مطول يقول فيه (قد كان إبراهيم (عليه السلام) نبياً وليس بإمام حتى قال الله (إني جاعلك للناس إماماً) فقال الله (لا ينال عهدي الظالمين) من عبد صنماً أو وثناً لا يكون إماماً. 4 - ما روي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أيضاً إنه قال: (إن الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبياً، وإن الله اتخذه نبياً قبل أن يتخذه رسولاً، وإن الله إتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً، وإن الله اتخذه خليلاً قبل ان يجعله إماماً، فلما جمع له الأشياء قال (إني جاعلك للناس إماما، قال: فمن عظمها في عين إبراهيم (قال ومن ذريتي، قال لا ينال عهدي الظالمين)، قال لا يكون السفيه إمام التقي). من خلال هذه الشواهد يتضح لنا أن الإمامة يختلف عن النبوة والرسالة، بل هي أسمى منهما وأرفع، وأنه (عليه السلام) حصل عليهما أيام شيخوخته، بعد أن خرج من جميع ما ابتلاه الله تعالى به صابراً مسلماً.
|
||