الفهرس

   

الصفحة الرئيسية

 

 

مجتمع التعددية في المنظور القرآني

 


قال الله العظيم في كتابه الكريم (ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات).

عندما نتحدث عن الجانب الاجتماعي وعن مشاكل ومآسي وآلام المجتمعات البشرية على مر التاريخ نجد القرآن الكريم يتجلى أروع تجلي في زخ أعظم الأفكار الإصلاحية في إيجاز أخاذ وتبسيط مذهل. وإذا لاحظنا (ظاهرة) الموت البطيء للحضارات و(الشيخوخة المبكرة للأمم) والركود والجمود والسكونا وا لتدرن والتخلف الذي يلف حضارات ويحكم شعوباً وقبائل وأفراداً، وإذا لاحظنا في قبال ذلك (إزدهار حضارات وأمم أخرى) في سلسلة من التموجات المتصاعدة في مسيرة التكامل المادي أو المعنوي وإذا بحثنا عن الأسرار الكامنة وراء ذلك نجد (القرآن الكريم) يفصح عن مجموعة من العوامل الرئيسية، تعتبر الأسس والجذور لتلكم الظواهر:

1 - الحرية، وقد عبر عنها جل وعلا أروع تعبير في أوجز عبارة حيث قال (لا إكراه في الدين) ويشهد جل وعلا لرسوله الكريم بأبرز فضائله الأخلاقية وسماته الاجتماعية فكان منها (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم).

2 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتبارهما من أهم عوامل الإصلاح والنقد البناء وانطلاقاً من إحساس بالمسؤولية الجماعية وحب (المجتمع)، ولتكون الحرية أيضاً (حرية مسؤولية).

3 - الأخوة الإسلامية والأمة الواحدة، فكان الوسام الإلهي لهذه الأمة هو (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) (إنما المؤمنون أخوة) فالأخوة والواحدة التي تلغي الحدود الجغرافية والحواجز النفسية والسدود الفكرية بين أبناء الأمة الواحدة، هما من أهم عوامل التقدم والإزدهار.

4 - العدل والإحسان، وقد صرح تعالى بالأمر بهما حيث قال: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) ومن هنا مال بعض الفقهاء إلى اعتبار الإحسان واجباً - ولو في الجملة - لصريح الأمر في الآية ولوحدة السياق.

5 - الشورى، حيث عدها تعالى مما تميزت به المجتمعات الإيمانية حيث قال: (وأمرهم شورى بينهم).

6 - الالتزام بمنهج السماء متجلياً بأقوال وأفعال وسيرة الرسل والأوصياء، ذلك أن المهندس التكويني للكون هو الأقدر على وضع الهندسة التشريعية للحياة 0ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى) ولذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيت).

7 - التعددية، وقد صرح بها القرآن الكريم في مواطن وألمح إليها في مواطن أخرى. قال تعالى: (ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات) وقال (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون).

ونحن في هذه الدراسة المقتضبة سنسلط الأضواء على إحدى تلكم العوامل، وهو العامل السابع، كعنصر أساسي من عناصر حيوية الأمم وتقدمها وازدهارها وكمحور حقيقي وعامل فاعل في مسيرة التكامل البشري وكمرقاة تكوينية تشريعية في (قوس الصعود) في شتى مجالات الحياة.

وسنعالج قضية التعددية في ضمن الحقائق التالية بتبسيط وإيجاز.

- الحقيقة الأولى: التعددية تقسم إلى تقسيمات متعددة:

أ - فمنها تعدد المؤسسات الاجتماعية التي تشكل الوحدات الاجتماعية الصغرى (كتعدد الهيئات والمدارس والمساجد والحسينيات، والمكتبات وغيرها) إلى تعدد النقابات والاتحادات وغيرها وصولاً إلى التعددية الحزبية في معادلة التنافس على السلطة.

ب - التعددية قد تكون اختيارية وقد تكون لا اختيارية، والاختيارية أعم من (اللااختياري) الذي كانت مقدمته اختيارية إذ (ما بالاختيار لا ينافي الاختيار).

ج - التعددية قد تكون إيجابية وقد تكون سلبية.

د - وقد تكون للتعددية ضوابط وحدود وقد تكون دون ضوابط، وهذه الضوابط قد تكون من إفراز عقل بشري وقد تكون نتيجة (وضع تعيني) وهو ما يسمى بالعرف الدستوري، وقد تكون مستقاة من وحي إلهي.

- الحقيقة الثانية: إن (التنافس) و (الاستباق) هو جوهر التعددية إذ لا يعقل ان يتنافس الشيء مع ذاته أو أن يتسابق الإنسان مع نفسه (دون تعددية حقيقية أو اعتبارية)، والأمر بالمعلول هو أمر بالعلة - بدلالة الاقتضاء.

- الحقيقة الثالثة: إن فلسفة التعددية هي (الابتلاء) و (الامتحان) و (التكامل) قال تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) فـ (ليبلوكم) هو الهدف القريب للتعددية و (التكامل) معلول للاستباق المذكور بفاء التفريغ (فاستبقوا) والهدف الأقصى هو (الله).

- الحقيقة الرابعة: إن التعددية هي سنة الله الكونية بدءً من الذرة بإلكترونها السالب وببروتونها الموجب مروراً بمعادلة الرجل والمرأة ووصلاً إلى ثنائي الشر والخير حيث خلق الله الشيطان في قبال الملائكة والطغاة في قبال حركة الأنبياء والمصلحين على مر التاريخ، كما خلق النفس ذات البعدين وجعل الهوى والشهوات في مقابل العقل وفاضل الملكات.

- الحقيقة الخامسة: إن (القيم) تارة تكون قيماً ذاتية وتارة تكون قيماً طريقة (القيمة الذاتية: كحسن العدل والإحسان، والقيمة الطريقية: كالتفكير إذا صب في اتجاه روحاني أو إنساني، عكس ما إذا صب في اتجاه شيطاني أو عدواني فإنه يتحول عندئذ إلى (جريمة).

والتعددية هي من القيم الطريقية وربما مال البعض إلى كونها قيمة ذاتية - طريقة.

- الحقيقة السادسة: إن كل قيمة من القيم الذاتية والطريقية لا تسبح في عالم منعزل عن سائر القيم بل إنها تعايش كمية كبيرة من القيم ويجب - على ضوء ذلك أن تلاحظ منسوبة إلى تلك القيم - على حسب مقاييس باب التزاحم وعلى حسب ضوابط باب التعارض.

- الحقيقة السابعة: إن هنالك سلسلة من المقدمات والضوابط والمقومات التي تعد - بوجودها السابق - الضمانة الأكيدة لسلب المقدرة على ضرب (التعددية). مثلاً الوعي الجماهيري والمؤسسات الدستورية فإذا كانت التعددية واجبة شرعاً سرى وجوبها عقلاً لتوفير المقدمات التي تسلب القدرة على نسفها.

بعد هذه الحقائق لابد من عرض مجمل الصورة على آي من الذكر الحكيم لنكشف الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. فخالق الكون جل وعلا هو الذي أرسى دعائم التعددية الكونية والاجتماعية (ومن كل شيء خلقنا زوجين إثنين) و (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل) و (لكل وجهة هو موليها) والوجهة: الجهة (وهو موليها) أي الله تعالى هو الذي قد ولاه تلك الجهة.

يقول آية الله العظمى السيد عبد الأعلى السبزواري في تفسيره القيم (مواهب الرحمن في تفسير القرآن) عند تطرقه لتفسير هذه الآية الكريمة: (ويمكن أن يراد بقوله تعالى (ولكل وجهة) المعنى الشامل للجهات التكوينية والاختيارية - عادية أو شرعية - فإن كل فرد من أفراد الإنسان يختلف عن غيره بأمور وخصوصيات قد لا تكون فيما سواه ولا يحيط بها إلا علاّم الغيوب فتشمل اختلاف العادات والملكات والصفات والاختلاف في القبلة والشريعة). كما يقول بمثل ذلك في تفسير الميزان. وغير خفي أن وجود تفسيرات أخرى لهذه الآية لا يضر بما نحن بصدده إذ يكفينا الاستدلال بالمقطع الثاني من الآية الشريفة (فاستبقوا الخيرات) كما سنرى، بضميمة أن المورد لا يخصص الوارد وإن ظهور العام أقوى من الظهور السياقي - كما هو مذهب المشهور بناء على أقول بالظهور السياقي - كما يمكن التمسك بآيات أخرى عديدة دالة على المقصود كآية (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً).

وانطلاقاً من ذلك فإن إقرار نظام التعددية في الدولة وفسح المجال لبروز تجمعات ونقابات واتحادات وأحزاب ومؤسسات - صغيرة كانت أم كبيرة - وغيرها يأتي متناسقاً ومتناغماً مع سنة الله في الحياة ويعبر عن صيغة اجتماعية سياسية تكفل التطور والتكامل والتقدم والازدهار.

إن التعددية تنبثق في بعدها الشرعي من الأدلة التالية:

أ - القرآن الكريم: (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون)، (إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)، (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) و...

وكل آية من هذه الآيات الكريمة تحتاج إلى دراسة مفصلة في مفرداتها، وفي جوها العام وقد اقتصرنا في هذا المبحث على دراسة موجزة لآية (ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات) فحسب.

ب - الروايات الشريفة: (من إستبد برأيه هلك) و (من شاور الرجال شاركها في عقولها) ومن الواضح أن التعددية هي أهم ضمانة لعدم الاستبداد في الرأي و (دعوا الناس يرزق بعضهم بعضاً) والتي تؤسس قاعدة التعددية الاقتصادية واللامركزية وإعطاء الناس الحرية للحركة الاقتصادية دون قيود أو وساطة من الدولة أو حدود وضوابط تفرضها الدولة وبدون روتين وبيروقراطية تعقد مسيرة النشاط الاقتصادي، إلى جوار العشرات من الروايات الأخرى التي تقتضي بإطلاقها أو عمومها أو دلالتها الالتزامية أو بدلالة الاقتضاء - إقرار نظام التعددية في القضاء، شؤون الحسبة، التربية والتعليم والتبليغ والانذار والإرشاد والرقابة وغير ذلك.

ج - القواعد الشرعية: كقاعدة (الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم وحقوقهم)، والتي تنسف فكرة التفرد وتؤسس الحق لكل شخص في تكوين تجمع أو حزب أو نقابة أو غير ذلك. وكقاعدة (كلكم راع وكلم مسؤول عن رعيته) والتي تستبطن منهج التعددية وتستتبعها بقدر ما هي - من جهة أخرى - معلولة لها.

د - العقل: حيث يقرر:

1- إن التعديية تتناغم مع سنة الكون والحياة.

2- إن التعددية تتجانس مع تركيبة الإنسان الفكرية والنفسية، وإلى ذلك يشير الحديث الشريف أيضاً: (لا تكو عبد غيرك وقد خلقك الله حراً).

3 - ان التعددية تشكل استجابة عفوية لنداء الفطرة والوجدان.

4 - إن التعددية تعد من أفضل الضمانات لرفع الظلم وتحقيق العدالة، والعدالة مما يستقل العقل بحسنها كما يستقل بقبح الظلم.

5 - إن التعددية من أقوى العوامل لتفجير الطاقات وشحذ الهمم وبعث الروح وصقل المواهب وتألق الإبداع وتزايد العطاء.

 

والآن لنركز الضوء قليلاً على إحدى تلك الأدلة وهي الآية القرآنية الكريمة (استبقوا الخيرات) ف: 1 - إن (استبقوا) أمر والأمر دال على الوجوب، فالآية دالة على وجوب الاستباق إلى الخيرات والتنافس الإيجابي ولا يرفع اليد عن الظاهر إلا بدليل. ومن الضروري الالتفات إلى أن (الاستباق) غير (المسارعة) فالاستباق حالة لا تتحقق إلا بين شخصين أو جهتين على الأقل، أما المسارعة فهي المبادرة والاستعجال في إنجاز مهمة ولا يشترط في مفهومها التعدد.

وبذلك يتضح وجه الخلل في كلام الفخر الرازي إذ يقول: (أما قوله (فاستبقوا الخيرات) فمعناه الأمر بالبدار على الطاعة في وقتها) إذا أراد حسر مفهوم الاستباق في ذلك، ذلك أن الاستباق وإن تضمن معنى البدار والمسارعة إلا أنه ليس مفهومه منحصراً في هذا المعنى كما أوضحناه (أي لتضمنها معنى المغالبة المتقومة بالطرفين).

2 - إن الخيرات جمع محلي بأل وهو يفيد العموم فالخيرات تشمل كل أنواع الخير بدءً من تأسيس أول لبنة في الحياة الاجتماعية عبر الزواج وتربية الذرية الصالحة والأجيال الصاعدة ومروراً بـ (الشهادة) ‘لى المجتمع (لتكونوا شهداء على الناس) ووصولاً إلى إقامة الحكومة الإسلامية العادلة (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، (إنا أنزلنا عليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) بضميمة أدلة الأسوة، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (... الظالمون) (... الفاسقون).

3 - و (استبقوا الخيرات) لها إطلاق أزماني وإطلاق أحوالي أيضاً، فمن اللازم في المنظور القرآني الاستباق للخيرات، على الكل، وفي كل الأزمان، وفي كل الأحوال: للصحيح والمريض، للرجل والمرأة، للكبير والصغير، في داخل العائلة - وهي أصغر وحدة اجتماعية - وفي وسط المؤسسات الوسطى - كالمدرسة والحسينية والهيئة - وفي خضم التجمعات الكبرى - كالنقابات والاتحادات والأحزاب.

4 - و(لخيرات) تتسع لتشمل الخير المادي والخير المعنوي، الدنيوي والأخروي فهي إذن دعوة قرآنية واضحة للاستباق في إعمار الدنيا والآخرة وفاقا لقوله تعالى: (ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة سنة) و (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق).

وإذا اردنا أن نفسر القرآن بالقرآن رأينا أن القرآن الكريم عبر عن مجموعة كبيرة من القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والعائلية والدنيوية والأخروية بـ (الخير) - وهو مفرد الخيرات -؛ وهذه نماذج من الآيات الشريفة. ففي البعد العبادي (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) و (إن تصوموا خير لكم) و (الباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير مردا).

وفي البعد الاقتصادي: (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم)، (وان تصدقوا خير لكم)، (وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلاً)، (إن خير من استأجرت القوى الأمين) و...

وفي البعد الاجتماعي: (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى). وفي الأبعاد التربوية: (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير) (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير)، (ومن يعظم حرمات الله فهو خير له) (وإن يستعففن خير لهن) (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً).

وفي البعد السياسي: (والصلح خير)، (إن الحكم إلاّ لله يقص الحق وهو خير الفاصلين)، (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم).

5 - يبقى هنا أنه ربما أمكن القول بأن الاستباق للخيرات قد يكون واجباً إذا كان (المستبق إليه) - أي الخير - واجباً وقد يكون مستحباً إذا كان ما يستبق إليه مستحباً.

فالاستباق إلى إقاٍٍٍٍٍمة العدل - وليس إقامة العدل فقط - واجب استناداً إلى هذه الآية الشريفة. والاستباق إلى مواجهة المد الاستعماري الفكري والثقافي والأخلاقي وسائر مخاطر (العولمة) واجب، وهكذا. وهذه القضية - وجوب الاستباق كعنوان مستقل - وعدمه لم يتطرق لها - فيما نعلم - في كتب الفقهاء لذلك يقترح بحثها على ضوء سائر الأدلة والآيات والروايات والقواعد لنصل إلى الرأي السليم. ونضيف ربما أمكن أن يلتزم بوجوب الاستباق حتى نحو (الخيرات المستحبة) ولو في الجملة. وعلى ذلك فإن الاستباق والمسابقة والتنافس نحو تأسيس المساجد والحسينيات ودور النشر والمكتبات والمنظمات والنقابات والأحزاب و... واجب، وإذا كانت كل مفرده من هذه المفردات في حد ذاتها مستحبة وذلك إ ستناداً إلى عموم الآية الكريمة، وإلى هذه المفردات وإن كان كل واحداً منها لو لوحظ بنفسه كان مستحباً إلاّ أن المجموع من حيث المجموع - أي في الجملة - واجب باعتباره قوام الدين وضمان الحفاظ على الواجبات النفسية الكبرى التي كان الهدف من الرسالة (ويخرجهم من الظلمات إلى النور)، (يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم (ويكون الدين لله) وباعتبار أن الاستباق هو الضامن لذلك - في الجملة فتأمل.

6 - والآن وعلى ضوء دراسة الآية الشريفة ننتقل إلى نقطة أخرى هي في غاية الأهمية وهي أن هذه التعددية تستتبع (المسؤولية) إذ (أحسب الإنسان أن يترك سدى) ولذلك فرع جل وعلا على (ولكل وجهة هو موليها) بـ (فاستبقوا الخيرات)، ونجد تعبيراً قرآنياً آخر عن التعددية والهدفية الكامنة وراءها في قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فالتعددية يجب أن تسير باتجاه (التعارف والتكامل) لا (التناكر والتحارب والتدابر)، وللتعارف - بدوره - هدف أسمى هو التقوى التي تجسد قمة الكمال البشري (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

فالاستباق - إذن - لا يملك قيمة مطلقة بما هو استباق بل إنه يكتسب قيمته من كونه استباقاً نحو الخيرات، وكلما كانت درجة الخير والبر والعطاء أسمى وأرفع كلما تضاعفت قيمة الاستباق واكتسب التعددية قيمة أعلى وأغلى وأرفع ذلك أن الخير حقيقة تشكيكية ذات مراتب.

ومن ذلك نكتشف أن (التعددية الإيجابية) هي التعددية التي يهتف بها العقل ويحكم بها الوجدان وتنطق بها آيات القرآن. وأن (التعدية السلبية) هي تلك التعددية التي تصب عكس اتجاه صالح المجتمع ولا تسهم في تطويره وتكامله سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً بل تصب في سبيل تحطيم المجتمع وتدميره وإفساده، كتنافس كبار الإقطاعيين في امتصاص المزيد من دماء المزارعين وكتسابق الشركات الدولية العملاقة في تسويق منتوجاتها ولو على حساب الاقتصاد الوطني ومصالح الأمم وكتنافس المحطات التلفزيونية وأجهزة الإعلام العالمية في عولمة الفساد.

وبذلك نعرف أن التعددية معزولة عن سائر القيم قد تتحول إلى قيمة معاكسة مثل التعددية غير المؤطرة بإطار القيم الربانية والتي قد تدمر حياة الأمم ومستقبلها وازدهارها جهلاً منها أو مكابرة للحقائق التكوينية التي أحاطت بها وكشفت عنها رسالات السماء سواء في معادلة الطاعات أو في دائرة المحرمات.

ويكفينا كمثال ملاحظة (فلسفة حرمة الخمر) وانفلات القوانين الوضعية التي وضعتها برلماناتمنتخبة في دول تحكمها تعددية سياسية وحزبية، من استكناه الرؤية الغيبية والحكم الإلهي وكان من نتائج ذلك كنموذج بسيط جداً الإحصاءات التالية:

ربع مليون إسباني يسكرون كل يوم ولقد كانت كلفة المشاكل الناجمة عن الكحول عام 98 ثلاثة مليارات وخمسمئة مليون دولار! وفي السويد نجد أن شرب الكحول - حسب دراسة أعدها معهد صحة الشعب - يكلف الدولة سنوياً 12 مليار دولار وإن أغلب حوادث المرور وأعمال العنف والمشاجرات سببها الكحول وأن سبع شكايات من كل عشر شكايات لدى الشرطة يكون الإفراط في شرب الكحول محفزها الأول.. هذا مع قطع النظر عما تسببه الكحول من أمراض خطيرة كالتليف الكبدي وغيره، وبذلك نعرف أن (التعددية) لا تكفي بمفردها للإيصال إلى بر الأمان وأنها ليست الحل السحري لكل المشاكل بل إنها قيمة تدور ضمن منظومة من القيم مجتمعة.

يبقى: أن (تحايل) البعض على فكرة ومنهجية (التعددية) أو استخدامها استخداماً سياسياً غير سليم واعتبارها قيمة قائمة بالذات منحازة عن التكاملية مع سائر القيم واتخاذها بديلاً عن سائر القيم، لا يعني تخطئة منهجية التعددية، ولا يصحح ذلك محاولة نسفها والإيجاز عليها وإحلال منهجية التفرد - من أصغر لبنة اجتماعية إلى كبريات المؤسسات الحكومية - محلها.

بل إن ذلك يعد تماماً مثل استخدام بعض الطغاة أو التجمعات قيماً كالعدالة والشورى والحرية والدين والأخلاق استخدامها مغرضاً سلبياً فإن ذلك لا يسقط تلك القيم عن قدسيتها بل إن ذلك يجب ألا يزيدنا إلا عزماً ومضاء وإصرار على الوصول إلى تجسيد حقيقي لتلك القيم القرآنية السامية وبالشكل السليم، على أرض الواقع (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم).