الفهرس

   

الصفحة الرئيسية

 

 

أي معنى للوحدة؟!

 


تقف جدلية الثابت والمتغير عائقاً أمام جهود التقارب في ما بين مختلف الأيديولوجيات، وكلما دار حديث عن التقارب أو (الوحدة) وضرورتها سرى حديث آخر عن الخصوصيات الثقافية وكيف يمكن التنازل عنها لصالح الآخر في سبيل المزج أو المزاوجة. و (التقارب) أو (الوحدة) شعاران طالما نادت بهما أطراف عدة من مختلف التوجهات الفكرية، خاصة في محيطنا الإسلامي إذ تبرز دعوات للتوحد والتقارب بغية مواجهة تحديات الخارج، دينية أو ثقافية أو سياسية أو غيرها، ولا يمكن لأحد - في الوهلة الأولى - إلا أن يحترم هذه الدعوات باعتبار أنها صادرة من جهات - يفترض فيها - اهتمامها بتماسك الأمة وقوتها، بيد أن من الإنصاف أن نجرد أنفسنا من العاطفية التي تدفعنا إلى نظرة غير متوازنة حيال هذا الموضوع، ونحاول أن نحدد موقفاً أكثر دقة واعتدالاً. ولنسأل أنفسنا بداية: أي وحدة نريد؟

فالوحدة مفهوم عام ومصطلح يختلف بعضنا بعضاً في تفسيره، ومن الضروري تحديد هذه التفسيرات بموضوعية، فثمة وحدة تعني إلغاء كل الفوارق في ما بين عقيدتين أو فكرين أو منهجين وصولاً لابتداع مسار جديد، وثمة وحدة تعني الاتفاق على المشترك وتجميد المختلف فيه أو الإعذار فيه؛ وهو ما قد يطلق عليه التقارب، على أن أطرافا اليوم نراها تدعو للوحدة وتنادي بها في كل محفل ودعوتها هذه ليست سوى دعوة لإلغاء الآخر، فتظهر على السطح مشكلة الموازنة بين مفهومي (الوحدة) و (التعددية) وهي إشكالية متجددة باستمرار. وكل ذلك مرده إلى انتفاء وجود مفهوم واضح محدد لهذه (الوحدة) وكيف يمكن أن تتحقق في ظل عالم اليوم المليئ بالمتناقضات والاجتهادات والتباينات.

وها نحن نرى أن أطرافا ترفع شعار الوحدة والتقارب، سواء في ما بين السنة أو الشيعة، أو ما بين الاتجاهات المرجعية، أو التيارات السياسية - في المحيط الإسلام - وقد استغلت هذه الدعوة وهذا الشعار للطعن بالآخر واتهامه بأنه ضد الوحدة ومعول هدم لها، وها نحن نرى تقاذف الاتهامات في ما بين مختلف الأطراف والتكتلات الاجتماعية بدعوى التفريق في ما بين أبناء الصف الواحد. والباحث عن الحقيقة يصاب بشيء من عدم الفهم إزاء مفهوم كل طرف لدعوته بالتقارب أو الوحدة، الأمر الذي لم يجعل هناك مقياساً لتحديد الصواب من الخطأ في موقف هذا الاتجاه أن ذاك، أو هذه المدرسة أو تلك.

وحتى لا يكون حديثنا مبهماً، نلجأ إلى لغة الأمثلة التي تضع النقاط على الحروف، فنمثل بمثالين ونعلق عليهما للتوصل إلى النتيجة المرجوة.

ثمة اتجاه يدعي المرجعية الشيعية في بلد حاوٍ لكثير من التناقضات الطائفية، يرى أن من اللازم في سبيل التقارب مع السنة التنازل عن (بعض) الثوابت زاعماً أن الخطر الخارجي المتمثل بما يطلق عليه (بالاستكبار العالمي) يدفعنا إلى ذلك بلحاظ قاعدة الأهم والمهم. ونحن نبدي في هذا الصدد استغرابنا من استخدام هذا الاتجاه لكلمة (بعض) الثوابت، إذ لا يمكن لأحد أن يعتبر أن الإيمان بالنص والتعيين الإلهيين للأئمة المعصومين (عليهم الصلاة والسلام) هو مجرد (بعض) الثوابت! فهو أصل من أصول الدين وبه يكمل، وفي السياق ذاته لا يمكننا أن نعتبر أن ما جرى على الزهراء (سلام الله عليها) هو مجرد (حادثة تاريخية) يمكن ردّها، فضلع الزهراء (سلام الله عليها) هو مفصل تمييز الإيمان من الكفر، وظلامتها هي فارزة بين منهجين، أحدهما صواب مرتبط بالله تعالى، والثاني خطأ التصق بالتحريف والبدعة، فإذا ما ألغيت بالتحريف والبدعة، فإذا ما ألغيت الفارزة واعتبرناها مجرد حادثة غير موثقة سيختلط الحابل بالنابل ويظهر مسار إسلامي غير ذي أصل ولا أساس عقيدي سليم، ثم لا ننسى أن قاعدة التولي والتبري - وهي فرع من فروع الدين - تقتضي في جملة ما تقتضيه تحديد موقف صلب من كل من تجرأ أو أساء أو تعدى على حقوق أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) الذين يمثلون الشرعية في عقيدتنا.

كان هذا مثالنا الأول؛ وأما الثاني فيتعلق باتجاه شيعي يملك نفوذاً سياسياً، لعله أكثر من ينادي بالوحدة إلى حد الصراخ والهيجان، وحينما نستفهم منه عن معنى دعوته يجيبنا بأن علينا أن نلتف خلف قيادة موحدة أمست اليوم قائدة للأمة، لأن في ذلك - حسب دعواه - المنعة والقوة لنا جميعاً. ونحن هنا نبدي دهشتنا من دعوته إياناً بالانصياع لقيادة لم نشارك في اختيارها، ولم نقف على درجة تقواها واجتهادها، ولم نقف على درجة تقواها واجتهادها أو حتى إخلاصها، خاصة وأن لنا قيادات أخرى تمتلك وساماً من صاحب العصر (عليه الصلاة والسلام)، باعتبارها في موقعية النيابة العامة والمرجعية التي بقت طوال التاريخ في معزل عن التأثيرات السياسية والحزبية، وأثبتت أنها جديرة بسمؤولية قيادة الأمة. ولا يظن هؤلاء أن هذه القيادات قد عفى عليها الزمن، أو كما يقولون: هم مراجع حصروا أنفسهم بدائرة الفقه والأصول ولم ينظروا إلى ما يهدد الأمة وأخذوا بالانتظار السلبي للغيبة. إذ نقول: منهم من اجتهد في ذلك، ومنهم من لم يؤمن بفكرة الانتظار السلبي وعمل بالانتظار الإيجابي كما تقولون، فتحرك في سبيل قيام حكومة إسلامية عالمية واحدة قوامها الشورى لا الاستبداد، والعدل لا الظلم، والحضارة لا التخلف. وعمل على تثقيف أجيال تثقيفاً إسلامياً حقيقياً لا شعاراتياً، ونادى باللاعنف لا الإرهاب والعنف والدمار. وهؤلاء - أدامهم الله تعالى - أقدر وأجدر وأعظم منزلة علمية واجتهادية وثقافية.

والأمثلة في هذا الشأن كثيرة، غير أننا اقتصرنا على هذين المثالين، فالأول يطلب منا أن نتنازل عن عقيدتنا في سبيل تحقيق (الوحدة) التي يراها، والثاني يريد منا أن نسلمه زمام أمورنا كرهاً في سبيل تحقيق (الوحدة) التي يتبناها. وشتان ما بين منهجين وطريقين.

إنما الوحدة والتقارب التي نفهمها ويفهمها كل العقلاء هي التي تتحقق عبر إيجاد مساحة حوارية ترسم خطوطاً عريضة الأمة، فتحدد ما يجمعها وتقولبه دستورياً، مع عدم الإخلال بالخصوصيات المذهبية والمرجعية والتيارية، حتى لا تنفي الوحدة التعددية، ولا نضطر إلى العودة لجدلية الثابت والمتغير. الوحدة لا تكون على حساب الثوابت أبداً، ولا على حساب المبادئ والقيم التي تحويها أية أيديولوجية.

وما من شك بأن الأمة غارقة في بحر من التهاوي والتخلف والصراع، وأن أعداءها في الخارج مصدر تهديد جدي لها، لكن هذه الدعوات المبطنة بالوحدة والتقارب لن تغير من هذا الواقع، فهي مجرد شعارات أوقعت جموع الأمة في غيبوبة في عصر الغيبة، بل هي عامل مساعد للمناوئين في تفتيت الوحدة الحقيقية المنشودة للإسلام والمسلمين. تلك الوحدة التي تتحقق مع عدم إلغاء الاجتهادات الخاصة، من خلال نظرية نهضوية كـ (شورى الفقهاء المراجع)، التي تضع صيغة حضارية يمكن من خلالها تحقيق الوحدة على قاعدة التعددية، وهي الضمان الفعلي لإناء كل مآسي الأمة، ونظرة واحدة لمن يساعد أو يحول دون تحقيق هذه الأطروحة كفيلة بمعرفة من يريد الوحدة الحقيقية ممن يرى فيها خطراً على نفوذه وتطلعاته الدنيوية.


بوحيدر الحبيب