الفهرس

   

الصفحة الرئيسية

 

 

تحويل الحمية الإسلامية إلى طاقة تغييرية

 


إن الأمة الإسلامية تمر في أيامنا بأكثر أيامها سواداً وظلاماً، من ذل ومهانة وتخلف وتبعية وتمزق وحروب، لذلك تحتاج الأمة لكل ما يمكن أن يساعدها على النهوض والانتفاضة على هذا الواقع المزري.

ومن هذه العوامل التي لو تم استغلالها بشكل مدروس وموجه لساعدت على الدفع باتجاه التغيير المنشود، ألا وهو (تحويل الحمية الإسلامية إلى طاقة تغييرية).

فلقد استغل أصحاب الديانات الأخرى هذه الطاقة في الماضي - وإن كان استغلالاً سيئاً - كما في الحروب الصليبية لاسترجاع القدس والأندلس وغرناطة وغيرها من المسلمين، فالدائرة التربوية في الجيش الإسرائيلي، وبإشراف ودعم وإرشاد (جمعية مدينة دواد 3000) اليهودية العاطفية وحميتهم الدينية تجاه المدينة المقدسة وإن المسلمين يحاولون أن يستبعدونهم عنها.

وفي التاريخ الإسلامي ومنذ نشأته مشاهد واضحة للاستغلال الإيجابي لهذه الحمية الدينية ويظهر ذلك واضحاً في الخطب العتابية والاستنهاضية للسيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) وأمير المؤمنين (عليه السلام) والإمام الحسن والحسين (عليهما السلام) والسيدة زينب (سلام الله عليها) والإمام زين العابدين (عليه السلام) وغيرهم كثير مثل (الشيخ محمد تقي الشيرازي) صاحب ثورة العشرين - فبستثارته للنخوة الإسلامية للعشائر العراقية ورؤسائهم الذين أشركهم في حكومته التي شكلها في كربلاء المقدسة استطاع أن يخرج المستعمرين البريطانيين من العراق.

بل حتى خلفاء الدولة الأموية والعباسية والعثمانية - مع فسادهم - عندما كانوا يتعرضون للأخطاء الخارجية كخطر الصليبيين والمغول والنجليز - كانوا يستنهضون الناس من خلال حميتهم الإسلامية للدفاع عن الأمة، والأعجب أن هؤلاء الخلفاء المنحرفين عندما تشتعل في أنفسهم جذوة الحمية الدينية فإنهم يتغيرون من حال إلى حال كما في القصة المعروفة للمرأة المسلمة التي صاحت مستنجدة (وامعتصماه) عندما هُتك سترها.

وحتى في أيامنا هذه تظهر هذه الحمية بين فترة وأخرى كما حدث قبل أسابيع عندما شرعَ (مجلس الشعب المصري) والذي غالبية نوابه غير متدينين قانوناً يعاقب من لا يحترم اللباس الديني الأزهري، وذلك بعد الضجة التي حدثت عندما ظهر رجل بلباس ديني أزهري في التفزيون المصري على مدرجات المشجعين لكرة القدم وقيامه ببعض الحركات غير الملائمة لقدسية الشيخ الأزهري. وكذلك ثورة المسلمين وانتفاضتهم في مختلف دول العالم على الحكومة التركية لأنها طلبت من النائبة الإسلامية (مروة قاوقجي) أن تخلع حجابها لكي يسمح لها بممارسة مهامها نائبة في مجلس النواب التركي.

وهناك الكثير من الانتهاكات لعقائد ومعتقدات ومقدسات وأعراض المسلمين لو تم الكشف عنها وتسليط الأضواء عليها إعلامياً وتحريضياً من خلال المنابر والمؤتمرات الشعبية والكتب والنشرات والصحف والمجلات والفضائيات والإنترنت لأججت مشاعر المسلمين المتبلدة، ولأشعلت حميتهم المجمدة، ولأصبحت كالزيت الحار الذي يصب في ماكنة التغيير المباركة.

انتهاكات خطيرة.. مثل تحويل تلاوة القرآن الكريم إلى موسيقى تصويرية للأفلام الإباحية الأوروبية والأمريكية وعرضها على شبكات الإنترنت ونشر الإسرائيليين للافتات في فلسطين رسمت فيها صورة خنزير باللباس العربي يضع رجله على كتاب وكتب باللغتين العربية والإنجليزية على الخنزير اسم نبينا (محمد) صلى الله عليه وآله وعلى الكتاب (القرآن) (نعوذ بالله من ذلك فناقل الكفر ليس بكافر) وتحويلهم للمساجد إلى خمارات وبيوت للدعارة بل وقاموا بتسمية إحدى بيوت الدعارة (بالكعبة) بعد بنائها على شكل الكعبة المشرفة، وقيام شركات أدوية إسرائيلية عديدة بتجربة أدويتها على الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية بدل فئران المختبرات، واغتصاب أسرى الجنوب اللبناني من النساء المسلمات والرجال المؤمنين - كمصطفى الديراني في سجونهم، وبيع الجنود الصرب لأشرطة فيديو في الأسواق الأوروبية تصور عمليات اغتصاب كاملة قاموا بأنفسهم بها لنساء مسلمات بوسنيات ومن ثم قتلهن، وقيام الصرب ببقر بطون النساء البوسنيات الحوامل وانتزاع الأجنة ودهسها بأحذية أرجلهم حتى يحولوهم إلى أشلاء، واختطاف ألوف الأطفال وبيعهم في أوروبا لاستخدامهم جنسياً، أما في (كوسوفو) فقد كان الصرب يغتصبون الفتيات المسلمات أمام أمهاتهن وآبائهن وأزواجهن وبشكل جماعي ثم يسلخون فروة رؤوسهن وهن أحياء ويكسرون عظامهن ويقطعون أجسادهن قطعاً، وكانوا يقيدون الرجال والشباب ويرمونهم وهم أحياء في أفران مصابغ الحديد والصلب ليذوبوا. أما ما يفعله الروس في الشيشان المسلمة فكلكم شاهدتم في التلفاز ما لا يمكن وصفه. ألف مصيبة ومصيبة.

ومذبحة عاشوراء (أم المذابح) التي ألهبت مشاعر وحمية المسلمين مئات السنين وإلى يومنا هذا واشعلت ثورات وثورات وأسقطت عروشاً ودولاً، لخير مثال على القوة الجبارة لهذه الحمية الإسلامية التي ينبغي استثمارها للدفع قدماً بعملية التغيير الحضاري المنشودة للأمة.

والحمد لله كثيراً.

 

   

حينما تصبح الانهزامية منهجاً!

 


كثيراً ما يتوقف أمر بلوغ الهدف على عاملي المبادرة والإقدام، وإذا ما تفحصنا التاريخ نجد أن الأحداث التي كانت بمثابة منعطفات أساسية وتحولات جذرية في مسار الإنسان إنما صنعتها شخصيات أخذت بزمام المبادرة والإقدام في ظل تراجع الآخرين. وأبرز مثال لهؤلاء العظماء هو سيدنا ومولانا الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه الصلاة والسلام) الذي كانت حركته الإصلاحية العظيمة متسمة بهذين العنصرين المهمين، الأمر الذي كللها بالنجاح الباهر إذ دكّت عروش الظالمين وتصدت للإنحرافات وأبقت على المسار الإسلامي الأصيل إلى يومنا هذا.

وإن أردنا - نحن معشر الموالين - لأنفسنا العزة والكرامة فلابد لنا من أن نسلك هذا المسلك مع الاحتفاظ بالقيم والمبادئ الإسلامية الأصيلة التي تؤهلنا للنجاح وتحقيق أهدافنا الخيّرة.

إن المتتبع لحركة الأنبياء والأولياء (عليهم السلام) سيلاحظ بوضوح أن منهجية الإقدام هي القاسم المشترك، تلك المنهجية التي ترفض الركون إلى الواقع والتسليم به، وتسعى إلى تغييره بأدوات عقلائية لتحقيق سعادة البشرية والسمو بها. نعم هناك حد فاصل بين الإقدام والتهور ينبغي أن يلاحظه الساعي إلى التغيير حتى لا يقع في محظورات تؤدي إلى الفشل، فالأخذ بالعنف - على سبيل المثال لا الحصر - هو أحد هذه المحظورات أو لنقل الأخطاء القاتلة، إذ يتوهم بعض الناشطين بأن العنف هو الأداة الأساسية للتغيير، وهذا مفهوم خاطئ للجهاد في الإسلام الذي لا يكون إلا وفق ضوابط معينة ترتبط بالدفاع عن النفس أو رد كيد الأعداء لا أكثر.

وعلى الجانب الآخر لا يصح أن يُنظر إلى كل مبادرة إصلاحية على أنها من مصاديق العنف أو التهور، مادامت هذه المبادرة قد التزمت بالضوابط التي تأتي في مقدمتها قاعدة (لاضرر). يقول الله سبحانه: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

هناك من الناس من يعتقد خطأ بأن مطالبتنا بحقوقنا المشروعة (بصوت عالٍ) هي ضرب من ضروب التهور، في حين أن الحقيقة أنها سمة من سمات الإصلاح والتغيير لا أكثر. هؤلاء مع الأسف أخذوا بالانهزامية والسلبية منهجاً ينتهجونه، وهو لا يؤدي إلا إلى بقاء الحال على ما هو عليه إن لم يزده سوء.

كلنا يعلم بأننا نحن شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) في الكويت لدينا مطالب مشروعة ترتبط بحقوقنا المكفولة لنا وطنيا، ومن تلك حقنا في أن نشيد مساجدنا وحسينياتنا، وحقنا في أن تكون لدينا محكمة جعفرية خاصة، وحقنا في تدريس الفقه الإمامي في المدارس والجامعة، وحقنا في أن نصدر صحفاً ومجلات وأن نقيم المؤسسات ونشكل جمعيات النفع العام، إلى آخر هذه القائمة الطويلة.

ولكننا طوال هذه الفترة ضيعنا حقوقنا بأيدينا، والمثل يقول (ما مات حق وراءه مطالب) ونحن لم نطالب فمات حقنا وانسلب! وحينما نقول: (لم نطالب) لا نقصد المعنى الحرفي للكلمة، فلا يخفى أن كثيراً من المخلصين سعوا لدى المسؤولين للحصول على قسم من هذه الحقوق المضيعة، غير أننا نقصد بـ (لم نطالب) بأننا لم نتبع الأسلوب السليم للمطالبة، فذهب نوابنا - سامحهم الله - يتبعون أسلوب المطالبة (باستحياء) منذ أكثر من عشرين عاماً، ولم نر طوالها أي إنجاز يذكر في هذا الشأن، بل على النقيض كانت لدينا جمعية نفع عام واحدة تحت مسمى (جمعية الثقافة الاجتماعية) وقد حُلّت وانفضّت!

لقد اتبعت بعض رموزنا النيابية خطأ قاتلاً تمثل بالانهزامية التي عشعشت في عقولهم، فجعلتهم ينظرون إلى الحق باطلاً والباطل حقا!

وحتى لا نكون مجحفين، فإننا نأتي بمثال قريب إلى الأذهان، فحينما فاز النائب صالح عاشور بعضوية مجلس الأمة أقسم أمام ناخبيه أن ينفذ ما قطعه على نفسه من تعهدات إبان حملته الانتخابية، والتي كان من أهمها السعي إلى تحقيق طموحاتنا في استرجاع حقوقنا، وهذا ما حدث فعلاً، ففي أول كلمة له في البرلمان نادى عاشور بإعادة هذه الحقوق إلى أصحابها، فنحن الجعفريين مواطنون كويتيون ينبغي أن نعامل كبقية إخواننا من المذاهب الأخرى. ولقد سعى - جزاه الله خيراً - عبر استخدامه الأدوات الدستورية إلى استرجاع هذه الحقوق المسلوبة، والتي كان في مقدمها حرية بناء المساجد ودور العبادة، إلى جانب تأسيس محكمة استئناف جعفرية حتى تنظر في قضايا الأحوال الشخصية وتحكم على حسب الفقه الإمامي. وبحمد الله تعالى تحقق قسم من هذه الانجازات عبر قيام هذه المحكمة، والوعود التي قطعها المسؤولون بإتاحة المجال لبناء مزيد من المساجد ودور العبادة وإنهاء حالة التضييق. وها قد انفرجت الأزمة بجهود هذا النائب المخلص الذي وعد فأوفى، ولسنا نذيع سراً أنه حينما نطق بكلمته هذه من على منبر المجلس وقدم أسألته النيابية لوزير الأوقاف والعدل تهافتت جموع المؤمنين إلى حسينية والده في بنيد القار حيث قدموا له شكرهم وتقديرهم وأبدوا تأييدهم ودعمهم لأهدافه النبيلة.

الشاهد هو أنه حينما وقف صالح عاشور تحت قبة البرلمان وألقى كلمته الأولى مطالباً فيها بحقوقنا، جاءه بعض من زملائه النواب الذين يمثلوننا في المجلس منذ زمن وقد بانت عليهم ألائم عدم الرضى، ونصحوه - باعتباره حديث عهد بالنيابة - بأن عليه ألا يطرح مثل هذا الطرح (بصوت عالٍ) حتى لا يكون ذلك سبباً في عدم استجابة المسؤولين لهذه المطالب، وإنما اللازم - حسب منهجهم - أن تؤخذ الأمور بالسياسة والدبلوماسية وألا تطرح تحت قبة البرلمان بل من وراء الكواليس!

فيا للنصيحة ما أروعها! فلقد جرب هؤلاء أسلوبهم الذي يدعون طوال أكثر من عشرين عاماً ولم نرَ أية نتيجة أو فائدة، فما لهم اليوم يحكمون على زميلم الجديد بالخطأ؟! وأين الخطأ في المطالبة بالحق؟!

وعلى كل حال فإن أسلوب صالح عاشور أثبت أنه هو الصحيح بعدما تحققت هذه الإنجازات، لماذا؟ لأنه التزم بعنصري المبادرة والإقدام، لا التراجع والإحجام. وحتى إن كان بعض قاصري النظر قد اعتبروه نوعاً من أنواع الطرح الطائفي، فإن هذا لا ينفي الحقيقة، وهو أن الرجل قد حقق إنجازات وهو في طريق تحقيق مزيد منها، وليست الطائفية في يوم من الأيام تعني أن نطالب بحقوقنا المشروعة، كما للآخرين الحق في المطالبة بحقوقهم المشروعة، إنما نحن شعب واحد واللازم أن نعامل بالمثل.

إن من الضروري على جميع نوابنا ورموزنا وفاعلياتنا التخلي عن منهجية السلبية والانهزامية والتراجعية، والتفكير جدياً في النهوض حتى ننال حرياتنا وحقوقنا ضمن ما ضمنه لنا الدستور والقوانين. أما أن يبقى صالح عاشور وحده سالكاً هذا المسلك، والآخرون في وادي التراجع، فإن هذا ما سيجعلنا نتأخر أكثر.. وكفانا تأخراً.

وإن بقت كلمة نوجهها إلى هذا النائب المخلص الذي أصبح ظاهرة جديدة، فهي: سر في ما أنت رام إليه واتكل على الله عز وجل.

بقلم: حسين الإبراهيم

 

   

عاشوراء.. يوم انتصار التطبير على التبرع بالدم!

 


مع بداية محرم الحرام تطالعنا بعض المنشورات المعادية للشعائر الحسينية (كالبكاء واللطم والتطبير على سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه السلام) تحت شعار (تبرعوا بالدم).

وهذا المطلب بدأ من العام الماضي بناء على فتوى ضد الشعائر كما شككوا من قبل بظلامة الزهراء (عليها السلام) وذلك لدس السموم في عقول ومفاهيم الشباب والأطفال وإبعادهم عن الشعائر التي فيها بقاء الدين واستمراريته. ها هنا نحن نتساءل: أين كنتم يا دعاة التبرع بالدم ويا أصحاب (هذه الظاهرة الإنسانية والوطنية) طوال أيام السنة من دعوتكم هذه؟ ولماذا لا ترفعونها إلا خلال شهر محرم؟! إنها كلمة حق أريد بها باطل!

أقول هذا ليس لمجرد كونه رأياً شخصياً بل هو مستند إلى القواعد الشرعية فهذه الممارسات من الشعائر الدينية. وقد قال تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) وقد روى لنا القرآن الكريم أن نبي الله موسى على نبينا وآله وعليه السلام أمر قومه أن يقتلوا أنفسهم وقال لهم (ذلكم خير لكم عند بارئكم) والقتل أعظم من التطبير واللطم. فلماذا طلب منهم موسى وهو من أنبياء أولي العزم ذلك؟ وهذا ما ورد في الآية الشريفة: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم انكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب الله عليكم انه هو التواب الرحيم) وكذلك أمر الله بني إسرائيل بقتل أنفسهم أو الخروج إلى التيه وما امتثل لهذا الأمر الإلهي إلا قليل وهم المخلصون لقوله تعالى: (ولو أنا كتبنا عليهم ان اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلاً منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم واشد تثبيتاً تثبيتاً).

وهنا وقفة سريعة، لماذا طلب الله من بني إسرائيل قتل أنفسهم إذا كان تهلكة ولماذا سمى هذا العمل خيراً؟

أما هؤلاء لو أن عندهم ولاء لأهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما اجتهدوا ضد هذه الشعائر وعارضوها ولمارسوها طلباً للأجر والثواب ولاثبات ولائهم ومشاركة الرسول وآله الأطهار (عليهم السلام) وتبرعوا بدمهم في وقت آخر ولكن كما قالت زينب (عليها السلام): (وليتجهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة على إطفاء هذا النور يزداد إلا علواً).

وهناك أحاديث كثيرة حول البكاء فمنها ما روى عن الربيع بن منذر عن أبيه قال: كان الحسين (عليه السلام). يقول: (من دمعت عيناه فينا دمعة أو قطرت عيناه فينا قطرة آتاه الله عز وجل الجنة) ذخائر العقبى للحافظ الطبري: ص 19.

كذلك ورد عن الإمام المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) في فقرة من دعاء الندبة: (فعلى الأطايب من أهل بيت محمد وعلي صلى الله عليهما وآلهما فليبك الباكون وإياهم فليندب النادبون ولمثلهم فلتذرف الدموع وليصرخ الصارخون ويضج ويعج العاجون أين الحسن أين الحسين أين أبناء الحسين صالح بعد صالح...). كما وأنه (عليه السلام) خاطب جده الحسين (عليه السلام) في زيارة الناحية المقدسة قائلاً: (ولأبكين عليك بدل الدموع دماً) وهذا تصريح منه (صلى الله عليه) بجوازية الإدماء.

وحول هذه الشعائر الحسينية أفتى كبار العلماء والفقهاء بجواز ذلك استناداً إلى أصالة الإباحة وإلى عمل السيدة زينب بنت أمير المؤمنين (عليهما السلام) وعدم نهي المعصوم لها وهو الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) حيث ضربت جبينها بمقدم المحمل فشقته وخروج الدم من تحت قناعها وذلك عندما رأت رأس أخيها الحسين بن علي عليه السلام). بحار الأنوار: ج 5 ص 114.

وكما قال الشاعر:

لا تسل يا لائماً عن         شج رأس العاشقين

أصدرت فتواه زينب      إذ رأت رأس الحسين

وهناك الكثير من كبار مراجع التقليد ممن صرح بحلية وجوازية هذه الشعائر الحسينية ومنهم: آيات الله العظام الشيخ النائيني، والسيد الخوئي، والسيد الكلبايكاني، والسيد المرعشي النجفي، والسيد عبد الهادي الشيرازي، والمرجع الديني الأعلى الإمام الشيرازي، وغيرهم.

وختاماً أقول اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

بقلم: منصور كرم

 

   

عاشوراء والأمر بالمعروف

 


ترى ثقافة عاشوراء أن تسلط جور يزيد يعد من أكبر المنكرات الاجتماعية، وإن محاربته من أجل إحقاق الحق وإنهاء التعسف الغاشم يعتبر معروفاً عظيماً. وكان مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الأسباب الكامنة وراء انطلاق ملحمة كربلاء الدامية.

جاء في الوصية التي كتبها الإمام الحسين (عليه السلام) لأخيه محمد بن الحنفية: (إني ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أ، آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر. وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب).

وهذا يبين بوضوح دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في انبثاق هذه الحركة الحسينية وقد طرح هذا الموضوع في زيارة حضرته أيضاً: (أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وجاهدت في سبيل الله حتى أتاك اليقين).

تعكس هذه التعابير مدى عمق هذه الفريضة الدينية التي تبرز حتى في وسط الجهاد الدامي وتمنح مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بُعداً يجعله يمتد في الواجبات والمحرمات الجزئية والفرعية والفردية حتى يشمل القيام من أجل إقامة القسط وإسقاط حكومة الجور وتغير النظام الاجتماعي الفاسد.

لما امتنع الحسين (عليه السلام) عن البيعة ليزيد ووقف ذلك الموقف الشجاع ضد الوليد ومروان ذهب إلى قبر جده (صلى الله عليه وآله) وقضى ليلته في المناجاة عنده، وجاء في تلك المناجاة (اللهم إني أحبّ المعروف وأنكر المنكر، وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحق القبر ومن فيه إلا اخترت لي ما هو لك رضى ولرسولك رضى).

 

   

باختصار.. سؤال وجواب عن الشعائر

 


هذه مجموعة من الأسئلة والاستفسارات التي تتناقلها الألسن حول الشعائر الحسينية ومدى جوازيتها وأهميتها، نجيب عليها باختصار.


س
- هل صحيح أن الشعائر الحسينية هي ممارسات متخلفة رجعية؟ وما الدليل؟

ج - بل هي ممارسات حضارية للغاية. والدليل آراء علماء ومفكري العالم التي تشهد بعظمتها. يقول الكاتب السير بيرسي سايكس: (إن فاجعة الطف كانت أساساً لتمثيل المسرحية الأليمة سنوياً ليس في إيران التي تعتبر العقيدة الشيعية مذهباً رسمياً بل في كثير من البلاد الآسيوية التي يتيسر فيها وجود المسلمين، وقد شاهدت تلك المأساة تمثل أمامي مرات عدة. ولذلك يمكنني أن أعترف وأقر بأن الاستماع إلى ولولة النساء الصارخة ومشاهد الحزن الذي يغشى الرجال كلهم يؤثر تأثيراً عميقا في المرء بحيث لا يسعه إلا أن يصب نقمته على الشر ويزيد بن معاوية بقدر ما يصبه سائر الناس الحاضرين، والحقيقة أن هذه المسرحية الأليمة تدل على قوة عاطفية جامحة تمتلئ المناظر (يقصد إسالة الدماء خصوصاً) التي شهدتها بأم رأسي ستبقى غير منسية في مخيلتي ما دمت على قيد الحياة). ويقول الدكتور هوليتر: (إن مقتل الحسين في كربلاء برغم كونه قد وقع قبل مدة تزيد على ثلاثة عشر قرناً فإن فجيعته كانت واضحة جليلة لكل شيعي وكثيرون غيرهم بواسطة المراسيم والاحتفالات الدينية التي تقام سنوياً في محرم الحرام). ويقول المفكر الألماني ماربين: (إني أعتقد بأن بقاء القانون الإسلامي وظهور الديانة الإسلامية وترقي المسلمين هو مسبب عن مقتل الحسين (عليه السلام) وحدوث تلك الفجائع المحزنة وكذلك ما نراه اليوم بين المسلمين من حس سياسي وإباء).

س - أليس الإضرار بالجسد محرماً؟ وما دام كذلك فإن التطبير وبعض الشعائر الأخرى تعتبر محرمة؟

ج - مطلق الضرر ليس حراماً ولا دليل على حرمته. لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يؤذي نفسه ويضرها في سبيل الله تعالى وفي العبادة حتى نزلت سورة طه: (طه. ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) وذلك لأن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) كان يعبد الله ليلا حتى تتورم قدماه وتتقرح وتسيل منها الدماء، ومع ذلك فإنه واصل عبادته عليه الصلاة والسلام مما يدل على جوازية إسالة الدم.

س - وهل قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالتطبير؟

ج - نعم. فالمعلوم أن التطبير هو ذاته حجامة الرأس وهو مفيد طبياً إذ يخرج الدم الفاسد وينقي خلايا العقل. وقد ورد في الأثر المعتبر أن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) كان يحجم رأسه في الربع الأول منه على مستوى الأنف (أي في وسط الرأس كما يفعل المطبرون) مرتين في السنة، وكان يسميها (المنقذة) أي المنقذة من الأمراض، وكان عليه وآله الصلاة والسلام يحث عليها ويقول: (عليكم بالمنقذة).

س - لكن هذه الشعائر تجلب لنا سخرية الآخرين واستهزاءهم بنا وبمعتقداتنا؟

ج - أما العقلاء إذا كانوا من قبيل العلماء فهم لا يستهزؤون بل يحترمون فينا هذه الشعائر كما نقلنا آراء علماء ومفكري العالم. وأما الجهلة فإنهم دائموا الاستهزاء بشعائر الله تعالى يقول: (يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون). وعلى كل حال الاستهزاء هو دليل العاجز، ولا ينبغي لنا أن نتخلى عن شعائرنا لمجرد أن قسما من الجهلة يستهزؤون بها.

س - ما الدليل على جوازية الشعائر؟ هل أقامها أهل البيت (عليهم السلام)؟

ج - نعم بلا شك. فزينب (سلام الله عليها) نطحت جبينها في مقدم المحمل وسال منه دمها الطاهر في محضر الإمام زين العابدين (عليه السلام) الذي لم ينكر عليها فعلها بل أقره. وهذه الرواية ثابتة عند مراجع التقليد وعند المرجع الأعلى في عصرنا الحاضر. وإمامنا الحجة القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف خاطب جده الحسين عليه السلام في زيارة الناحية المقدسة قائلاً:

(لأندبنك صباحاً ومساء ولأبكين عليك بدل الدموع دماً) وهو ما يستدل على استحباب الشعائر ورجحانها بما في ذلك إسالة الدماء. ناهيك عن عشرات الأدلة الأخرى التي لا مجال لذكرها.

س - يقال أن مراجع وفقهاء أفتوا ضد التطبير خصوصاً والشعائر عموماً. هل ذلك صحيح؟

ج - لا يوجد أحد من المراجع المعتبرين ممن أفتى خلاف التطبير أو الشعائر، والآراء المتناقلة صدرت ممن ليس لهم حق الفتيا. وعلى النقيض من ذلك هناك أكثر من 270 مرجعاً وفقيهاً أفتى باستحباب ورجحان الشعائر وعلى الأخص التطبير. وهي مجموعة من كتيب (آراء علماء الدين في خصوص الشعائر الحسينية) ويمكن مراجعته.

س - يقال أن التطبير جاء من قبل ممارسات الأتراك. أصحيح ذلك؟

ج - بل هو ممارسة إسلامية تناقلتها الأجيال وكانت مضرب الأمثال.

س - أليس التبرع بالدم خيراً من التطبير؟

ج - لا نظن بأن بنك الدم المركزي بحاجة إلى الدماء في يوم عاشوراء فقط (!) يمكن لمن يريد التبرع التوجه يومياً من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الواحدة في الفترة الصباحية ومن الرابعة حتى التاسعة في الفترة المسائية للتبرع بدمه طوال أيام السنة بل وحتى في أيام العطل الرسمية أيضاً.. ومأجور من يذهب إن شاء الله تعالى!

أما نحن فإننا نخرج من رأسنا الدم الفاسد الذي لا حاجة للمرضى به، وهي طريقة تعلمناها من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونحن نجريها باسم الحسين (عليه السلام) حتى نتمثل واقعته ونشعر بمصيبته. وأجرنا على الحسين (عليه السلام).

س - لماذا كل هذا الإصرار على الشعائر الحسينية؟

ج - لأن فيها خلود وبقاء القضية الحسينية وتجددها كل زمان دون أن يعتريها النسيان. ولا نلام لا نلام..

بقلم: جاسم صفر

 

   

ولم لا يكون علي (عليه السلام)؟!

 


لقد قصر المسلمون كثيراً في دراسة تاريخهم دراسة علمية مجردة من الهوى، والذين كتبوا التاريخ الإسلامي في عهود الأمويين والعباسيين لم يخل أكثرهم من الانحياز عن الحق ولم يستطع المؤرخون المتأخرون استخراج الوقائع والحقائق والأحداث وربطها ببعضها لإظهار النتائج فلم يعرفوا أسباب الأحداث التي رافقت الخلافة والخلفاء وما جرى في أيامهم ولماذا نشأ الاختلاف بعد وفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وسلب بني هاشم حقهم وهم مصابيح الشريعة وسند الحق وأعلام الهدى.

كل ما حدث كان بعيداً عن فهم حقيقة الحدث التاريخي الذي لو كان عمل به صحابة العهد النبوي ولو نفذوا ما جاء في وصية الرسول (صلى الله عليه وآله) لما وقع ما وقع وأصاب المسلمين ما أصاب من الشقاق ولسارت الخلافة تحفها مواكب النصر وتظللها أعلام الهدى والرشاد وكما أراد لها الرسول (صلى الله عليه وآله) فلا يتولاها إلا ذو استعداد وكفاية وعلم وذي هدى من هدي القرآن وزهد بعيد عن ملذات الدنيا وعلم يعيش القضايا بمقياس الحق والعدل، ولكن ما حدث لم يكن في الحسبان وأضاع المسلمون الفرصة والزمان وخسروا رجالاتهم وقوتهم وهم في أول نشأتهم وانطوت أحداث التاريخ على ما لا يحمد. فليكن لنا فيها عبرة تكفينا إلى بسط الحقائق وبيان العلل والأسباب وجمع الشمل ولأم الجرح فنظر سيرة الوصي الذي عاش لله ولدينه واستشهد في سبيلهما. نحن في أمس الحاجة دائماً إلى إبراز ما منح الله تلك الشخصية الفذة من الصفات والمزايا والفضائل لتكون رائدة المؤمنين في حياتهم أينما كانوا يتبعونها بروحهم وأفكارهم فتحيط بهم الهداية بالنفحة العلوية أو تصفي عقولهم من هواجس الشك والإلحاد.

يذكر الأديب المصري طه حسين أنه كان وبعد قراءته عن واقعة الجمل يحدث نفسه بعد أن أصابها الشك كيف أن هؤلاء الصحابة السابقين طلحة والزبير قد قاموا بما قاموا به؟ وظل في حيرة من أمره. وهل كانوا هم على الحق أم على الباطل؟ وجاءه الجواب كما يقول من على نفسه وفي منهج البلاغة عندما يقول بما معناه أنك يجب أن تعرف الحق ما هو والباطل ما هو لكي تعرف بعد ذلك من هو مع الحق ومن مع الباطل. وللحديث تتمة.


بقلم: افتخار العطية

الممثلة الرسمية لهيئة خدام المهدي (عليه السلام) في تونتو - كندا