الفهرس

   

الصفحة الرئيسية

 

 

لماذا يضربون الشعائر الحسينية؟!

كتب: ناصر عبد الأمير الطاهر

 


منذ واقعة الطف إلى يومنا هذا انقسم الناس إلى قسمين: قسم مع الحسين يؤمن به وينصره بالغالي والنفيس. وقسم ضد الحسين يعمل على حربه في كل الجبهات وبكافة الإمكانات والسبل. ولو تصفحنا مسلسل أحداث التاريخ في ما يتعلق بالحسين (عليه السلام) أثناء الواقعة وبعدها نجد - على طول الخط - أن المخلص النزيه الذي تهمه قضايا الدين ومصير المسلمين كان مع الحسين وفي الجبهة التي قاتل معها الحسين (صلوات الله عليه). بينما طلاب الدنيا وأهل الأطماع والمصالح وتجار الدين والمبادئ كانوا في الصف الذي قاتل ضد الحسين، وليس بالضرورة أن يقاتل بالسيف ولا بالبندقية وإنما يقاتل بطريقته الخاصة فإن تمكن بالسيف فبها وإلا فلكل زمان ومكان شرائطه وطرقه الخاصة.

ومن تلك الطرق التي استخدمها أعداء الحسين (عليه السلام) الفتوى، فلا ننسى أن كثيراً ممن شارك في قتله (صلوات الله عليه) استند إلى فتاوى من لبسوا لباس العلمائية والدين فأهدروا دمه المقدس بدعوى أنه خارج على إمام زمانه يزيد لعنه الله! وهنا نتوقف قليلاً عند الجماهير المغفلة التي تقبلت مثل هذه الفتوى الجائرة لنكتشف أن (الناس على دين ملوكهم) حتى وإن كان هؤلاء الملوك يرتدون جلباب الدين.

وأحداث التاريخ كثيرة جداً لا مجال هنا لذكرها، ولكن جميعها تشير وتؤكد نهج السياسة في محاربة الحسين وزيارة الحسين وشعائر الحسين والمآتم التي كانت تقام على قبره الشريف فضلاً عما كان يقيمه الشيعة من مراسم حزن في بيوتهم، وهذه الجبهة التي حاربت الحسين بالأمس هي ذاتها التي تحارب الحسين اليوم خاصة بعد دخول الاستعمار البريطاني إلى بلادنا الإسلامية، فإنهم يعلمون أن بقاء واستمرارية ذكر سيد الشهداء (عليه السلام) مرهون ببقاء واستمرارية الشعائر الحسينية بمختلف أنواعها، من تعزية وبكاء ولطم واتشاح بالسواد وتطبير وتمثيل وما إليها.

وقد اتخذت سياسة ضرب الشعائر في مرحلة ما بعد دخول الاستعمار طابعاً جديداً، فلقد تجاوزت البلاطات وقصور الملوك - كما كان بالأمس - لتنزل إلى ما هو أعمق وأشمل من ذلك، وكيف ذاك؟

منذ دخول الإنجليز إلى الدول الإسلامية عام 1914 للميلاد في الحرب العالمية الأولى انصبت الجهود مركزة قوية على ثلاثة من البلاد الإسلامية التي تعتبر من أهم الدول وأخطرها على الاستعمار، وهي: العراق، إيران وتركيا. أما العراق وإيران فأهميتهما تنبع من عدة أمور هي: أولاً موقعهما الجغرافي الذي يعد مفتاح الشرق الأوسط. ثانياً كثرة الخيرات والموارد المعدنية والزراعية فيهما من النفط إلى المعادن والفلزات. ثالثاً وجود الحوزات العلمية الكبرى للشيعة ومركز المرجعية الدينية في النجف الأشرف وكربلاء والكاظمية وسامراء ومشهد وقم، فضلاً عن وجود ستة مراقد ومزارات للأئمة المعصومين (صلوات الله عليهم) أجمعين في العراق وواحد في إيران، بالإضافة إلى عشرات المراقد والمزارات الأخرى لآل الرسول (صلى الله عليه وآله)، الأمر الذي يمنحهما قوة هائلة للتأثير على المسلمين والعالم فكرياً وعقائدياً. ولعل مما يزيد في هذه القوة كون العراق وإيران متصلان بأراضي واحدة وتجمعهما روابط عقائدية في المذهب واجتماعية في العشائر والأسر كما هو معروف منذ القديم.

وأما تركيا فلكونها مفتاح العالم الإسلامي الذي يربطه بالغرب، فكل قوة كانت للمسلمين فيها معناها تشكل حالة عدوائية تنتقل إلى البلاد الغربية لتؤثر على شعوبها، والغرب يعرف كم للإسلام عموماً وللتشيع خصوصاً من القدرة على التأثير في الآخرين.

كل عوامل القوة في هذه البلدان الثلاثة جعلت الغرب يمركز جهوده ومخططاته لتضعيف هذه البلدان وبالتالي السيطرة عليها حتى يسد أبواب الخطر ويأمن السلامة منها. وأول مخطط جاء به الغرب - وخصوصاً بريطانيا - إلى هذه البلدان هو أنه جاء بثلاثة من عملائه الكبار ونصبهم بالكيد والمؤامرة على مراكز القدرة والحكم فيها وهم: ياسين الهاشمي في العراق. بهلوي الأول في إيران. أتاتورك في تركيا.

وكانت مهمتهم جميعاً مشتركة في البلاد الثلاثة، وهي زرع ثلاثة من المبادئ المنحرفة والخطرة على الإسلام والمسلمين وهي: أولاً القومية وثانياً العلمانية وثالثاً ضرب المرتكزات الشيعية وخاصة الشعائر الحسينية حتى أن البهلوي الأول شجع السفور ومنع النساء من لبس الحجاب بل وسن قانون منع العمامة والزي العلمي لرجال الدين الشيعة، ومنعوا مجالس العزاء ومواكب اللطم والتطبير وكل ما يمت إلى الحسين (عليه السلام) بصلة وكانوا يسجنون أي شخص يعرفون أنه شارك في عزاء أو بكاء على الحسين حتى يعذبوه أشد العذاب.

ويجب هنا أن نلتفت جيداً إلى أن الرامين إلى ضرب الشعائر شاركوا بها في بادئ الأمر وأظهروا دعمهم لها، حتى أن البهلوي نفسه كان يشارك في مجالس العزاء وينادي يا حسين، حتى إذا استتب الأمر بدأ يقيم مجالس اللهو والزنا في ليلة ويوم عاشوراء بدلاً من مجالس العزاء.

وبعد أن أنهى هذا الثلاثي - الهاشمي والبهلوي وأتاتورك - مهمتهم أطاح بهم الاستعمار نفسه كعادته في التعامل مع عملائه. فياسين الهاشمي هرب إلى تركيا بعد إسقاطه، وبحجة إصابته بمرض الملاريا.اجبروه على زرق ا بره زعموا انهامضاده للملاريا. بالرغم مما أبداه من مقاومة لذلك لعلمه بالمؤامرة إلا انه فشل وباءت مقاومته بالفشل أيضاً فزرقوه أخيراً بها، وكانت إبرة معبأة بالسم القاتل فتقلوه بها. والبهلوي الأول اقتادوه بسيارة وأخرجوه منفياً من إيران إلى جزيرة نائية - جزيرة موريس - ثم مرض هناك وطلب من أصدقائه البريطانيين الأوفياء طبيباً فلم يستجيبوا له، وعندما طلب الساسة الروس اللقاء به، عرف البريطانيون ذلك فقتلوه هو الأخير بإبرة أيضاً.

وقد انتهت بذلك المرحلة الأولى للمخطط البريطاني العدواني على الإسلام والمسلمين لتبدأ المرحلة الثانية بمجيء جماعة آخرين لاستكمال المخطط نفسه وبأسلوب جديد ووجوه جديدة. ففي العراق جاءوا بعبد الكريم قاسم ثم عبد السلام ثم عبد الرحمن ثم البكر ثم صدام الطاغوت أخيراً. وفي إيران جاءوا تحت اسم (الثورة البيضاء) بالبهلوي الثاني. وهؤلاء أظهروا ولاءهم لعلي والحسين (عليهما السلام) وساهموا في الشعائر الحسينية التي يقيمها المحبون في عاشوراء ثم انقضوا عليها لضربها.

ففي العراق تظاهرت حكومة البعث في بداية عهدها باحترام الشعائر الدينية والحسينية، فقامت أول سنة من حكمها ببث الخطب الدينية والقصة الكاملة لمقتل الإمام الحسين (عليه السلام) بصوت الخطيب البارع المرحوم الشيخ عبد الزهراء الكعبي (قدس سره) من الإذاعة العراقية في يوم العاشر من محرم. كما قامت بتوزيع الرز والدهن والسكر والشاي على المواكب الحسينية في كربلاء والنجف وسائر مدن العراق بعد سلسلة من الزيارات التي قام بها المسؤولون البعثيون إلى مراجع الشيعة في النجف وكربلاء للتقرب إليهم.

ثم بعد ذلك وفي الأعوام التالية قامت بالتضييق عليها وإلغاء بعضها. وأول ما منعته من الشعائر وحاسبت عليه كان موكب التطبير. ومع أن الجماهير قد خرقت هذا المنع في كربلاء والنجف في عام 1975 للميلاد، إلا أنها وبأساليب قمعية مشددة تمكنت من إلغائه في السنوات التالية. ثم اتسعت دائرة التضييق حتى شكلت كل الشعائر والمراسم الدينية بما فيها مجالس البكاء بل والزيارة. وصارت المشاركة في عزاء الحسين (عليه الصلاة والسلام) جريمة يستحق صاحبها الإعدام!

وصار الصداميون يتهمون الشعائر وخصوصاً التطبير بالخرافات والرجعية وأنها تسيء إلى سمعة المسلمين كما تظهر هذه الأصوات الناعقة في أيامنا هذه من لبنان وإيران، وحتى يومك هذا لا تجد في العراق مركز التشيع وبلد علي والحسين والأئمة (عليم السلام) قبلة الشيعة والمسلمين في العالم ومهد الشعائر الحسينية.. لا تجد فيه للشعائر لا عيناً ولا أثراً، في قصص وأحداث مفصلة وعجيبة في الوقت نفسه، كان منها ما قام به صدام الملعون من إقامة احتفال لزواج جماعي في ليلة عاشوراء في عام 1995 - 1996 للميلاد انتهاكاً لحرمة هذه الليلة وامتهاناً لأهلها.

وعلى أي حال ما نقوله باختصار: لقد ذاع واشتهر في الكتب وبات معروفاً لدى الناس أن الحسين (عليه السلام) هو المحك الذي يكشف جواهر بعض الناس وحقائقهم. فمن يدعي حب الحسين (عليه السلام) وولاءه أو يدعي نصرة الدين وتهمه مشاعر المسلمين، لا يملك إلاّ أن يظهر حبه وولاءه هذا على جوارحه ويترجمه إلى عمله فيدعم قضايا الحسين (عليه السلام) ويساهم في عاشوراء بلا استثناء، كما كان يفعل العلماء والأولياء والمؤمنون والمخلصون اقتداء بأئمتهم (عليهم الصلاة والسلام).

وأما من يدعي حب الحسين (عليه السلام) والإيمان به، وهو في الوقت نفسه ينسب الشعائر الحسينية والقائمين عليها إلى الجهل والبدع والخرافات وبلا أي دليل منطقي مقبول فضلاً عن وجود الدليل النقلي والعقلي على عكس قوله، فانه لا يمكن أن يحسب في قائمة المخلصين الذي اشربت قلوبهم بحب علي والحسين (عليهما السلام).