الفهرس

   

الصفحة الرئيسية

 

 

الأطروحة القانونية في فكر الإمام الشيرازي

دراسة بقلم: كريم المحروس

 


عبر بعض الباحثين في علم القانون عن أمور متعلقة بطبيعة الإنسان أسموها (القانون الطبيعي). والمراد (بالقانون الطبيعي) هنا العقل المجرد الخالي من شوائب الزمان والمكان والعادات والتقاليد وما أشبه ذلك، وهو مشترك بين جميع العقلاء، لأنه نابع عن الفطرة. لكن المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي صاحب أكبر موسوعة فقهية يرى في كتابه (الفقه القانون) أن (الطبيعة) بما هي طبيعة أعم من كل فطرة، ولذا يقال: طبيعة الكون، طبيعة الحياة. إلى غير ذلك.

فأرسطو جعل من العدل عدلين، طبيعي وعرضي. والطبيعي ما تساوى عند الناس، والعرضي ما تعارف عليه جماعة خاصة من الناس، بينما عبر آخرون عن ذلك بقانونين، هما قانون الجماعة، وقانون الشعوب. فالأول وضعي، والثاني فطري. وقد يتلاقى الاصطلاحان عند جماعة وقد لا يتلاقيان. وإذا وضع القانون على خلاف الفطرة، يقدم العقلاء بالانتقاد ويناشدون بتعديل القانون الوضعي المخالف للفطرة. وعلى هذا يرى السيد الشيرازي أن القانون الطبيعي - غالباً - يأتي بالكليات، كالنظم، والثقافة، ونزاهة القاضي والشاهد، وإرجاع حق كل إنسان إليه، وعدم أكل أموال الناس بالباطل، بينما القانون الوضعي يأتي بالتطبيقات والجزئيات، وإن كانت هي كليات أيضاً من الدرجة الثانية، أي كلي فوقه كلي - مثل: أن تكون ساعات العمل ثمان ساعات، وإن العطلة يوم الجمعة، وما أشبه ذلك.

وفي هذا الإطار يستعرض الإمام الشيرازي علاقة العادة والعرض بالقانون، ومدى تطابق القانون الطبيعي بالشريعة الإلهية. ويضع قانون الترافع مثالاً في هذا الشأن، ويرجع إلى نقد مقولة الإغريق في حاجة الإنسان إلى القانون، فحاجته إلى القانون إنما جاءت لأنه إنسان، له حوائج فردية واجتماعية في مختلف الجوانب، وليس كقول الإغريق، انه مدني بالطبع فيحتاج إلى تحقيق متطلبات الاجتماع، والمتطلبات لا يمكن جعلها في المسار الصحيح إلا بالقانون، وذلك لأنه لو فرض أن إنساناً عاش وحده في غابة أو كهف لاحتاج أيضاً إلى القانون الذي ينظم سلوكه مع نفسه، مضافاً إلى القانون الذي يتضمن سلوكه مع خالقه ومع الكون بصورة عامة.

وبذلك ظهر قول بعض الفلاسفة غير التام، انه لو كان المجتمع مثالياً مكوناً من الفلاسفة لم يحتج إلى قانون. لكننا لو فرضنا أن كل أولئك الفلاسفة كانوا في أعلى درجات العدالة والنزاهة، أ فليس اختلاف الآراء يوجب بينهم التفاهم والتدافع؟ وليس ذلك بحاجة إلى قانون يقرره من هو فوقهم - إذا اعتقدوا به - أو يقرره أكثريتهم أو حسب القرعة، أو أي ميزان آخر يتفقون عليه؟

فالقانون لازم لتنظيم شؤون المجتمع، مهما كان المجتمع بدائياً، أو متوسطاً، أو مثالياً. وهنا يفصل السيد الشيرازي في أصل لفظ القانون، والقانون الأسمى للفرد والمجتمع، ومقومات تطبيقه، ثم يقارن بين القوانين الإسلامية وغيرها. ويصل إلى أن هناك بونا شاسعاً بينهما. فالقانون الإسلامي هو الأقرب إلى العقل والمنطق بينما القوانين الأرضية قابلة للنقد، كالقوانين في كتب المجوس والعهدين والقوانين العصرية والقديمة، وكقوانين الفراعنة و (بلالاما) في جنوب العراق والقانون الآشوري، وقانون بوكخوريس في مصر، والقانون اليهودي، وقانون بوذا، وحمورابي، وقانون (مانو) في الهند.

ويفرد السيد الشيرازي مسألة يستعرض فيها ميزات قانون الإسلام والفرق بينه وبين القوانين الوضعية. فالإسلام سابق ظرفا، لأن الأحكام نزلت تدريجياً خلال عقد من الزمان في المدينة المنورة، إلا بعض الأحكام القليلة التي نزلت قبل ذلك في مكة المكرمة. وأما كون الإسلام أكثر دائمية، فلوضوح أن القوانين الوضعية لها ملابساتها، الموجبة التباين، ومن وجه المطلق، بالنسبة إلى الزمان المتأخر. ولذا ما زالوا يعدلون تلك بالشطب والتطبيق والتوسعة، بينما قوانين الشريعة ليست كذلك، وإنما المحتاج إليه هو الاستنباط لتطبيق الكبريات على الصغريات مع متجددات الزمان.

والإسلام كامل كما. ويدل على ذلك الفقه المدون. حيث لم تكن مسألة من المسائل في يوم من الأيام بلا جواب. كما أن الإسلام واسع مكانا، لأنه قانون الكل بلا فرق بين اختلاف الشعوب والقبائل والحدود الجغرافية. ويتسامى القرآن كيفا، لتطابقه مع الفطرة ووجوبه للعدالة وتقدميته إلى أبعد الحدود.

فالقانون يجب مع أن يتفق مع فطرة الإنسان، ويلبي كل متطلباته، ويلم بكل جوانب حياته الفردية والاجتماعية، الروحية والجسدية، الدنيوية والأخروية. لذلك فالحديث عن هذا القانون بمختلف أبعاده وشتى مسائله في نظر الإمام الشيرازي مفصل جداً. لكن الإمام ضمن هذا الكتاب بعض الحديث عن القانون، وقسم هذا الحديث إلى 100 مسألة سهلة الاستيعاب.

وينظر المرجع الشيرازي إلى القانون من خلال 100 مسألة سهلة الاستيعاب، بشمولية تبعاً لنظرة الإسلام له. فالخير للإنسان هو إرادة جميع الأديان السماوية، وكذلك القوانين المستندة إلى مختلف الفلسفات، لكن هذه الإرادة تارة تأتي واقعية، وتارة تكون مزعومة. لذلك يدعو السيد الشيرازي إلى البحث والتنقيب لتمييز الصالح من غيره والتجرد عن الهوى، ويرى أن ذلك التنقيب والبحث سيصل إلى أن الاحتياجات الجدية المستدعية لوضع القانون هي عشرة: المسكن، والملبس، والمركب، والطعام، من الماء، والغذاء، والهواء، والزوجة، أو الزوج، والأولاد، ووسائل الراحة والجمال، والتجمع. ومن هذه الاحتياجات الروحية عشرة أيضاً هي: الإيمان، العلم، الفضيلة، التقوى، التقدم، الأمن، الاستقلال، الحرية، المساواة، العدالة.

وكما أن الروح والجسد متشابكان يؤثر كل واحد منهما في الآخر صحة وسقما، وحركة وسكونا، كذلك الحاجات المذكورة متشابكة، فبعضها مرتبط أولاً بالروح، وثانياً بالجسد بشكل عرضي، وبعضها على العكس من ذلك. لكن الإسلام بشموليته، وفي كتابه وسنته، أعطى كل شيء من هذه الحاجات حقه من القانون الصحيح. والاختلافات الاجتهادية للعلماء لا يضر الجامع، كما هو كذلك بالنسبة إلى سائر القوانين والأديان. لكن الإسلام يزيد على القوانين. كما هي حالة الأديان السماوية الأخرى في أنه يبشر بدار آخرة، ولذا وضع لها سلسلة طويلة من القوانين، أمنت سبل الحياة السعيدة في الدنيا أيضاً، إذ الوازع الداخلي له أهمية قصوى بالنسبة إلى تعديل الحياة وإسعاد البشر بما لا يتمكن القانون من توفيره إطلاقاً.

 

   

الخلاف القانوني المؤسسي

 


وفي حالة الاختلاف بين الأمور التي تصدرها المؤسسات التابعة للحكم أو نموها، وبين التشريع، فإن المؤسسات الحكومية أو الوزارات ليس من حقها التشريع و الفصل في الخلاف. ويرجع الإمام الشيرازي أمر الاختلاف في هذا الأمر لى سلطتين لهما الحق في الجرح والتعديل، هما شورى الفقهاء لأنهم السلطة العليا في الدولة، والمحكمة العليا للقضاء وهي تتشكل من كبار الاختصاصيين الزمنيين والدينيين والقضاة والفقهاء ومن إليهم.

وفي حال الخلاف في شيء من شورى الفقهاء والمحكمة العليا، فالمتبع هو شورى الفقهاء بسبب تقليد الناس لهم، ويكون اجتماعهم بينهم تنفيذاً لأوامر الشرع والعقل والاجتماع المسبب للقوة، وقد قال سبحانه (وأمرهم شورى) مع شروط تتوفر فيه كالعلم، والعدالة، والخبروية، وحسن السمعة ذاتاً ونفوذاً.

وأما في أمر الشخصية الإنسانية التي يستهدفها هذا القانون، فالعلاقة بين الشخصية والإنسان هي علاقة العموم المطلق بينهما، وتقسم الشخصية أمام القانون إلى حقيقة، وحقوقية. فالشخصية الحقيقة يمكن أن تكون ثنائية أو ثلاثية أو رباعية - مثلاً - سواء كان أحدها أصيلاً أم لا. كما إذا كان زيداً وكيلاً عن عمرو، أو ولياً عن طفل، أو كان هو المحيل والمحال والمحال عليه، أو وكيلاً في الكل. أو بالاختلاف فيها، أو في أحد الثلاثة أصيلاً وفي الآخرين ولياً أو وكيلاً أو تجتمع فيه الأصالة والولاية والوكالة. وكما إذا كانت شركة متكونة - مثلاً - من جماعة أصليين، فيكون في الكل ولياً أو وكيلاً أو بالاختلاف.

وأما الشخصية الحقوقية فلها أسماء عديدة مثل الشخص الافتراضي أو القانوني، أو الحكمي، أو الأدبي، أو القضائي، أو المعنوي، والأقسام التي ذكرها السيد الشيرازي في الشخص الحقيقي تأتي في الشخصيات الحكمية أيضاً، كما يأتي في المختلف من الحقيقي والحكمي. وقد تجتمع الشخصية الحقوقية والحقيقية في شخص واحد كالوزير، فإذا اشترى الوزير شيئاً باعتبار شخصيته الحقوقية وثم جاء وزير آخر مكانه، كان المؤول عنه هذا الوزير الجديد، وأما إذا اشترى شيئاً باعتبار شخصيته الحقيقية، فالمسؤول عنه هو نفسه، كان في الوزارة أم لا.

 

   

مقومات القانون المثالي

 


وأما أمر تطبيق القانون وأسلوبه، فهو لا يكون إلا بأحد أمرين، الحراب، أو الاقتناع. والقانون الإسلامي طبق أول ما طبق بالقناعة، لأنه فطري ولا حاجة في تطبيقه إلا بفهم الناس له. لكن سقوط القانون الإسلامي في بلاد المسلمين في هذا القرن جاء بفعل انتفاء المنهجية العامة في الحركة الإصلاحية، لأن سيادة أي قانون صحيح أو منحرف يحتاج إلى ثلاث أمور.

الأول: التذمر العام من القانون القديم، حيث إنه الأرضية الصالحة للتبديل.

الثاني: طلب التغيير، إذ ربما يكون التذمر عاماً، إلا أن المتذمرين راضون بوضعهم ولو خوفاً من أن يتبدل إلى الأسوأ.

وهذان الأمران متوفران في بلاد المسلمين، فالناس متذمرون غاية التذمر من الأنظمة السائدة، وهم أيضاً متطلعون إلى غد مشرق يطبق فيه قانون الإسلام المحرر لهم من الفرقة والذلة والعبودية والفقر والمرض والجهل والخوف وغيره.

الثالث: وهو الأهم من الأمور الثلاثة في نظر آية الله الشيرازي، هو المنهجية في الحركة الموصلة للنتيجة، وإلا فكل حزب وفئة يرى المنهجية في عمله. ويتساءل السيد الشيرازي هنا، هل من المنهجية الصحيحة أن يدعم الإسلاميون بعض الأنظمة الطاغوتية، أو يفتري أحدهم على الآخر ويكيل له التهم، ويقتل بعضهم بعضاً، ويسبى بعضهم نساء بعض ويغتصبونهم؟ وهذا من غير فرق بين من وصل منهم إلى الحكم أو لم يصل كما هو الشاهد في جملة من بلاد الإسلام.

ويضع المرجع الديني الأعلى مقومين لتقدم القانون، أولاً: صحة القانون ولو بزعم الناس. ثانياً: صلاحية حملته الداعية إليه لالتفاف الناس حولهم كما تشاهد ذلك في الأنبياء والرسل (عليه السلام)، فالقانون الإسلامي صالح للتطبيق لا حسب عقيدتنا فحسب، بل حسب ما قام عليه الدليل والبرهان وأثبتته الحكمة والتجربة، وإنما المشكلة في حملته حيث لا منهجية صحيحة لهم تصلح لإقناع الناس، ولا يتخلق حملته الداعون إليه - على الأغلب - بأخلاق القائد الصالح.

فمن يريد تطبيق الإسلام وقوانينه من جديد، عليه أن يوفر في نفسه ومنهجه ما يوجب التفاف الناس حوله، حتى يستطيع أن يخطو بهم إلى الأمام، وإلا فيبقى المسلمون يرتطمون في غمرات التأخر حتى يهيء الله سبحانه لهم من يكون بهذه المواصفات، أو يأذن الله بظهور المنجي للعالم.

وأخيراً فإن للأطروحة القانونية الشيرازية كثيراً من الخصوصيات المهمة في مجالات الوعي والعلم والبحث جاءت شاملة، تلبي الحاجات في هذا المجال رغم إيجاز السيد الشيرازي لهذا الموضوع في كتابه (القانون). ويأتي عمق طرح آية الله السيد الشيرازي لهذا الكتاب ومنهجه مواكبة لمتطلبات العصر وحاجاته في الشأن القانوني والعلمي والفقهي، كما يأتي هذا الأثر الكبير غنياً ثرياً لكثرة تفريعاته ومسائلة المستحدثة المقترنة بالأمثلة والأدلة من جوانب كثيرة.