|
|
|
لما الشعور بالنقص |
|
|
|
لقد ربّى الرسول الأعظم والأئمة من بعده (عليهم الصلاة والسلام) شيعتهم على مجموعة من القيم والممارسات التي كفلت استمرارية هذا المنهج وهذه العقيدة، إذ لولاها لما كُتب لهذا المسار الإسلامي الأصيل أن يبقى إلى يومنا هذا. ولربما كانت (العزّة) إحدى أهم هذه القيم، فالإمامي يمثل تراث الإسلام الصافي المجرّد من الشوائب، وهو يتعبد حسب التعاليم التي وردت إليه من ممثلي الشرعية الإلهية في الأرض، وهم محمد وآله (عليهم السلام)، كما أنه ينتمي إلى بنيان فكري يعبر عن خلاصة الحضارة الإنسانية السامية، التي تقوم على ركائز الحرية والشورى والتعددية والعدالة والمساواة والسلم واللاعنف والرفاه والأمة الواحدة والأخلاق الفاضلة. وعلى هذا الأساس؛ ينبغي أن تكون (عزّة النفس) قيمة أساسية في الفرد الإمامي، فلم يسجّل التاريخ أنه خضع يوماً لسلاطين الجور، أو أنه قبل بالمذلة والاستكانة وإمامه الشهيد (سلام الله عليه) يقول: (هيهات منا الذلة). إن (عزة النفس) التي تحلّى بها أصحابنا كانت تترجم ثراء هذه المدرسة الشيعية العظيمة، وكانت تعبّر عن مدى شموخها وقوّتها، حتى كشفت وهن بقية المدارس الأيديولجية وضعفها حينما سنحت الظروف لمقارعتها عقائدياً وفكرياً. ولم تكن الشيعة يوماً لتتنازل عن ثوابتها ومرتكزاتها للآخر وإن كانت تحفظ حقه في التعبير عن اجتهاده ورأيه، وسواء كانت الذرائع من قبيل التقارب والوحدة أو استئصال التوتر الخلافي أو درء الاستهزاء والسخرية أو ما أشبه فإن الموقف الإمامي كان رافضاً لأية مساومة من هذا النوع، حتى لا تتغير معالم المدرسة والطريقة فتتلاشى تعاليم الدين والصراط المستقيم الذي حملت مسؤوليته الشيعة على مر العصور. نعم حينما كانت المصلحة تقتضي التنازل عن بعض الحقوق من باب قاعدة الأهم والمهم فإن الشيعة كانت تضحي - على مضض - ببعض حقوقها لا ثوابتها، كما كان الأمر مع الإمام أمير المؤمنين علي ولي الله (عليه السلام) الذي امتنع عن محاربة القوم لما سلبوه حقه الشرعي في الخلافة حتى لا تعود الجاهلية مجدداً، أو كما كان مع الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) الذي كان تنازله عن الخلافة لابن آكلة الأكباد درءاً للفتنة وصوناً للدين وتخطيطاً استراتيجياً ذكياً مهّد لثورة الإمام الحسين (عليه السلام). وقد تدخل في هذا الإطار الموضوعي؛ مسألة التقية باعتبارها مفردة من مفردات التضحية بالمهم لصالح الأهم. حاضراً.. لم يعد الأمر كذلك مع الأسف، إذ بدأ الشعور بالانهزامية والنقص يتسلل إلى نفوس بعض الموالين حتى بدأ يقوّض بعض الركائز ويمس بعض الثوابت، كما أنه وقف حائلاً أمام جهود إعادة اكتشاف مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) نظراً لما يولده هذا الشعور من جمود عقلي خوفاً من إثارة الآخرة. وبدلاً من أن تُوظّف الثورة المعلوماتية المعاصرة في اتجاه التبشير الشيعي الذي عانى طوال قرون من ندرة الأدوات الإعلامية وقد جاءت هذه الثورة لتقدم له متنفساً كبيراً، تدعو أطراف إلى صرف النظر عن إبراز بعض الخصوصيات المذهبية حتى لا تتوسع دائرة الخلاف، وكأنها بدعواها تلك تضمن توقف التجاذبات، وهذا أمر بعيد المنال لأن من طبيعة تعدد المدارس الفكرية نشوب العراك الثقافي في ما بينها، ولربما ساهمت الثورة المعلوماتية في إثراء هذا العراك وزيادة مقدار تفاعله. والغريب أن تلك الأطراف تبرر دعوتها بأن علينا ألا نكشف أوراقنا أمام الخصوم فما كل ما يُعرف يُقال، ونحن لا نرى انطباقاً لتلك المقولة على حالنا، فتكنولوجيا (الإنترنت) و (الساتلايت) وظروف (العولمة) لم تبقِ شيئاً مخفياً، فكل ما عندنا معلوم عندهم، والعكس بالعكس، ولا يمكن لأحد أن يغيّر هذا الواقع ولا يمكن لعاقل أن يتصور أن تكميم الأفواه عن إبراز معالم مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) كفيل بامتصاص الحقد الواقع عليها ممن يناوئها. إن المعادلة بلا شك خلاف ذلك، فاللازم علينا إثارة العقول وإبراز أحقية هذه المدرسة الإلهية وحيازتها للشرعية الإسلامية، بما هو معروف عنا منذ القدم من قوة المنطق والحجة والبرهان والاستدلال. نقول هذا الكلام تعليقاً على من يرى أن في إثارتنا لموضوع (كيف يكون علي (عليه السلام) أفضل من الأنبياء؟) مثلاً خطراً علينا واستفزاز لغيرنا، أو من اعتبر أن تركيزنا على الشعائر الحسينية وبالأخص شعيرة التطبير توليداً لاحتقان غير محمود، أو من سينتقد موضوعنا بعنوان (النبي وآله (عليهم السلام) في نظرية الخلقة) في هذا العدد على أنه غلو أو مبالغة. إننا نستغرب من هذه النظرة غير المتوازنة في تقييم الأمور، والتي تنطلق من حالة الشعور بالنقص أمام الآخر، ويحق لنا أن نتساءل: لم الشعور بالنقص ونحن واثقون من أحقية عقائدنا وحضارية شعائرنا وقوة مذهبنا وثراء مدرستنا؟ لم نتخلى عن هذه المفردات المهمة وإلى أين سنصل في طريق هذا التنازل والتخلي يا ترى؟ هل يتذكر أولئك كيف كان الذل مطبقاً علينا إبان حرب إيران مع العراق في الثمانينات، بحيث كان أطفالنا في المدارس يخشون من الإجابة على سؤال: (أنت سني أم شيعي؟) بسب توصيات الأهالي! ولئن كانت المسؤولية ملقاة على الظروف السياسية، فإننا نعتقد بأن للانهزامية والنقصانية دور في الأمر أيضاً. ومهما قيل فلا تبرير، فما دخل العقيدة بالظرف السياسي، علماً بأن كثيراً من الشيعة ليسوا مؤيدين - بالضرورة - للنهج الإيراني، وهذا معلوم لدى الكافة. هل يذكر هؤلاء مقدار الحملة الظالمة التي شنت على المرحوم آية الله الميرزا علي الحائري الإحقاقي قدِّس سرَه لمجرد أنه كان أول المبادرين إلى استكمال فصول الأذان والإقامة بعدما رفعهما بصوته المقدس قائلاً: (أشهد أن علياً ولي الله) على مئذنة مسجد الصحاف؟ هل من مرد لهذه الحملة سوى الشعور بالنقص والانهزامية؟!! إننا نخشى أن يكون هذا الطريق موصلاً لما حدث فعلاً، عندما نادت جهات ارتدت ثوب العلمائية بالتنازل عن عصب عقيدتنا وهو الإيمان بالنص والتعيين الإلهيين للأئمة (صلوات الله عليهم، واستبدال هذا التعبير بتعبير متملق هو (أن النبي رشح علياً للخلافة ولم ينص عليه)!! إن هذا ما نسميه التنازل عن ثابت من الثوابت العقائدية، وهو ما لا يمكن الرضوخ له بأي حال من الأحوال. إننا على يقين من أن طرحنا لهذه المطالب والمواضيع بكل صراحة، هو كما بيّناه في عددنا السابق من (المنبر) من أنه مصدر قوة وثراء وعزة لنا، وقد لمسنا ذلك فعلياً ورأيناه بأم أعيينا، عندما تفاعلت قطاعات من إخواننا السنة واشتركت في (المنبر) إلى عدد لم نكن - صراحة - نتوقعه، ولقد بان مقدار التأثير الذي تركته هذه المواضيع على عقليات أولئك. ولنا أن نسأل - إثر ذلك - الأطراف المعارضة: أين العقبى السيئة التي تدعون؟ فكل ما رأيناه كان تأثيراً إيجابياً لا سلبياً. وعلى أي حال.. فإن خطابنا موجه إلى عقلاء القوم لا المتعصبين منهم الذين لن يؤثر فيهم أي خطاب صادر من منطلقات أهل البيت (عليهم السلام) مهما كانت نوعيته ودرجة وضوحه وصراحته. إن المسؤولية في هذا الزمان تفرض علينا أن نعبّر عن ذاتنا وثقافتنا بكل صراحة، فقد باتت القنوات متاحة لنا والحمد لله كما هي متاحة للآخرين. والكلمة التي نوجهها إلى إخواننا المعارضين هي دعوتهم إلى التخلي عن الشعور بالانهزامية والنقص، فمن يتسلل له هذا الشعور لا يمكن له أن يتقدّم أبداً. يوسف عبد الهادي |
|
|