|
|
|
صفحة للرأي والرأي الآخر
المقالات الواردة
فيها لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر (المنبر) |
||
|
بقلم: حامد العلي الأنصاري ترتفع بين الفترة والأخرى شعارات من هنا وهناك لتذكية الدعوة للوحدة الإسلامية بين الشيعة والسنة، ورغم أن هذه الدعوات بحاجة إلى نية مخلصة وقناعة متأصلة وعمل دؤوب - وهي مما يسهل توفره - إلا أن ما يكدر الخاطر، أن تطبيق هذا النوع من الوحدة بين الشيعة والسنة، يحتاج إلى وضع الإطار المناسب لكي تسير هذه العملية في مسار محدد المعالم، لأن العشوائية والتخبط في التطبيق قد يجعل المردود عكسياً على التحرك المنظور. وقد أثبتت الأيام خصوصاً إبان الأزمة في الكويت، بأن الوحدة بين الشيعة والسنة من الأمور التي تحققت في الواقع بين أفراد الشعب بصورة مرضية، بينما ارتد الموقف على أعقابه عندما تولت الجهات الرسمية عملها، وعندما عاد المتطرفون من كلا الجهتين إلى العمل في الساحة، متأثرين بالأفعال وردود الأفعال الشخصية لكل من أبناء الفريقين، ومع هذا ليس الخلاف في الشارع مما يشكل ظاهرة ملفتة كما في بعض الدول، ولم يتعد حدوده التي لا يمكن تداركها حتى الآن. ومن الملفت للنظر، أن الدعوة للالتقاء بين الشيعة والسنة مطروحة على جدول 0المثقفين والديمقراطيين)، بينما لا يلقي أغلب سالكي طريق التيارات الإسلامية له بالاً، وهي التي تعتبر المؤثر الأول والمتأثر الأول في مسألة الوحدة، بل ربما ينتظر الشاعر بدايات سليمة من الإسلاميين في هذا الاتجاه، الاتجاه المبارك سلفاً عند بقية التيارات، اللهم إلا المستفيدين من هذه القطيعة على الصعيد الداخلي والخارجي. وأظن بأن عوامل الالتقاء محدودة جداً، وهذا واقع يلمسه كل من يطلع على الكتب الخلافية بين الفريقين، خصوصاً الموضوعية منها والتي تتناول القضايا بصورة علمية، وبناء على أسس منطقية يلمسها القارئ كما يلمس روح الحوار المؤدب، رغم أن البعض الآخر منها كتب بعصبية وانفعال واضحين، ومما يؤسف له أن هذه النوعية هي الأكثر انتشاراً على الساحة. ولكن هل يقف الاختلاف مانعا للالتقاء والوحدة؟ قبل الإجابة، لابد أن نذكّر بأن الاختلاف واقع على شتى الأصعدة منها:
حيث يميل كلا الفريقان إلى منهل تاريخي مختلف عن منهل الفريق الآخر، والمقاييس المطبقة في علم الرجال ذات جمود تارة ومطاطية تارة أخرى، ولها درجات متفاوتة طولاً وعرضاً عند كلا الفريقين، ويلحق ذلك أن الفرق الشاسع بين قاعدتي (ما هو كائن) وتبريراته، وقاعدة (ما ينبغي أن يكون ومؤاخذته على الأفراد والأحداث، يجعلان من الاتفاق على أحداث تاريخية، نستمد منها حقائق مؤثرة - في بقية أصعدة الاختلاف - أمراً بعيد المنال.
حيث ترى مدرسة أهل السنة والجماعة بأن الحاجة قد بدأت أثناء حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حينما بعث بمعاذ إلى اليمن بعد أن أقره على أن يجتهد في ما لم يرد في الكتاب والسنة ويرون بأن الصحابة قد اجتهدوا إبان حياة رسول الله وبعدها. وعلى هذا، فإن الحاجة لعلم أصول الفقه قد بدأت مبكرة عند مدرسة أهل السنة والجماعة، بينما بدأ الاجتهاد متأخراً عند مدرسة أهل البيت، لاعتمادهم على الأئمة الاثني عشر متعاقبين في نقل حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد بلغت الحاجة للاجتهاد مداها بعد غيبة الإمام الثاني عشر عند أتباع مدرسة أهل البيت، وقد كان الاختلاف في علم الأصول متشعباً، وينقل التاريخ حوادث طريفة جرت بين الإمام الصادق وأتباعه وبين أبي حنيفة النعمان وغيره من أتباع مدرسة أهل السنة، تدل على لغة الحوار العلمي، والاحترام المتبادل، رغم عدم الاتفاق على كثير من الأصول،وقد جر الاختلاف التاريخي والأصول قدم السلوك العملي وهو الأحكام الفقهية، التي هي في المحصلة نتاج لتلك العلوم.
وهو مشكلة المشاكل، إذ نشأ التفكير من هذا القسم من الاختلافات، بل ربما يرى البعض بأن الاختلاف العقائدي، كان هو المؤثر الأول في انشعاب الفكر الإسلامي إلى قسمين رئيسيين، تشعبت منها بقية الأقسام، نظراً لحاكمية العقيدة على بقية الأقسام. بمعنى، أن الرسالة أمر متفق عليه، ولكن بعد عروج المرسل إلى بارئه اختلف المسلمون، وكما يبين المؤرخون بأن العقيدة في موضوع الخلافة مثلاً كان أول وأكبر خلاف وقع بين المسلمين في العهد القريب من زمن الرسالة، لاعتقاد البعض بأن الخلافة أمر جعلي من الله تعالى وهو كاشف عن عصمة الخليفة المجعول، بينما رأى البعض الآخر بأن المسلمين قد هضموا قاعدة الشورى التي علمهم إياها الرسول الأكرم، وتشمل تطبيقاتها اختيار الخليفة، وهكذا كانت معضلة الخلافة مصدراً لتمسك كل فريق بالخليفة (الكائن) أو الخليفة الذي (ينبغي أن يكون) ومنها كان ترجيح الأقوال بناء على الانتساب لكل جماعة، وأضحى التشيع والتسنن من مرجحات الأخذ والرد للراوي ورواياته، إضافة لمعايير أخرى أكثر دقة نمت بعد ذلك. ولا يظنن القارئ بأن هذا هو كل الخلاف، بل هو أعمق وأشعب، ولكنه إن أخذ بالمنظور العلمي، سوف يلحظ المتتبع ثراء علمياً قلما يوجد عند أي فرقتين اختلفتا، وتراثاً يفخر به - لعمري - علماء الإسلام، لما حواه من دقة النظر ولطيف الفكر في كثير من مناحيه. فهل الوحدة ممكنة؟ إذا كانت الوحدة الإسلامية تعني إلغاء كل مذهب لتراثه، وتبني تراث الفريق الآخر، فإن لا معقولية مثل هذه الوحدة لا تخفى على كل متبصر وأعمى، وأما إن كان المقصود منها تقدير كل شخص لما يذهب إليه سواه دون توهين، فإن ذلك هو المطلوب وإمكانه وارد حتى بين أهل الأديان المختلفة. بمعنى، أن توحيد المتناقضين أمر مستحيل إن كان يعني انصهار أحد الفريقين في الآخر، وإلغاء تكلم الأدلة والبراهين التي اعتمدها ويعتمدها كل فريق في فكره وعقيدته وضربها عرض الجدار، ولكن مما لابد من معرفته ويشهد به الواقع، أن التسامح الذي يعيشه السنة والشيعة على الأخص في الكويت دليل على أن هذا الفرق بين الفريقين لم يكن ولن يكون داعياً للتناحر، ما لم يعبث عابث - عامد أو جاهل - بمسيرة الفرق المتوازية في معمعة الحياة. ولعل الوحدة على المستوى العاطفي، هي التي يمكنها أن تكون أول عامل للوحدة بشكلها الخارجي، الذي يحافظ على كيان ما من التصدع، وإذا عومل الاختلاف على أنه رأي مجتهدين يسعون للحق، كان في ذلك سعة واحترام، كما يسع المذهب الواحد اختلاف المجتهدين، أربعة كانوا أو أكثر. ويعضد ذلك، إبعاد الخلاف عن العوام، إذ يغلب على العوام النظر للأمور بمنظار العاطفة والانتساب، مما يشكل معه إشراكهم في مواضيع ذات طابع عقلي، بل إن نهيهم عن التدخل أمر لابد منه، كي لا يزيد الفتق الذي قد يعجز عنه الراقعون إذا ما تم تداركه في وقته، وما يحدث في باكستان وأفغانستان بين المسلمين الشيعة والسنة إلا نتاجاً للخطاب الموجه للعوام دون ضوابط. خلاصة القول، فإن الوحدة مطلب كل مسلم أدرك خطورة الفرقة بين المسلمين، تلك الفرقة التي جعلتهم كعصف مأكول من قبل العالم الغربي، ولكن مفهوم الوحدة يقتضي أن يراعي ذلك التراث العلمي الضخم، ويقتضي التعامل مع الخلاف على أنه خلاف فقهي مستوعب، يخرج عن المشاركة به غير أهل العلم الباحثين عن الحق أينما كان، وقليل ما هم، لكي تبقى العاطفة هي مناط الوحدة.
|
||
|
بقلم: الشيخ الفاضل عباس بن نخي
(أنا لا تهمني هذه الجزئيات ولا شأن لي بها، وإذا بقيت على إصرارك فسأترك الصلاة من رأسها)! جاءت هذه العبارة لتنهي نقاشاً طويلاً بين شخصين يريد الأول أن يثني الآخر عن الحضور في أحد المساجد ويدعوه إلى المسجد الذي (ينتسب) هو إليه، وكان محور النقاش يدور حول قضايا شرعية وفكرية تناولت جزئيات وتفاصيل (لا تخلو من تعقيدات)، جهد الأول - من خلالها - في سوق الأدلة العلمية التي تثبت حرمة الاقتداء بإمام الجماعة في المسجد الذي يصلي فيه الثاني! دون جدوى.. والعبارة تعتبر مأساة على مستوى العقل والشرع... وهذه محاولة متواضعة لمعرفة ما وراء هذه (المأساة). (المشهد الثاني): هل هو (السهل الممتنع)؟ أن تجد جميع الأسباب متوفرة ولا تخطو الخطوة الأولى؟ بل لا تملك قرار الإقدام؟! بينما ترى الحركة في مستويات موازية، دؤوبة والنشاط في أوجه وقمته: على صعيد الحاجات المنزلية والتسوق للمأكل والملبس، هناك تتبع ورصد لتاريخ حظر صيد الربيان وملاحقة لموردي الفواكه و (جنسيات) السمك، والصعوبة إنما هي في المقارنة والانتقاء من بينها. والمعاناة هي في الضياع بين أروقة الجمعيات التعاوينة ورفوف الأسواق المركزية، والاختيار بين عشرات أصناف اللحوم البيضاء والحمراء والأرز والأجبان والعصيرات والحلويات... نريد أن نحيي ونعيش، ولابد لذلك أن نأكل ونقتات. الاستعداد لموسم الامتحانات له أحكامه ومعالمه التي يمكن جمعها في عبارة (إعلان التعبئة العامة وحالة الطوارئ) في البيوت، فيقطع الإرسال التلفزيوني ويفرض قانون حظر التجول والكلام قرب غرفة المقدم على الامتحان من الأولاد، ويسري الحظر ليشمل الصالة والصالون والفناء وموقف السيارات، حيث سيركن المدرس الخصوصي سيارته!.. الشهادة هي المستقبل، هي الأمن والحياة الهانئة، أي أنها كل شيء. التجارة وكسب المال، فالوظيفة لا تؤمن إلا العيش بمستوى الناس، والسعادة لا تكتمل إلا بالتميز والوجاهة، وهذه لن تتحقق إلا بفيلا عامرة وسيارة فارهة وما إلى ذلك، وهذا يحتاج إلى رصيد محترم وميزانية ذات شأن... فإلى المزيد من الهمة والعزم وطرق أبواب الرزق. وحتى يجيد الاستثمار، ويصيب أفضل ميادينه، تراه (يمسح) الموارد مسحاً، ويستقصيها ويدرسها وكأنه يعد بحث دكتوراه في الموضوع! لا مجال للخطأ ولا طاقة على تحمل الزلل... نريد أفضل الطرق وآمنها لتحقيق أكبر كسب في أقل فترة زمينة. أما العناية بالصحة والسلامة فمما لا خيار لأحد فيه، وهو كالقدر المحتوم والقضاء المبرم، هناك مراجعة منتظمة للطبيب و (جك أب) دوري، وعناية فائقة في اختيار الغذاء وتمييز الطبيعي من الكيماوي والمصنع، ومحاسبة دقيقة للسعرات الحرارية التي دخلت الجسم ليأتي الدور على إخراجها وحرقها في معاهد التربية البدنية... فالصحة تاج على رؤوس الأصحاء. حركة واهتمام وسعي وحيوية في جميع أبعاد الحياة، لا خمول ولا كسل، بل جدية وهمة تجعل أحدنا يدخل في تفاصيل وجزئيات بعيدة كل البعد عن تخصصه، فهذا مدرس لغة عربية وذاك فني في شركة النفط أو موظف في أحد البنوك ولكنهم يناقشون الطبيب في تركيب الأدوية وفاعليتها ويسألونه عن نتائج التحاليل المخبرية وما إلى ذلك من شؤون تخصصية بحتة، وترى أحدهم يقرأ في كتب طبية ويتابع أخبار المرض الذي أصابه أو أحد أفراد أسرته، حتى يصبح (مجتهداً أعلما) في ذلك المرض، ويرى هذا في صميم مسؤوليته وواجباته. وهكذا الأمر في الحاجات المنزلية واللوازم والكماليات من ملابس وأثاث وأدوات كهربية وسيارات، وفي مكاتب الطيران والمطاعم و.. (المشهد الثالث): لماذا نحن على استعداد لتأمين حاجات الجسد ونسعى بكل همة وجدية ومثابرة لتوفيرها وتحقيقها، بينما لا شأن لنا بالروح ولا اهتمام بعالم المعنويات؟ ألا تمرض الأرواح، أليست هناك قيم روحية وإنسانية ينبغي أن تنمو فينا وتتكامل، وعلينا أن نرصد مواقع الخلل والمرض فيها لنعالجها ونقومها؟ أليست هذه (حاجات) من نوع آخر وطبيعة مختلفة عن تلك الأولى (الجسدية)... وهي من الأهمية بمكان في بناء أنفسنا وتكامل أرواحنا؟ ومن خلالها نمارس رسالتنا ونؤدي الدور الأصلي الذي من أجله كان خلقنا ووجودنا في هذا العالم؟ ويبدو الأمر للوهلة الأولى أنه ضرب من المبالغة والإجحاف، فنحن - في المقابل - مجتمع متدين تحكمه الفضيلة والأخلاق، طوعاً لا كرهاً ولا جبراً (وقد يكون ذلك معلولاً للأمر بالمعروف، ولكن من المؤكد أنه ليس وليد عصا النهي عن المنكر)، ونحن مجتمع حاز قصب السبق في ميادين البر والإحسان، وصار لا يُشق له غبار ولا يجاريه أحد في بناء المساجد والمدارس والمستشفيات وتكفل الأيتام وإطعام الفقراء وكسوتهم وغيرها من الصور التي تعكس حساً دينياً وإنسانياً وروحانياً غاية في السمو والرفعة... وبعد، فهناك شوق وتوق للقضايا العلمية والفكرية والناس تحدوهم همة ويسوقهم اهتمام بهذه الأمور. ولكن هناك حجر يقابل هذا الشرق وهيمنة تكبح جماحه، وتفرغ طاقاته المتفجرة في أنشطة وأعمال لا تصب في الوعي ولا الفكر بل في مصالح سياسية وأغراض خاصة، سخرت الدين وارتدت جلبابه. لذا فالحق أن يطرح السؤال بهذه الصيغة: من الذي يعمل على قتل الوعي وإخماد محاولات النهضة العلمية وإرادة التبصر في القضايا الدينية والفكر الإسلامي؟ من الذي يجهض الثقافة في مجتمعنا ويعمل مجاهداً على إبقائها في أدنى مستوياتها؟ متغافلاً عن سؤال ملح يدوي في الضمائر الحية: لماذا يصرف أحدنا الوقت والجهد في شؤون علمية خارج تخصصه إذا ما مست معيشته وإرتبطت بحياته الدنيوية، ولا يعبأ أو يعتني بالأمر إذا كان له بعداً روحياً وجنبة دينية ودوراً في الحياة الآخرة؟ (المشهد الرابع): إن اجتماع هذين الأمرين في مجتمع ما: قوة الوازع الديني وارتفاع مستوى العطاء والبذل، مع انصحار الحركة في أنشطة البر والإحسان وفي نطاق الخدمة الاجتماعية والعمل الخيري دون الفكر والثقافة والأجواء العلمية... يعني أن هناك خللاً ما في الحركة الدينية، سواء على مستوى الفكر والأيديولوجية أو على مستوى الطرح والخطاب والصيغة الحركية التنفيذية. وفي عالم وزمان مثل زماننا لا مجال ولا مندوحة لحسن الظن، والحمل على الصحة - كفرض ابتدائي سابق للفحص والتحقيق - يعد ضرباً من السذاجة والغباء! هل هناك تعمّد على سوق الفاعلية والزخم الديني باتجاهات معينة دون أخرى؟ من الذي يرسخ (الجهل) ويطرح حل الدين من زاوية سياسية واجتماعية بحتة، ويبعده - بكل الوسائل - عن الأجواء العلمية والفكرية؟ من الذي قتل الشوق والرغبة في المطالعة والقراءة عند الشباب، فتوقفت حدودها عند الصحف والمجلات ولم يعد للكتب والدراسات حظ لديهم؟ من الذي يسعى (لتنفيس) وتفريغ الشحنة المعنوية الكامنة في النفوس وصبها في مجاري وخطوط البر والأنشطة الخدماتية على وجه الحصر ومن ثم استثمارها سياسياً؟ لماذا الإصرار على إظهار هذا المجتمع كمحفظة نقود وخزانة أموال، لا ثقافة له ولا حضارة في ربوعه ولا رواج للعلم بين جنباته؟ وبعد هذا وذاك: لماذا تساق الأموال لبناء المساجد والمستشفيات ودور الأيتام و...، ولا يفكر أحد ببناء مدرسة وحوزة أصيلة وتشييد صرح لتلقي العلوم الإسلامية وتربية طلبة وعلماء ومفكرين من أبناء هذا البلد؟ تعالوا لننظر في فرض - مجرد فرض - ثم نحاكمه ونخضعه للمحاسبة علنا نجد الجواب... هناك من يرى أن قادة التيارات الإسلامية ومن يتقلدون زعامة هذه الحركات، يلتزمون ويمارسون الجهل والتخلف العلمي كأداة لتسلطهم ووسيلة لانبساط نفوذهم، لذا فهم يخشون من الأجواء العلمية والمساجلات الفكرية، فلا هم من العلماء وحملة العلوم حتى يتمكنوا من النهوض بهذا الدور وتلقف زمام المبادرة والمناورة فيه، ولا هم قادرين على الرد والخروج بأجوبة مقنعة تفلسف وضعهم وتبرر حالتهم وتعرض وجهاً علمياً لتسلطهم على الساحة. هناك من يفرض أن الوسط الذي تنمو فيه هذه الحركات وتزدهر فيه أسواقها هو الجهل، الذي يخلق التبعية ويؤمّن أسبابها. وأن الأحزاب الدينية تخشى العلم وتخاف الوعي لأنها تفتقر في أفكارها إلى الأسس العلمية والفكرية الصحيحة، وفي مواقفها إلى الرؤية والحكمة والتحليل الموضوعي المصيب، لذا فهي لا تريد أن تفتح على نفسها باباً للمحاسبة والتقييم والمحاكمة وبالتالي السقوط، إذ من المؤكد أن النتيجة ستكون الإدانة! إن ضعف ركني العلم والوعي، وتراجعهما وكسادهما هو السبب الأول لنجاح الأحزاب في سَوْق الساحة وتمكنها من قيادتها إلى حيث تريد... وبالتناسب العكسي، فإن رواجهما وانتعاشهما هو التهديد الأول لوجود هذه الأحزاب ولنجاحها واستحكام قدرتها ونفوذها وهيمنتها على الساحة. فطرح مفهوم إسلامي معين (مما ينادون به ويرفعونه ضمن شعاراتهم)، إذا ما أخضع للمعايير العلمية الصحيحة ووضع على بساط البحث والمناظرة والاستدلال والحجة، فستتقوض مبانيهم وتنهار بيوتهم! ولن تجد لقياداتهم مصداقية تسمح بعشر المستوى والحجم الذي تتمتع به حالياً... ومما أذكره في المقام أنه إبان إحدى الحملات الانتخابية للمجلس البلدي كان أحد أقطاب الحزبيين هؤلاء حاضراً في حسينية، وقبيل رقي الخطيب للمنبر وقف وخاطب الشباب قائلاً: (إن ما سيقوله هذا الشيخ سبق أن سمعناه جميعاً، وهو تكرار مكررات... الحسين يريدكم هذه الليلة أن تتركوا هذا المجلس وتتوجهوا للخيمة الانتخابية لـ...)! وقد استجاب له أغلب الحضور وتبعوه! ماذا لو أخذت هذه الفكرة (مقارنة المجلس الحسيني بالمجلس البلدي والتفاضل بينهما!) حظها من البحث والنقاش العلمي، وطرحت أمام الشباب الأدلة الشرعية والعقلية، واكتشفوا بأن هناك رؤية دينية ومنطلق فكري وتحليل سياسي يسفه انصياعهم خلف مسؤولهم الحزبي وتركهم مجلس عزاء سيد الشهداء، ويدخله - بوضوح لا يقبل الشك ولا يحتمل الترديد - في أتعس صور التخلف وأقبح أشكال الجهل؟! ماذا لو سمح لهم بقراءة ومناقشة رؤية معاكسة تستند إلى حجج وبراهين يتصاغر عندها الطرح الحزبي بل يتلاشى وينهار... هل سيبقى للعقل الجمعي موقع يسوق شبابنا كقطيع؟! الأزمة أزمة وعي ديني، والعلم هو مقدمة الوعي الديني والبصيرة، والعلم في كساد... (المشهد الخامس): أذكر هنا بإكبار وتقدير بعض الظواهر التي سجلها موسم العزاء الحسيني هذا العام، فجاءت مشاعل هداية في طريق الوعي، وقبسات من نور العلم لا زالت تشع من هذا النبراس الخالد: الأولى: النجاح الكمي والكيفي الذي حققه المؤمنون على صعيد إحياء مختلف أنماط الشعائر الحسينية، من المراثي واللطميات والتشابيه والتطبير، إلى إصدار النشرات الثقافية والأشرطة والأفلام، مروراً بالإطعام والبذل على مائدة صاحب الذكرى (عليه السلام). وأخص بالذكر (التشابيه) و (التطبير)، كونها الهدف الأول الذي رمته سهام الجهل والحزبية، وكيف أن الأمة انتصرت على محاولات الإضلال وسعيها الخائب، بوعي وبصيرة رائعتين، فحافظت على هذا الموقع الحساس، وسجلت رسالة تتعالى على الجدال ولا تقبل المساومة على حضورها وتمسكها وعمق ارتباطها وولائها لأهل البيت، رسالة تقول: هاجمونا أكثر، فنتمسك بولائنا أكثر! الثانية: ما قام به العلامة الشيخ فاضل المالكي (حسينية الشامية وسيد محمد) من عرض فكري عقائدي أصيل تناول قضايا الثقافة الإسلامية وهمومها المعاشة وتعرض لطروحات بعض أدعياء التنظير للحركة الإسلامية بالنقد بشكل علمي متين وأسلوب تحقيقي مستدل فتح الآفاق أمام الشباب وزرع الوعي فيهم والبصيرة. والثالثة: هي للحالة الشعبية والاستجابة العفوية والتفاعل والشوق الذي أظهرته الجماهير للمعارف الدينية العقائدية والحب الفطري لفضائل أهل البيت (عليهم السلام) التي كان فضيلة الشيخ حسين الفهيد (حسينية آل بو حمد) يجود بها، فلاقت تلهفا وترحيبا عكس التعطش للعلوم والفكر والثقافة الإسلامية الأصيلة، كما اعتبر استفتاء عاماً دان وفض الهيمنة الحزبية والأفكار الباطلة والأجواء الغريبة التي كانت بعض الجهات تسعى لفرضها على الساحة... فكان أكبر حضور وتفاعل من بين جميع حسينيات الكويت. إنها حالات تشكل أرقاماً رائعة في معالجة ظاهرة التخلف العلمي وغياب الوعي والاستغفال الذي تمارسه الحزبية، وقد طرحت صيغة عملية لمواجهة وتقويم حالة مرضية يعيشها قطاع من المؤمنين، سُخرت جهودهم وأموالهم وصارت تصب في مواقع بعيدة كل البعد عما يريدونه ويؤمنون به، ولا تناسب أو تلتقي مع اندفاعهم الفطري والعفوي تجاه الدين. فجزى الله الناهضين بها خير الجزاء.
|
||
|
بقلم: فهيمة العيد
حالة غريبة ومرفوضة في المجتمع، تواجهها كل بنت تعدّت الثلاثين عاماً دون زواج، فواحدة تقول والدي هو السبب وأخرى تقول جمالي غرّني، وثالثة تقول أمي شروطها صعبة.. وهكذا تعددت الأسباب والمشكلة واحدة. ترى أين يكمن السبب الحقيقي.. أهو في العادات؟ في التقاليد؟ في الشباب؟ في الشابات؟ في القوانين الاجتماعية؟ العنوسة في معاجم اللغة العربية تعني بلوغ سن الزواج والبقاء دون زواج، وأصل الكلمة يتناول الرجال والنساء، وأكثر ما يستعمل في النساء وتعتبر من أكبر المشكلات التي تعاني منها المرأة الخليجية بشكل عام والكويتية بشكل خاص، إذ تشير الإحصاءات إلى وجود 40 ألف عانس كويتية. وباستطلاع الآراء في أسباب هذه المشكلة في نظر الشباب هو ارتفاع المهور والتكاليف المادية التي تفرضها التقاليد والأعراف في بيت الزوجية والتي تؤدي إلى تفضيل الارتباط بالأجنبية، ومن أطرف تلك الأسباب ما قاله أحد الشباب من أن سيقان الممثلات والمذيعات وعارضات الأزياء اللاتي يملأن المسامع والأبصار غيرت مواصفات الجمال ومقاييسه لدى الشباب والتي أصبحت لا تنطبق على بنت البلد. أما الشابات فترى إحداهن أن السبب يكمن في عامل التغير الاقتصادي، فالمرأة لم تعد بحاجة إلى الرجل خاصة بعد أن تتخرج من الجامعة وتمارس حياتها العملية وتحصل على دخل يعادل أو يتفوق على دخل الرجل وتكون قد وصلت إلى درجة كبيرة من الوعي. أما علماء الاجتماع فيرون أن عدم تفكير الفتاة في الزواج إلا بعد التخرج مع طول سنوات الدراسة يؤثر على جمال البنت بحيث يفضل عليها الشاب فتاة صغيرة في السن ويضيفون إلى ذلك عزوف الشباب الكويتي عن تحمل المسؤولية وتفضيله للحرية وحياة العزوبية إذ يوجد في الكويت 66 ألف عازب كويتي وفق تقرير إحصائي أعدته وزارة التخطيط. فأين الحل؟؟ عند الخطّابة؟ عند لجان التزويج؟ تغيير قوانيننا؟ إعادة النظر في عاداتنا وتقاليدنا وأفكارنا؟ إحياء ظاهرة الزواج المبكر وتعدد الزوجات؟ مشكلة تتحمل وزرها أطراف عديدة لذا حلها يحتاج إلى تكاتف الجهود وتكثيفها من أجل تحصين بناتنا وأبنائنا ليتفرغوا لخدمة مجتمعهم.
|
||