|
|
|
|
|
صياغة جديدة لهذا العالم إيمان .. حرية .. رفاه.. سلام.. |
|
|
|
ها هو الغرب وهو موطن الحضارة المدنية البحتة، يئن من ارتفاع معدلات الجرائم والسقوط الأخلاقي والفساد الاجتماعي. وها هو الشرق وهو مهد الحضارات الدينية السامية، يشكو الجهل والرجعية والتخلف والركود. وما بين ذين؛ حروب تطحن كرامة الإنسان، واستعباد يصادر حريته، واستعمار يسلبه قوت يومه، وقيود وأغلال، وسجون وإرهاب، وظلام دامس أحاط بالعقل والإبداع. فيما جنوب هذه الكرة الأرضية يتضور من المجاعة ويعاني من الأوبئة والأمراض التي تلقي بحتف الملايين كل عام. خانت الأيديولوجيات أصحابها، وخدعت الأحزاب أعضاءها، ونصبت الحكومات على شعوبها. وظل الإنسان يبحث عن المسار الصحيح، عن الاتجاه الأمثل الذي يوصله إلى السعادة، وهو في غايته تلك يتخبط يميناً وشمالاً، فسلم زمام نفسه لمن أظهر له الإخلاص والصدق، لكنه بعدما تكشفت له الحقيقة وسقط القناع؛ علم أن من انقاد إليه كان يبطن الاستغلال وما غايته إلا الوصول إلى مأربه على ظهره.. وأحياناً جثته! فتارة كانت شيوعية، وتارة قومية، وأخرى بعثية، ومرة كانت قبلية أو عنصرية، ومرة سلفية، ثم جاء دور الرأسمالية والليبرالية والعلمانية.. ويستمر المشوار وتتشعب الطرق بعد تفرقها لكنها تعود لتصب أخيراً.. في وحل الشقاء والبؤس والتخلف. لكم عانى الإنسان في رحلة بحثه تلك، ولا يزال يعاني رغم أن الحل أمامه لكنه يتغاضى عنه، لموروث من التجارب والأمثلة، ولدت الإحباط في نفسه، ولأنه لم يعد قادراً على معاودة التجربة من جديد، فلقد ذاق الأمرين، ولُدغ مرتين، وتلاشى الأمل عنده، فوقع فريسة للأهواء والشهوات والملذات التي أفقدته صوابه وأسرت كرامته وحياته. (الإسلام هو الحل).. شعار رُفع، لكنه أسقط! ليس لأن الخلل فيه إذ هو منهج رباني تكاملي شامل، بل لأنه عنوان كبير لم يحمله المؤهلون لحمله، ولا اللائقون لترجمته، فقدموا صورة مشوهة عنه، جعلته في أعين الناس مقترناً بالإرهاب والإجبار والإكراه، وهم - حيث أعطوا القيادة لمن طلبوها - وجدوا الأمر على خلاف ما وعدوا، فتساءلوا: أهذا هو الإسلام الموعود؟ إسلام الجزائز والسودان؟ أم إسلام إيران؟ أم أفغانستان؟ ونحن في مقابل هذا التساؤل نتساءل: ألا يجدر بنا أن نعود؟ لنكتشف إسلاماً جديداً غير الذي بُني على أرضية السياسة والمصالح؟ ولنتعرف على نموذج أسمى من كل النماذج لربما أغفلناه؟ إنه (إسلام أهل البيت) عليهم الصلاة والسلام، إسلام محمد الذي خلق الحضارة وأسسها، إسلام علي الذي فجّر العلم والحكمة، إسلام فاطمة التي قاومت الظلم وقارعته، إسلام الحسن الذي نهض بالإصلاح وحفظ الملة، إسلام الحسين الذي صنع الكرامة وأعاد الحرية. فصلوات الله وسلامه على تلك الأنوار المحدقة بالعرش المقدس، التي بلغت ونصحت، ودعت إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وقدّمت أروع الأمثلة وأسمى النماذج. هذا هو الإسلام الذي نريد، إسلام الحرية والعدل والمساواة والكرامة والتعددية والسلم والشورى والتعاون والوحدة والأخلاق والأخوة والأمة الواحدة. لا إسلام الظلم والعبودية والتمييز والذل والفردية والعنف والحدود والقيود. إن هذا المنهج، وهذه الأيديولوجية الربّانية، هي الكفيلة بانتشال البشرية من مستنقع الويلات والدمار، وهي التي تضمن تقدّمه وتحسّن أحواله، هذا بعد إعادة النظر من جديد في هذا التراث العظيم، لنعرف من أين نستقيه ونستخلصه، أ من مثل خلفاء أمية والعباس؟ أم من مثل الباقر والصادق (عليهما السلام)؟ فليطرح كلٌ ما لديه، وليعرض كلٌ ما عنده في ساحة حرة من النقاش والحوار، وسيكتشف هؤلاء أن كل الحلول.. عند آل الرسول (عليهم الصلاة والسلام). نقولها دون مبالغة: العودة إلى رسالة أهل البيت (صلوات الله عليهم) هي الخيار والطريق الوحيد المنجي من الهلاك، (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكى ونحشره يوم القيامة أعمى). ألم نرَ كيف تقدّم الغرب مدنياً بفعل التزامه ببعض قوانين الإسلام؟ أم نقرأ في عددنا السابق من (المنبر) شهادات علماء الغرب بأن الإسلام هو مصدر الحضارات والمؤثر الأول في الحضارة الغربية الحديثة؟ بل لماذا نعدو بعيداً.. ألم نلحظ في مسيرة حياتنا الحالية ذلك؟ بلى.. لقد أبدع الدكتور إياد موسى محمد في دراسته حول فكر الإمام الشيرازي (دام ظله)، فساق البراهين والأدلة التي تؤكد تأثر علماء الغرب بفكره وهو مرجع إسلامي إمامي عظيم، فطبقوا كثيراً من آرائه ونظرياته التي ساهمت كثيراً في التقدم الحاصل حالياً. أليست منظمة (الغات) للتجارة الحرة مثالاً عينياً أمامنا؟ من يا ترى كان أول من طرح رفع حواجز الحدود الجمركية؟ ألم يكن ذلك الإمام الشيرازي - في كتبه - قبل أكثر من خمسة وثلاثين عاماً؟ ومن يا ترى أخذ بأطروحته غير مجسات الرصد الغربية التي تأخذ الصالح من أفكارنا ونأخذ الطالح من أفكارهم؟ واليوم وبعد خمسة وثلاثين عاماً تقوم منظمة (الغات) بتطبيق الأطروحة بدلاً من المسلمين الذين لا يعرفون قدر عظمائهم إلا.. بعد وفاتهم! فإلى متى هذا التواري وهذا التراجع عن ركب الحضارة؟ وإلى متى يظل الإنسان في حيرة من أمره والسبيل إلى إنهاضه أمامه عبر ممارسة التغيير لإنقاذه وصياغة العالم من جديد ليكون عالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام. إنها أربع مفردات نبشَر بها للعالم، الإيمان بالله الأحد الصمد حتى يرضى جل وعلا عن البشرية وينزل رحمته وبركاته عليها. الحرية التي ينبغي أن يحصل عليها كل فرد مهما كان، لأنها الأصل وغيرها الاستثناء (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم). الرفاه وهو غاية تتحقق بتطبيق أسباب العزة، كالشورى (وأمرهم شورى بينهم) والتعددية (ولكل وجهة هو موليها) والعدالة والمساواة (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) والأمة الواحدة (إن هذه أمتكم أمة واحدة). السلام وهو الأمل الذي طالما حلمت به البشرية وسعت لأجله (وادخلوا في السلم كافة). نريد لعالمنا أن يصبح كذلك، ويمكن له أن يكون كذلك بالإرادة والنهوض من جديد، عندما يحمل هذا المنهج العظيم حملة جديرون به، واعون بأسسه، مستوعبون لمفرداته، فيعملون في اتجاه التغيير والتنوير (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسله والمؤمنون). أصعب ذلك؟ ربما.. لكنه ليس مستحيلاً. المنبر
|
||