|
|
|
|
|
صفحة للرأي والرأي الآخر
المقالات الواردة
فيها لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر (المنبر) |
||
|
وقد كان بعض العلماء من شدة ورعهم وتقواهم يعزفون عن ارتداء العمامة لأنهم يرون أنفسهم غير جديرين بها، فثمة عالم ذا مرتبة علمية عالية جعلته يحوز درجة الاجتهاد قضى في الحوزات أكثر من أربعين عاماً، لكنه حتى هذه اللحظة يمتنع عن ارتداء عمامة رسول الله صلى الله عليه وآله لما تفرضه عليه من مسؤوليات جمّة لا يرى نفسه جديراً بها. وليس ذلك بغريب؛ فالعمامة تكسب صاحبها تمثيلاً شرعياً سيحاسب عليه أمام رب العالمين، إنه بذلك يتحمل مسؤولية خطيرة ذات التزامات متعددة وأدوار مختلفة، فهو الرجل الذي يعمل على حفظ عقيدة المؤمنين وبيان أحكام الدين، وهو من يقع على عاتقه تبليغ وترويج المذهب الحق، وهو الذي يربط المجتمع بالقيادة الدينية المتمثلة بالمرجعية، وهو من يتكفل بفض المنازعات وحل المشاكل في ما بين الأفراد وإقامة الحدود في حال كونه حاكماً شرعياً مبسوط اليد. لقد كانت الناس في ما مضى تحترم العمامة وصاحبها احتراماً كبيراً لا يضاهيه احترام، ليس لمجرد عمامته، بل لأنه ينطق باسم الدين والمذهب واحترامه امتداد لاحترام الأئمة المعصومين (عليهم الصلاة والسلام). فلم يكن المؤمنون يرجعون إلى الحكومات المدنية لفض منازعاتهم واختلافاتهم، بل كانوا يحتكمون إلى المرجعية الدينية والفقهاء العدول ومن ينصبهم أولئك لذلك. تلك مشاهد من الماضي القريب، ولننقل هنا مشاهد من حاضرنا البائس لنكتشف التحول الرهيب: فالمعمم اليوم يطلب سيارة أجرة في الدولة التي عمادها المعممون ولا يتوقف صاحب السيارة لإيصاله لأنهم (يكرهون المعممين) على حد قولهم! والمعمم اليوم يذهب إلى مجالس الديوانيات فلا يقوم له أحد احتراماً، بل يتأفف المتواجدون من حضوره! والمعمم اليوم يعتلي منبره ليخطب في الناس والحضور لا يتجاوزون أصابع اليد في غير المواسم، بل الأهالي يمنعون أبناءهم من التردد على تلك المجالس حتى (لا يتعقدوا من المعممين)! فما الذي حدث وأين مكمن الخلل وما هي المشكلة؟ لماذا بات الاحترام لرجل الدين المعمم مفقوداً في أوساط الأعم الأغلب من الناس؟ لمَ كرهوا زي علماء الدين وحديثهم ومنطقهم؟ فتارة يقولون بأن همّهم مصالحهم وجبي الأموال باسم (الخمس)؟ وتارة يقولون بأنهم أفراد لا صنعة لهم فامتهنوا مهنة رجل الدين وعاشوا عالة على المجتمع؟ وأخرى يقولون بأنهم أهل البحث عن (المتعة)؟ وهكذا تتوالى التهم واحدة تلو الأخرى.. ويبتعد المجتمع عن العلماء صالحهم وطالحهم، فما الأسباب التي أدت إلى هذه الكارثة يا ترى؟! هل هذه التهم صحيحة بحذافيرها؟ أم أن الأمر خلاف ذلك؟ ينبغي لنا بداية أن ندرك أن الوسط العلمائي هو كغيره من الأوساط، في الصالح والطالح، الحسن والرديء، المخلص وغير المخلص، الصادق والكاذب، وذلك أمر طبيعي إذ لا عصمة للبشر والمعممون منهم على أية حال. وإذا كان هناك بعض الممارسات الخاطئة فلا يحمل وزرها المجموع، أي لا يوجب ذلك النقمة على كل علماء الدين حيث (لا تزر وازرة وزر أخرى). غير أن هذه الحالة الطبيعية لا تمنعنا من قول الحقيقة سالكين في ذلك مسلك النقد الذاتي الإصلاحي. إن الأمر ليس بفعل بعض الممارسات الخاطئة فحسب، بل هو يتعدى ذلك بكثير. إننا هنا نتحدث عن العمامة كرمز لا كملبس، فكيف سقطت هذه الرمزية في عيون المجتمع وما عوامل ذلك؟ لاشك بأن الإجابة على مثل هذا السؤال متشعبة كثيراً، لكننا لا يمكن أن نوجه أصابع الاتهام إلى مجرد بضع ممارسات من ذوي الضمائر الضعيفة ممن ارتدوا جلباب الدين وغرتهم الدنيا ببهرجها وزخرفها، لأن مثل تلك المماراسات كانت حاضرة على مختلف الأزمان، قديماً وحديثاً، فما التحول الذي طرأ الآن خصوصاً؟ إن هذا التحول مرده عوامل رئيسية غيرت كثيراً من المعادلات التي كانت تحكم الوسط العلمائي، من بينها العامل السياسي الذي تمثّل بقيام أول تجربة للحكم الإسلامي الإمامي في إيران وما رافق هذه التجربة من إخفاقات ولدت شعوراً بالإحباط والانتكاسة. ففي الوقت الذي كانت تتطلع فيه الشيعة إلى نموذج تكاملي مثالي يعزز من المكانة التاريخية للمدرسة الإمامية ويقدم صورة مشرقة لطبيعة توليها السلطة، جاءت الممارسات الخاطئة من قبيل اللجوء إلى العنف وسلب الحريات وإلغاء الآخر وحصر الشرعية في قطبية أحادية علاوة على قمع بعض المرجعيات المخالفة كما حدث لآيات الله الشريعتمداري والشيرازي والمنتظري، جاءت تلك الممارسات لتصب في قالب أوجد نفوراً من النموذج الإسلامي وردة فعل عكسية. ومما كان من نتاج هذه التجربة ومثالبها، أن سقطت حزمة من المقننات التي كانت تحكم وصول المرء إلى درجة علمية معينة، فقد أصبحت الحوزات مرهونة بيد المجموعة الحاكمة والدرجات العلمية تمنح لمن يكون ولاؤه أكثر. وعلى هذا لم يعد صعباً على السائرين في فلك جوقة الحكم نيل ألقاب رفيعة المستوى ما كانوا يوماً ليحلموا بها، من قبيل (العلامة) و (حجة الإسلام) و (آية الله) وأخيراً (ولي أمر المسلمين) رغم تحفظنا الشديد على هذا اللقب الذي لا نرى أحد جديراً به سوى مولانا صاحب الزمان (عليه السلام). ولنقس على ذلك.. فكثير من المعممين الذين هم نتاج ما بعد هذه التجربة هم في واقع الحال مفتقدون للملكة العلمية المطلوبة. لقد شاهدنا ذلك بأم أعيينا في جولاتنا ولقاءاتنا، فتجد معمماً متخرجاً من هذه المدرسة السياسية يتقن فنون العمل السياسي ببراعة، لكنه يجهل أبسط المسائل الشرعية. لقد أصبحت العمامة وفق هذه المعادلة مجرد وسيلة للوصول إلى مناصب اتخاذ القرار، وذلك نابع من تلك المدرسة السياسية التي مارست أدوات كثيرة بغية تسييس أنظمة الحوزات العلمية، وهذا ما حدث فعلاً مع الأسف. لقد كان هذا الهاجس - أعني توظيف الدين في خدمة السياسة - ماثلاً في أذهان كثير من العقلاء إبان قيام هذا النموذج، وقد أثبتت التجربة أنه في محله، واليوم يلمس الجميع كيف ارتد الشارع الإيراني عن قيادة المعممين وفقد الثقة بهم، وكان من نتاج ذلك أن نفر الشارع من الدين بشكل عام وبدأنا نلاحظ كيف تخرج الفتيات كاشفات أكثر من نصف رؤوسهن وهن يرتدين بعض النظارات المثيرة وبنطال (الجينز) - وإن سترنه بعباءة تظهر منه أكثر مما تخفي - خلف شباب (متأمرك) على الدراجات النارية في الشوارع والأزقة، بل وقرب المراقد المقدسة هناك. إن هذه الجموع الشعبية التي كانت محور قيام النظام الإسلامي انقلبت اليوم عليه، لأنها لم تر فيها ما كانت تتأمله. هذا مثال باختصار عن العامل السياسي. ومن عوامل تدني درجة احترام العمامة؛ عامل التباعد المرجعي. فهذا التشتت في ما بين المرجعيات الذي وصل في أحيان إلى حد المحاربات المكشوفة والفتاوى المتضادة أعان على تغيير نظرة الناس إلى المعممين ورجال الدين، وكيف لا وهم ينظرون إلى إمام مسجد فلاني يكرّس طاقاته وجهوده كلها لمحاربة مرجعية أخرى منافسة ويدعو المصلين إلى عدم الصلاة في المسجد الذي يمثلها لأن الصلاة خلف إمامه باطلة! وكيف لا وهم يرون المعممين يتناطحون في ما بينهم لأجل الاستحواذ على الساحة وتأليبها ضد خصومهم! وكيف لا وهم اكتشفوا أن كثيراً من أولئك المعممين يقولون ما لا يفعلون (كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)! ولو أن المرجعيات حاولت بحق أن تقرب المسافات في ما بينها من خلال نظرية (شورى الفقهاء) الحضارية؛ لارتفعت معظم الحواجز في ما بينها ولتلاشت معظم الخلافات إلى حد كبير، خاصة تلك التي كان للقوى الاستعمارية الدور الرئيسي في إذكاء نارها لإدراكها بأن توحد المرجعيات يعني نشوء قوة إسلامية صلبة تدفع بالمسلمين للتغيير والتصدي لمحاولات الاستغلال الغربية، وتكوين الدولة الإسلامية العالمية الواحدة في مرحلة متقدمة. ثم لا يُغفل في هذا الإطار دور الكتل الحزبية في تأجيج الساحة، وهي ذاتها التي ساهمت في إلغاء محدّدات رجل الدين وشروط أهليته لذلك، فرفعت ومجدت من ينجسم معها، وحطت من قدر من يختلف وإياها. وهذا المطلب يحتاج إلى تفصيل غير أننا نكتفي بهذا المقدار حول عامل التباعد المرجعي لننتقل إلى العامل الثالث والذي نطلق عليه (استغلال العمامة)! إن كثيرين من الذين أرادوا تحقيق طموحاتهم الشخصية وجدوا في العمامة وسيلة سهلة لذلك، خاصة بعدما أصبح نيلها سهلاً بالالتفات للعاملين الأول والثاني اللذان ذكرناهما آنفاً. أولئك شوّهوا كثيراً سمعة رجل الدين المعمم، حيث إنهم استغلوا العمامة استغلالاً بشعاً ومأساوياً، وبعضهم قدّم إلى العامة صورة منحطة لرجل الدين فالواحد منهم تراه لم يحصِّل العلوم الدينية إلا لفترة وجيزة يعود بعدها لينخرط في المجتمع ويفصّل الأحكام كما يحول له وكيفما شاء، وذلك يعود إلى عدم رغبته بمواصلة الدراسة الحوزوية أصلاً فالهدف عنده هو مجرد لبس (العمامة). أذكر ذات ليلة أني كنت جالساً في ديوان أحد التجار هنا في البلد، وبينما كنت أتجاذب أطراف الحديث معه حول إحدى المشاريع وإلى جانبي سماحة الخطيب الشيخ مرتضى الشاهرودي، وإذا بثلاثة من المعممين الإيرانيين يدخلون ويسلمون على الحاضرين فرداً فرداً، حتى إذا وصلوا إلى صاحب الديوان قبّلوا رأسه! ثم بدءوا بالحديث معه طالبين منه بعض المال. كان التاجر ذكياً فجرّهم في الكلام إلى أن اعترفوا أنهم قدموا خصيصاً من إيران للتسول لا أكثر! وأنهم دفعوا كذا وكذا لمن استقدمهم ببطاقة زيارة (فيزا)، والعجيب فيهم التبجح والقهقهة خلال حديثهم! عندئذ التفت سماحة الشيخ الشاهرودي إليّ قائلاً: (أ رأيت كيف يأتي هؤلاء الحثالة ليسودوا وجه رجال الدين؟!) وخرج غاضباً. كان هذا موقفاً غريباً شهدته للمرة الأولى، غير أني سألت التاجر عن أمثال أولئك فقال: (أنت لا تعلم.. يأتيني في السنة ما لا يقل عن ألف رجل من هذا النمط)!! إن حالات انتحال شخصية عالم الدين زادت في الآونة الأخيرة، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فهناك أيضاً من انتحل شخصية مرجع التقليد وهو ليس كفؤا للبس العمامة أصلاً! ولم يعد مستغرباً من مثل هذا أن ترى صورته - وهو في زيه العلمائي الكامل وعمامته السوداء الكبيرة - في لقاء صحافي أجرته معه مجلة خلاعية تركية إلى جوار صورة لامرأة متجردة من ثيابها تماماً! ولم يعد مستغرباً ممن كان همّه الظهور السياسي أن يُشاهَد بعمامته في صحيفة كويتية فاتحاً جلبابه ومتحدثاً عن حلِّية الأفلام الجنسية ومغامراته الشبابية وخدماته لمن يعانون ضعفاً في الاستجابة الجسدية! ولم يعد مستغرباً أن يظهر زعيم لإحدى أهم فصائل المعارضة الإسلامية العراقية على شاشة فضائية عربية متحاوراً مع مذيعة سافرة تلبس لباساً مثيراً! ولم يعد مستغرباً أيضاً أن يخرج مجموعة معممين من طورهم ويرقصون بعمائمهم أمام الملأ رقصة (الدبكة) اللبنانية ابتهاجاً بانسحاب القوات الصهيونية من الجنوب! والأمثلة تتوالى. هؤلاء لا يهمهم أمر العمامة وسمعة الدين والمذهب، فقد أخذوها وسيلة لتعويض النقص الذي يشعرون به إزاء المجتمع الذي رفض المصلحيين، تماماً كما تفعل المرأة السافرة التي تضع على وجهها أطناناً من مساحيق التجميل وتتفنن باستخدام أحدث أنواع العطور والملابس الفاتنة، لأنها تعاني من عقدة نقص تعود إلى إحساسها بأن الرجال يرونها قبيحة الشكل والمظهر. هنا يظهر الجانب السلبي من حياة الإنسان، ذلك الجانب الذي يقوده إلى ارتكاب المحرمات في سبيل نيل مطالبه الدنيوية. لقد لعب هؤلاء دوراً أساسياً في زعزعة احترام الناس لشخصية علماء الدين، الذين كانوا يحظون في ما مضى باحترام واسع من قبل المجتمع. لقد أصبحت العمامة مع الأسف مهنة من لا مهنة له! ونحن لا نملك إزاء تشخيصنا لهذه الحالة المزرية إلاّ أن ندعو الناس إلى التفريق بين الصالح والطالح، فما كل من إرتدى العمامة معمم حقاً، وما كل من لبس جلباب الدين عالم حقاً. والتمييز أمر ضروري حتى لا يُغرر بالأمة ولا تنقاد لمن لا يستحق. على أننا نؤكد أن الحوزات العلمية وهي حصون آل محمد (عليهم الصلاة والسلام) ستبقى بعون الله تعالى تحت نظر مولانا صاحب العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فيحميها بقدسيته من الاستغلال والاختراق والتشويه، وهو القائل (صلوات الله عليه): (فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله). وإن كان للمؤمنين من دور في هذا الصدد فإنه يكمن بتمسكهم أكثر وأكثر بالمراجع والعلماء الأعلام الذين تثق بصلاحهم الأمة فتسلمهم أمر قيادتها لأنهم القادة بنص الشارع المقدس، ولا ينبغي أن تتزعزع هذه العقيدة في نفوسنا حيث إن تكثيف إرتباطنا بالعلماء الأجلاء سيساعد كثيراً على تنقية الصفوف ممن ينتحل هذه الشخصية المقدسة ويوظفها لخدمة مصالحه وطموحاته. فالمصلحيون أولئك لا يمثلون بأي حال من الأحوال هذا الدين العظيم وهذه المدرسة الإمامية النورانية.
|
||
|
فإصرار هؤلاء المجاهدين الذين عاشوا مع الله في كتابه الكريم وسيرة رسوله الشريف، عاهدوا أنفسهم بأن هذا العدو بقوته وجبروته وتفوق آلته الحربية، لا تثنيهم عن إرادتهم وعزيمتهم وثباتهم في الدفاع عن الحق، وهذا كله إستلهموه من مدرسة الإسلام بقيادة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونخبة الصحابة فدائيو الإسلام الذين كان همهم رفع شأن الدين وبذل الكثير من العطاء في سبيل الله والقضاء على الشرك والجهل. حقاً فهؤلاء الشباب المؤمن المحمديو النسب والأصالة، تلامذة الحسين (عليه السلام)، اقتدوا بأولئك أبطال الإسلام وساروا على خطاهم. قرأوا التاريخ جيداً، لا يخيفهم عدد العدو أمام عزتهم وكرامتهم وإيمانهم وجهادهم في سبيل الله، ولا العتاد الحديث يثنيهم عن الشجاعة المتأصلة فيهم والتي أرعبت هذا العدو. حقاً هؤلاء النخبة المؤمنة من شباب هذه الأمة، الذين ازدادوا إيماناً ووعدوا أنفسهم وكان وعد الله لهم بالنصر، لقد عَلَّموا المحتل درساً لن ينساه، أجبروه على الفرار تاركاً ذيله ينهار وهم العملاء. حقاً لقد عاد الدم وانتصر على السيف.. يالنشوة النصر، يا لعظمة الإنجاز لقد رأينا بهذا النصر عزة الإسلام، هذه اللحظات نرى كل الشهداء أحياء بيننا، فرحت كل أم فقدت إبنها وكل قرية استشهدت عروسها، فرحت الأمة كلها بهذا المجد. فقد رفعوا رؤوسنا مجدداً بعدما كان اليأس كغيمة سوداء في فضائنا لقد قهروا هذا الذي لا يقهر كما قيل ويقال. حقاً عادت الرايات خفاقة على هضاب ووديان جبل عامل في ُمدنه وقراه هذا الجبل المزروع ببذرة الصحابي الجليل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أبا ذر الغفاري، التي أنبتت هذه الثلة المؤمنة المجاهدة في سبيل الله والمدافعة عن الحق. أرغمت بني صهيون مهرولين أذلاء تحت جنح الظلام، وكما دخلوا من على الحدود وما يسمى ببوابة فاطمة بعد أن عاثوا في الأرض فساداً ودمروا الحجر وأحرقوا الشجر وقتلوا الأطفال والشيوخ والنساء، عادوا مهزومين منكسرين ومن نفس البوابة. لربما تذكروا خيبة أسلافهم في موقعة خيبر واقتلاع بوابتها الشهيرة وصدى صرخات الله أكبر التي ما زال دويها إلى اليوم..!
|
||
|
هذا القانون الذي وضعه الغرب ليعالج التدمير الذي خلفه تحرير المرأة الغربية من أخلاقها وإنسانيتها ونتيجة للإحصائيات والدراسات التي تشير إلى تزايد انفراط العائلة الأمريكية، فيذكر (مكتب الإحصاءات الأمريكي) أن (18) مليون طفل أمريكي يعيشون مع أحد الوالدين فقط!! ويعزي عالم النفس الأمريكي (ويدهورن) الأسباب إلى ارتفاع معدلات الإنجاب بين المراهقات العازبات وبين النساء المتقدمات في السن اللواتي فشلن في العثور على زوج مناسب، وفي بريطانيا ازدادت نسبة الطلاق (50 %) وتراجعت نسبة الزواج (16 %) وتشكل العائلات المكونة من أحد الوالدين فقط 1ـ 5 من العائلات وإن 4ـ 5 من الزيجات فاشلة ونصفها ينتهي بالطلاق... هذا وضع الأسرة عندهم ويحاولون أن يعالجوا فضائحهم بهذه القوانين الشاذة، فما لنا نحن المسلمين بهذه السياسات القذرة لكي يجبروننا على تبنيها؟! وبلغ التركيز التصاعدي على المرأة أن بشروا بأن القرن ( 21) هو قرن المرأة بلا منازع بل وأسموا العام (2001) والذي نلجه اليوم بعام (المرأة العالمي).. إذا مقابل هذا الطرح الغربي الإفسادي يجب أن نتقدم بطرح خطاب إسلامي حضاري عملي وناجح ومقنع يواجه سياسة العولمة المدمرة ويحمي المرأة المسلمة من نتائجها السوداء.. ويتمثل هذا الطرح بالآتي: أولاً: التحصن الباطني (قد أفلح من زكاها) بالصلاة الواجبة وبالنوافل وقيام الليل والدعاء والزيارات المستحبة وبقراءة القرآن للحصول على قوة معنوية وملكة رادعة تمنع من الوقوع في المحظورات. ثانياً: التحصن الخارجي (الحجاب الإسلامي) سواء الحجاب المادي الشرعي من احتشام بالملبس وعدم إبداء المفاتن وعدم التشبه بالرجال وما يلبسون وتوافه الموضة والأصباغ، أو الحجاب المعنوي من حياء وأخلاق وفضيلة وورع والبعد عن الميوعة والاختلاط المحرم ومواضع الشبهة. ثالثاً: تحصين الأسرة (وجعل بينكم مودة ورحمة)، أن تراعي المرأة وخاصة العاملة الزوج وتحسن معاملته وكذلك الأبناء وتربيتهم تربية إسلامية ملؤها الحنان والرحمة حتى لا ينجرفوا مع المجتمع الفاسد. رابعاً: الاستفادة من حسنات الحضارة الغربية (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) من ثورة معلوماتية وأدوات حضارية كالفاكس والكومبيوتر والإنترنت وغيرها واستغلالها في نهل العلم والمعرفة والتواصل مع العالم والإطلاع على الحديث والجديد مع الابتعاد عن المحظورات المرافقة لهذه الأدوات. خامساً: حضور وإذا أمكن المشاركة في المؤتمرات والندوات واللقاءات التي تقيمها الجمعيات الأهلية والتطوعية أو الجهات الرسمية وخاصة تلك المتخصصة في المرأة والأسرة والطفل وطرح وجهة النظر الإسلامية في هذه المنتديات إذا أمكن. سادساً: تأسيس المؤسسات الإسلامية والمشروعات الثقافية والمراكز الإيمانية واللجان والهيئات والجمعيات النسوية الإسلامية لتخريج كاتبات وخطيبات ومثقفات إسلاميات ومصلحات راشدات عصريات. سابعاً: علو الهمة والإصرار والمثابرة والإقدام والجرأة ما هي إلا سلالم لنجاح المرأة المؤمنة في الوصول لأهدافها الإيمانية. ثامناً: اهتمام العلماء والقيادات الدينية بالمرأة المسلمة وإعطائها الدور الحضاري الذي تستحقه وتشجيعها وتشويقها لبناء شخصية إسلامية راقية متثقفة وواثقة من نفسها. تاسعاً: فهم الدين الحقيقي والارتباط بالله ارتباطاً وجدانياً والاقتداء بالأنبياء (عليهم السلام) والأئمة (عليهم السلام) والصالحين والعلماء، واتخاذ صالحات الأمة كخديجة (عليها السلام) وفاطمة الزهراء (عليها السلام) والحوراء زينب (عليها السلام) كمنارات شامخة يُستضاء بها إلى طريق العظمة والشموخ والخلود الأخروي السعيد.
|
||
|
إن الله تعالى أنزل في القرآن الكريم كل ما هو هدى ورحمة للبشرية من ضمنها آية 30 من سورة النور الخاصة بالنساء ليبين حدود الحجاب الشرعي للمرأة المسلمة وأساسه في الدين الإسلامي الحنيف وقال تعالى في قرآنه الكريم: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) صدق الله العلي العظيم. فمعنى كلمة (وليضربن) أي يلقين ويسدلن الأسدال خاصة في اللبس الفضفاض وليس اللبس الضيق. (بخمرهن) أغطية رؤوسهن (المقانع). (على جيوبهن) على مواضع الصدور وما حولها. شرعية الحجاب هو ظهور كف اليد و الوجه بدون الحنك (حد موضع الوضوء) فوجوب الحجاب في الدين حفاظاً على المرأة من النفوس الضعيفة المفسدة التي تسرق الأعراض بدون أي إحساس أو مبالاة فلا تصبحي كالسلعة المعروضة للبيع يتصفحها من يريد أن يشتريها ويعبث بها من يريد سرقتها بل كوني كالمحارة القوية ذات الشخصية المتينة التي تحفظ اللؤلؤة وهي عفتها وحياؤها فكوني فتاة متمسكة بحجابها ليكون هذا الحجاب حجاباً لها في الدنيا والآخرة. الحجاب الدنيوي هو الذي يكون حائلاً بينها وبين الذنوب والآثام. والحجاب الأخروي: هو الذي يكون حائلاً بينها وبين نار جهنم وتأتي فاطمة الزهراء (عليها السلام) في الآخرة لتلتقطها بيدها وتدخلها الجنة بإذن الله تعالى. فالحجاب يعطيك مظهراً جميلاً يوحي لناظرك بالطمأنينة والطهارة والحياء ورضى الله عز وجل فتمسكي بهذا الحجاب وحافظي عليه لتنالي رضى رب العالمين.
|
||
|
من ِنعم الله علينا (المال والبنون) والبنون هم النعمة التي ما إن أسأنا العناية بها خلفت لنا مجتمعاً فاسداً، والإنسان عبارة عن جسد وروح.. والمربي القدير هو الذي يلاحظ التوازن بين مطالب الجسد ومطالب الروح، فكما نعتني بجسد الطفل يجب أن نعتني بمطالب روحه والتي يتنازعها ميلان إ يجابي وسلبي. ومسؤولية المربي تكمن في القضاء على الميول المنحرفة والصفات البذيئة التي يمكن أن يرثها الطفل من الأبوين مثل (الجُبن، البخل، الحسد، الكسل، إلخ...) وهذه الصفات ليست من قبيل القضاء الحتمي (كأشكالنا وألواننا وأطوالنا) بل من الصفات القابلة للتغيير. ومرحلة الطفولة تعتبر أحسن المراحل لتعلم الأسلوب الصحيح في الحياة، لأن حلقة الاقتباس والتقليد وحاسة التقبل عند الطفل شديدة فباستطاعته أن يتلقى جميع حركات المربي وسلوكه اليومي من نظافة أو طريقه للحديث، وأسلوب التعامل والصدق، وما إليه. وتقول إحدى الدراسات: إن الأطفال الذين يتحدث لهم آباءهم نصف ساعة على الأقل كل يوم في الشهور (10 - 14) من أعمارهم يكونون أفضل من أقرانهم مع بلوغهم السابقة، وقد وجد أن معدل الذكاء العام لهؤلاء الذين يتلقون الكلام بانتظام وهم رضع يحتل الثلث الأعلى من مقياس الذكاء بينما أولئك المدرسون من الكلام يكون معدل ذكائهم الثلث الأدنى من مقياس الذكاء. فيجب إذاً أن لا يهمل الدور الطفولي الخصب بلا إنبات فيقول أمير المؤمنين (عليه السلام) لولده الحسن (إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقى فيها من شيء قبلته فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك). إن العواطف لدى الطفل تظهر قبل العقل، ويمكن الاستفادة من أحاسيسه، فالعالم كله يرسل الدراسة بعد السنة السادسة لتفتح مواهبه الفكرية أما إحساسه ومشاعره فقد بدأت قبل ذلك بكثير. فأحياناً قد يبكي الطفل دون أن يشكو ألماً أو جوعاً لكن بكاءه يعني أنه جائع إلى الحنان والعطف ليغذي نفسه وروحه. أما اللعب فهو عزيز عند الطفل، قد يستهين به الآباء لكنه يبعث القوة في عضلات وعظام الطفل ويزيد من القدرة على الابتكار وإخراج ما في جوفه إلى حيز الفعل، وقمة السعادة للطفل حينما يشاركه الوالدان اللعب. لأنه يشعر أن أفعاله الصبيانية مهمة إلى درجة أنها تدعو الوالدين إلى المساهمة معه. هذا الإحساس ينمي شخصية الطفل ويركز فيه الشعور بالاستقلال والثقة بالنفس ويساعد على بناء شخصية إنسانية متكاملة في المستقبل، ولا تكفروا بالنعم واشكروا الله على النعمة وعلى الذرية الصالحة. |
||
|
وحتى نعرف حقيقة الإسلام يجب علينا أولاً توضيح مفهوم الإسلام لغة وإصطلاحاً: فهو لغة: الخضوع والانقياد والتسليم التام لأمر من الأمور بلا أي اعتراض. واصطلاحاً: سميت رسالة النبي المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله) بالإسلام لأنها كانت خاتمة الرسالات السماوية. ذلك مع العلم أن في أيام الجاهلية الأولى كانت تطلق تلك اللفظة بلا مضمون أو معنى حقيقي فكري، وعند مجيء الإسلام والقرآن الكريم ليجعل منها كلمة ذات معنى حقيقي وذات وزن ومعنى بل وفعل أيضاً. قد يخطر ببالنا سؤال مهم جداً عن مفهوم المسلم الحق واختلافه من شخص إلى آخر حسب ظروف مختلفة، أهمها: طبيعة إسلام الشخص والظروف المحيطة به عند إسلامه. والمصادر أو الأشخاص الذين أخذ منهم مفهوم الإسلام كرجال الدين أو الداعية وما إلى ذلك. وغيرها من الظروف.. وعلى العموم انقسم الأشخاص حسب تلك الظروف تحت راية الإسلام إلى درجات: أولاً الإيمان: وهي أعلى مرتبة في الإسلام وأرقى درجاته لأنها تصل لمستوى التشبع الكامل أو الجزئي بالإسلام وقوة الارتباط بقواعده السليمة بلا معارضة وبخشوع تام وخضوع. ولا يخفى علينا اختلاف لفظة المسلم ولفظة المؤمن كما فرق الله تعالى بين الكلمتين في سورة الحجرات: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) صدق الله العلي العظيم. ثانياً الإسلام الظاهري: وهو إسلام ضعيف لا يلم فيه المسلم بقواعد الشريعة التامة، وتلك الفئة خطرة على انتشار الشريعة الإسلامية إذا ما وضعت زمام الأمور بيدها، ومن هنا يتضح لنا نوعان ممن ينتمون تحت راية الإسلام ولا ينطبق عليهم وصف الإيمان بغض النظر عن بقية المسلمين العاديين. ومنهم المنافقون وهم كل من أظهر إسلامه للناس وأخفى الشرك والكفر بهذا الدين، وهو في الحقيقة قد تساوى بذلك مع منزلة الكافر وهم من قال فيهم تعالى: (ألم تر اللذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحداً وان قوتلتم لننصركم والله يشهد أنهم لكاذبون)، إذاً مما لاشك فيه أن المنافق استحق منزلة الكافر. ومنهم الفاسقون وهم من آمنوا بالإسلام في نفسه ولكنه لم يطبق الإسلام في حياته ولم يلتزم بأحكامه. ويتضح لنا من هذا البحث حقيقة مهمة جداً، وهي أن المنافقين والفاسقين هو خطر على الإسلام والمسلمين وبكيفية تطبيق الإسلام الصحيح. كما لا يخفى علينا أن تلك الفئة لعبت دوراً في تمزيق وتفريق أبناء الأمة الإسلامية إلى فِرق عديدة. ما يُراد قوله، أنه من الواجب علينا أن نخشى هؤلاء أكثر من خشيتنا من الكفار أنفسهم، لأن المنافقين يندسون بيننا تحت راية الإسلام وتخفى علينا نواياهم الرخيصة أما الكفار فنحن نعلم مسبقاً بكراهيتهم لنا وللإسلام. فئة المنافقين استحقت عذاب الله في الدنيا والآخرة ولربما مصيبة الحسين (عليه الصلاة والسلام) وأهل بيته خير دليل على ما نقول فلقد تأثروا بتلك الفئة تأثراً بالغاً.. وقد أسهمت تلك الفرقة المنافقة بتمزيق الأمة إلى فِرق عديدة، كما نعلم انهم بعيدون كل البعد عن الإسلام، فليسوا سوى مرتزقة. والخطر الحقيقي يكمن الآن ولا تخفى علينا أهداف أعداء الإسلام بتوسيع الشق بين المسلمين ليسهل عليهم تمزيقنا، لذا فلنكن متحدين، ولنكمل ثورة الحسين (عليه السلام) ولتكن الثورة على أعداء الإسلام لا على أنفسنا. سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصحابه: أي عرى الإسلام أوثق؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم وقال بعضهم الصلاة وقال البعض الآخر الزكاة والبعض الصيام والبعض الآخر الحج والعمرة وبعضهم قال الجهاد. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كل ما قلتم فضل وليس به، ولكن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله وتوالي أولياء الله والتبري من أعداء الله. وهذا ما ينبغي لنا أن نكون عليه.
|
||