|
|
|
|
|
شاب يريدونها (خلطبيطة) .. فنقموا على مجلس الأمة! |
||
|
عيسى الذي إعتاد على النهوض باكراً كل يوم - لا لأجل صلاة الفجر - بل حتى (يتأهب) للذهاب إلى الجامعة حيث تبدأ محاضرته الأولى الساعة الثامنة، تعكر صفو مزاجه حينما وقعت عيناه على عنوان عريض في صحيفة محلية يقول: (الإسلاميون يكسبون.. لا للاختلاط في الجامعات الأهلية)، وهو ما جعل نظام (تأهبه) المعتاد يختل قليلاً؛ فلم يغسل شعره وما تحت إبطيه ويشذّب أطرافه وأطراف شاربه بماكنة الحلاقة، ولم ينتق بعناية نوعية قميصه وبنطاله الأزرق (الجينز) ليتوافقا بلياقة، ولم يسرح شعره وفق أحدث التقليعات الغربية، ولم (يغرق) نفسه بالعطور الغالية، وإنما اكتفى بغسل وجهه وتمشيط شعره بسرعة ولبس ما كان أمامه من ملابس ثم بخّ قليلاً من العطر وخرج من منزله بسيارته (الجيب) الخضراء اللون متأففاً ناقماً على أعضاء مجلس الأمة الكويتي! ولم يكن يروق لعيسى الذي يعلق آمالاً في سنته الجامعية الأولى على إنجذاب الفتيات إليه؛ أن يسنّ البرلمان قانوناً يمنع بموجبه اختلاط الجنسين في الجامعات الأهلية الخاصة أسوة بما قرره قبل نحو ثلاث سنين في خصوص الجامعة الحكومية الوحيدة، حيث ألزم وزارة التعليم فصل الطلاب عن الطالبات في مواقع التدريس والممرات في غضون خمس سنوات. ومرد انزعاجه هو أنه سيحرم من إمكانية الاحتكاك مع الجنس الآخر ولأن خطته في أن يحذو حذو رفيقه خليل. م ستبوء بالفشل، إذ إن خليل الذي درس في المدارس الأجنبية الخاصة يتباهى أمامه دوماً بفتياته حتى أنه أطلعه على صورة له مع إحدى صديقاته في وضع حميم، فقط ليغيظه! ولم يحضر عيسى محاضراته في ذلك اليوم، بل تسمّر أمام شاشة الكمبيوتر في زاوية من زوايا القاعات الجامعية المخصصة للإنترنت ليدخل في قوائم نقاش إلكترونية متعددة عبر برنامج يدعى (آي. آر. سي) وغرضه من ذلك تنفيس احتقانه من خلال مهاجمة نواب البرلمان والإسلاميين أو (الظلاميين) على حد وصفه لأنهم أقدموا على هذه الخطوة التي جعلت أحلامه هباءً منثوراً! غير أن حظه العاثر أوقعه في نقاش مع صحافي مشاكس يمثل مجلة إسلامية إمامية كان قد اهتم كثيراً في اقتحام عالم الإنترنت بغية رصد الاتجاهات الشبابية الحديثة، وقد تابع النقاش بلهفة كل من كان على تلك القناة التحاورية التي يطلق عليها (جات جنل). بدأ الحوار على نحو مثير استخدم فيه عيسى شعارات برّاقة في التنديد بالقانون الجديد، وهي شعارات طالما رفعها الشباب (المتأمرك) في وجه الشباب المستنير، كان منها (لا لسلب حرياتنا وحقوقنا الشخصية! لا لفرض الوصاية على المجتمع! لا للرجعية! لا لتكفير المجتمع! لا للإرهاب!)، ومما زاد النقاش حدية وإثارة أن اتجهت مجموعة من الأشخاص من الشبان والشابات للوقوف إلى صفه مقابل الصحافي الذي لم يجد ناصراً إلا قليلاً، حيث (وقليل من عبادي الشكور). وبعدما تمكن الصحافي المشاكس من استدراج خصمه ليبوح له بالأسباب الحقيقية لتأييده الاختلاط - وهي التي لم يتوانَ الصحافي عن نشرها في مجلته - وقعت الفأس برأس عيسى إذ تبيّن أن غضبه ليس لأجل شعاراته التي رفعها وإنما لأجل رغبته في الاستمتاع بالفتيات، حتى وصل به الأمر إلى أن يقول في ختام المحاورة: (الله يفكنا منكم يا رجعيين.. ما ترحمون ولا تخلون رحمة الله تنزل.. تبون تحرموننا من البنات في الجامعة وهم بعد في الجامعات الخاصة)! وكانت مسألة فصل الجنسين في مرحلة التعليم الجامعي مثار جدل واسع في الأوساط السياسية والاجتماعية أخيراً، استخدم فيها التيار العلماني مختلف أسلحته للحيلولة دون إقرار القانون المتعلق بفصل الاختلاط في الجامعات الأهلية المرتقب إنشاؤها من قبل القطاع الخاص. وكانت محاور حجج ذلك الاتجاه أن الفصل بين الجنسين أمر غير عملي وهو يوّلد كبتاً لدى كلا الطرفين قد يؤثر في خلق عقد نفسية لكل منهما بفعل الانزواء عن الآخر، كما أن الفصل يعد تدخلاً في الحياة الشخصية للأفراد وهو ما لا يقره النظام الديموقراطي. بيد أن هذه الأطروحة تغافلت إلى حد كبير الحقائق العلمية المطروحة في هذا الشأن والتي دعمتها التجربة، فمن حيث المبدأ يرى مسؤول رفيع المستوى في مركز ثقافي إسلامي إن هذا الخلاف الناشئ لا يعدو كونه مجرد (لعبة مصطلحات) يمارس فيها كل طرف من الأطراف توظيفها لتدعيم رؤاه دون النظر بجدية إلى الواقع العلمي والعملي. فالحديث مثلاً عن أن فصل الاختلاط يولد كبتاً نفسياً قد ينقلب إلى آثار خطيرة يتناقض مع كم كبير من الدراسات الحديثة التي أعدتها مراكز بحثية غربية أكدت على أنه يساعد كثيراً على تقويم المسار العلمي للطالب والطالبة على حد سواء، وهو الأمر الذي دفع عدداً من الجامعات الغربية إلى تبنيها وتأسيس كليات منفصلة للبنات فضلاً عن جامعات خاصة للذكور أو للإناث. وأضاف في حديث هاتفي أجرته معه (المنبر) على هامش المناقشة البرلمانية لقانون الجامعات الأهلية: (لقد تبين في كثير من الدراسات التربوية الغربية أن فصل الطلاب عن الطالبات في المراحل الدراسية يحقق نتائج علمية متقدمة ويكسب الطالب محصولاً من القيم الذاتية تساعده على الانضباط السلوكي والتقدم فضلاً عن أنه يشجعه على تغيير نظرته للحياة التقليدية ويدفعه نحو التميز، كما أنه يسهم إسهاماً بالغاً في تخلّصه من المشاكل الاجتماعية التي يولدها الاحتكاك بالجنس الآخر من قبيل الإدمان على المخدرات والكحول والدخول في منظمات العنف وما أشبه ذلك، ولعلنا نشير إلى ويلز (ليزا رايرسون) ودراسة البروفيسورة (نانسي بيدي) ودراسة الباحثة التربوية (إليزابيث تيدبال) ودراسة الدكتور (مارش ورو) علاوة على البحث الأكاديمي العملي الذي أعدته جامعة (هارفرد) بخصوص التعليم غير المختلط). وأشار إلى أن (الغريب في الأمر أن ناصري التيار العلماني ينكرون هذه الحقائق العلمية، رغم أن منها ما دفع كثيراً من المدارس والجامعات الغربية على تبني فكرة فصل الاختلاط كما حدث في أميركا وأوروبا، لقد مارسوا أسوأ أنواع المناورة السياسية حينما ادعوا أن فصل الاختلاط يشجع نشوء حالات الشذوذ، وكأنهم بذلك يضعون شبابنا وشاباتنا في زاوية الهياج الجنسي وهو أمر مرفوض تماماً، وكلنا يعلم كيف واجه المجتمع ـ عالية شعيب ـ حينما زعمت أن الشذوذ منتشر بين طالبات الجامعة، وهي الفرية التي قامت الدنيا وقعدت بسببها (...) لئن كان أولئك يستشهدون بمجموعة من الدراسات التي ترى عدم فصل الاختلاط فإننا نؤكد على أن الدراسات التي دعت إليه أكثر بكثير من تلك، كما أنها دراسات حديثة لأنها تحاول أن تعالج وضعاً قائماً وهو الاختلاط، بينما الدراسات التي تدعو إلى عدم الفصل قديمة تعود إلى الستينات والسبعينات ولا يمكن الاستشهاد بها في مقام الدليل. ونحن لا نرى بداً من مطابقة الأمر على الواقع والتجربة التي أثبتت أن مساوئ الاختلاط ليست بالقليلة أبداً). وزاد: (المشكلة أن مناصري التيار العلماني يعتبرون فصل الاختلاط تدخلاً في الحريات الشخصية للأفراد، وهذا ما أسميه بلعبة المصطلحات.. فإن بإمكاننا القول أيضاً أن فرض الاختلاط هو أيضاً تدخل في الحريات الشخصية للأفراد الذين لا يريدونه، فما الصحيح هنا؟ لا أعتقد أن علينا أن نلعب هذه اللعبة لأنها مكشوفة). لكن رموزاً علمائية عبّرت عن تأييدها للاختلاط بين الجنسين في الجامعة إذا ما صاحب ذلك التزام كامل بالضوابط الشرعية حيث تلتزم الفتاة باللباس الشرعي الكامل، غير أنها ترى أن ذلك محال بالنظر إلى عدم تطبيق القوانين الإسلامية، ولأن الخصوم سيعتبرون هذه الدعوة أيضاً (تدخلاً في الحريات الشخصية للأفراد)! وإذا ما تم مقايسة الأمور بهذا المقياس فإن ذلك يعني عدم وجود أي ضابط يحكم طبيعة اللباس المدني، وهو أمر لم يحدث حتى في الدول الغربية نفسها التي تضع حدوداً للباس، فعلى سبيل المثال يمنع القانون في أميركا خروج الفتاة بملابس البحر (المايوه) في الشوارع العامة.. فلم لم يعترض على ذلك بأنه حجر على التصرفات الشخصية، وكذلك فإن مجلس العموم البريطاني وهو من أعرق الديموقراطيات في العالم الغربي يمنع أعضاءه من السيدات من دخوله ببنطال (الجينز) مثلاً حيث أن للمجلس التشريعي هيبته التي لا تتناسب مع ارتداء مثل هذا اللباس، في حين أن بعض العلمانيين دافعوا عن الهجمة الشرسة التي تعرّضت لها النائبة التركية (مروة قاوقجي) حينما رفضت نزع الحجاب وتمسكت في الوقت ذاته بحقها في ممارسة تمثيلها للشعب التركي الذي انتخبها، ولم يرد على ألسنتهم أن ذلك تدخل في الحريات الشخصية للفراد؟!! وتنظر أوساط مثقفة مستنيرة إلى أن المسألة بجوهرها هي مسألة الانضباط الخلقي، فالمقياس الغربي لا يمكن أن يكون مقياساً للمجتمع الإسلامي، فإذا كانت الجريمة في الغرب أن تسير المرأة بملابس البحر في الشوارع، فإن الجريمة في الشرق الإسلامي هي أن تسير المرأة غير ملتزمة بالحجاب الشرعي، وذلك يعود إلى اختلاف البيئات والسلوكيات والمقاييس. وساقت هذه الأوساط في معرض تعليقها على الجدل الدائر مثالاً قريباً إلى الأذهان، ففي حادثة الاعتداء على طالبة المعهد التجاري استغلت الأطراف المناهضة للمشروع الإسلامي القضية لصالح الادعاء بأن ثمة من يمارس عملية الوصاية وتكفير المجتمع، لكن الواقع - الذي أثبتته المحكمة فبرأت المتهمين - خلاف ذلك تماماً، إذ إن الاعتداء المزعوم لم يجرِ مقابل الباب الرئيسي للمعهد في منطقة حولي دون سبب، وإنما في شاليه بمنطقة كبد النائية إذ كانت الفتاة بصحبة صديقها وفي وضع مخل بالآداب، وهو الأمر الذي استفر بعض الشباب المتحمس وخدش حياءهم فهمّوا بما فعلوا وهم غير ملومين، رغم (تحفظنا واستنكارنا لهذا الأسلوب الذي لا نراه صحيحاً حيث ينبغي إسداء النصحية بالحكمة والموعظة الحسنة أولاً وقبل كل شيء). واعتبرت الأوساط أن الاستدلال بكون مناسك الحج مختلطة أوهن من بيت العنكبوت، حيث أن المسألة في ذلك الإطار تعبدية بحته، في حين أن الدراسة ليست كذلك ولا ينبغي لها أن تكون، كما أن من فلسفة الاختلاط في الحج تعريض الأفراد إلى الامتحان الإلهي بالاختلاط مع الجنس الآخر في الشعائر، حتى يميز الله تعالى المؤمن من غيره. وقد أظهرت نتيجة التصويت البرلمانية على مشروع القانون في خصوص بند التعليم المختلط أن الغالبية الشعبية ضده، وهو ما أوقع الخصوم في موقف محرج إذ ليس لهم - وهم يدعون إيمانهم بالديموقراطية - من مناص سوى قبول هذه النتيجة حسب مبدأ الأكثرية المطلقة. |
||