|
|
|
|
|
أبعاد (لنبدأ من جديد) الشيرازية.. تحرير الجنوب اللبناني مثالاً |
||
|
وهنا تختلف الآراء والتصورات حول الأسباب التي أوصلت العالم العربي إلى هذا النوع الهزيل من الاتفاقات، والتي طافت بين مدريد وأوسلو ومناطق أخرى مختلفة. لكن هذه الآراء والتصورات ليست بالأمر المستجد في قاموس التقييم ومحاولات التقويم التي تبنتها بعض قوى المعارضة العربية التي انتشرت في بقعة واسعة من الأرض بشكل لا مثيل له. فلا يمكنك أن تقارن بين عدد عناصر واتجاهات أية معارضة في العالم مع عدد عناصر واتجاهات المعارضة العربية الناشئة عن تحولات الصراع مع إسرائيل. فضلاً عن أن كثيراً من الانقلابات والأنظمة السياسية الجديدة قد أخذت مكاناً لها مشهوداً خلال الفترة الزمنية بين نشوء إسرائيل ووقتنا الراهن. ولكن كانت النتيجة سلبية طوال هذه العقود، ففرحت الشعوب الإسلامية اليوم بنصر فئة غير نظامية قليلة العدد، والذي لم يكن يمس يوماً مخيلة المواطن العربي الذي لا ينظر إلى الصراع مع إسرائيل إلا من خلال ما تعكسه الأنظمة العربية من أرقام وإحصاءات تؤكد حيناً بسقوط إسرائيل بتفاعلات مجتمعية داخلية، وحيناً آخر تؤكد بوجود إرادة دولية بتقليص الدور العسكري الإسرائيلي في المنطقة إلى حد تتفرغ فيها الأنظمة العربية إلى تفعيل التنمية الشاملة في البلاد بما يفوق النشاط الاقتصادي الإسرائيلي، وعندها يتحقق النصر بعزلة إسرائيل دولياً وبالتالي سقوطها في متناقضات الانحلال. لقد صحا الواقع العربي من أضغاث الأحلام، ليجد أن إرادة الانتصار قادرة على تحقيقه رغم الزمن الطويل والهزائم الكبيرة. وهذا يدعونا لأن نبدأ من جديد لتقييم الواقع. فإذا كنت في مركز الضعف، وكان عدوك في مركز القوة، اعلم أن هنالك عوامل مهمة ستسبب في انهيارك، خصوصاً إذا كان البون شاسعاً بينك وبين عدوك. فبعد حرب بين جيشين، انهزم أحدهما؛ تساءل الناس عن سبب الهزيمة فأجاب قائد الجيش المنهزم: أن هناك أربعين علة لانهزامنا، الأولى هي العتاد، والثانية هي... فقال أحدهم: يكفي ذلك، ولسنا بحاجة إلى تعداد العلل الأخرى والأسباب. فالمعروف عند بعض الحكماء والفلاسفة أن الأعدام وان لم تكن وجودات، إلا أنها قد تكون منشأ لبعض الآثار في الجملة. فيقولون: انك لا تسافر لأنك لا تتملك سيارة، ولا يصح أن يقال: انك لا تملك السيارة لأنك لا تسافر. ويقولون أيضاً: انك لا تواصل الدراسة لأنك لا تجد المدرس ولا تجد الكتاب ولا تجد الوقت الكافي، فإذا حصل عندك الوقت الكافي فإنك أيضاً لا تتمكن من المواصلة، لأن هناك عدمين آخرين حلا دون دراستك. لكن الصحيح ان الأعدام لا تؤثر ولا تتأثر بل إن الوجود فقط عللا ومعلول.. فإذا كان معلول عدمي مستنداً إلى عدة من الأعدام، لا يكفي انقلاب أحد الأعدام إلى الوجود في أن ينقلب ذلك العدم المعلول إلى الوجود. ففي هذا القول إشارة إلى أن لتحقق النصر موانع عديدة، فلا يكفي انعدام أحد الموانع في إيجاد النصر بل يلزم تحقق جميعها، ولكن في الهزيمة تكفي علة واحدة لتحققه كما أشير في الحوار إلى فقدان العتاد كعلة من أربعين علة للهزيمة، لذلك اكتفى السائل في الحوار إلى واحدة من العلل.
إن المسلمين انهزموا لألف علة وعلة، فإذا فرضنا أننا تغلبنا على بعض العلل، فهل يكفي ذلك لإنهاض المسلمين ولنهضتهم؟ لقد واجهت أناساً - والكلام للإمام الشيرازي - ينسبون تأخر المسلمين إلى عدم الاتحاد. وآخرين إلى عدم توفر القدر الكافي من رجال العلم. وآخرين إلى عدم وجود القيادة الصحيحة. وآخرين... وآخرين.. فهل الأسباب منحصرة في أحد هذه الأمور أم جميعها، أم أن هناك أسباباً أخرى؟ فهب إنا وحدنا الجهود، ووفرنا القدر الكافي من أهل العلم ونظمنا شؤوننا، وسلمنا الأمر إلى قائد حكيم، ثم لم يكن لنا علم بالحياة، ولم تتوفر الأسلحة الكافية، فهل ننجح؟ يجيب آية الله السيد الشيرازي: كلا، إلا إذا أخذنا بسائر أسباب الحياة، وسائر مقومات الرقي والتقدم، إذ.. سبب واحد كاف في الهزيمة.. ولكن لا يتحقق النصر إلا بتوفر كل الأسباب. فأول التغيير إلى الصلاح أو الفساد هو الإنسان. فمن يجعل من المعلم والمهندس والطبيب والعالم والخطيب ونحوهم بهذه الصفات غير أنفسهم. ومن يجعل من هجر العلم وابتعد عن التقوى والفضيلة والخصال الحميدة، متحلياً بهذه الصفات غير ذواتهم؟ نعم لا إشكال في أن كثيراً من التقدم والتأخر له عوامل أخرى غير ذات الإنسان لكن الإنسان هو الأساس. فالسجين يتمكن أن يشغل قلبه ولسانه إما بذكر الله سبحانه وتعالى، وإما بما لا يليق، فلربما يكون السجن مدرسة، وكثيراً ما يكون محل تعلم السرقة أو الانطواء مع الرذيلة. فبريطانيا دخلت بلاد الهند ثلاثمائة سنة حتى تأسس حزب المؤتمر وقاوم الاحتلال فاخرج الاستعمار وحصلت الهند على الاستقلال الذي انتهى إلى إقامة أكبر ديموقراطية في العالم. بينما العراق الذي دخلته بريطانيا سنوات قليلة ثم أخرجت منه على يد الإمام الثائر محمد تقي الشيرازي، يعيش اليوم دكتاتورية مطلقة. فما الفرق بين البلدين؟ الأول: بقوته الطبيعية. والثاني: بضعفه الطبيعي. فلكي نبدأ اليوم من جديد، ونعيد للأمة قوتها ومجدها لابد من توفير ثلاثة أمور يذكرها المرجع الأعلى السيد الشيرازي هي: الحرية والعلم والصناعة. فالحرية هي أساس التقدم والبقاء، وهي أول متطلبات العمل للإنقاذ. فمن الضروري إعادتها.ولا يظن ان إعادتها بالأمر السهل، فالغرب بقواه المختلفة يقف حائلاً أمام عودتها إلى بلادنا. فلابد من ملء النفوس بها والتواصي فيها حتى يطلبها الكل، فلا تجد الدكتاتورية مكاناً لها، وتفر ومن أمامها الغرب كما فرت من الهند وغيرها. وحينئذ نتمكن من أن نبدأ من جديد. وأما العلم فهو أساس التقدم لتجديد الحياة، فإذا توفرت الحرية أتى العلم، لأن العلم لا يكون إلا بالحرية. فالعلم يدخل في كل بعد من أبعاد الحياة إنشاء أو تحسيناً، كماً وكيفاً. وأما الصناعة، فتاتي بعد العلم لأنها متوقفة عليه، من غير فرق بين الصناعات الخفيفة أو الثقيلة. مع الدخول مرحلة الاكتفاء الذاتي. وصحيح أن الاكتفاء الذاتي ربما يجعل حياتنا بدائية نوعاً ما، لكن الحياة البدائية خير من العدم الذي نعيشه الآن، لأننا نعتمد على غيرنا في توفير الاحتياجات العصرية. فخروج بريطانيا من الهند بعد 300 سنة من الاستعمار تسبب في فقرها وتأخرها ولكنها بعد الاستقلال تقدمت في أقل من نصف قرن. وهكذا الحال إذا خرج الاستعمار عن بلاد الإسلام فإنها تتقدم في أقل من نصف قرن إن شاء الله تعالى، وإلاّ فهل من المعجزة أن أكثر من ملياري مسلم لا يتمكنون من أن يصنعوا حتى بقدر إسرائيل ذات الثلاثة ملايين نسمة؟! فإذا نظرنا اليوم إلى ما صنع من نصر في الجنوب اللبناني، فإن قدراً من أسباب النهضة قد أخذت مكانها بين أبناء جزء من بلادنا المسلمة، الأمر الذي قوض (القوة التي لا تقهر) في المنطقة. فماذا سيكون عليه الحال لو أننا نهضنا بالأمة كافة في مقابل هذا الكيان الغاصب وهذه المعادلات الدولية القوية في مظهرها، الهزيلة في واقعها إن صممت الأمة على القيام من هذه الكبوة؟ ليس ذلك بمستحيل أبداً.
|
||