|
|
|
|
|
ثقافة تبرير الظلم.. تتسلل إلينا! |
||
|
ربما يعد الاحتكام إلى (العقل) أهم ما يميز المدرسة الإسلامية الإمامية، فهو إلى جوار كونه مصدر ثرائها وقوتها، فإنه يمثل قناة أساسية من قنوات التشريع واستنباط الأحكام الفقهية بالإضافة إلى القنوات الثلاث الأخرى وهي (الكتاب) و(السنة) و(الإجماع). و(إعمال العقل) يعتبر مفردة محورية في الخطاب الفكري الشيعي بشكل عام، فيلاحظ أنه حينما نتحدث عن القضايا الخلافية المذهبية مثلا فإننا ندعو بالدرجة الأولى لاعتبار العقل والمنطق أرضية الانطلاق والنقاش والمعالجة حتى تكون النتيجة أكثر دقة وسلامة. في حين أن المدارس الفكرية الأخرى كانت تحاول - وإن على استحياء - إلغاء دور العقل في قياس الأمور وتحديد المواقف وانتقاء المعتقدات، وذلك يرجع إلى العجز المنطقي الذي كانت تعاني منه تلك المدارس في بيان أحقيتها، من هنا يسجل الباحث في التطور التاريخي للمذاهب الإسلامية أنها - باستثناء مذهب أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) - كانت ترفض اعتبار (العقل) مصدراً من مصادر التشريع بحجة أنه غير مؤهل بالضرورة لاستيعاب الدين. غير أن حملة المذهب الإمامي كانوا يؤكدون على دوره وأهميته في الوصول إلى الحق انطلاقاً من القواعد القرآنية، حيث يقول تعالى: (وليذكرّ أولوا الألباب)، كما يقول عز من قائل: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب). لقد رسمت هذه المنهجية - أي الاحتكام إلى العقل - مساراً متطوراً للفكر الشيعي، فلم يبق جامداً في إطار التراث مع محافظته على أصالته، بل فتح باب الاجتهاد ولم يغلقه مكيّفاً نفسه مع المعطيات العصرية المتجددة. ولذا نجد أن الفقه الشيعي مثلاً هو الأكثر شمولية والأكثر تطوراً والأقدر على تشخيص واقع الحياة بتطورها الزمني المتسارع، بل تعدى الأمر ذلك إلى استشراف ملامح المستقبل، فمسألة كـ (الاستنساخ) على سبيل المثال كانت حاضرة في الفقه الإمامي قبل اكتشافها بنحو ثلاثين عاماً، عندما أفتى المرجع الديني الأعلى للشيعة الإمام الشيرازي (دام ظله) بجوازيتها كما هو مدوّن في (المسائل الحديثة). هذا على صعيد الفقه.. أما على صعيد البنى العقائدية، فتظهر منهجية الاحتكام إلى العقل جلية في صياغة الأركان الفلسفية للمذهب، فمسألة من قبيل (نفي التجسيم) مثلاً تعتبر مؤشراً واضحاً إلى أن المناط في الاعتقاد إنما يكمن في إعمال العقل الذي لا يمكن له أن يتصور أن خالق السماوات والأرضين له جسم كأجسامنا فيحويه المكان وهو جل شأنه خالق المكان والزمان! وعلى السياق ذاته؛ لا يمكن لمن يعرض الأمور على عقله أن يذهب إلى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ترك الأمة في فوضى قيادية دون أن ينص على خلفائه من بعده، فهذه سيرة تتناقض مع سيرة كل الأنبياء (عليهم السلام)، فضلاً عن أنها تتعارض وسيرة العقلاء! كيف لا ونحن نرى أن كل الملوك والرؤساء - حتى في الجمهوريات الديموقراطية - يعكفون على تأهيل من يخلفهم طبيعياً؟! وإذا تناولنا الأمر وانعكاساته على الصعيد الثقافي الأعم، نجد أن منهجية الاحتكام إلى العقل فرضت حزمة من القواعد الفكرية التي أثرت تأثيراً مباشراً على الأيديولوجية الشيعية، وهو الأمر الذي قاد إلى كثير من (المشاكل) السياسية والاجتماعية على مر التاريخ نظراً للتفاوت الجوهري في ما بينها وبين الأيديولوجيات الأخرى. فنظرية كـ (عدالة الصحابة) مثلاً كانت محل رفض الفكر الشيعي انطلاقاً من المعايير التي وضعها لتقييم الشخصيات و (عقلنة) النظرة إليها وفق منظار طبيعي غير مقدّس أو متأثر عاطفياً، إذ لا يعقل أن يكون كل من القاتل والمقتول بالجنة، كما لا يعقل أن تكون مجرد مزامنة عصر الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ومصاحبته مبرراً لدخول الجنة حتى وإن كانت الآثام والذنوب بحجم الجبال، خاصة إذا ما اكتشفنا أن هذه الآثام مرتكبة بسبب جرائم بحق آل الرسول (صلوات الله عليهم)! لقد تسببت هذه النظرة (العقلائية) في تصادمات كثيرة مع المدارس الفكرية الأخرى، عدا عن الصدام السياسي الدامي مع الحكومات على مر التاريخ، حيث إن المدرسة الإمامية كانت ترفض الاستكانة والقبول بشرعية السلطة ما دامت ظالمة وغير خاضعة للأئمة المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين) فهم من يمثل الشرعية الإلهية. وفي زمان الغيبة الذي امتد إلى عصرنا هذا، كان واضحاً أن الشيعة كفئة بقت دائماً في موقع المعارضة ونادراً ما كانت تنتقل إلى هامش الموالاة للسلطة حتى وإن كان الحكام من الشيعة، وذلك انطلاقاً من الموروث الفكري الإمامي ومعطياته ومعاييره. في حين أن الملاحظ على الاتجاهات الأيديولوجية الأخرى أنها كانت تعوّد المعتقدين بها على القبول بالأمر الواقع والخضوع للسلطة حتى وإن كانت جائرة. إنها تحرّم الخروج عليها وتعتبر ذلك عصياناً وشقاً لعصا الطاعة، والأسلوب الذي تراه مناسباً يكمن في (إسداء النصيحة) لا أكثر. وقد كلّف ذلك الأمة الكثير، فـ (إسداء النصيحة) لم يقتص لمظلوم ولم يرفع ظلماً ولم يجرِ عدلاً ولم يحقق نصراً، واستمر تراجع الأمة إلى الوراء حتى باتت اليوم في يد المستعمرين والحكومات المسيّرة من قبلهم، وكنتيجة حتمية لهذا المسار التراجعي، نشأت (ثقافة تبرير الظلم) كإحدى أوجه التوفيق بين فطرة رفض الظلم والانقياد للحاكم أياً كان، وتتبين معالم هذه الثقافة من خلال أمثلة عدة، فها هو أبو بكر مجتهد في منعه الزهراء (سلام الله عليها) إرثها واغتصابه لحقها، وها هو معاوية معذور في خروجه على أمير المؤمنين (عليه السلام)، وينسحب الأمر إلى تبرير قتل يزيد للحسين السبط (صلوات الله عليه)! (ألا لعنة الله على القوم الظالمين).. كان هو الجواب من قبل الشيعة الذين التزموا بـ (ثقافة رفض الظلم) مهما كلّف الأمر، حيث لا مهادنة ولا مساومة. المقياس هو الدين ومبادئه.. لا شيء آخر سواه. بيد أن ما يشكل ضربة موجعة للتراث الشيعي العظيم أن (ثقافة تبرير الظلم) بدأت بالتسلل إليه عبر بعض الوسائط، من خلال توظيف مفردات تبريرية شيعية هذه المرة، بمعنى أن (الأذن الشيعية) اعتادت على سماعها بشكل اعتيادي، فعلى سبيل المثال لا الحصر نرى كيف كرّست أطراف طاقاتها لأجل التعتيم على خبر اعتقال الطفل المعجزة السيد (علم الهدى)، وعندما شاءت القدرة الإلهية لهذا الخبر المؤلم أن يصل للعيان؛ شنت تلك الأطراف حملاتها ضد من تكفّل بنشر الخبر وتفاصيله زاعمة أنه (يتقاضى أجراً من أميركا والصهيونية ويعمل على زرع الفتنة من أجل تقويض دعائم الجمهورية الإسلامية)!! عجباً! كيف أصبح الدفاع عن المظلوم ارتباطاً بالمستعمر؟ وكيف أمسى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر زرعاً للفتنة وتقويضاً لدعائم دولة؟ أما يعلم هؤلاء أن (الساكت عن الحق شيطان أخرس)؟! أليست وظيفتنا الشرعية تلزم جميع المؤمنين - كل بقدر استطاعته - القيام بما قمنا به؟! والأدهى والأمر أن بعضاً من الأطراف توجهت معاتبة بالقول: (ما دمتم علمتم بالأمر فلماذا نشرتموه وكشفتموه.. إن مصلحة الجمهورية الإسلامية تقتضي ألا تشوّه سمعتها خاصة مع ازدياد حملات الغرب الكافر ضدها)! ولا نملك نحن تعليقاً على هذا الكلام إلا إبداء الأسف إلى ما آل إليه تفكير هذه الأطراف، فلو أن كل فرد سكت عن الحق وتراجع عن الدفاع عن المظلومين؛ لما تقوّم عوج ولما صلح أمر ولما انعدل حال، ثم إن الغرب الكافر هو المستفيد الأول من مثل هذه الاعتقالات الظالمة التي طالت مراجع التقليد وأساطين الحوزات ولم تبق ولم تذر، والكلام في هذا المورد لا يحتاج إلى المزيد لأن في القلوب ألم كثير! مشكلة هذه الأطراف أنها تأثرت كثيراً بثقافة تبرير الظلم فأوجدت هالة من القداسة على تصرفات السلطة حتى وإن كانت على حساب حياة وكرامة وحريات أبناء الأمة. وهذه الإشكالية بدأت تغيّب بشكل واضح منهجية الاحتكام إلى العقل التي اتسمت بها مدرستنا العريقة. فليراجع كلّ نفسه.. فلا ينبغي لنا أن نبرر الظلم أو الأخطاء، الجميع معرضون للخطأ وليس أحد معصوماً بشكل كلي سوى أربعة عشر شخصاً (صلوات الله عليهم)، من دون هؤلاء لا عصمة لهم. كيف نطلب من الآخرين رفض الظلم وتوجيه أصابع الإدانة إلى من ظلم أهل البيت (عليهم السلام).. ونحن نقبل بالظلم ونقر به ونخضع له ولا نقبل الإدانة (حفاظاً على المصلحة والوحدة)؟ أولئك أيضاً معذورون إذ يقولون مثلاً: (دعونا من أمور وقعت في الماضي.. دعونا من معاوية وعلي، ويزيد والحسين.. حفاظاً على المصلحة والوحدة الإسلامية)!! فلنحافظ على تراثنا وعقائدنا ومبادئنا ومرتكزاتنا، إنها ضمانة لتنزيه الساحة من أي انحراف أو ظلم، كفانا التفافاً على الحقيقة ولننظر إلى الأمور بمعيارية (العقل) و(المنطق) و(العدالة) و(الحرية). وختام كلامنا دعاؤنا بأن يمن الله تعالى على السيد علم الهدى بالحرية قريباً عاجلاً إن شاء الله، وأن يعجل في فرج مولانا صاحب العصر والزمان عليه الصلاة والسلام حتى ينقذنا مما نحن فيه!
|
||