|
دراسة: الدكتور كاظم الموسوي
يوم لم يكن في عراق (سيد الشهداء) الحسين بن علي (عليهما السلام) سوى الصمت..
ولم يكن سوى رؤوس انحنت للعاصفة، واقدام انغرست في رمل التشويه والتعتيم..
يوم ماتت البسمة على شفاه العراقيين والعراقيات.. ويوم مات الشعر في قلوب
الشعراء واقبرت القوافي والدواوين في أقبية الدجل والخيانة.. يوم كسر الأدباء
أقلامهم وأغلق المثقفون أفواههم وغادر العلماء غرفات دروسهم.. في ذلك اليوم
لم يكن لدجلة والفرات اللذين نضبتا من مائهما الريان سوى (قلائل كان في
طليعتهم) شهيدنا الخالد..
في
ذلك اليوم كان صوتاً (متميزاً) واحداً ينشد للحرية وينفث للإنسانية آلام
الزنزانات والقيود وعذابات التاريخ ويردد:
لا
السجن يرهبني ولا الإعدام..
لأن حياة الأمة كانت أغلى من حياته.. ولأن صوته كان بمثابة الصاروخ الموجه
الذي يحكم عروش الطغاة. ولأن قلمه كان الرمح الذي يقاتل به الظالمين
والمستكبرين.. ولأن روحه كانت تحلق في سماء أوسع من سمائنا. ولأن قامته كانت
ترتفع فوق هامات الخائنين الذين أرعبتهم السجون.. كان أكبر من الآخرين..
قامته بطول التاريخ.. وبعمر العتبات المقدسة، بعمر القباب الذهبية التي ترتفع
فوق هامات الشهداء الأبرار.
وشجرته أكبر من شجرة البرتقال، فعروقه ضاربة إلى أعماق التراب العراقي، فجده
الكبير المجدد الشيرازي جاء إلى سامراء وهو يحمل بيده فأساً كبيرة أطاحت
بحكومات الظالمين وما تلك الفأس سوى كلمات عديدة كتبها على ورقة صغيرة هزت
التاريخ والجغرافيا..
فلا زالت تلك الكلمات تصدح في دواووين الثوار وسجلات الخالدين.
ولأنها عبرت من قلب العراق إلى قلب إيران فقد اختصرت المسافات وألغت
الجغرافيا وأزالت الحدود فأصبح كلام المجدد في سامراء فؤوساً قاطعة ضد
الاستعمار البريطاني في طهران.
وعرق آخر يمتد إلى الميرزا الشيرازي الذي جاء من سامراء إلى كربلاء وهو يحمل
بيده ورقة صغيرة كتب عليها لا مكان للاستعمار الكافر على أرض علي والحسين
وكانت تلك الكلمات القليلة كافية بوضع الشعب العراقي بأسره في مواجهة
المستعمر البريطاني.
وتلك الجرة التي سقتها مياه دجلة في سامراء أينعت على شاطئ الفرات في كربلاء
وحلقت في ثورتين هزتا التاريخ وقلبت الجغرافيا.
الأولى ثورة التنباك في إيران التي مهدت لانتفاضات وثورات.. والثانية ثورة
العشرين التي أسقطت حكومة الاحتلال البريطاني وأسست أول حكومة وطنية في
العراق.
وعلى غصن من هذه الشجرة ولد آية الله السيد حسن الشيرازي وترعرع وكبر ومع
ولادته ولد عصر جديد من تاريخ العراق اتسم بالتحديات الكبيرة فقد جاء الحزب
العفلقي في العراق بمشروع واسع يرمي إلى إنهاء الوجود الديني. فقد ورث هذا
الحزب أحقاد الحكومات والأدوار التاريخية التي سبقته وأدرك بالبديهية أن
بقاءه مرهون بزوال الدين فسعى وعمل كل جهده من أجل ذلك.
فقد حكم العراق في بداية أمره بسياسة الدهاء والمكر متبعاً سياسة معاوية بن
أبي سفيان في الظهور بمظهر الرجل الخيّر فكان في الوقت الذي يغدق على ضعاف
النفوس ويرمي إليهم بأكياس الذهب والفضة كان يقدم لمعارضيه العسل وهو ممزوج
بالسم.
هكذا فعل نظام بغداد فانطلت هذه السياسة على الكثيرين.. فهناك من انخدع بهذا
النظام واعتقد بأنه نظام مخلص وملتزم.
وهناك من خشي على نفسه فهادن النظام حفظاً على مكانته وماله وأولاده.
وهناك من خشي على نفسه فهادن النظام حفظاً على مكانته وماله وأولاده.
فسكت الجميع عندما صاح أزلام النظام. وشُل الكثير من الرجال عندما تطاول
النظام العراقي ونعت الرسالة الإسلامية بالرجعية..
فلم يكن هناك صوت إلا صوت السيد حسن الشيرازي ملعلعاً قائلاً: أمل الشعوب
ومجدها الإسلام وسواه كفر زائف وظلام فدع المبادئ كلها في معزل إن المبادئ
كلها هدام واعمل لتطبيق الكتاب مجاهداً إن العقيدة مصحف وحسام واسحق جباه
الملحدين مردداً لا السجن يرهبني ولا الإعدام رجل المبادئ.
وكان حقاً مثلما قال.. فقد ذهب بنفسه إلى القصر الجمهوري بعد أن وصلته دعوة
من رئيس الجمهورية آنذاك أحمد حسن البكر وكان يعلم بأنها دعوة لمائدة الشهادة
وليس لمائدة الطعام فتقدم بروح عالية ونفس كبيرة وتقدم إلى مصيره موكلاً أمره
إلى الله قائلاً حسبي الله ونعم الوكيل. لكن شاءت إرادة الله أن يؤخر يوم
لقائه به حتى يروي للتاريخ ما فعلت به أزلام النظام العراقي في قصر النهاية
وما أذاقته من ألوان التعذيب وصنوف الإرهاب النفسي والجسدي. لقد اضطرت
السلطات أن تتخلى عن قرار تصفيته جسداً تحت الضغط الدولي المكثف وعلى أثر
الإعلام الواسع الذي فضح سياسة النظام، ولما كان هذا النظام في بداية أيام
حكمه في العراق فلم يكن يطيق تلك الضغوط السياسية والإعلامية الأمر الذي أجبر
أخيراً على إصدار الحكم عليه بالمؤبد بدل الإعدام. وتحت الضغط المتواصل اضطر
ليخفف الحكم إلى عشر سنوات، ولم تفلح تلك التخفيضات في إيقاف الضغوط التي
كانت تتسع وتزداد ووجدوا فيه رجل المبادئ الذي لا يساوم على مبدئه مهما كانت
الأرباح ووجدوا فيه الرجل الصامد الذي يتحمل لسعات الآخرين ولمزاتهم وهمزاتهم
من أجل أهداف كبيرة.. ووجدوا فيه رجل القدر الذي جاءت به الأقدار إلى لبنان
ليحمي هذا البلد المعطاء وليكون شوكة في وجه إسرائيل في الكلمة والخطوة.. فقد
وقف يعبئ المسلمين لمواجهة التعنت الإسرائيلي:
يا
أمة الإسلام كيف يجول
جيش اليهود بأرضنا ويصول
أبقدسنا جيش اليهود يصول
ويظل يرأس حكمه اشكول؟
ثم
يثير الهمم ويحرك المشاعر قائلاً:
يا
أمة القرآن كيف تهدمت
علياك حتى الدود منك يديل
أو
لم تكوني أمة خشعت لها الدنيا
وأنت لرأسها إكليل
وقد بلغت المواجهة مع إسرائيل يومذاك أوجهاً حيث استقرت إسرائيل في الجنوب
اللبناني بعد أن أحكمت رهانها على اتفاقية كامب ديفيد. وكان صوت الشهيد
كالمدفع الذي يقذف بالحمم، ولبنان قاعدة لإطلاق التصريحات المدمرة لإسرائيل.
ففي جريدة الموقف صرح الشهيد: صلح السادات لا يهيئ لفتح تل أبيب أمام العرب
وإنما لفتح القاهرة أمام الإسرائيليين. وعلى صفحات الأنوار كان يثير الهمم
ويحذر من المخاطر التي تهدد الجنوب اللبناني: الجنوب حلبة للصراعات الدولية
وبلا غطاء سياسي.
وعلى صفحات الشعب ذكر الإمام الشيرازي في ندوة صحفية: الشرق الأوسط مقبل على
مزيد من الغليان.
وعلى صفحات الأنوار صرح قائلاً: الجنوب قد يكون الشرارة لتفجير العالم.
وعلى صفحات اللواء نقرأ: جماعة العلماء تدعو إلى تطهير الجنوب من إسرائيل
وأذنابها.. في بيان بمناسبة عاشوراء الإمام الحسين (عليه السلام):
نهج الأخلاق
على شفتيه دائماً بسمة لا تفارقه.. يصافحك بحرارة.. يشد يديك ويقوم لك
بقامته.. يتحدث إليك بهدوء.. ويدخل في قلبك بسهولة عندما تدخل معه في نقاش،
قد لا توافقه على كلامه أول الأمر، ولكن عندما يشرف الحديث على الانتهاء تشعر
أنك لست مقتعناً بفكرته فحسب بل ومتحمساً لها أيضاً.. هذا ما كتبه الصحافي
الكبير عبد الرحمن جابر في جريدة الشمس بتاريخ 24 حزيران 1970 رقم العدد
2319.
وهي انطباعاته الأولى عن الشهيد السعيد آية الله السيد حسن الشيرازي الذي وفد
على ربه شهيداً في الثاني من مارس من عام 1980 عندما غادر (رحمه الله) الفندق
الذي كان يقيم فيه قاصداً مدرسة الإمام المهدي الدينية الواقعة في منطقة برج
البراجنة للمشاركة في مجلس الفاتحة الذي أقامه سماحته بمناسبة شهادة آية الله
العظمى الشهيد السيد محمد باقر الصدر.
كانت تلك الكلمات انطباعات عابرة من صحفي التقى بالشهيد لقاء عابراً، فالشهيد
أكبر من الوصف، وأصعب على رفاقه أن يصفوه بما هو عليه من الخصال الحميدة
والصفات الكريمة.
فخلقه خلق رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يصافحك بحرارة.. يشد يديك.. ويقوم
لك بقامته.
فهذا هو خلق رسول الله (صلى الله عليه وآله) والسيد حسن الشيرازي من هذه
المدرسة التي وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجرها الأول.. وهي مدرسة
الأخلاق.. وبالأخلاق أوصل رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعوته إلى أرجاء
الأرض وهو القائل: (إن لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم). وهو رأسمال
كبير لا يسعه شيء.. وهكذا كان الشهيد السيد حسن الشيرازي..
فالذين رافقوه في مسيرته الشاقة عرفوا عنه هذه الخصلة، فقد كان رأسماله
الوحيد.. والوحيد في بعض الأوقات هو الأخلاق فقد كانت تمر عليه فترات من
الزمن لا يملك حتى ثمن رغيف خبز مع ذلك فقد كان الناس ملتفين حوله ورفاقه
الذين بدأوا معه المسيرة لم يتخلوا عنه لأنه كان يكرمهم برأسماله الأكبر وهو
الأخلاق. فهم لم يتبعوه لماله لأنه لم يكن يملك مالاً لنفسه حيث كان يصرف ما
يأتي إليه على المشاريع الكثيرة، بل اتبعوه لأنه أهلاً للقيادة وبمستوى
المسؤولية ولأن ما يملكه من أخلاق تفيض على الأموال حتى لو اتسعت خزائن
الملوك.
في
ساحة العمل، أرباب القلم كثيرون.. وأرباب الجهاد كثيرون أيضاً.. لكن أن يجتمع
القلم والجهاد ويتحول القلم إلى رمح فهو قليل وقليل والتاريخ لا يصنعه القلم
وحده.. ولا يصنعه القتال والمواجهة وحدها.. بل لابد من تزاوج القلم مع
المواجهة.. لابد من فكر وجهاد.. وعندما يتحد الفكر مع الجهاد تولد الحضارة..
فالفكر وحده بلا جهاد وعمل يصبح نوعاً من الترف، ونوعاً من السفسطة الكلامية
التي لا معنى لها.. ويصبح أرباب الفكر الذي يفكرون في فراغ مصداقاً للآية
الكريمة (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن
تقولوا ما لا تفعلون). والقتال وحده بلا فكر ومبادئ يتحول إلى عملية قتالية
للسيطرة لأنه يفقد كامل مبرراته. فالمقاتل الذي لا يعرف لم يقاتل ولم يحمل
روحه في كفه. هذا المقاتل بلا هدف وهو يسير في طريق الانتحار وليس في طريق
الجهاد لذا نقرأ في زيارة أبي الفضل العباس (عليه السلام): (أشهد أنك كنت على
بصيرة من أمرك).. من هنا لا حياة لفكر لا يرافقه الرمح والسيف.. كما لا أثر
لرمح لا يسعفه الفكر. وكلما تزاوج الرمح مع القلم انبعثت الحضارة في حياة
الأمم.
فالحضارة الإسلامية كان أولها قرآن وجهاد، وقد استطاع رسول الله (صلى الله
عليه وآله) بهذين العنصرين أن يوحد جزيرة العرب تحت راية الإسلام، وتمكن من
إرساء قواعد النظام الإسلامي والحضارة الإسلامية.
ويوم افترق الفكر عن الجهاد انهار صرح المسلمين وأصبحوا أمة ضعيفة بعد أن
كانوا أمة قوية. وكلما عاد الجهاد إلى جنب الفكر كان تقدم الأمة.. وكان
تسلقها في سلم الحضارة.
ولنا شواهد كثيرة في التاريخ القديم والحديث، ومن أعظم هذه الشواهد ثورة
العشرين في العراق حيث اقترن الجهاد بمد فكري وثقافي قاده العلماء الأعلام
والخطباء والأدباء والشعراء، فكانت هذه الثورة ولادة طبيعية لهذا التمازج
العضوي بين الفكر والجهاد. ولما كان من النادر حدوث الثورات في حياة الشعوب
لأنه من النادر أن نجد عالماً دينياً يحمل في كف الفكر وفي كفه الآخر يحمل
الحسام.
والشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي كان من أولئك الرجال النوادر الذين
اكتشفوا حكمة الفكر وحكمة الحسام وعرفوا كيف يمزجوا بينهما ليصنعوا من المزيج
خطة لعمل جهادي وفكري متواصل. كان باستطاعته أن يقتصر على كتبه ويرمي بجهده
كله في تأليف الكتب.. فلو كان أحادي المنهج كأي مفكر وحسب لكانت كتبه اليوم
تفوق عن المائتين إن لم تكن أكثر من ذلك، لكنه اختار الجهاد إلى جانب الفكر.
لم
يكتف بالكتاب بل شحنه بالشعر وبالمهرجانات الشعرية الثائرة عندما وجد في
الشعر وسيلة لإثارة الجماهير.. فالفكر عند الشهيد رسالة ورسالته هي إيقاظ
الأمة وجعلها بمستوى التحديات التي تواجه الإسلام. ويوم كان التحدي الكبير
الذي يواجه الإسلام هو الفكر الماركسي يقف ليعري هذا الفكر في مجال البحث
العلمي وفي مجال الشعر والأدب. ويوم كان التحدي الكبير الذي يواجه الأمة
الإسلامية هو وجود الحكومات العميلة وقف قبال هذه الحكومات حاملاً راية
الجهاد ولم يتوان في طريق الجهاد حتى لو ذاق من أجل ذلك السجون. ويوم كان
التحدي الكبير متمثلاً بالوجود الصهيوني انتقل إلى لبنان حيث كانت أرض لبنان
الموقع المناسب لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.
ففكره يعين خطته. وجهاده يعين حركته.
وبالخطة والحركة استطاع شهيدنا السعيد أن يترك بصماته في كل أرض وقف عندها،
وفي كل محطة تزود منها.. ففكره اختار له لبنان موقعاً للجهاد ضد التبشير
الاستعماري وفكره اختار له دمشق موقعاً لجهاده العلمي.
فكان يرى بعين ثاقبة ما يجري في العراق من تصفية لوجود الحوزة العلمية على يد
حكام العراق. وكان على يقين بأن الشيعة سيخسرون الكثير بنسف هذه الحوزة لذا
سعى سعياً حثيثاً لإيجاد البديل، فكانت الحوزة الزينبية، التي كانت نواة
وبذرة فأصبحت اليوم شجرة وارفة الظلال.
وهنا نلتقي بوحدة الفكر والجهاد.. وبوحدة الاستراتيجية والتكتيك عند الشهيد
الإمام الشيرازي.
فجهاده في لبنان ضد إسرائيل في الجنوب اللبناني هو من نمط جهاده في العراق ضد
النظام الحاكم. وهو أيضاً من نمط جهاده في إفريقيا ضد التسلط الاستعماري..
وهو من نمط جهاده في ملء الفراغ القيادي بإنشاء الحوزة الزينبية لتصبح
منطلقاً نشطاً للحوزات العلمية ولتصبح نافذة إلى عالم واسع مترامي الأطراف في
الشام ولبنان.
بعد المدى، أعمال العظماء تبقى.. لأنهم يقومون بها عن وعي وحكمة، وينظرون
فيها الماضي والمستقبل.. وهي تبقى ببقاء أفكارهم. والفكر الحضاري يبقى ويسود
في الوجود.
لقد عاصرنا الكثير من المشاريع التي قام بها هذا وذاك، لكن قلة من تلك
المشاريع التي بقيت ثم تطورت إلى الأفضل لأن هناك خللاً في المشروع نفسه أو
في المؤسسة أو في الظروف غير المؤاتية لإنشاء المشروع وتطويره.
والشهيد الشيرازي من الرجال القلة الذين نجحوا في إنشاء المشاريع، لأنه كان
يدرس المشروع بكل تفاصيله، ولا يمضي في تأسيسه إلا بعد أن يشعر بأن الزمن إلى
جانبه وحركة التاريخ تسانده.
ومشروع الحوزة العلمية الزينبية من المشاريع التي بذر لها الشهيد السعيد
الإمام الشيرازي. ونحن نشعر بعظمة هذا الشهيد عندما نرى كم توسعت هذه الحوزة
وكيف تطورت وباتت مشهودة. ويعود الفضل في نشوء وتطور هذه الحوزة إلى الفكر
الثاقب الذي كان يمتلكه الشهيد السعيد.
قد
وجد الشهيد السعيد الأخطار المحدقة بالحوزة العلمية في النجف الأشرف خاصة
والعراق بشكل عام مما سيجعل مساحة كبيرة من الشيعة في سوريا ولبنان ومصر
والسودان ومناطق أخرى من العالم الإسلامي والعربي بعيدة عن الارتواء من مناهل
العلم.
إن
سوريا هي بوابة إلى العالم العربي وإلى العالم بأسره فهي كانت ولا زالت جسراً
بين العالمين الإسلامي والعربي.
وقد استثمر الشهيد الشيرازي هذا الموقع الاستراتيجي فأنشأ الحوزة العلمية في
السيدة زينب وكان يوم افتتاح الحوزة فتحاً للشيعة ولعلمائهم حيث استطاعوا أن
ينفتحوا على العالم بأسره من خلال هذه الحوزة التي تضمنت اليوم طلبة جاؤوا من
مختلف بلدان العالم ومن مختلف الجنسيات.
وعبر هذه الحوزة أنشئت حوزات في السعودية وأفريقيا ولبنان حيث استطاعت أن تمد
الحوزة العلمية في الزينبية بطاقات علمية إلى مختلف البلدان وفي مختلف
التخصصات الإسلامية وأن توجد تياراً من العلماء يقومون بأعمال التثقيف
والتعليم في مختلف المدن السورية. لقد ظهر الشهيد السعيد من خلال تأسيسه لهذه
الحوزة نفوذ بصيرته وعقله الاستراتيجي وفكره الثاقب ومقدرته الفائقة على
قراءة سليمة للمستقبل.
وهكذا كل الأعمال العظيمة فهي تبدأ من الصفر لتكبر وتكبر لأنها نتاج لفكر
عظيم ولجهاد عظيم.
وسيخلد التاريخ الشهيد الشيرازي ويضعه في مصاف شيخ الطائفة الطوسي والشيخ عبد
الكريم الحائري الذين يرجع لهم الفضل في تأسيس حوزتي النجف وقم المقدستين.
جاء في كلمة لآية الله العظمى الإمام الشيرازي (دام ظله) ناعياً أخاه الشهيد:
(الأخ العلامة الشهيد السيد حسن ليس أول الشهداء ولن يكون آخرهم).. أجل ليس
أول الشهداء فقد سبقه شهداء كثيرون.. فقبله استشهد المجدد الشيرازي بالسم ومن
قبله أيضاً استشهد الميرزا تقي الشيرازي بالسم.. وتاريخ الإسلام مصبوغ
بالدماء الحمراء فهذا ركب الشهداء الذين صبغوا أرض بدر بدماء البطولة وهؤلاء
ركب الشهداء الذين صنعوا ملحمة الخلود في أحد والخندق واليرموك والجمل وصفين
والنهروان. تلك هي دماء علي (عليه السلام) تصبغ محراب الصلاة في مسجد الكوفة
وتلك دماء أهل البيت امتزجت مع ماء الفرات في كربلاء البطولة. فالتشيع هو
مدرسة الشهادة رفد الإسلام بالتضحيات الجسام ولولاها لما قام صرح الإسلام،
ولما وصل الإسلام إلى الأجيال المتتالية).
والشهيد السيد حسن الشيرازي هو من هذه المدرسة التي أرسى صرحها رسول الله
(صلى الله عليه وآله) وعلي والحسين (عليهما السلام) فقد حمل خشبة الإعدام فوق
ظهره منذ أن صدع بالحق وظل حاملاً إياها متنقلاً من أرض لأرض حتى رسا أخيراً
في منطقة الرملة البيضاء - بيروت حيث هبط الفارس من جواده لكي يستريح من
معاناة السنين الطويلة من حياته.. كانت العيون ترصده في كل مكان، وهي تبحث
عنه لكي تسدد له الضربة الأخيرة.
عندما كان في مكة سمع بمحاولة لاغتياله فترك الديار المقدسة إلى مقره في
بيروت ولم يمهله الطغاة كثيراً، فكانوا له بالمرصاد لأن وجوده كان خطراً
عليهم يهدد مشاريعهم وخططهم بالانهيار. فأسرعت الدوائر الاستعمارية تؤازرها
الدوائر الصهيونية وبتنفيذ المخابرات العراقية في إنجاز عملية الرملة. كانت
محاولة اغتياله أمراً هيناً وسهلاً: إذ كان الشهيد يقيم في مكان عام في أحد
الفنادق العامة وكان يستقل سيارة أجرة كل يوم وفي أوقات معينة لمتابعة
أعماله، وكثيراً ما كان يمشي على قدميه مع رفاقه. فلم تتضمن عملية اغتياله
أية شجاعة.. ولا تحتاج لأية خطة.. فقتله كان أسهل ما يمكن. وببساطة يمكن
إطلاق الرصاص على ذلك الجسد الذي يرتديه فوق روحه الكبيرة وقد قضوا على جسده
بسهولة لكن روحه لازالت حية ترفرف في سماء الفكر والعلم والجهاد.
لقد ظنوا أنهم سيقضون عليه وينتهي كل شيء بإطلاق الرصاصات الثلاثين عليه ولم
يعرفوا أنهم لم يقتلوه بل حطموا جداره الخارجي أما فكره وأدبه ومنهجه فقد ظل
حياً وسيبقى حياً على مدى الأجيال يرعب الطغاة ويقض مضاجع الظالمين.
إفريقيا القارة المنسية. التي لم يهتم بها أحد سوى القساوسة والمبشرين من
اليهود والنصارى. إفريقيا التي كانت في يوم من الأيام قارة الإسلام حيث كان
صوت الأذان ينتشر فيها في كل مكان، وحيث كانت الصلاة تقام في كل مدينة وقرية.
هذه القارة الخضراء دخلت عالم النسيان لأكثر من قرنين حيث عشعش فيها
الاستعمار وتركها أرضاً جرداء، وترك أكثر شعبها إما مسيحيين أو لا دين لهم
واستطاعت جمعيات التبشير أن تعمل وفق ما تريد لا ينافسها أحد ولا يزاحمها أحد
وتمكنت أن تنصر قبائل كانت تدين بالإسلام، واستطاعت أن تثير الشكوك وأن تزرع
الفتن وأن تفرق الشعوب التي كانت متقاربة متوحدة في ظل الإسلام.
هذه القارة لم يدخلها أحد من العلماء. ولم يطرق أبوابها أحد من الكتاب
الإسلاميين، فقد ظلت منسية لا يعرف أحد ماذا جرى وماذا يجري فيها؟ وكان
الشهيد السعيد قد نبّه أساطين الحوزة العلمية في العراق إلى أهمية هذه القارة
وضرورة بعث الوكلاء والمبلغين إليها، وقد تحمل أعباء المسؤولية بنفسه عندما
جاء إلى لبنان وتمكن أن يعد العدة لزيارة طويلة إلى إفريقيا.
ففي عام 1974 قام بزيارة إلى ساحل العاج وفتحت للشهيد قاعة التشريفات في
المطار وكان في استقباله عدد كبير من الشخصيات ومن الجماهير، وقد التقى في
هذه الزيارة برئيس جمهورية البلاد وقد طلب منه الشهيد أن يتبرع لهم بقطعة أرض
لبناء مركز إسلامي عليها فوافق رئيس الجمهورية وقال للشهيد: لقد جئتم
متأخرين.. الكاثوليك سبقوكم.. والبروتستانت سبقوكم.. الكل سبقوكم.. علماً بأن
الرئيس كان وثنياً ثم تنصّر.
ثم
بعد ذلك قام بزيارة إلى سيراليون والتقى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس
رابطة الجمعيات الإسلامية وكانت هذه الزيارات فاتحة خير ومفتاحاً للتعرف على
مشاكل القارة والوقوف عند الحلول الكفيلة بتخليصها من ويلات الحروب الطاحنة.
وقد تبنى الشهيد السعيد في هذه الرحلات إيفاد مجموعة من الطلبة للدراسة في
الحوزات العلمية في بيروت والزينبية ثم العودة إلى إفريقيا لغرض التدريس
وتأسيس المشاريع الإسلامية.
وقد أتت مساعي الشهيد في إفريقيا أكلها فأصبحت القارة اليوم وهي تتنعم
بالمدارس والحوزات وبالأساتذة الذين درسوا في المدارس التي أسسها الشهيد ثم
عادوا كأساتذة ومربين وتمكن الشهيد وإلى حد ما إملاء الفراغ الذي كان قائماً
في القارة الإفريقية.. ولو كتب الله للشهيد الحياة مدة أطول لكانت القارة
الإفريقية قد شهدت إنجازات على الصعيد العلمي يفوق ما نشاهده اليوم.
فلسطين لها مساحة كبيرة في قلب آية الله الشهيد السيد حسن الشيرازي وكان
الشهيد يرى أن الجهاد ضد إسرائيل تكليف شرعي لأنها تحتل أراضي إسلامية، فيجب
على المسلمين أن يهبوا لتحرير هذه الأماكن المقدسة، والطريق إلى تحرير القدس
هو الجهاد.. أما الذين يمارسون العمل السياسي باسم فلسطين فهؤلاء لا يريدون
تحرير الأرض، بل يريدون الوصول إلى أهدافهم الشخصية الضيقة.
إيهاً فلسطين الشهيدة كم لنا
فيها يطل دم ودمع يجمد
إيهاً فلسطين الشهيدة إننا
نهوى سواك وعن طريقك نقصد
دومي فلسطين الشهيدة ملجأ
في
النائبات به نكنّ ونخلد
دومي لنا ذخراً فباسمك يرتقي
أعلى المناصب كل من لا يصعد
دومي لنا عيناً تنزّ دموعه
وجراحة مقصودة لا تضمد
دومي فأنت وسيلة موصولة
دومي فأنت بضاعة تكسد
وقد أثبتت الأيام صحة ما قاله الشهيد فقد تحولت فلسطين إلى بضاعة رخيصة في
سوق المزايدات الدولية، فقد التهوا في مع الأموال والمناصب وتركوا اليهود
يعبثون بما يريدون وهم أقلية في وسط أكثرية من الأمة الإسلامية.
إيهاً فلسطين اصبري وتورعي
أن
تطلبي منا الذي لا يوجد
إن
تطلبي منا الكلام فعندنا
نظم ونثر بعد ألف ينشد
أما القتال فلا نبادئهم به
ليقال عنا أنهم لم يعتدوا
أما الجنود فاجبنوا تعيعوا
أما السلاح فبالشروط مقيد
أما الجيوش فخائنا ضباطها
أما الشعوب فإنها لا تنجد
وعلى رغم فداحة الصراع، وعلى رغم الهيمنة الإسرائيلية إلا أن إسرائيل إلى
زوال.. فهذا القرآن الكريم يعلن صادعاً: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب
لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً، فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا
عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا...) ثم
يقول تعالى واعدا المؤمنين: (ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال
وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا) وقد جاء الشهيد السعيد على هذه الآيات وتكلم
بصوتها الهادر قائلاً:
إني أقول ولا أقول مشجعاً
وبكل آيات السماء أوكد
إن
اليهود سيتركون بلادنا
ويطهر الآفاق سيل مزبد
لكنما نمضي ويمضي عارنا
ويجيء جيل مخلص وموحد
فيشنها حرباً تذر رمادهم
في
البحر حتى لا يرى متهود
وسينمو ويترعرع جيل الخلاص الذي انتظره الشهيد السعيد.. الجيل الذي يتمرس
الصراع وينهج نهج المجاهدين وليس السياسيين. الجيل الذي سيفتح لنا القدس
العزيزة وسيكون الله معهم لأنهم نصروا دينه فسينصرهم:
فاعصف بألف جهنم وجهنم
تودي بآلاف اليهود وتوقد
محمد (ص) سيقد ركبك إن سطا
والله ينصر والملائك تعضد
مصداق لقوله تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم).
العراق.. بلد الإمام علي وصرح الإمام الحسين (عليهما السلام).. بلد الأنبياء
والشهداء.. هذا العراق يفتح ذراعيه للشهيد السعيد في عام 1354 للهجرة ويفترش
أرضه ليترعرع فيه وينمو.. من النجف الأشرف حيث فتح الشهيد عينيه إلى سماء حيث
قضى مرابع صباه إلى كربلاء المقدسة حيث نما وكبر وأصبح شاخصاً ثم علماً.. هذا
العراق كان له مساحة أكبر في قلب الشهيد تتسع جغرافيته المترامية.. ذلك أن
العراق ليس جغرافياً فقط، بل هو تاريخ واسع.. فتاريخه أكبر من جغرافيته.. ففي
جنباته كانت الكوفة عاصمة أمير المؤمنين (عليه السلام).. وعلى مشارف شواطئه
سكبت دماء الطاهرين، الإمام الحسين (عليه السلام) وصحبه الكرام.. وعلى أطرافه
قامت ثورات العلويين.. فالعراق يخزن في قلبه تاريخ التشيع بأكمله.. إذن
تاريخه أكبر من جغرافيته.. لذا اتسع قلب الشهيد للعراق لأنه يتضمن سجلاً
للتاريخ ومشعلاً وهاجاً نحو المستقبل.. ولمَ لا يكون كذلك.. فهو من مدرسة
المجدد والميرزا وهم من أبناء ذلك الجيل الذي وقف إلى جانب الشعب العراقي
مؤازراً له ومدافعاً عن قضاياه.. وقد ورث الهم العراقي من أجداده..
فقد كان وهو في العقد الثاني من عمره شعلة وهاجة ومسيرة لا تتوقف عن الحركة
كان يلتقي بالمسؤولين في العهد الملكي ويناقش معهم مختلف القضايا والأمور
التي تهم الشعب العراقي.. وفي العهد الشيوعي وقف صلباً أمام الفكر الماركسي
وكتب كتابه القيم (الاقتصاد الإسلامي) مؤكداً من خلاله على هزال الفكر
الماركسي في قبال الفكر الإسلامي.
ولم يكتف بتأليف الكتب بل أنشأ هيئة الشباب الحسيني التي قامت بمهام كبيرة في
توجيه النشء العراقي نحو الإسلام. وكان من أعمال الشهيد في المد الشيوعي
إقامة مهرجان ميلاد أمير المؤمنين في الحسينية الطهرانية التي كانت تظاهرة
سياسية ضد القمع الشيوعي والسلطات المستبدة. وقد وقف مرة على منبر هذا
المهرجان ليخاطب الشيوعيين قائلاً:
أو
ما دروا أن العراق بدينه
وبشعبه وبجشيه المقدام
خير من الشرق الكفور وكل ما
في
الغرب من إفك ومن إجرام
إسلامنا شرع الحياة، ونهجه
نهج البلاغة منهل الأحكام
فعراقنا مهد الحضارة والتقى
والعلم والأمجاد والإسلام
إسلامنا أمل الشعوب ومجدها
ومنارها في حالك الأيام
إسلامنا فوق الميول فلم تجد
فيه المبادئ موطئ الأقدام
فالإسلام وليس الشيوعية هو الأمل.. وهو الطريق إلى الخلود والسعادة..
ووقف أيضاً يندد بالمجازر الشيوعية مستنكراً الشعارات الفضفاضة التي رفعوها
في سماء العراق:
قالوا السلام شعارنا وشعارهم
جرّ الحبال ومثلة الأجسام
وفي عهد العفالقة وقف الشهيد السعيد ليكشف زيف نظرية الإلحاد التي جاء بها
رئيسهم ميشيل عفلق:
وهم الشيوعيون إلا أنه
زادتهم الأموية النكراء
فهم لا يختلفون عن الشيوعيين في الأخذ بالمنهج الماركسي كطريق للحياة إلا
أنهم أضافوا إلى هذا المنهج مسحة من تعصب بني أمية، أما رئيسهم عفلق فهو
صليبي حاقد.. وهو ابن أحد كبار الضباط الذين جاؤوا إلى سوريا لاحتلالها وضمها
إلى الاستعمال الفرنسي:
أوَليس قد سماه يعرب عفلقاً
ولديه أحقاد الصليب دماء
وأبوه جاء لسوريا مستعمراً
والأم باريسية عجماء
هكذا العظماء يكبرون في المحنة، وانتقل إلى لبنان فهناك اتسع الهم ليمتد أكثر
من مساحة العراق.. ذلك لأن مشاكل الأمة الإسلامية واحدة وهي مرابطة متداخلة،
فلا فصل بين الهم العراقي والهم الفلسطيني، والهم اللبناني، فالعدو واحد
والهدف واحد والأمة واحدة..
من
هذا المنطلق الكبير أخذ الشهيد الإمام السيد حسن الشيرازي مكانه في قلب صراع
الأمة مع أعدائها الكبار من الاستعمار وأذناب الاستعمار.
|