|
|
|
|
الحزبيون والتعددية .. ما هي الأولويات في ميادين العمل الاسلامي؟ | توقفوا أيها الشيعة .. فولايتكم لأئمتكم (ع) باطلة ! | أنتم لا تعملون لوجه الله!
|
الحزبيون والتعددية.. ما هي الأولويات في ميادين العمل الإسلامي؟ |
||
|
فهذا ينصرف إلى الروحانيات والتربية الأخلاقية، وذاك يرى أن قضاء حوائج المؤمنين هو أفضل الطاعات فيفرّغ نفسه لهذا المضمار. وآخر يرى أن إعانة الفقراء والمعوزين، والسعي لتأمين كسوة الأيتام، وإطعام الجياع، وتزويج العزاب، هو غاية ما يدرك به رضا الله. ورابع يرى أن مضمار الفكر وميدان العقيدة هو أهم ما ينبغي الانشغال به، وأن طباعة كتاب وتثقيف جاهل خير من إطعام فقير وكسوة مسكين. وخامس يرى أن بناء المساجد والحسينيات والمدارس، وإقامة أبنية ومراكز وقفية، هو اللبنة الأولى والأساس الذي غفلنا عنه، فرحنا في النقش قبل العرش، فينصرف لجمع الأموال، وينظم حركته ويوظف علاقاته ويسخرها لهذا الهدف. وهناك من يقول بأن الانتساب إلى الحوزات العلمية والانخراط في سلك طلبة العلوم والانخراط في سلك طلبة العلوم الدينية هو الاكسير الذي سيعالج جميع مشاكلنا... ثم يأتي آخراً، وليس أخيراً، من يسفه كل هؤلاء ويقول أن الميدان السياسي وأنشطة المعارضة والجهاد هي ما خلق له المؤمن الرسالي، وهو ما كانت الحركة الإسلامية قد تأسست وانوجدت له. ولا أظن أن الدليل (الشرعي والعقلي) يعوز أياً من هؤلاء، أو أن جعبة أي من هذه الخطوط والتيارات تخلو من استدلال يرتكزون عليه وينطلقون منه. وقد تكون دعوى الاعتدال والوسطية والموازنة بين هذه كلها، أسهل ما يطرح على هذا البساط ويرد به على هؤلاء جميعاً، ولكن من يعايش الساحة يلمس أن هذه الدعوى هي ضرب من ضروب (السهل الممتنع)، وهي أقرب إلى المثالية أو المطالبة التعجيزية، والموعظة النظرية التي تدخل فيما يصرف للاستهلاك الإعلامي، منها إلى الواقع الميداني ومحاكاة مفرداته وأرقامه ومقتضياته. فالمؤمن متى ما عاش الفكرة وتشبّع بأدلة أهميتها ومسوغات أولويتها، سيجد - تلقائياً - أنه قد أوقف وقته وجهده وماله على هذه الفكرة دون غيرها، وأن هذا يجري على حساب الميادين والأنشطة الأخرى، وسيرى بعد فترة وجيزة، أنه أفرز وصنف وغدا من (أعضاء) هذا التيار وعناصر هذا (الخط). كما أن البعض قد يذهب إلى بطلان الوسطية والاعتدال وعدم سريانها كأصل، ما دامت الحجة تامة والقناعة قائمة على ضرورة نهج ما ثبتت أولويته. وإذا كانت درجة العمل ومستوى الأداء، أي إذا كانت كمية العمل وحجمه، ثم نوعيته ومستواه، أموراً مرتبطة بالكفاءة ثم بالتقوى والإخلاص ومدى تمتع المؤمن العامل بالنية الصادقة والتزامه القربى المحضة... فإن اختيار نمط العمل والميدان الذي يصرف فيه المؤمن نشاطه ويبذل طاقاته ويسخر إمكانياته، هو ما يخضع لعلل وعوامل أخرى كثيرة إلى جانب التقوى والإخلاص، منها العلم والمستوى الفكري، والإمكانية والقدرة، ثم الطبيعة والمزاج، وما إلى ذلك مما لسنا في وارد حصره، ولكن يبدو أن أكثر وأهم ما يحكمها في الواقع عاملان هما: الوعي والبصيرة ثم التوفيق والتسديد الإلهي... وليس في هذا التنوع والتعددية ما يشين... إنها (خيار) قهري، ما زالت تمضي عليه الحركة الإنسانية في جميع أبعادها، ومنها البعد الديني، ومنه النشاط الإسلامي. وهذا من صميم التكوين والخلق والطبيعة، حتى كان التفاوت بين الناس في العلم والمال و (الطبقية)، هي من السنن الثابتة، التي تترتب عليها سنة كونية أخرى تحكم حركة التاريخ، أشار إليها عمق الآية الكريمة (ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)، وآية أخرى: (لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله)... تماماً كما يطرحها المثل البسيط (لولا الأذواق لبارت السلع). إن اختلاف العقول والأفهام، وتنوع الاهتمامات، والتفاوت في تقدير الأولويات، بل تعدد الأمزجة والأهواء... هو الذي يخلق تكثر الحاجات، وهو - بالتالي - ما يوجد (التدافع) ويبعث حالة الانعاش في جميع ميادين الحياة، لذا فهو يشكل قوام الحركة الإنسانية، ووقود عجلة الحياة، بل هو المائز والفصل بين المجتمع الإنساني والتجمعات الحيوانية أو الحركة الآلية، وما شابهها من حركات تمضي في رتابة ووتيرة واحدة تجعل الأمر يقرب من وقفة الجمادات! إن هذا العنصر الحيوي في الوجود البشري هو ما يدعو الإنسان للإبداع، ويفتح أبواب الابتكار والتطوير في حياته، ويجعل مسيرته تقدمية، تتكامل عبر طي المراحل. ولك أن تتصور الحياة وتداعيها وانكفائها إلى الاضمحلال والموت، في مجتمع أجمع أفراده على امتهان الطب مثلاً، وهو من أفضل وأشرف الحرف... ولكن من الذي سيصنع الأدوات ويبني البيوت ويرصف الشوارع ويزرع الغلال والثمار ويخيط الثياب ويضبط الأمن ويفصل في الخصومات، ومن الذي سيسوس البلاد ويديرها؟ واللطيف أن الشيوعية أخفقت، فيما أخفقت، في جمع الناس على مظهر واحد، حتى على صعيد الزي واللباس، مما سعت إليه جاهدة! من هنا سأدخل في حالة رصدتها في ساحتنا الإسلامية، وستجد أخي القارئ أنها ظاهرة مشهودة ومحسوسة، لا أظن أن فرداً سلم واستثني من التعرض لها... وهي ما يواجهك به بعض المؤمنين من الاعتراض على خوضك ميداناً دون آخر، وانشغالك بنشاط دون غيره ولا أبالغ إذا ما عددت ذلك برنامجاً وخطة مدروسة تعد من أهم أساليب الحزبية وطرقا في العمل والتأثير. والغريب أن هذا الاعتراض يلاحقك مهما تغيرت انشغالاتك، وانتقلت اهتماماتك إلى ميادين جديدة... وكأن المطلوب هو الانصراف إلى توجه معين دون غيره، والتعاون مع جهة محددة دون غيرها، فإذا تحقق ذلك، ودخلت في حزبهم، تراهم توقفوا عن دعوتهم، كمن (ألقت عصاها واستقر بها النوى)، ولم يعد مهماً أي طريق سلكت وبأي نشاط انشغلت، ما دام يدور في فلكهم ويصب في محصلتهم! إنهم يطرحون الميدان السياسي ويرفعون لواء أنشطة المعارضة، كأفضلية قصوى للنشاط الديني، وأولوية إسلامية، يطالبون المؤمنين أن يسخروا جهودهم ويصرفوا طاقاتهم وإمكانياتهم فيها على نحو الحصر... ولعمري، لازال الحق يُلبس بالباطل فيخفى، ولازال الباطل ينطلق من كلمات حق ما أريد إلا لفظها. إنهم يعترضون إذا وجدوك منصرفاً للبناء الروحي والتربية الأخلاقية، ويواجهك أحدهم، وكأنه يتحدث باسم الله قائلاً: إن الله لا يحتاج إلى عبادتك، ولا يطالبك بالتزام المستحبات، وأن المسجد ليس بحاجة إلى (حمامة بشرية) ترابط فيه قم وانفض عن نفسك غبار الرهبنة، واخلع رداء التصوف، وعش الساحة بهمومها وآلامها، ولا تهرب من واقعك إلى سجادة تدس فيها رأسك، ودعاء تتململ في تلاوته... وإذا وجدك تتبنى موقفاً عقائديناً معيناً، ترى فيه مصداقاً تاماً لنصرة أهل البيت (عليهم السلام)، ودفاعاً عن ثغر دهمه البعض، فأوقفت نفسك ونذرتها لخوض هذه الجبهة والاشتغال بها... يعود ليستنكر عليك ويؤاخذك قائلاً: إن القضية الإسلامية أوسع نطاقاً من رد أقوال تراها شبهات، وأفكار تراها ضلالات، وليس من العقل والكياسة صرف الجهد والوقت والمال في قضية من هذا النوعَ والساحة تعصف بها المؤامرات، والأعداء يتربصون بنا الدوائر، والأمة تمر بأحلك الظروف وتعيش أكثر مراحلها حساسية. وإذا رآك (حسينياً)، تعيش أيامك منصرفاً للعزاء وإقامة المآتم على سيد الشهداء (عليه السلام)، تشارك في الحسينيات بالخدمة، وتنشط في إحياء الشعائر وترويجها... وقف في وجهك لائماً ليقول: لقد استشهد الحسين من أجل أهداف معينة، وعليك أن تعمل في سبيل تلك الأهداف، لا أن تتوقف عند المأساة وتعيش المصيبة، إن العدو لا ينزعج من بكائك، وهو يرحب بصراخك وصحيتك التي لا تنال من مصالحه، ويرحب بالأكف التي تلطم صدرك بدل أن تصفع وجهه، وبالسيف الذي يهوي على رأسك بدل أن يقطع عنقه، إذا كنت حسينياً حقاً، فاذهب وابذل دمك مع المجاهدين في الجنوب، أو تبرع بدمك عسى أن تنقذ جريحاً! وإذا كنت من المهتمين بالبر والإحسان وعمل الخيرات، ونشطاً في هذا المضمار، اعترض عليك قائلاً: هل هذا هو الإسلام؟ هل هذا هو الدين؟ إن تصرف وقتك في تكوين علاقات مع الأثرياء والوجهاء، وتبذل جهدك وتريق ماء وجهك في جمع الأموال لإرسالها إلى الفقراء والمعوزين؟ متى استطاع المال أن يحل مشكلة؟ تعال واستنقذهم من البؤس السياسي، واعمل على أن يثوروا وينهضوا ليحققوا العدالة، وينتصفوا ممن سلبهم أموالهم فجعلهم بحاجة إلى إحسانك! أما إذا كنت ممن تخصص في الردود المذهبية، وانصرفت إلى محاججة إخواننا السنة والانتصار للتشيع، والحوار العلمي والأخلاقي معهم، ومتابعة فتوحات (المستبصرين)، والاهتمام بالمصادر التي تثبت أحقية مذهبك، فسيأتيك الاعتراض على كونك ممن يبث الفرقة الطائفية وينال من الوحدة الإسلامية. لست أدري على وجه التحديد ما هو جذر هذه الفكرة والممارسة لدى القوم، وهم يعيشون في عصر الانفتاح والشفافية؟ بل وينادون بها هل لهذه الظاهرة صلة باستشعار البعض أنه مازال (ولياً) على الساحة؟ ونزعات تنطلق من تطلعات تريد استرجاع (أمجاد) السبعينات والثمانينات؟ حيث هم فقط، الذين يحق لهم تحديد الأهم فالمهم، ورسم ما يجب على المؤمنين الانشغال به، وتشخيص (توافه الأمور) التي عليهم الترفع عنها... فتعجز عن تحقيق ما تريد في أجواء الوعي، وعالم تجاوز الجمود والاستغفال، وسقطت فيه القدسيات الوهمية السائدة في تلك الحقبة؟ فتلجأ إلى هذه الدعوات كآخر ما يمكن الاحتيال به؟! على أي حال... إن هذه الاعتراضات قد تخلق معاناة كبيرة لبعض العاملين في الساحة، إذ الهدف هو القربى والرضا الإلهي... فيبرز فيهم هاجس: هل تتحقق القربى فيما يؤدونه من أنشطة، أم أن عليهم الانثناء إلى دعوات الحزبيين؟ التي تتمتع بظاهر براق ولغة مقنعة، تتوارى خلفها حقيقة تلك الاعتراضات. هل لهذه الاعتراضات جوهر يقرب من الشكل الجميل الذي تتراءى فيه؟ هل لها حظ من الحقيقة ونسبة من الصدق، تدنو مما لعباراتهم ونداءاتهم الجميلة التي صبت فيها؟ هل للواقع هامش من هذا الظاهر المقنع الذي تتدثر فيه؟ هل لهذا البيان الساحر، الذي يطرحه الحزبيون ويعترضون فيه على العاملين خارج نطاقهم، شيء من الحجية الشرعية، أو هل لحملته والمنادين به شيء من المصداقية والواقعية؟ إنني هنا في معرض نقض هذا التوجه وإسقاط دعوته، من خلال كشف الزيف وإظهار حجم الكذب والتدليس، وكيف أن هذه الاعتراضات مجرد أداة ووسيلة حزبية، وليست حقيقة فكرية يؤمنون بها، وذلك من خلال ممارساتهم وتناقضهم في الدعوى والتطبيق، وبالتالي سقوط مصداقيتهم. إن الإصرار على دفع الساحة نحو نمط واحد من النشاط الإسلامي، هو الفعل السياسي ومعارضة النظام، ورفع لافتة أولوية وأهمية هذا النمط، وما يرجحه على سواه... لا يعدو كونه فرية وحيلة كبيرة، تستبطن في واقعها الدعوة للحزب وتعميم نفوذه وسيطرته ليس إلا، الأمر الذي لا يمكنهم طرحه علناً ولا مطالبة المؤمنين به صراحة، فيلجئون إلى توظيف كلمات الإمام الخميني (قدس سره)، والاتجار بالعناوين الأخرى التي يحبها المؤمنين ويميلون إليها بل ويقدسونها، ويعمدون لاستغلال بريق الثورة وزبرج المعارضة، ومحاكاة الأفكار التي تدغدغ المشاعر وتستثير الأحاسيس وتستنهض الهمم، ومن ثم التغرير بالمؤمنين والاحتيال عليهم بها... وخير برهان على هذه الحقيقة، هو الواقع، الماضي والحاضر لهذا الحزب... فالتيار الحزبي الذي ينادي ويرفع هذا الشعار، يعيش في داخله التعددية، ويمارس جميع الأنشطة التي يعترض عليها في العلن، ويخطئ خيار العاملين الإسلاميين ويشكك في صحة توجههم نحوها. إن في هذا الحزب متفرغين لجمع الأموال في سبيل أعمال البر والإحسان، وبناء المساجد، وتكفل الأيتام، وما إلى ذلك مما يعيبون به على غيرهم! إنهم يلاحقون التجار، ويكونون العلاقات مع الوجهاء والأثرياء، ويترددون على بيوتهم، ويريقون ماء وجوههم ويستجدون منهمّ إن في هذا الحزب كوادر وعناصر متفرغة لإقامة العزاء والنفوذ في الحسينيات والخدمة فيها. وفيه مؤمنون (وقف) على متابعة الصحافة والإعلام. وآخرون دورهم الوحيد هو قراءة الكبت والإصدارات (وغيرهم من الحزبيين لا يقرأ!) وتصنيفها وتحديد أي منها يصلح كمادة ثقافية تقدم لأعضاء الحزب (الذين لا يقرؤون!). وهناك غيرهم مهمتهم الوحيدة هي السفر إلى قم واستفتاء المراجع وتوظيف الفتاوى في معاركهم الخاصة! إن في هذا الحزب من لا شغل له ولا عمل إلا ملاحقة الضال المضل والتشهير والطعن به، لا دفاعاً عن مولاتنا الزهراء (عليها السلام)، ولا إنكاراً لأفكاره ومعتقداته الفاسدة، إذ هم يحملونها جميعاً من مدرسة ومن أساس واحد، بل لأنه تمرد على الحزب وانشق ليشكل جناحاً ينافس جناحهم وقيادتهم! إن في هذا الحزب متفرغون لإدارة الجمعيات التعاونية واتحاد الطلبة والأندية الرياضية، تماماً كما فيه متفرغون يشكلون لجاناً خاصة لحملات الحج ولزيارة الدواوين وعيادة المرضى في المستشفيات... وقد أفهموا جميعاً أن هذه الميادين هي جبهاتهم والقطاعات التي (يجاهدون) فيها، وأنه لا شأن لهم ببقية الأعمال الإسلامية والدينية ولا دور لهم فيها! إذاً فهم يتواجدون في جميع الميادين ويمارسون مختلف الأنشطة، فلماذا ينكرون على غيرهم هذه الأنشطة والفعاليات، ويستكثرون أن يقوم بها من لا ينتهي إليهم؟ هذا عن واقعهم اليوم، أما ماضيهم القريب، فطالما انشغلوا وأشغلوا الساحة بحروب شرسة، على (مجرد) أفكار رأوا أنها تدخل في الغلو والانحراف، ولم يأنفوا عن أساليب دعائية رخيصة، وحيل إعلامية لتضليل العوام، حيث صوروا أفكاراً عميقة ومقولات علمية لها أسسها الفلسفية والعرفانية (مثل الولاية التكوينية) بلغة عامية ومنطق غوغائي، وطرحوها شعاراً لمعركتهم ومطعناً ضد خصوصمهم تحت عنوان: إنهم يقولون أن الإمام يخلق ويرزق وأن دمه طاهر!... هكذا! ألم ينشغلوا ويشغلوا الساحة بـ (مجرد) مرجعيات رأوا أنها لا تستوفي الشرائط، وأنها لا تحظى بالشهادات العلمية المطلوبة، ولا تتمتع بالتزكيات اللازمة! وفي واقع يضج ويصرخ شاهداً أنهم لا يقيمون وزناً (للتزكيات) ولا قيمة (للشرائط)، وأن الأمر ليس إلا المنافسة والصراع على كسب الساحة واحتكارها، فحملوا اللواء وتمادوا حتى نقلوا الأمر إلى النجف الأشرف واستغلوا الفتاوى والأحكام، وزوروا ما لم يتمكنوا منه، وراحوا في ترويجها حتى ظن كل من عايش تلك الحقبة أن القضية الأولى التي يجب أن يعمل لها، وأن فرج إمام الزمان (عليه السلام) يتوقف عليها، هي التشهير بهذه الشخصية وإسقاط تلك المرجعية! لقد أدخلوا البلاد والعباد في معارك طاحنة خلقت فتناً وأحقاداً وفرقة مازالت الساحة الإيمانية تئن من نتائجها! إن هذا السجل الحافل من (تنوع) أنماط العمل، وما مارسوه من أنشطة متفاوتة في طبيعتها وأهميتها، وكيفية اكتسابها للأولوية والصدارة... يثبت أنهم، في اعتراضهم على انشغالات المؤمنين وحركتهم في مختلف الميادين، ليسوا بصدد نشر فكرة كلية ولا الدعوة لأصل (كالانصراف لمعارضة النظام ومجاهدة الظلم)، بل هم وراء مفردة جزئية، وواقعة صغيرة محددة، هي مشروعهم السياسي وحزبهم الخاص ليس إلا! إذ كيف تكون القضية رسالية ومصيرية لا يجوز إهمالها إذا مارسوها وتبنوها هم، وتكون نفس القضية (مجرد) أشخاص لا داعي للانشغال بهم وبها، إذا مارسها غيرهم! أما إذا نظرنا إلى الميدان السياسي والمعارضة التي ينادون بها ويدعون إليها، فإننا ما إن ننظر في واقعهم، حتى نشرف ونطل على بريق، نحسبه من ظمئنا ماء، فإذا وصلناه نجده سراباً بقيعة... وإذا وقفنا على بعض الخبايا وأذعنا بعض الأسرار، لكشفنا عن جيفة نتنة، تثبت أن شبهة (الجبهة الوهمية) التي قد يقع فيها الناشط الإسلامي، هي أكبر وأكثر استحكاماً في الميدان السياسي منها في غيره من ميادين العمل الإسلامي الأخرى! بما يجعله يتراجع في سلم الأولويات، ومقولة (الأهم فالمهم) إلى آخر القائمة! إن ما يظهر من معارضة وصراخ وجعجعة في العلن، وما يعرض على شاشات تلفزيونات الخيام الانتخابية من مواجهات بطولية مع هذا الوزير وذاك الرمز... يدخل في التمثيل والاستعراض المسرحي! وما يتراءى من سعي لانتزاع الحقوق بالقوة، وما يقال عن الأنفة والكبرياء الثوري، والغرور المقدس الذي يأبى الذل والخنوع والهوان... يخفي خلفه أيدي تتصافح تحت الطاولة، وصفقات تعقد في الخفاء، وخدمات وامتيازات و (رخص) تقدم بتقبيل الأنوف والجباه، ومصالح تؤمن بالتفاهم وتوزيع الأدوار. وقد تدعو الحاجة، وتمكننا الفرص في آتي الأيام، لنكشف الشواهد والأرقام التي تثبت للمؤمن المسكين الذي سهر الليالي في نصب خيام المرشحين ولافتاتهم الدعائية وبوستراتهم الملونة، وقضى زهرة شبابه في إعداد الحليب وتقديمه مع (البقصم) لرواد خيمة (البطل) و (الفاتح) الذي تواضع وتنازل وتفضل علينا، فقبل ترشيح نفسه لمجلس الأمة!.. تثبت أن له (قبعة مكسيكية) تصلح مضماراً لسباق الخيل، كانت قد ركبت على رأسه! وأنه كان أقل أرقام المعادلة، وأصغر أوراق اللعبة، وأخفها في ميزان الحزب وحصاده. حصاده الذي قسم مشاريعاً تجارية وفرصاً للكسب والاستثمار، وراحة أو ترقية في الوظيفة، ووجاهة، وسلطة ونفوذ، وأنه لم يحظ حتى بأجر البنغالي الذي أخذ دوره في الحملات الانتخابية الأخيرة، حيث بدى الجيل الجديد أكثر وعياً و - بالتالي - أصعب استغلالاً وتطويعاً وإخضاعاً! كان هذا نقضاً لفكرة (العمل الواحد)، وعرضاً يكشف بطلان الدعوة الحزبية التي تنادي بإلغاء التعددية.. أما الحل، وكيف أن الأولوية هي لاهتمامات وأنشطة ما دون غيرها (مع مراعاة التعددية واحترام التنوع)؟ فهذا ما قد يفسح له المجال في مقالات قادمة إن شاء الله، فنعرض للإجابة على تساؤلات مطروحة في الساحة: ما هو أهم ما يمكننا - كمؤمنين - أن نقوم به لخدمة ديننا وآخرتنا؟ ما هي أهم قضية، أو أهم موضوع، أو أهم نشاط يمكن للمؤمن أن ينشغل به؟ ونرد على تشكيكات البعض حول كون قضية إنكار ظلامة الزهراء (عليها السلام)، تستدعي هذا الحد من المواجهة؟ وهل حقاً أن اعتبار التطبير بدعة، قضية تستحق هذه الحملة وهذا المستوى من العمل والتضحية؟ ثم ما هو المهم وما هو الأهم؟ وأين الحقيقة، وكيف نطمئن أننا لا نستغل ولا يجري استدراجنا إلى جبهات وهمية صوّرت لنا الدين ورضا أهل البيت (عليهم السلام) فيها؟!
|
||
|
بقلم: ياسر الحبيب
وفي هذه الأثناء سكنت أنفاس الشيخ فجلس أمامي منتظراً، وما إن غاب المسؤول عنا قليلاً حت خاطبني قائلا: (إنهم ها هنا يكرهون لقاء المعممين بالمولى)! فأجبته: (ليس الأمر كما تظن يا شيخنا)، ودار حديث ليس مهما نقل تفاصيله، سألني فيه عن مدى ارتياح المولى لإحدى الشخصيات العلمائية المحسوبة على اتجاه سياسي معين، فاستفهمت عن غرضه من السؤال، فأجاب بأنه آتٍ من إيران لبضعة أيام ويطمع بالحصول على مبلغ من المال من قبل سماحة المولى لتنفيذ مشروع له، وأنه حاصل على شهادة تأييد لمشروعه من تلك الشخصية، لذا فإنه يريد معرفة ما إذا كانت تلك الشخصية محل ثقة المرجع حتى يستشهد بشهادتها أم لا. ثم شرع الشيخ في التعريف بنفسه فقال: (أنا فلان الفلاني مدرس بحث الخارج في جامعة طهران، درست في النجف ثم قم، وتتلمذت على يدي فلان وفلان، ولي من الحظوة الاجتماعية في إيران الكثير، ومن المؤلفات كذا وكذا، وهذا كتابي الذي نلت فيه درجة الاجتهاد وهو بحث مفصل في نطاق نظرية ولاية الفقيه تمكنت فيه من إثبات أنها - أي ولاية الفقيه - مطلقة وليست مقيدة، فهي واقعة على الفقهاء الآخرين وهي شاملة لمختلف شؤون الجهاد وإعلان الحرب وإدارة الدولة الإسلامية). وما إن أتم حديثه بادرت بالقول: (شيخنا.. هل ترى ولاية الفقيه أثبتت أفضليتها على سائر النظريات الأخرى المطروحة في شأن الحكم بالنظر إلى الوضع الإيراني الحالي البائس؟) فأجاب: (بالتأكيد فقد أثبتت نجاحها الباهر (...) والسيد الشيرازي الذي يقول بنظرية شورى الفقهاء المراجع مخطئ خطئاً بالغاً جداً، فولاية الفقيه هي إكمال للدين ولابد من الاعتقاد بها)!! وهنا نودي عليّ للتشرف بمقابلة سماحة المولى، غير أنني قدّمت الشيخ على نفسي وأخرت دوري، وفي ذلك الحين سمعته يحاور المرجع الإحقاقي بصوت عالٍ جداً وغير مألوف بحيث وصل إلى مسامعي وأنا جالس في قاعة الانتظار التي هي في آخر الممر، مما يوحي بأنه دخل في سجال مع سماحته حول مبلغ المال الذي يطلبه على ما يبدو، وكان مما سمعته قوله لجناب المولى: (إنهم في إيران لا يخاطبونني إلا بقولهم يا آية الله فلان)! وحينها أنبه المولى على قوله حيث لا ينبغي لأحد أن يزكي نفسه بهذا الأسلوب. الشاهد أنه لم يحصل على مراده حسب الظاهر، وحينما انتهت المقابلة تصادفنا بالممر فقال لي: (دعني أراك لنستكمل حديثنا) فقلت له: (إن شاء الله تعالى) وسألته عن محل إقامته فأجاب: 0في مدرسة السيد الشيرازي في بنيد القار غرفة كذا)!! استحضرت هذه الواقعة بذهني إلى جوار عدد من الوقائع المشابهة التي كنت طرفاً حوارياً فيها، وأنا أتصفح إحدى المجلات الإسلامية الصادرة في لبنان، وربطت في ما بين تلك المعطيات ضمن بحثي الخاص حول (ولاية الفقيه) فوصلت إلى نتيجة خطرة ينبغي لنا جميعاً الانتباه لها، فقد بلغ مسار هذه النظرية منعطفاً مرفوضاً بات يهدد الركائز الشيعية ويقوض بنيانها. سابقاً.. أعني في مراحل ما قبل قيام الثورة الإيرانية، كانت (ولاية الفقيه) مجرد نظرية أصولية تضع تصوراً لنظام الحكم الإسلامي في عصر غيبة المعصوم (عليه السلام)، وبرز اسم الشيخ النراقي في هذا الخصوص كأحد أولئك القلائل الذين نادوا بها. ونتيجة للسلبية التي اتسمت بها معظم الحوزات تجاه فكرة تغيير الواقع وإقامة الحكومة الإسلامية، لم تظهر على السطح رؤى نظرية أخرى في هذا الشأن، إلى أن لمع اسم الإمام الشيرازي قبل أكثر من أربعين عاماً في كربلاء إذ رفع راية (شورى الفقهاء المراجع)، وهي النظرية التي قدمت نموذجاً تكاملياً لحكومة إسلامية عالمية واحدة تقام على أساس جمع المرجعيات الدينية كافة في إطار مؤسسي يشكل السلطة العليا في زمان الغيبة، وينبع من هذا الإطار أحزاب حرة تتنافس لأجل تشكيل السلطتين (التأطيرية التشريعية) و (التنفيذية). ثم جاء السيد الخميني ليوسع من نطاق (ولاية الفقيه) في رؤاه، فجعلها (ولاية الفقيه المطلة التي هي ذاتها ولاية المعصوم). وهو الأمر الذي كان مثار اعتراضات واسعة النطاق، خاصة مع قيام الثورة في إيران وجعل هذه النظرية عماد نظامها السياسي، وكان ممن عارضها المرجع السيد الشريعتمداري، وعلى رغم أنه أستاذ السيد الخميني إلا أنه ذهب ضحية معارضته فجُرّد من لقب (آية الله العظمى) ونُزعت عمامته وبُصق في وجهه في محاكمة صورية ثم أبقي قيد الإقامة الجبرية إلى أن حان أجله. وكان الإمام الشيرازي ممن عارض هذه النظرية أيضاً، ولطالما دعا السيد الخميني للعدول عنها رغم أن الأخير كان يدعوه مراراً للقبول بمنصب نائب الولي الفقيه قبل تعيين الشيخ المنتظري غير أن الإمام الشيرازي كان يرفض العرض دائماً لإيمانه بمبدأ (شورى الفقهاء)، ومما أبقى الإمام في معزل عن المضايقات السياسية - في بادئ الأمر - كالتي حصلت للسيد الشريعتمداري موقفه المشرف الذي اتخذه مناصرة للسيد الخميني قبل اندلاع الثورة، حيث بذل جهداً كبيراً في سبيل إنجاحها رغم عدم إيمانه بفكرة (ولاية الفقيه)، حتى أن مجلة (الأسبوع العربي) كتبت في عددها رقم (1029) ضمن تحليل لها عن عوامل نجاح الثورة ما نصه: (الخميني فجر الثورة في قم، والشيرازي أوصل صوته إلى العالم من كربلاء). هذا الحادث الذي طرأ على مفهوم (ولاية الفقيه)، أعني توسيع نطاقها لتصبح مطلقة بلا أية قيود، شكل أرضية لتطورات متسارعة في الفكر الشيعي المعاصر كانت لها انعكاسات سلبية للغاية على المسرح الديني الحوزوي من جهة والمسار السياسي الاجتماعي الشيعي من جهة أخرى. فعلى الجانب الحوزوي لوحظ كيف تقولبت الأنظمة المرجعية في إطار سياسي محدد أجبرها - للمرة الأولى في تاريخ الإمامية - على أن تصبح في موقع التبعية بعدما جردها من استقلاليتها التي كانت تتمتع بها طوال العهود السابقة. وسقطت - إثر ذلك - حزمة من المقننات التي كانت تحكم هذه الأنظمة المرجعية وهو الأمر الذي تسبب في ما بعد بإغراقها في الوحل السياسي، وجعلها مرهونة بمصالح الطبقة الحاكمة. فلم يعد مستهجناً أن ينصّب من لم يكمل دراسة السطوح ناهيك عن اتمام مرحلة البحث الخارج والاجتهاد ولياً لأمر المسلمين تكون طاعته مفروضة حتى على المراجع والفقهاء، ولم يعد صعباً على من رأى ذلك وهو لم يكن يحلم بالمرجعية يوماً، أن يعلن نفسه مرجعاً دينياً (عصرياً) يؤمن بالحداثة إلى الحد الذي جعله يفتي بجوازية النظر إلى المرأة الأجنبية العارية في الأفلام الإباحية لأنها (لا تنتهي إذا نهيت)! بل إن لقباً من قبيل (ولي أمر المسلمين) بما يحمله من تجاوز سافر على مقام صاحب العصر والزمان (عليه الصلاة والسلام) - الذي هو ولي أمر المسلمين حقاً في زماننا هذا - لم يكن إطلاقه على أية شخصية مهما بلغت من النبوغ العلمي ليمر بهذه السهولة. ومضايقة المراجع والمجتهدين وفرض الإقامة الجبرية عليهم، بل ومحاكمتهم والبصق في وجوههم - كما حدث للسيد الشريعتمداري كما أشرنا - لم يكن ليمر دون أن تصاحبه ردة فعل شعبية واسعة النطاق قد تقلب الأمور رأساً على عقب. إن هذه التبعية التي فرضتها (ولاية الفقيه) على الحوزات العلمية تمخض عنها كسر كثير من الحواجز المنيعة التي كانت تحيط بنظام المرجعية الشيعية. فما حدث لكبار علمائنا من اضطهاد واسع في عصر (ولاية الفقيه) لم يكن ليحدث يوماً ما على هذا النحو في عصر الشاه المقبور، الذي كان دستوره ينص على حرمة محاكمة المجتهدين ممن يحملون لقب (آية الله)، أما اليوم فإن هذا القانون لم يعد سارياً رغم أن ما نتكلم عنه هو (نظام إسلامي) كما يُدّعى. وحينما ننظر إلى جذر الأزمة نراها تتمثل بالإصرار على تطبيق نظرية (ولاية الفقيه المطلقة) التي لم تضع أي اعتبار للقيادة المرجعية أو الإرادة الشعبية، فليس مهما رأي الشعب إذا ما تعارض مع رأي (الولي الفقيه)، بل ليس مهما رأي جميع المراجع مقابل رأيه، فهو الآمر الناهي وحكمه نافذ عليهم قسراً، إذ إن جميع السلطات منحصرة بيده وهو الذي يقرر هامش الموكول منها إلى الشعب، وله أن يصادر حق الأمة في تقرير المصير باعتبار وصائيته عليها. ومن يفكر - مجرد التفكير - في فك هذا القيد المجحف كأن يوجه الانتقاد لنمط الحكم أو لأسلوب (ولي أمر المسلمين) في القيادة فينبغي عليه أن يتوب إلى الله تعالى، لأنه وفق هذه المعادلة يكون خارجاً على المعصوم - الذي يمثله هذا الولي - وبالتالي فإنه خارج على الله عز وجل! في حديث له مع صحيفة الحياة اللندنية الصادرة في (26/4/2000) يقول آية الله العظمى الشيخ حسين علي منتظري وهو أحد كبار رجالات الثورة ممن شاركوا في وضع أسس نظام (ولاية الفقيه) ما نصه: (إن ولاية الفقيه المطلقة وكون الفقيه فوق القانون، وكونه يستطيع التدخل في جميع الأمور من دون حساب وكتاب، وامتلاكه حق التشريع فيها، تعتبر في عرف الشرع والعالم هي الاستبداد بعينه، والحكم الاستبدادي في عالمنا المعاصر لا يمكن له أن يستمر ويدوم). وليس هذا الكلام صادراً من ساخط على النظام فحسب، بل هو صادر ممن كان الرجل الثاني في الثورة والمرشح لخلافة السيد الخميني. ولا يذهبن الظن بالقارئ إلى أن الشيخ المنتظري ليس مؤمناً بولاية الفقيه، إذ إنه من أشد المؤمنين بها كنظام حكم إسلامي وإلا لم يكن ليشارك في الثورة والحكم إلى جوار السيد الخميني، لكنه يضع لها حدوداً تحد من تحولها إلى نظرية ديكتاتورية، كما هو واضح من كتابه الذي حوى بحثه حولها. وجدير أن نسوق في هذا المورد قصة من أحد مريدي الإمام الشيرازي إذ يقول: (في أعقاب الثورة وفي أيامها الأولى، كانت ثمة زيارات يقوم بها رجالات الدولة إلى سماحة السيد في منزله المتواضع في قم، وكان من بين هؤلاء الشيخ المنتظري الذي كان يلقب بـ (أمل الأمة والإمام) وقد كان الرجل الثاني والخليفة المنتظر، وفي إحدى هذه اللقاءات وفي الوقت الذي كان فيه الشيخ المنتظري في أوج نفوذه السياسي والشعبي، قال له سماحة الإمام ما معناه: إنك ستدفع بنفسك ثمن إيمانك بولاية الفقيه وستكون أنت أحد ضحاياها) وبالفعل فقد صدق حدس الإمام الشيرازي، وأصبح الشيخ المنتظري - رغم كونه من مراجع التقليد - ملعوناً على ألسن المتحمسين للنظام وأحد (عملاء الاستكبار) في نظرهم، لا لشيء.. فقط لاختلافه الشخصي مع الولي الفقيه آنئذ وهو السيد الخميني، وإنني أذكر أن بعض هؤلاء المتحمسين لإيران هنا في الكويت كانوا في إحدى السنوات يلطمون صدورهم ويذكرون الشيخ المنتظري بقولهم: (منتظري.. منتظري.. إسلامنا في خطر)، وفي العام الذي تلاه كانوا يلطمون ويذكرونه أيضاً غير أن العبارة اختلفت عن سابقتها فأضحت تكيل له التهم وتندد به على رؤوس الأشهاد باعتبار أنه (عميل للاستكبار)! إن (إلغاء الآخر) سمة من سمات نظرية (ولاية الفقيه المطلقة) وهذا ما لمسناه طوال العقود السابقة، فكل من يختلف مع رؤى الولي الفقيه يصبح مجرماً بالضرورة. هذا على رغم أن (ولاية الفقيه المطلقة) ليست لها أية مسوغات شرعية على الإطلاق، وقد كان بحثنا مركزاً حول الاستدلالات التي أوردها القوم في سياق إثباتهم لها، فلم نعثر لها على أصل يدعمها، بل على النقيض من ذلك وجدناها تدلل على رجحان (شورى الفقهاء) وأصالتها. هم يقولون أن قول الإمام الحجة (عليه الصلاة والسلام): (وأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه) دليل على ولاية الفقيه، لكننا نقول: بل هو دليل على ولاية الفقهاء فـ (مَنْ) تفيد الجمع ويدعم ذلك قوله (عليه السلام): (من الفقهاء). وهم يقولون أن نص توقيعه الشريف: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله) دليل آخر على ولاية الفقيه، لكننا نقول: بل هو أيضاً دليل على نقضها وأحقية (شورى الفقهاء) لأن (رواة) جمع، فعلى هذا الأساس يكون كل فقيه تتوافر فيه الشرائط المذكورة، نائباً عن إمام الزمان (عليه السلام)، ولا يحق لفقيه آخر من الفقهاء تجاوزه إذا ما كان مبسوط اليد. ولهم إلى جانب ذلك عدة استدلالات مما لا مجال لتفصيلها والرد عليها، كما أن لنا في مورد إثبات نظريتنا استدلالات جمة لا مجال لحصرها في هذه العجالة، بيد أننا نحاول تبسيط المراد بذكر هذا المثال: لنفترض أن رسول الله الأعظم (صلى الله عليه وآله) بعث سلمان المحمدي (رضوان الله تعالى عليه) حاكماً على المدائن، ثم أنفذ المقداد (رضوان الله تعالى عليه) حاكماً عليها أيضاً منصوباً من قبله، فهل يعقل أن يستبد أحدهما بالحكم وشؤون الإمارة بدعوى أنه (مبسوط اليد)؟ بالطبع لا.. وإنما اللازم عليهما أن يتشاورا دوماً لحكم هذه المقاطعة، لأنهما في رتبة سواء. وهكذا الأمر بالنسبة إلى المراجع (حفظهم الله تعالى)، فهم جميعاً - ما دامت الشروط التي ذكرها صاحب العصر (عليه السلام) حاضرة فيهم - حكماء على الناس وفي رتبة واحدة هي رتبة النيابة العامة، فاللازم عليهم إذا ما قامت دولة الإسلام في عصر الغيبة أن يجتمعوا ويتشاوروا للحكم لا أن يصادر أحدهم حق الآخر، والصيغة المثلى لهذا التشاور تتمثل في نظرية (شورى الفقهاء) التي ذكرها الإمام الشيرازي (دام ظله) في عديد من كتبه، وفصلها فقهياً وأصولياً. إن الله عز وجل يقول في كتابه العزيز: (وأمرهم شورى بينهم) و (شاورهم في الأمر). ولا يخفى أن (شورى الفقهاء) من مصاديق ذلك بلا أدنى شك. فطوال العقود الماضية كنا - نحن الشيعة - نعاني من انغلاق المرجعيات وغياب التواصل في ما بينها إلا ما خرج بالدليل، وقد أدى هذا الغياب إلى عواقب وخيمة على المسار الشيعي في بعديه السياسي والاجتماعي بل وأثر تأثيراً ملحوظاً على البعد الفقهي أيضاً، حيث أن الانغلاق على الذات أوقف عملية التعرف على ما لدى الآخر، الأمر الذي عرقل نمو الجهد العلمي وتنشيط الجو الاجتهادي. يقول الباحث عادل رؤوف في دراسته القيمة بعنوان (العمل الإسلامي في العراق.. بين المرجعية والحزبية) في معرض تناوله لظاهرة التباعد المرجعي: (بعد فترة الخمسينات والستينات عادت هذه الأزمة (أزمة التباعد المرجعي) في نهاية السبعينات للتجلى بشكل آخر (ليس بالضرورة أن يكون شكلاً صراعياً)، إلا أنه شكل انفراد الآراء الفقهية إزاء الواقع واختلاف التقديرات لطرق وأساليب وآليات معالجاته بما يلحق بالمحصلة خسائر فادحة بالعمل الإسلامي ومشاريعه كما حصل ذلك في مرجعيتي الشهيد محمد باقر الصدر والسيد الخوئي اللتين اختلفتا في تقدير ظروف المواجهة وتجلت هذه الأزمة في تجربة الشهيد محمد محمد صادق الصدر كآخر محطة صيرورة ضخمة للعمل الإسلامي خلال نصف القرن الماضي حيث لم يكن خافياً الصراع المرجعي الذي رافق هذه التجربة وآثاره البليغة عليها لاسيما بينها وبين مرجعية السيد محمد سعيد الحكيم ومرجعيات أخرى.. إنها أزمة دفعت الكثير إلى التساؤل تحت ضغوط مرارتها وخسائرها (لماذا لا يلتقي المراجع؟ لماذا لا يتعاونون؟ لماذا لا يعملون سوية؟ لماذا هذا التباعد؟) ولقد قال لي الشهيد محمد صادق الصدر ذات مرة في هذا الإطار: (باصطلاح علم الأصول الخلاف له منشأ نزاع بكل تأكيد، الخلاف موجود ولكنه ليس في هذا الجيل فقط، وإنما منذ مئات السنين، ومنذ وجدت المرجعية كان الخلاف موجوداً بين المراجع لحد ما، من الواضح أنهم قليلاً ما يتزاورون في ما بينهم مع شديد الأسف، حتى أنه يمكن تطبيق هذه الحكمة، اجتمعوا على باطلهم - أي الباطل - وتفرقتم عن حقكم، فالمسألة ليست في هذا الجيل فقط، ولكن في أجيال كثيرة وهذا واضح جداً، حتى الجيل السابق حينما كان السيد الخوئي والسيد الحكيم والسيد الشاهرودي والسيد الشيرازي وآخرون أيضاً كنا نلمس نفس هذه النتائج التي نلمسها الآن). ولاشك أن المنصف لا يرى مندوحة عن تطبيق (شورى الفقهاء) كحل ناجع لأزمة التباعد هذه التي ألقت بظلال سلبية على الجهود النهضوية الشيعية، التي يؤمل أن تثمر عن إقامة نموذج دولة إسلامية عالمية واحدة قوامها العدل والحرية، حتى تسهم في التعجيل في ظهور مولانا صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف). غير أن المآل الذي آلت إليه دعوة (ولاية الفقيه المطلقة) لاشك أنه يصب في اتجاه تقويض هذه الجهود النهضوية، وذلك بفعل ما رافق هذا النكوص السلبي من ممارسات ودعوات مرفوضة. فولاية الفقيه اليوم لم تعد مجرد نظرية في عيون أصحابها؛ بل هي أصل من أصول الدين لابد من الاعتقاد به والتسليم له، ومن يرفض فإن في دينه نقص! وحتى لا نكون مبالغين نورد هاهنا عدداً من الشواهد التي تكشف هذه الحقيقة المأساوية، والتي نعتبرها خطراً يهدد البنيان الفكري للإمامية، فلو بقت (ولاية الفقيه) في إطار (النظرية) لما كان ثمة إشكال، ولكنها حينما تخرج من هذا الإطار لتقحم نفسها في دائرة (أصول الدين والعقيدة) فها هنا الخطر الذي ينبغي لنا أن ننتبه له. يصل (آية الله) السيد محمود الهاشمي وهو رئيس السلطة القضائية الإيرانية في نتيجة بحث فقهي أصولي له نشرته مجلة (بقية الله) الصادرة عن حزب الله - لبنان في عددها رقم (7/79): (إن ولاية الفقيه جزء من ولاية الأئمة الأطهار (عليهم السلام) وامتداد لولايتهم (...) اعتقد أن قداسة ولاية الفقيه واضحة جداً وانطباقها على القائد المعظم (الخامنئي) أيضاً واضح جداً واهتمام الإمام الراحل (الخميني) وأحاديثه حول ولاية الفقيه واضح أيضاً). ويوجه الهاشمي سهام نقده اللاذع لبقية المراجع العظام (دام ظلهم العالي) في سياق إثباته لما يؤمن به، إذ يقول: (إن المرجعية مسألة هامة جداً، إنها الولاية، والأصل الأولي عند الشك فيها هو عدم الولاية، فلو لم يكن لنا دليل لفظي على ولاية الفقيه والتجأنا إلى القدر المتيقن، لقلنا بأن القدر المتيقن يلغي كثيراً من هؤلاء - المجتهدين التقليديين - ويشملهم أصالة عدم الحجية وأصالة عدم جواز تقليدهم وعدم حجية فتاواهم)! هكذا وبكل بساطة.. يعتبر الهاشمي مراجعنا وفقهائنا وأرباب حوزاتنا العلمية غير مؤهلين - في مقابل الولي الفقيه - لتولي زمام المرجعية، بل ويطعن في تقليديهم ويعتبره غير مبرئ للذمة كما كتبت مجلة (بقية الله) هذه تعليقاً على كلامه! دعونا ندقق قليلاً في ما جاء على لسان الهاشمي، إذ اعتبر (ولاية الفقيه) جزءاً من ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، إذن فهو أخرجها من دائرة النظرية كما ذكرنا، ليدخلها في صلب العقيدة الإسلامية المبنية على الولاية لأهل العصمة (عليهم السلام)، ثم وجدناه يستخدم نعت (قداسة ولاية الفقيه)، وعلى هذا فهو يسبغ عليها القداسة ما يعني أنها لم تعد أمراً يقبل الرد أو حتى المناقشة! ويجيب المسؤول الثقافي المركزي لحزب الله - لبنان الشيخ محمد خاتون على بضع أسئلة وجهتها إليه المجلة في العدد ذاته فيقول: (هناك مصطلح اسمه الحاكم الشرعي، وقد يعتبر كل فقيه حاكماً شرعياً في حالة عدم وجود نظام إسلامي إلا أنه عندما يكون هناك نظام إسلامي فإن الفقيه الذي تصدى وأقام ذلك النظام هو الفرد الذي يعتبر الحاكم الشرعي، وبالتالي ينقاد بقية الفقهاء إليه، وحتى لو لم يكن هناك نظام فإن ثمة عبارة تذكر عادة في الرسائل العملية وهي أن حكم الحاكم نافذ حتى على الفقهاء الآخرين). وفي رده على سؤال: ولاية الفقيه تفويض شعبي أم إلهي؟ يقول: (الله سبحانه وتعالى أعطى الشرعية للولي الفقيه وهو الذي فوّض إليه القيام بالأمر)! ولسنا هنا بصدد تبيان تفاهة هذه المباني والاستدلالات الواهية، ولكننا بصدد الإشارة إلى إيمانهم بأن حكم (الولي الفقيه) نافذ على جميع الفقهاء والمراجع الآخرين، وعلى هذا فالويل لمن يعصي منهم فإن مصيره قد يكون مصير السيد الشريعتمداري. ولعلنا لا نستغرب اعتبارهم أن الله تعالى أعطى الشرعية للولي الفقيه وفوض إليه القيام بالأمر بعدما وقع في يدينا كتاب صادر في لبنان حوى نصوص الزيارات الواجبة للعتبات المقدسة في إيران والتي يأتي في طليعتها الإمام الهمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما الصلاة والسلام) والسيدة فاطمة بنت الإمام الكاظم المعصومة (صلوات الله عليها)، إذ فوجئنا بزيارة واردة في هذا الكتاب للسيد الخميني فيها ما نصه: (أشهد أنك أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وأطعت الله حق طاعته وجاهدت في سبيله حتى أتاك اليقين، فالحمد لله الذي جعلك إماماً للمسلمين وملاذاً للمستضعفين وقبلة للمؤمنين...)! إن هذا لهو الغلو بعينه، حيث إن (الإمامة بالجعل) من خصائص أهل بيت النبوة والوحي (عليهم الصلاة والسلام)، ولهذا المبحث بحوث عقائدية وكلامية واسعة لا مجال لذكرها، لكن المتفق أنه لا يمكن لأحد أن يدعي أن الله جلت قدرته (جعل) أحداً إماما بعد الأئمة (عليهم السلام)، لأن هذا يقتضي أن يؤمن الجميع بهذا (الإمام) المنصوب من الله تعالى الذي يقول في محكم كتابه: (وكذلك جعلناهم أئمة يهدون بأمرنا). فأين ذهب إذن إمامنا المهدي أرواحنا لتراب مقدمه الفداء؟!! كما لا نعلم أين وردت هذه الزيارة وفي أي كتب من كتب الروايات والأحاديث، وهي التي لا توجّه مثل عباراتها إلا للأئمة المعصومين (عليهم السلام)؟!! كما لم نستطيع إدراك كيف يفوض الله تعالى أحداً القيام بالأمر وتسلم زمام السلطة دون أن يرسل معه البينات على ذلك؟!! وما هي يا ترى البراهين التي تؤكد أن زيداً هو الولي الفقيه بالجعل والتفويض والتنصيب من الله تعالى دون عمرو؟!! ترى.. هل يمكن لعاقل إلا أن يفسر هذا النص الآتي بأنه البدعة بذاتها: (إن طاعة الولي الفقيه واجبة، وهي الولاية الحقيقة لأهل البيت (عليهم السلام)، وطاعته تتحقق من خلال اتباع أوامره في شؤون الحياة كافة) (كلمة لمسؤول ثقافي حزبي هو السيد عباس نور الدين نُشرت في مجلة بقية الله الناطقة باسم حزب الله - لبنان). فإذا ما علمنا بأن مفهوم البدعة هو إدخال ما ليس في الدين إليه، أفلا يكون القول المشار إليه بدعة، فكيف أصبحت (ولاية الفقيه) واجبة؟ وكيف اعتبرتموها هي الولاية الحقيقة لأهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)؟ ثم أليست هذه (الطاعة) انقياداً أعمى يسلب حق الأمة؟ ماذا لو أخطأ الولي الفقيه وارتكب جرماً، هل يحق للأمة عزله؟ بالطبع لا.. لأنه منصوب من الله تعالى ومفوض من قبله، وكما ذكروا في مجلتهم: (إنه لا حد لولاية الولي في ما يتعلق بشؤون الحياة إلا ما استثني بالدليل. وإن ولايته شاملة للأنفس والأعراض والأموال. وعليه فلا حد لطاعته). وكما قال شيخنا الذي ذكرناه في بداية مقالنا: (إن ولاية الفقيه هي إكمال للدين ولابد من الاعتقاد بها)! إن معنى ذلك أن ولاية أكثر من 95% من الشيعة في هذا الكوكب لأهل البيت (عليهم السلام) هي ولاية ناقصة، وأن إكمالها مرهون بإيمانهم بولاية الفقيه المطلقة!! وهكذا اختزلوا هذا الدين العظيم كله في نظرية واحدة أصبحت هي المفصل الفاصل بين الإيمان والكفر! وعلى هذا الأساس؛ لا تبدو مفاجأة أن نكتشف في فصل العقائد وأصول الدين من كتاب (تعرّف على الإسلام) وهو المنهج الدراسي لمدارس حزب الله الابتدائية في لبنان أن أصول الدين التي يعلمونها للطلاب ستة بدلاً من خمسة (!) أولها التوحيد وثانيها العدالة وثالثها النبوة ورابعها الإمامة وخامسها ولاية الفقيه.. أما الإيمان بالمعاد فقد اعتبروه سادسها! هكذا بالتوالي والترتيب أضيفت (ولاية الفقيه) كأصل من أصول الدين والمذهب. فهب أن أحداً من المؤمنين بنظرية (شورى الفقهاء) اعتبرها أصلاً من الأصول العقائدية.. وهكذا فعل كلّ بنظريته فأدخلها في صلب العقيدة، فكيف سيكون عليه الحال؟! ترى. إلى مَ ستؤول عقائدنا بعد عشرين سنة مثلاً؟ عندما تتخرج أجيال تعتقد بأن (ولاية الفقيه) أصل من أصول الدين فترى كل من لم يعتقد بهذه النظرية خارجاً عن دين سيد البشر والمرسلين (صلى الله عليه وآله) وعن مذهب الأئمة الأطهار (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)؟! أيا مولاي يا صاحب الزمان العجل العجل.. فإن السياسة ومصالح أهل الكرسي والجاه والسلطان صادرت منا (ولايتنا) لكم سيدي بعدما صادرت منكم وظيفتكم الإلهية المقدسة ونسبتها لنفسها.. وها هي عقيدتنا تتغير والبدعة إليها تتسلل.. اليوم أمست السياسة (ولي أمر المسلمين) فإلى متى ننتظر سيدي!
|
||
|
رسالة من: علي علي حاجي السادة القائمون على مجلة المنبر تحية طيبة وبعد: عندي كلام طويل أود أن أقوله... باختصار شديد عندما اشتركت في هذه المجلة كان رائدي هو الترويج لفكر أهل البيت (عليهم السلام)، إلا أنني اكتشفت غير ذلك ولكن بعد فوات الألوان.. لن أطالب بحقوقي.. ولكنني أعتقد أن من حقوقي أن يكون لي رأي في مجلة تفتح إحدى صفحاتها لمختلف الآراء. وفي مجلة شعارها تعدد الآراء فهل يمكن أن لا يكون للمشتركين حق في التعبير عن المجلة سواء إيجاباً أم سلباً؟ وهل يمكن لمجلة تصب جام غضبها على إيران لمصادرتها الحريات وهي تقوم بالفعل نفسه؟! نني أطمح أن أرى هذه المقالة في صدر صفحات المجلة في أقرب فرصة متماشياً مع حرية التعبير. لم أضع في جدولي يوماً أنني سأكتب معاتباً إصداراً يمثل فكر أهل البيت (عليهم السلام) أو يدعي الانتماء إليه، إلا أن هول ما قرأته دفعني قسراً لأن أكتب ولأن أصرخ لو جاز لي ذلك! فقد استلمت بحزن كبير مجموعة من إصدارات المنبر الذي أنا أحد مشتركيه، وتمعنت في صفحاتها فوجدتها ترتكز على محورين لا ثالث لهما: أول تلك المحاور الترويج لفكر السيد الشيرازي (وليس لفكر أهل البيت كما العادة) وجعل كل كلمة يقولها هذا السيد محل مداولات ونقاشات بل أسطورة لا ريب فيها. ولسنا هنا بصدد تقييم إصدارات هذا المرجع التي تربو على الألف كما يروج له دائماً، بل نضع أرباب الفكر والعلماء من يقوم بهذا العمل. ولابد أن نشير بأن السيد الشهيد باقر الصدر على قلة إصداراته إلا أنها تحتوي على كنوز لا تزال الأكاديميات تنهل من معينه. ولابد أن نشير إلى نقطة أخرى أيضاً بأن التيار الشيرازي طالما ضج من تهجم الآخرين على شخصه والتشكيك بمرجعيته وتهميشه وهو أمر غير مقبول.. وها أنتم اليوم تقومون باقتدار يجسد عليه بهذا الفعل وتلمزون في حرمة المراجع الأجلاء بأسلوب لا يليق ولا يتناسب مع هواة التحرير والكتابة. وسنأتي على ذكر بعضها في سياق المقالة. المحور الآخر والمهم الذي تقوم عليه مجلتكم هو - وللأسف - الهجوم والعدوان الشرس على الجمهورية الإسلامية وعلى قائدها الأغر الذي يتحمل ما لم يتحمله أحد من مؤامرات خارجية وداخلية بتمويل من العالم كله، فحينما قرأت ما تكتبونه تساءلت بحيرة ماذا أبقيتم للسلفيين بل ماذا تركتم للصهاينة! أسلوب عنيف ونعوت لم نشهدها إلا في أوساط المناوئين للإسلام وليس وسط مجمع يزعم الانتماء إلى صاحب الزمان (عليه السلام). لقد شعرت فعلاً بخيبة الأمل حينما أشاهد اليوم الدنيا تفتحت بوجه الفكر الشيعي خاصة بعد الانتصار الباهر الذي تحقق في جنوب لبنان، وكان حرياً بكل ملتزم بنهج الأئمة أن يكرس قلمه ولسانه لتخليد هذا الانتصار وإن كنا نعرف سر أحجام الحركات المناوئة للشيعة في التحدث خوفاً من إبراز الدور الشيعي الرائد فإننا لا نعرف سر إحجام بعض المحسوبين على التشيع اليوم. على العموم إن كتاباتكم لا تخدم سوى أعداء الإسلام وحرص من هذا الشيء لسردت في أخطاء الأخوة المحسوبين على التيار الشيرازي وبعض علمائهم ما يشيب له الولدان! ابتداء من شتم مفجر الثورة الإمام الخميني (رحمه الله) وإلى دعم بعض المرشحين المشبوهين وإلى من أفتى بحلية شراء الأصوات!! فرحم الله من عرف قدر نفسه، ورحم الله من أشغله عيوبه عن التحدث في عيوب الآخرين. والتقرير الذي نشرتموه أخيراً عن اعتقال طفل المعجزة هو القشة التي قصمت ظهر البعير. ولا نتحدث عن أصل الموضوع الذي هو افتراء محض إذاعته بعض الإذاعات الغربية المعادية وتلقفتموها تلقف الغريق! الأمر الأهم هو تجرؤكم على حرمة المراجع الكرام من قبيل الشيخ الطاهر جوادي آملي الذي باع الدنيا واشترى أخوته.. ودعواكم أنه حاول تضليل السيد الطبطبائي والتشويش على رؤيته المزعومة؟! هكذا يكون أدب الحوار مع هؤلاء العلماء الأجلاء؟ ما شاء الله لقد أرضيتم صاحب الزمان حقاً بهذه الروايات الملفقة؟ وإن كنا نعرف أهداف أعداء الإسلام مسبقاً فما هي أهدافكم؟ لعلي أذكر نقطة هنا أنكم تتذمرون من أن الجمهورية الإسلامية تضيق على السيد الشيرازي وعلى بعض أتباعه.. فما هو الإجراء المناسب الذي يجب أن يتخذه الحاكم الشرعي وأنتم تفترون وتنتهكون حرمة المراجع؟ أم تعتقدون أن الإسلام دين ساذج يتعامل مع التشهير والكذب والافتراء بصدر رحب؟ أم أن الديمقراطية الغربية قد أسالت لعابكم كلما ترون الجماهير هناك تحرق صور الرؤساء وتمثل بهم على هيئة دمى وتعتقدون أن الإسلام يبيح ذلك؟ الإسلام أيها الأخوة دين رحيم ولكنه في الوقت نفسه دين يقطع الرؤوس ويجلد ويقطع اليدين وينفي فما هو جزاء من يفتري ويشهر سيما على الإمام القائد (حفظه الله)؟ كلمة أخيرة أقولها لكم ما دمتم ماضون في هذه المشاريع التي فيها رضى صاحب الزمان ولا ندري هل أعطاكم صاحب الزمان صكاً بالموافقة أم أنه افتراء جديد في هذا المسلسل الكئيب؟ إن التيار الشيرازي كان منذ السبعينات في هذا البلد وأول تيار عملي ظهر في المجتمع.. فهل يمكن أن نتساءل أين هم الآن بعد كل هذه السنوات ولماذا ليس لهم وجود والتفات كبقية القوى الأخرى؟ أريحكم من عناء الإجابة إنها ببساطة الأعمال التي تقومون بها لغير وجه الله. وعزاءنا في هذه المجلة بأنها لن تصمد وستندثر شأنها شأن بقية الإصدارات السابقة لأن ما لله يبقى وأما الزبد فيذهب جفاء والله المستعان على ما تصفون. من المنبر:ــــــــــــ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الأخ القارئ الكريم.. نأخذ عليكم بداية عدم إلقائكم التحية الإسلامية الواجبة، ونقولها بدلاً عنكم. نحن نشكركم جزيل الشكر على إرسالكم إلينا بوجهة نظركم التي نحترمها سواء كانت موافقة لوجهة نظرنا أم لا، وذلك من باب حرية وتعدد الآراء في (المنبر) ما دامت ملتزمة بالثوابت الإسلامية. غير أننا نستغرب سؤالكم الاستنكاري الذي يقول: (وهل يمكن لمجلة تصب جام غضبها على إيران لمصادرتها الحريات وهي تقوم بالفعل نفسه؟!) لنسأل شخصكم الكريم: متى صادرت (المنبر الحريات؟ وهل من رأي مضاد لم تنشره؟ وكيف لا يكون للمشتركين الحق في التعبير عن آرائهم على صفحات مجلتهم وأنتم ترون في جميع أعدادنا رسائلهم ومختلف مقالاتهم دون أي نوع من أنواع الحجر عليها أو تهميشها رغم أن ذلك يعتبر من الحقوق الصحافية لأية مؤسسة إعلامية؟! الأخ القارئ الكريم.. إن رسالتكم اتسمت بكثير من العنف والحدية التي لم نعهدها من ذي قبل، ومع ذلك فإن رئاسة التحرير اهتمت بها كثيراً والتزمت بنشرها رغم أن فيها كثيراً من الشوائب والضعف النصّي والتحريري فنشرناها على ركاكتها، فنرجو ألا يذهبن الظن بكم إلى أننا يمكن أن نرفض يوماً نشر وجهة نظر مخالفة لنا، فهذا هو المنهج الإسلامي الصحيح إذ إن (المؤمن مرآة المؤمن). ولئن كانت بقية المدارس والتيارات تضيق من الرأي الآخر وتضج منه، وهو ما لمسناه - مع شديد الأسف - في النموذج الإيراني الذي اعتقل كثيراً من العلماء والفضلاء والمفكرين لمجرد أنهم اختلفوا مع النظام في الرأي، فإن مدرستنا الإمامية التي ترجع أصولها إلى أهل بيت الرحمة (صلوات الله عليهم) تلزمنا باحترام الرأي الآخر أيا كان، وهذا هو أسلوب الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) حيث أتاح الحرية للخوارج الذين كانوا يرمون قتله والقضاء على حكومته الإسلامية وسمح لهم بالصلاة في المساجد والتردد على الناس والتعبير عن آرائهم بل إنه (صلوات الله عليه) لم يمنعهم حتى من المساعدات المالية التي كانت تصرف لبعضهم من بيت مال المسلمين، كل هذا حتى يعلمنا الأئمة (عليهم السلام) أن الإسلام دين الحريات لا دين مصادرتها، الإسلام دين اللاعنف لا دين العنف، الإسلام دين الرأي والرأي الآخر لا دين القطبية الأحادية. هذا هو فخر الإمامية بلاشك. الأخ القارئ الكريم.. إننا يمكن أن نختلف معك في كثير من آرائك، لكننا على استعداد للدفاع عنك مهما كلف الأمر من أجل أن تكون لك الحرية الكاملة في التعبير عن آرائك. الأخ القارئ الكريم.. لنا بعض الملاحظات على رسالتكم، نتمى أن تأخذوها بصدر رحب، وأنتم إن شاء الله أهل لذلك: 1 - لاشك بأن (المنبر) تسعى للترويج للفكر الحضاري لسماحة الإمام الشيرازي (دام ظله)، وهذا أمر معلن واضح منذ العدد (صفر) التجريبي، وما ذلك؛ إلا لإيماننا المطلق بأن هذا الفكر مستمد من منهج أهل البيت (صلوات الله عليهم) وتراثهم العظيم، فوظيفة المرجع - أياً كان - هو أن يستقي ويستنبط الأحكام والأفكار من هذا التراث، وسماحة الإمام بشهادة الجميع صاحب جهد كبير متفوق في ذلك، حيث أفنى عمره في سبيل بيان عظمة حضارة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، ونظرياته التي أتى بها إلينا لم يأت بها من محض، بل من اجتهاده في التنقيب عن آثار تلك الحضارة المشرقة. نحن لم نجعل (كل كلمة يقولها هذا السيد محل مداولات ونقاشات بل أسطورة لا ريب فيها) كما ذكرتم، فكلماته نابعة من كلمات الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، إنما نحن نحاول بتواضع أن نضع تصورات تحيط بجوانب فكره ومنهجه ونظرياته النهضوية بهدف السعي إلى تطبيقها إنقاذاً للأمة وانتشالاً لها من الهاوية التي وقعت فيها، فهل في هذا جرم أو جريرة؟ أليس من واجب المرء المؤمن الذي يسعى للتمهيد لظهور صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أن يحاول بكل ما أوتي من قوة إنهاض المسلمين وتوعيتهم بأمور دينهم ودنياهم؟! ثم من ينكر على من؟ فكلّ له الحق في أن يعمل وفق تصوراته واجتهاداته في سبيل الله تعالى، وهو مأجور إن شاء الله مادامت النية خالصة. سواء كان يقلد السيد الشيرازي أم الشيخ الوحيد الخراساني أم المولى الإحقاقي أم السيد السيستاني أم السيد الروحاني أم الميرزا التبريزي أم غيرهم من المراجع الأعلام أدام الله ظلهم العالي على رؤوس المؤمنين. فكفانا تفرقة وتشرذماً. أما كيف نجمع هؤلاء المراجع الأجلاء ونجمع مقلديهم - مع احتفاظ كل فئة منهم بقناعاتهم في مرجعها - فهو يمكن بالسعي لخلق آلية ترابطية تشاورية بينهم تصب كل الجهود الخيّرة في مصب واحد، وهو ما نراه يتمثل في أطروحة (شورى الفقهاء المراجع). 2 - لا يجدر بكم أن توازنوا بهذا الشكل بين علمائنا ومراجعنا، فإننا في الوقت الذي نفخر فيه بأن الأكاديميات تنهل من معين الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره)، نفخر أيضاً بأنها انحنت إجلالاً وإكباراً لفكر الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (حفظه الله تعالى)، كلاهما مثلا نموذجاً متطوراً عالي الهمة للمرجعية الواعية ذات الهمة العالية، نعم نفتخر بهما لأنهما فخر للشيعة والمسلمين، وكذا بقية مراجعنا الأعلام. إن هذه الموازنة أو المقارنة التي ذكرتموها غير لائقة بكم، ابتعدوا عنها حتى لا تكون فتنة. أما نحن؛ فإننا إن كنا خسرنا مرجعاً مفكراً عظيماً عملاقاً مثل الشهيد الصدر، فإننا لن نقبل بأن نخسر - مجدداً - مرجعاً مفكراً عملاقاً مثل السيد الشيرازي، لا لن نقبل بأن نتباكى يوماً كما يفعل غيرنا على الشهيد لأنهم ما عرفوا قدره وما ناصروه في تحقيق غاياته النبيلة، آن الأوان لأن تفيق هذه الأمة من غفلتها لتقدّر عظماءها وتقتدي بهم في حياتهم.. كفى فإننا لا نعرف قدرهم إلا بعد وفاتهم! إن سماحة الإمام الشيرازي لا يزال بيننا - أطال الله في عمره الشريف - ولن نضيّع مثل هذا الكنز.. لا لن نضيعه - إن شاء الله - مهما دفعنا من ثمن! 3 - اتهمتم (المنبر) بأنها تلمز في حرمة المراجع الأجلاء! أين وجدتم ذلك ومتى كان؟ كيف ونحن نشير إليهم وننشر في كثير من الأحيان صورهم، من خبر أو قصة، أو موضوع أو مقال، نحن نقدس مراجعنا الذين هم نواب الإمام (سلام الله عليه)، ولذا فإننا نحترمهم جميعاً وندعو الله ببقائهم، ولولا أننا نحترمهم جميعاً لما دعونا إلى جمعهم في (شورى الفقهاء) ولما تحملنا ما تحملنا من اضطهاد في سبيل ذلك ولوفرّنا على أنفسنا عناء هذا ودعونا - كما من تعلمون - إلى اسفتراد مرجعيتنا مثلاً في الحكم والإدارة فنلغي الآخرين! لا ليس هذا ما نريد، فذلك يفتح باباً للاستبداد والديكتاتورية يصعب إغلاقه! 4 - المسؤولية الشرعية تفرض علينا أيضاً أن نوجّه النقد إلى من يشوّه بتصرفاته ديننا ومذهبنا، إنه ليس عدواناً شرساً، إنه نصح ودفاع عن الحقوق والحريات. فهل علمنا ديننا التنكيل بمن يحمل الرأي الآخر؟ وهل علمنا ديننا قمع نواب صاحب الزمان (عليه السلام)؟ هل سمعتم عن الشهيد المظلوم السيد الشريعتمداري؟ هل عرفتم شيئاً عن المضطهد المظلوم السيد الروحاني؟ هل علمتم ما يعانيه الشيخ المنتظري؟ ألا شاهدتم ما ارتكبوه بحق العلامة السيد مرتضى الشيرازي؟ أكل هؤلاء المراجع والعلماء (منافقون.. عملاء.. مرتبطون بالصهاينة.. بالأعداء)!! أين حكم الله؟ وأين شرع الله؟ حماة دين الله يتعرضون لمثل هذا القمع ويريدون من صاحب الزمان (عليه السلام) أن يرضى عنهم ويبارك حكمهم؟! إنهم بتصرفاتهم تلك، وأحكامهم الجائرة، يشوهون مذهبنا العظيم ومدرستنا النورانية وتاريخنا المشرق. إنه الكرسي ومصالح أهل الكرسي! ها هو الكرسي يجني من جديد على السيد المظلوم علم الهدى، إنه ضحية لن نقبل التخلي عنها! أنحن من نشوه الدين ونخدم أعداء الإسلام في كتاباتنا التي ترمي إلى تنزيه القوم من أخاطئهم وسلبيات أعمالهم؟ سامحكم الله.. كيف تحكمون؟! أم تريدون منا أن نغمض عيونا عما يحدث باسم الدين و (الساكت عن الحق شيطان أخرس)!! نحن لن نسترسل في الحديث أكثر في هذا المورد حتى لا يقال عنا أننا نتلقى دعماً من منظمة مجاهدي خلق.. كما قيل! 5 - نسألك سؤالاً: شخص يقلد المرجع (زيد) لكنه دعا مثلاً إلى شرب الخمر والعياذ بالله، فهل يعقل أن يحمل أحد دعوته وتصرفه على مرجعه؟! بالطبع لا. وهذا جواب على ما تفضلتم به من القول بأن ثمة أخطاء من المحسوبين على تيار الإمام الشيرازي، فإن أخطأ بعضهم فإنه لا يمثل بأي حال من الأحوال سماحة الإمام. نحن أيضاً نقولها لك بكل صراحة: نحن لا نمثل سماحته ولا نتحدث باسمه ولسنا ممثلين شرعيين عنه، إنما (المنبر) مجلة تتبنى منهجه وفكره، وسماحته مظلة يستظل بها جمع كبير من المؤمنين بمختلف تنظيماتهم وهيئاتهم وصحفهم ومؤسساتهم وتشكيلاتهم. يجب أن تدركوا شيئاً مهماً، أن (الشيرازية) ليست حزباً منظماً، إنما هو تيار فكري فيه جماعات ومؤسسات وهيئات ولجان، ولكل منها تصوراتها وأفكارها وقناعاتها التي بنتها على أرضية المشروع الحضاري لفكر الإمام الشيرازي (دام ظله). من هنا تجدون الاختلاف واضحاً في ما بين كثير من هذه الهيئات والمنظمات، حيث إن التعددية التي هي من صلب أفكار سماحة الإمام متجذرة في هذا التيار. لعلكم لاحظتم مثلاً كيف أن الشيرازيين ينتقدون بعضهم بعضاً،ولهم ملاحظات على بعضهم بعضاً، ويتنافسون مع بعضهم بعضاً. وهذا أمر طبيعي عندنا، لعله لا يبدو طبيعياً في غير هذا التيار لأن ثمة أحزاب منظمة تديرها، ومن خصوصيات أي حزب توافق مواقفه وأعماله، أما عندنا فما من حزب منظم، إنما هي جماعات ولربما لاحظتم في عددنا السابق رسالة من الأخ الكريم إبراهيم غلوم تحت (ما هكذا التوجه الشيرازي) انتقدنا فيها بالقول إنا لا نلتزم بالفكر الشيرازي، ومع احترامنا لوجهة نظره وردنا عليها، إلا أنكم يجب أن تلاحظوا أنه انطلق من أرضية شيرازية في انتقادنا. هو شيرازي، بل من أقطاب الشيرازية في الكويت إذ يمثل مكتبة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) العامة، ومع ذلك فإنه انتقدنا ونحن شيرازيين أيضاً! ذلك يدلل على أننا جميعاً لا نمثل سماحة الإمام، وتصرفاتنا يتوجب ألا تحسب عليه إطلاقاً، إنما هي اجتهادات لا أكثر. وإذا كان منطقكم في تقييم التصرفات ما ذكرتموه من أمثلة، فإننا - على رغم أننا لم نسمع بأن أحداً قد شتم أو أفتى أو دعم - نذكركم بمن قال: إن الزهراء (سلام الله عليها) (ستزعل) إذا لم يصوت لفلان! ومن قال: لا تذهبوا إلى الحسينيات اليوم، نحن لسنا بحاجة إلى الحسينيات، الواجب عليكم الذهاب إلى مراكز الاقتراع لانتخاب فلان، هذا ما يريده منا الإمام الحسين (عليه السلام)! ومن قال: امنحوا صوتكم للمخالف ولاتمنحوه لهذا الشيخ الموالي لأنه ضال فهل تريدون منّا الاسترسال في مناقشة سطحية من هذا النوع؟! كل يخطئ إذ لا أحد معصوماً سوى أربعة عشر نوراً. نحن نشمئز من ذكر هذه الأمثلة لكننا ذكرناها للتدليل على أن الأمر ليس كما تصورون، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نعتبر أن مثل هذه التصرفات الفردية الصادرة من بعض القوم يتحملون وزرها جميعاً، بل بعضهم منها براء. وكذا الأمر عندنا حيث للسياسة مصالحها. فتأمل؛ هذا إن كان ما ذكرتم صحيحاً. 6 - لم تنقل إذاعة غربية واحدة نبأ اعتقال السيد علم الهدى، ونحن نتحدى من يثبت ذلك بذكر تاريخ النقل وجهتها. إن نبأ الاعتقال وصلنا منذ أشهر لكننا تحفظنا عن نشره بغية التحقق أكثر، وحينما توافرت عندنا الأدلة القاطعة نشرنا الحادثة انطلاقاً من واجبنا الشرعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي الدفاع عن المظلومين. كانت الإشاعة بأننا نقلنا الخبر من الإذاعات الغربية المعادية منبعها ما ذكره الشيخ صالح جوهر في خطبته يوم الجمعة في مسجد الإمام الحسين (عليه السلام)، فسامحه الله، قد أخطأ ولربما أخطأ من نقل إليه ذلك. وبخصوص الشيخ جوادي آملي، فلا يصح أن تنفوا أمراً وقع دونما تحقق أو تثبت، هل يصح مثلاً أن تدعوا انعدام وجود النفط في بحر قزوين دون أن تذهبوا هناك للتنقيب والتحقيق عنه؟ الأمر وقع وعندما اتصلت به جمعية القرآن والعترة رفض الخوض في الموضوع بإصرار عجيب. ثم إن ما نقلناه عنه لا يمسّه من قريب أو بعيد، إنه قد نصح السيد علم الهدى بعدم ذكر الرؤيا (لأنها من شيطان) وحتى لا تقوض أسس النظام، لقد كانت نصيحة.. هل ترونها غير ذلك؟! 7 - لم تسل الديموقراطية الغربية لعابنا، أين هي مما لدينا من حضارة عظيمة؟ حضارة لا تقمع الرأي الآخر، ولا تقطع الرؤوس إلا بعد استتابة واستشارة وتوافر ألف شرط وشرط، حضارة كانت تطعم وتسقي وتكسو مجرماً مثل عبد الرحمن بن ملجم (لعنة الله عليه) قبل محاكمته.. وهو من هو!! فهل وجدتم حضارة أعظم من هذه؟ حضارة علي بن أبي طالب (عليهما الصلاة والسلام)؟! 8 - نظرة واحدة إلى حجم العمل الإسلامي التوعوي في بلادنا وبلدان العالم كافة، ونظرة واحدة إلى كم المؤسسات وإنجازاتها، وعدد المقلدين في مختلف الأرجاء، كفيلة بحصول الاطمئنان بأن تيار سماحة الإمام الشيرازي (مد ظله) سبّاق في الدعوة إلى الله وفي خدمة أتباع أولياء الله في كل مكان، إنه التيار الأكثر تقدماً وانتشاراً، المفكرون والعلماء أول من يقبل عليه وينخرط في صفوفه، وننقل إليكم أننا - والله يشهد - ما من مرة تشرفنا بخدمة هذا السيد العظيم إلا وكان يشوقنا إلى مزيد من العمل والخدمة والذوبان في حب أهل البيت (عليهم السلام). لقد فجّر بحق.. أعظم ثورة ثقافية إيمانية في هذا القرن، واسألوا.. لتنصفوا! الأخ القارئ الكريم.. عذراً إن كنا انفعلنا في ردنا، لكن رسالتكم كانت عنيفة. وختاماً نقول: إن كان دعاؤكم علينا واتهامكم لنا بأن أعمالنا هي لغير وجه الله سبحانه، وأمنيتكم بأن لا تصمد (المنبر) وتندثر.. إن كنا نستحق كل ذلك منك فنسأل من الله تعالى أن يغفر لنا، وإن لم نكن فنسأل من الله تعالى أن يغفر لك. والسلام عليكم وعلى جميع إخواننا المؤمنين ورحمة الله وبركاته. |
||