|
|
|
|
|
تحدث لـ (المنبر) عن تجاربه
فـي نشر مذهب أهل البيت عليهم السلام |
|||
|
أجرى الحوار: ناصر عبدالأمير الطاهر
هجرني البعثيون وأسرتي فـي (ربع ساعة) إلى حدود إيران!* * *رحلتي إلى أرياف سورية دفعت جمعا من أهلها لاعتناق المذهب الحق* * *عندما بينت عقيدتنا للأكراد قال بعضهم:أهكذا الشيعة؟!* * *لولا نقص الإمكانات المالية لتمكنا من تشييع العالم بأكمله!* * *فـي كربلاء أسس الإمام الشيرازي دولة بأكملها!
ولا يزال سماحة الشيخ يجاهد في هذا المضمار الوعر الذي عرّضه في أحيان عدة إلى خطر الاغتيال والقتل! وكل هاتيك المخاطر لا تعدل عنده استبصار رجل واحد بمذهب الأئمة عليهم الصلاة والسلام مصداقاً للحديث الشريف: «يا علي... لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس». وإذ يجدر بنا أن نقف على مثل هذه التجربة التي ناهزت ثلاثين عاماً، أجرت «المنبر» هذا اللقاء المفصل مع سماحة الشيخ المعاش، تحدث فيه عمّا عاناه، وعن تجارب أهل الملل الأخرى على دعوته، وعن القصص والشواهد المثيرة التي عايشها طوال رحلته.. وفي ما يلي نص الحوار:
في عام 1975 منعت المخابرات العراقية جميع الطلبة من ممارسة دراستهم في الحوزات حتى لا يتأثروا بالاتجاه الإصلاحي الإسلامي، وهذا المنع جعلني أمارس العمل التجاري لكنني كنت إلى جوار ذلك أقود هيئة دينية شبابية، وفي نهاية السبعينات اشتد الحصار الأمني على الشباب إلا أن عملنا الشبابي تواصل واستمر من علاقات ومطالعات وتحصيل علمي، وفي عام 1980 بدأت مرحلة التهجير إلى إيران، وجرى هذا بعدما شعر النظام العراقي بخطر الأسر المتدينة والشباب الواعي.
نعم، كنا من ضمن الأسر المهجرة التي أُبعدت بعدما طرقوا بابنا ليلاً وطلبوا منا مرافقتهم إلى مركز التحقيق للإجابة على سؤال واحد فقط ثم نعود أدراجنا، ولم نتوقع أن سؤالهم هذا ستستغرق الإجابة عليه حوالي عشرين عاماً! فقد اعتقلوا أخي «جمال» ونحن إلى يومنا هذا لا نعلم مصيره، فيما كان نصيبنا نحن التهجير والتشريد والطرد إلى حدود إيران! وهناك - أي في إيران - واصلت دراستي الحوزوية حتى ارتديت العمامة بفضل الله تعالى عام 1983م، ومن ثم سلكت طريق الخطابة، فكان أول منبر أرتقيه في مجلس في أصفهان السنة ذاتها، وكان من نشاطاتنا في تلك الفترة زيارة القرى والأرياف في شهر رمضان المبارك وكذلك في أيام عاشوراء وذلك طبعاً بهدف التبليغ وتربية جيل يكن الولاء لأهل البيت عليهم السلام، ولبناء مجتمع ذي أخلاق ووعي. كذلك مارسنا التدريس في مدرسة (الرسول الأعظم) صلى الله عليه وآله ومدرسة (جابر بن حيان الكوفي) في (قم المقدسة) وتناولنا كتب (شرائع الإسلام) و (اللمعة الدمشقية) و (أصول الفقه للشيخ المظفر) واستمر التدريس حتى عام 1992م.
نعم، حيث أني تنقلت بين إيران وسوريا ولبنان للبتليغ، ولقد حققنا دوراً مهماً في لبنان حيث طرحنا فكر الإمام الشيرازي على المنابر والذي كان مجهولاً لديهم، وحقيقة كنا نلقى تفاعلاً وتأييداً واسع النطاق لولا تدخل بعض الجهات للحد من نشاطاتنا. ومما لا شك فيه أن تلك المضايقات كانت بسبب تمكننا بفكر الإمام الشيرازي والذي يدعو للتعددية وشورى الفقهاء والنهوض بمستوى الأمة وحرية القلم والصحافة وغيرها من مضامين حضارية.
يؤسفني القول أنها وصلت لباب داري فقد طلبوا مني المغادرة ولم أجد بُدّاً منها فانتقلت إلى سوريا بلد الأنبياء عليهم السلام، وهناك تابعت عملي في الحوزة العلمية مع عدم التوقف عن التبليغ في جنوب لبنان وبقاعها وبيروتها، ومع هذا استمر الهجوم علينا رغم مقابلتنا لهم بالسماحة وسعة الصدر التي نهلناها من أهل البيت عليهم السلام إلى درجة جعلت العجب يستحوذ على علماء لبنان.
نعم.. لقد تفرد الإمام الشيرازي في صناعة المدرسة الحسينية (التوجه الحسيني) في كربلاء، حيث كانت له محاضرات أسبوعية في المساجد والحسينيات والبيوت والتي كان يحضرها ما يقارب ألفي مستمع من جميع الطبقات، وكان يستقبل الوفود كافة في دار والده (آية الله العظمى الميرزا مهدي الشيرازي) من الصباح وحتى المساء وقد كان له أسلوب خاص في استقباله وترحيبه بالضيوف لدرجة تصل إلى أن يقوم سماحته احتراماً لطفل لا يتجاوز العاشرة، وحقيقة كان ليسأل عن أحوال الشباب ويخصهم باهتمامه ورعايته، وليس بغريب أن يغبطه كثير من الشخصيات لأخلاقه السامية وتواضعه الشديد، وغزارة علمه وسجاياه الكريمة. كان حفظه الله يشرف بنفسه على توزيع الشباب على الهيئات، كما أسس أكثر من أربعين هيئة شبابية يتولى أفرادها تربية وبناء الشباب، وصراحة، قد صنعت هذه الهيئات معاجز كثيرة وتخرج منها علماء ومجتهدون وخطباء ومفكرون، فضلاً عن مدارس حفظ القرآن الكريم التي أسسها الإمام الشيرازي للبنات والبنين على السواء. ويمكن القول أن معظم خطباء المدرسة الكربلائية تخرجوا من هذه المدارس حتى وصلوا إلى مرتبة الاجتهاد، وكان ممن يديرها العلامة الشيخ (ضياء الدين الزبيدي). كما أسس سماحة الإمام المرجع إذاعة غطّت كربلاء كافة وكانت تقدم المواعظ والنصح للمستمعين إلى أن أوقف البعثيون نشاطها وصادروها في أواخر السبعينات. لقد صنع حفظه الله دولة كاملة في كربلاء وكان يباشر بنفسه ويوجه تلك المشاريع ويقوم بجولات لزيارة البيوتات حتى لُقّب بالإمام (المجاهد) أو (المجاهد الكبير) وحاز حب المراجع وتبجيلهم مثل السيد الحكيم والسيد الخوئي الذي كان يقول عنه: «لو فُسح المجال لهؤلاء الأربعة لشيّعوا العالم أجمع» وقصد بذلك الإمام الشيرازي وأخوته الثلاثة.
ارتبطت بالإمام الشيرازي وأنا في الثامنة من عمري حيث كنت أءتمُّ به في صلاته بصحن الإمام الحسين (عليه السلام) وكنت أزوره يومياً في بيته وأدخل غرفته المتواضعة وأستمع لكلماته التي ما زال صداها يعيش في كياني.
كان يركز على المسائل التوعوية باعتبار أن مشكلة العالم هي الوعي، وهو الحل الجذري للأمة. كان هدفه الأول هو توعية الشباب وقد أفلح حقيقة في خلقه جيل شبابي متمسك بمنهاج أهل البيت عليهم السلام. ولكم كنت أندهش من معاملته الطيبة وتواضعه، إذ أذكر حين كنت في العاشرة أنني قصدته في الصحن الشريف وقبّلت يده، فخاطبني: «أين أنت يا أخ كمال؟» فقلت له: إني آتي يومياً للصلاة لكني أستحي الاقتراب منك سيدي يومياً مكتفياً بيومين في الأسبوع، أدنو فيهما منك وأقبّل يديك.
كانت متشعبة، فعندما كان عمري في الرابعة عشرة كنت أدير هيئة شبابية في أحد مساجد كربلاء، فنعقد جلسات كنت أحاضر فيها عن الأخلاق والتوعية. وكنا نجلب الشباب الذين نتعرف عليهم في المدرسة إلى المسجد من خلال الهيئات التي انطلقت من المسجد، وكنا نجمّع عشرة أو عشرين شاباً ونؤسس بهم هيئة جديدة، وهكذا تنمو وتتكاثر الهيئات التي تؤسس لثقافة إسلامية حقيقية.
لقد خيم الإرهاب على المنطقة في الستينات والسبعينات لكن الإمام الشيرازي زرع في قلوبنا الشجاعة والقدرة على مواصلة الدرب، ما كنا نخشى الإرهاب، وظللنا نمارس عملنا ولو بطريقة أخرى حتى رأيت عناصر الأمن يقفون على باب المسجد ويستجوبون كل من يدخل إليه، حينها أدركت الأخطار المحيقة بنا، ورغم ذلك لم ينقطع تواصلنا مع الإمام الشيرازي الذي صدر ضده حكم الإعدام، وقبل ساعات من تنفيذه قدر الإمام الهجرة من كربلاء اقتداء بجده الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله حين هاجر من مكة إلى المدينة بعد مضايقة المشركين له. وحل محله في إمامة الصلاة آية الله السيد (محمد كاظم القزويني). ولكنه قبل مهاجرته تعرض للاعتقال أيضاً، الأمر الذي جعله يغادر إلى الكويت. وبعد مغادرة سماحة السيد المرجع كربلاء افتقده الناس، ثم بدأت بعد ذلك عمليات اعتقال الشباب ومن بينهم العلامة الشيخ (عبدالحميد المهاجر) والعلامة السيد (عبدالحسين القزويني)، حيث اعتقلوهما لأكثر من سنتين في سجن بغداد (الفضيلية) وقد زرتهما هناك، وبطريقة بُرؤوا من التهم الموجهة إليهم، وغادروا لاجئين. وفي خضم هذه الفترة، اتسع عملنا ليشمل كل المدن العراقية وحصلنا على تأييد أكثر من مليوني نسمة من سكان العراق المؤيدين لفكر الإمام الشيرازي، والذين غدوا كالأيتام من بعد هجرته.. نعم لقد كنا كالأيتام بعده! فقد ألقوا القبض على إخوتنا وأحبتنا وأغلقوا جميع الهيئات ومع هذا حاولنا مواصلة النشاط الديني لبناء الشباب أخلاقياً.. لكننا فقدنا من كنا نحتمي به ونستمد منه الإصرار! فهاجرنا مكرهين.
لقد كانت عائلتنا من أول العوائل التي اعتقلت، فقد اعتقل والدي حيث ذهب إلى القصر الجمهوري في بغداد وكان (فاضل البراك) هو مدير الأمن العام في تلك الفترة، هناك طرحوا عليه الأسئلة المتعلقة بالإمام المرجع وعن علاقته بالشهيد السيد (حسين الشيرازي) وآية الله السيد (محمد صادق القزويني) والد آية الله (السيد مرتضى القزويني). وبعد أربع ساعات من الأسئلة غادرنا المكان لكنهم في تلك الليلة طرقوا الباب ونحن نتأهب لتناول عشاءنا وطلبوا منا مرافقتهم لربع ساعة فقط، حتى أننا سألناهم أن نتناول عشاءنا ثم نرافقهم فأبوا، ولم تدر بخلدنا فكرة التهجير بتاتاً لأنها غير شائعة في ذلك الوقت ولأننا نحمل وثائق رسمية عراقية. ولكنهم هجرونا بالفعل! ورحّلونا على الحدود الإيرانية دون السماح لنا بأخذ حاجياتنا، حتى أنهم منعوني من أخذ علبة حليب لإبني «حيدر» الذي كان يبلغ شهره الثالث، بل صادروا جميع ممتلكاتنا المنقولة وغير المنقولة، فقد كنا نملك بستاناً ومتجراً، حتى المسجد الذي بناه جدّي ودفن فيه بصحبة جدتي باعوه! ومن هنا بدأت الأسر المتدينة التي أبت الانصياع للنظام تضج، ولكن الأخير مارس اضطهاده المعهود، فشردنا وهجّرنا كما أنه حكم بالإعدام على سماحة المرجع. وبعد التهجير وصلت لمنطقة (خسروي) الواقعة على الحدود الإيرانية العراقية، فسرنا على أقدامنا لأكثر من أربع ساعات حتى دخلنا منطقة تابعة لإحدى قُرى ايران. وقد تعرض العراقيون الشيعة الذين هُجّروا من أجل الثورة الإسلامية في إيران لمضايقات كثيرة! لقد فاجأتهم المعاملة ! السيئة والبعيدة عن الإسلام، حقيقة لقد عانوا كثيراً، وعوملوا كالأسرى مع أنهم لا يختلفون عن إخوانهم الإيرانيين بالملة والدين.
كان هناك عمل إسلامي واسع في إيران.. لكنه ليس بمستوى ذاك الذي كان في العراق، فقد كان العمل محدوداً، كما أنه تعرّض لمضايقات، ومع الوقت مُنع ممارسوه من نشاطهم وذلك لتقليدهم الإمام الشيرازي.
في إيران حاولوا سحق فكرنا، ولكننا لم نكن لنخضع لأي كان، لقد تفاقم الأمر، ووصل للاعتقال، فاعتقلوا مجموعة من أحبتنا!
لقد مارسنا العمل التبليغي في جنوب إيران لوجود العشائر العربية التي تنطق باللغة العربية ونقلنا إليهم أصول الإسلام والعقائد الإسلامية.
لقد لحقوا بنا للقرى والأرياف حتى منعونا من الذهاب لتلك المناطق، رغم أننا حرصنا على نشر العقيدة وهذا من صالح النظام الإسلامي، كما أننا لم نأت بذكر السيد الشيرازي إطلاقاً حتى يُقال أننا أوقفنا لذلك! وهكذا انتقلنا من إيران إلى لبنان وسوريا حتى نفي بما قطعناه على نفسنا لخدمة أهل البيت عليهم السلام وهناك في جنوب لبنان، كانت لنا صولات وجولات في بيوتها ومجالسها، لقد كنا نسعى إلى إعادة الحالة الإسلامية إلى لبنان خاصة بعد الحرب الأهلية لكن بعض المتعصبين وصلت الأمور بهم إلى درجة مضايقتنا، لقد هددوني في المسجد قائلين: «إما أن تقول بولاية الفقيه المطلقة أو نُخرِجُكَ من المسجد» أجبتهم بأني ضيف في بلدكم والرسول صلى الله عليه وآله يقول: «أكرموا الضيف ولو كان كافراً» وأنا من أتباع أهل البيت عليهم السلام ولا بد أن تحترموا الضيف، ثم كيف تهددون إنساناً لجأ لبيت الله؟!! وما هي جريمتي؟!! كانوا يحملون سلاح الجهل وما التهديد إلا دليل على جهلهم والقرآن يقول «هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين».
قررت الصمود وعدم التنازل حتى ولو تعرضت للاغتيال أو الاختطاف مستمداً الصبر من مولاي الحسين (عليه السلام) الذي ضحى بنفسه وأولاده وأهل بيته. ورغم كل ذلك حافظت على تعاملي الراقي معهم ومواجهتهم برحابة صدر حتى أن علماء لبنان من مثل الشيخ (عبدالأمير قبلان) سألني حين التقيته «كيف تحملون هذه الأخلاق العالية في مواجهة هؤلاء»!
لقد فتحت في مدينة «صيدا» التي يتمركز فيها أثرياء الشيعة حوزة علمية للبنين والبنات. استمرت فترة لا بأس بها وإلى اليوم وبعد مضي إثني عشر عاماً ما زالوا يقطفون ثمارها. وقد كان يتردد على هذه الحوزة أكثر من الف طالب، يتناولون فيها الدروس العقائدية ونهج البلاغة والفقه والتفسير. وأود هنا أن أذكر أن «حركة أمل» عقدت معي ندوة بعدما لفتت طريقتنا المميزة في الخطابة والتفسير أنظار قيادييها.
مشكلة لبنان تكمن في الفراغ العقائدي الذي استشرى هناك، وهذا يعود إلى الصادرات الإيرانية إلى لبنان، إذ أرادوا بدعوى المحافظة على الوحدة الإسلامية التنازل عن العقائد المذهبية وهذا غير مقبول، صحيح أن الإسلام دعا للوحدة إلا أنه لم يحثنا على التنازل عن عقائدنا المقدسة، وهنا فليعذرني الجميع.. فما رأيته في لبنان كان يعبّر عن حالة انهزامية تمكنت من كثير من الناس، إلى الدرجة التي تجعلهم مثلاً يمتنعون عن ذكر الشهادة الثالثة في الأذان أو السجود على التربة بذريعة الحفاظ على الوحدة!
في سوريا كان لنا نشاط حوزي وتبليغي، فقد قمت بجولات على الساحل السوري، وتجولت في منطقة (الغاب) التي يقطنها مليون سوري ينقسمون بالتساوي إلى مسيحيين وعلويين وسُنة، وقد التقيت بإخواننا السنة في منطقة (ديرالزور) و (الرقة) التي يقطنها بعض السادة من ذرية الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وهم من السنة وهناك ارتقيت المنابر وقمت بترسيخ مذهب أهل البيت عليهم السلام بهدف إيصال صوت الحق إلى إخواننا السنة وحقيقة كان يتملكهم العجب من الروايات التي نطرحها ويصرّحون أنهم ما وجدوا من يوصل إليهم مظلومية أهل البيت عليهم السلام. ثم انتقلنا لعدة مناطق كالحسكة وأطرافها، وكم كان الأهالي يتعاطفون معنا ومع قضيتنا ويتساءلون: «الشيعة هكذا؟!» حيث أن علماءهم كانوا يعطونهم صورة خاطئة وسلبية عن الشيعة، وأود أن أقول أن أرضية سوريا أرضية طيبة تستقبل هدي أهل البيت عليهم السلام وكلّي أمل أن تصبح هذه الأرض دوحة لأتباع أهل البيت عليهم السلام. طبعاً واصلنا مسيرتنا ووجدنا قرية يسكنها الشيوخ والعجائز، وهم يظهرون شعائر تدل على حبهم لأهل البيت عليهم السلام صحيح أنها تصدر دون معرفة تامة وثقافة إلا أنها تدل على حب أهل هذه الأرض للعترة الطاهرة، كذلك في زيارتي لقرية (الغار) التي يسكنها أبناء العامة، جلست معهم وتحدثنا وسهرنا وقد أحدثت هذه المناقشة انقلاباً في فكر هؤلاء العامة، فقد وصلني من بعض المرتبطين في تلك القرية أنه قد حدث فيها انقلاب جذري وقد تغيرت نظرة أهلها للشيعة من النظرة السلبية إلى الإيجابية. وهنا فإنه قد أصبح من الواضح وجوب الاحتكاك مع السنة لنعرّفهم على شيعة أهل البيت عليهم السلام بعيداً عن التشويه الذي مارسه الأعداء وكما يقول الإمام الصادق (عليه السلام) «كونوا زيناً لنا ولا تكونوا شيناً علينا». لقد قابلت بطبيعة عملي كثيراً من المتشيعين الذين أقرّوا بأن نشر الكتاب هو أهم ما يوصل إلى أحقية مذهب أهل البيت عليهم السلام، لذلك فقد حرصنا على تأسيس أكثر من 150 مكتبة في مناطق مختلفة من سوريا. وأذكر أن صاحب كتاب (الحقيقة الضائعة) قال إن عدم عثوره على أي مصدر شيعي في المكتبات السنية هو الذي قاده للتشيع بعد أن وجد العديد من المصادر السنية في المكتبات الشيعية، الأمر الذي جعله يبحث عن الحقيقة ويجدها مع أتباع أهل البيت عليهم السلام. ولعل أهم ما يؤكد التأثير البالغ للكتاب حرص بعض الحكومات على منع كتب معينة لاعتبارها مصادر مهمة خطرة، وكما قال نابليون أنه يخشى كتاباً واحداً أكثر مما يخشى أن يُشهر في وجهه مئة ألف سيف.
لقد تجولت في تلك المناطق وشممت فيها راحة طيب الولاء لأهل البيت عليهم السلام لولا الظروف والفاصلة الزمنية التي أبعدت سكانها العلويين عن المجتمع وحصرتهم في المناطق الجبلية، وبسبب تعرضهم الدائم للاضطهاد من قبل الأتراك، فقد أصدر القاضي فتوى قتل أبناء علي بن أبي طالب (عليه السلام)، حيث قتل من (حلب) أكثر من سبعين ألف علوي، وإني أتمنى من الجهات المعنية الاهتمام بالساحل السوري لتأسيس المكتبات والجوامع لما لها من دور في تعريف مذهب الأطهار عليهم السلام كما كانت لي مطالعات في تاريخ العلويين منذ زمن الدولتين الأموية والعباسية، وقد وجدت نماذج عديدة من الظلم الذي وقع عليهم، فمثلاً (حميد بن قجطبة) هو أحد المجرمين وقد قتل وحده ستين علوياً! وغير ذلك من نماذج الاضطهاد. وأود أن أشير إلى أن الحكومة السورية تحترم الأقليات فلا طائفية عندها، ولأي كان حرية ممارسة عقيدته دون التعدي على الغير.
الشهيد الشيرازي لعب دوراً كبيراً في تقريب الأخوة العلويين من الشيعة، قد نختلف معهم في بعض النقاط لكن مجمل المعتقدات متوافقة، وإن مجموعة كبيرة من العلويين تقطن الساحل السوري وقد زرت مناطق (صافيتا) و (دريكيش) و (جبلة) فاكتشفت كثيراً من الحسينيات والمساجد هناك مثل (مسجد الإمام الصادق (عليه السلام) الذي أسسه آية الله الشهيد السيد (حسن الشيرازي) فحقيقة قد كان له دور كبير في تأسيس مجموعة كبيرة من المساجد والمراكز الإسلامية وكان يتولاها بنفسه من خلال جولاته لتلك المناطق وعندما تلتقي بهم تشعر أنك جزء منهم ولست غريباً عنهم، ولا يثير العجب كون أكثر من عالم علوي يعطي أهمية بالغة للإمام الشهيد، حتى الشخصيات السياسية كالرئيس الراحل (حافظ الأسد) وشقيقه إسماعيل الأسد الذي كان شاهداً حياً في معرفة الإمام الشهيد حق المعرفة كما ينقل (عبدالرحمن الخير) وهو أيضاً إحدى الشخصيات الدينية السياسية.
يتمركز الإسماعيليون في (السلمية) ولهم فيها مزار من سلالة إسماعيل بن الإمام الصادق عليهما السلام، حتى (البهرة) من الهند يأتون لهذه المنطقة أيضا، وقسم منهم يعيش في (مسعن) و (المصياف)، وقد التقيت بشيخهم (مصطفى درويش) وللمرة الأولى في تاريخ (السلمية) أقمنا احتفالاً بمناسبة مولد الإمام (علي) (عليه السلام) وقد حضره جمع غفير من الإسماعيلية وتلقوا حديثنا برحابة صدر، كما عرفناهم متدينين يمكن التفاهم معهم. والإسماعيليون ينقسمون لقسمين، أحدهم (التزامي) ملتزم بصلاته، والآخر لا وهو من أتباع (كريم خان) الموجود حالياً في فرنسا وبعد الاحتفال قامت مجموعة منهم بزيارة الحوزة العلمية الزينبية. وأكرر على وجود الفراغ العلمي هنالك، وهم بحاجة لمن يوصل صوت الإسلام إليهم، وصراحة هم يمتلكون مقومات التفاهم. ولكننا نواجه أزمة تبليغ. وعن جهودي فإني قد شيعت قسماً منهم، كما أوشك القسم الآخر أن يتشيع إلا أن المشكلة تكمن في عدم توافر الدعم لهذا النشاط.
نحن نطلب من أهل الخير وعلى رأسهم العلماء والمراجع الالتفات لهذا الموضوع لا سيما وأنه يخدم قضية كبرى. حتى إنني التقيت بعلماني في سوريا، وطرحت عليه عقيدة أهل البيت عليهم السلام ونظريات الإمام الشيرازي لاعتباره - أي العلماني - مهتماً بالثقافة والفكر، فقال «إذا كان هذا هو الإسلام، فأنا شيرازي! » حقيقة نحن المقصرون لأننا حجبنا مثل هذه الأطروحات عن العالم.
هناك صراع بين النظام العراقي والأكراد دام لأكثر من ثلاثين عاما، إلى أن استقلت مناطق (السليمانية) (أربيك) و (دهوك) وبقية المناطق الأخرى. هذه المناطق الآمنة صارت بمثابة فرص ذهبية لنا رغم الصعوبات التي لاقيناها من وعورة الطريق. وصلنا إلى حسينية الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله التي بناها الإمام الشيرازي في منطقة (شقلاوة) ولولا هجوم العراق على (أربيل) لتمكنا من تأسيس محطة إذاعية هناك. طبعاً قدمنا للأكراد مختلف المساعدات فيما يخص الأطعمة والثياب، هذا إلى جوار نشاطنا التبليغي الواسع.
يسكن الأكراد شمال العراق، هم تقريباً ثلاثة ملايين كردي وقد زرت الحسينية التي افتتحها الإمام الشيرازي هناك، وهي أول حسينية في كردستان العراق، وقد ارتقيت منبرها. لما تقابلت مع الشعب الكردي ووقف أمامي شيخ كبير يبلغ السبعين وقد شكر الشيعة لما قدموه من أعمال ملموسة لخدمة الإسلام، وذكر أن علماءهم قد شوهوا صورة الشيعة عمداً واتهموهم بالكفر والشرك ولولا لقاءاتنا معهم لما وصلت الحقيقة إليهم. لقد قدمنا لهم مساعدات شتى، ومارسنا نشاطات التبليغ، وقد ألفت كتابا بعنوان (أهل البيت عليهم السلام امتداد للقرآن) وقد لاقى رواجاً كبيراً حيث نفدت نسخه خلال ثلاثة أشهر لأني حرصت على توزيعه على أبناء السنة لأبين لهم عظمة أهل العصمة عليهم السلام.
استقبال العراقيين القادمين من سوريا والقاصدين إيران أو الخارجين منها لسوريا، لقد كانت حقاً مأوى لهؤلاء، ومن هذا المنطلق فإني أؤكد أهمية وجود مؤسسة شيعية في كل مكان ليتعرف العالم على الشيعة. ومن نشاطات الحسينية أيضاً إقامة مجالس العزاء وإقامة المسيرات في الشوارع. لقد كانت هذه الحسينية هي الأولى في شمال العراق وقد غيرت فكرة الأكراد عن المسلمين بشكل عام والشيعة بشكل خاص.
لقد قال لي أحد الأكراد: «لم أتذوق الأرز واللحم لمدة عامين كاملين» لذا فقد قدمنا له المساعدة وكما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق». كما التقيت بشيخ تجاوز عمره الخامسة والسبعين فقال لي: «أنتم الشيعة أهل الدين والإيمان والإسلام» فسألته: كيف؟ فرد عليّ مبتسماً: «كان علماؤنا يشوهون سمعة الشيعة ويصفونهم بالزندقة والشرك، ولكن مع اقترابنا منكم اكتشفنا بطلان ادعاءاتهم».
نعم (الفيلية) وهم الأكراد الشيعة ويتمركزون في «السليمانية» وأعيد ما أسلفت قوله أن المشكلة تنحصر في التبليغ، ولو توافر المبلغون لتشيع الكل!
حقيقة في المال، لأن الكوادر التبليغية متوفرة لكن الدعم غير موجود قرأت في إحدى الصحف أن (بابا) المسيحيين يملك أكثر من مئتي مطار في العالم فقط للمبشرين، ونحن لا نملك الدعم لمواجهة أعداء الإسلام وتأدية رسالتنا على أكمل وجه!
تعرفت على الكثير من السنة الذين يأتون للحوزة العلمية الزينبية ومن خلال حواراتي الهادئة معهم حصلت على ودهم، تيمناً بالآية المباركة «وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة» في المناقشات طرحوا عليّ إشكالات عديدة من مثل شتم الصحابة والسجود على التربة وتحليل زواج المتعة والخلافة وغيره وكنت أناقشهم بتمهل، فتشيع قسم منهم والآخر في طريقه إن شاء الله للتشيع.
سألت أحدهم «من الذي جعلك تتشيع؟ وكيف انتقلت من الحالة السنية إلى الولائية لأهل البيت؟» فرد: «الكتاب، كنت أتجول في المدينة ووجدت كتاباً بعنوان (علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقرأته إلى أذان الفجر وبعد الأذان تشيعت لأني رأيت الحق مع أتباع أهل البيت عليهم السلام»!
أنا كرجل دين أؤدي رسالة وعندما بدأت التحدث حول الإسلام ومبادئه وصرت أشير إلى فكر الإمام الشيرازي، جاءني أحد الإخوة من (حزب الله) وأنا في المسجد وسألني عن رأيي في «ولاية الفقيه المطلقة» أجبته «المشهور بين الفقهاء أنهم يقرون بولاية الفقه المقيدة أما المطلقة فلم يتعرض لها سوى القليل من الفقهاء، لأن المطلقة تمنح الفقيه صلاحيات المعصوم، وهذا لا يصح لعدم توافر شروط العصمة لديه» عند ذلك قام بتهديدي قائلاً: «لماذا لم تقل بولاية الفقيه المطلقة؟!» مستخدماً معي أسلوب العنف. طبعاً أصحاب العقول غير الناضجة هم من يلجؤون للعنف في حين أن من يتمتع بأخلاق أهل البيت عليهم السلام يدرك تماماً أسلوب النقاش. وقصص كثيرة في حياة النبي صلى الله عليه وآله تكشف عن كونه قد قابل العنف باللاعنف، نذكر منها حكايته مع اليهودي الذي قال له «السام عليك يا محمد» أي الموت فرد (صلى الله وعليه وآله): «وعليك» دون أن يذكر الموت. حادثة أخرى جرت لي في سوريا، حيث دعينا إلى منطقة صحراوية هناك، ولما دخلنا رحبوا بنا واستمر حديثنا معهم إلى منتصف الليل وفي اليوم التالي ألحوا علينا بالبقاء إلا أني اعتذرت لهم بحجة ارتباطي بموعد، وبصراحة انتابني الخوف لإلحاحهم وتخيلتهم يبطنون لنا سوءاً كأن يغتالونا ونحن غرباء في منطقة صحراوية، فيما بعد اكتشفت سوء تصوري، حيث أنهم أنسوا بنا، حتى أن أحدهم كشف لي هويته قائلاً بأن والدته من بيت الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وبأنه سُنّي يفخر بكون والدته من بيت الإمام الصادق (عليه السلام) ولما عدنا أدراجنا بعثوا لنا أكثر من رسالة وهاتفونا مراراً يعاتبوننا لعدم تكرار زيارتهم. صراحة عرفت بأني أسأت الظن بهم ولكني معذور لأنه ثمة حديث في مصادر النواصب «أنه من قتل شيعياً وجبت له الجنة»!
نصيحتي إلى أخوتي من كافة الطبقات مثقفين جامعيين، التسلح بالعلم ليقوموا بواجبهم الرسالي لإيصال صوت الحق للعالم، وحتى يتمكن الشيعة من الدفاع عن مذهبهم وعدم الوقوف بعجز أمام الإتهامات الباطلة، ويجب ألا يكون هناك تفريق بين الشيعة والسنة، بل يجب أن تكون هناك نقطة التقاء ليتعرفوا على حقيقة الشيعة، وأذكر أنه كان لي لقاء مع مفتي (دير الزور) الشيخ (قطب الدين الحامدي) وكنا بصحبة (السيد حسين الرجا)، ذهبنا لزيارته وتحدثنا لأكثر من ساعة ونصف حول الشيعة والسنة وقد كان ممسكاً بدفة الحديث مدافعاً عن المذهب السني، ولما أنهى حديثه صرح بإعجاب بأنه يجل مذهب أهل البيت (عليه السلام)، لأن صمتي واحترامي لرأيه أثر فيه ونال احترامه، يجب ألا نضع الحواجز بيننا وبين رجال الدين من اخوتنا السنة، يقول الرسول صلى الله عليه وآله «صل من قطعك واعف عمن ظلمك». وحقيقة أقول أن البشر لو عرفوا حقيقة التشيع لما تركوه لأنه يمثل أعظم حضارة على وجه الأرض!
لقد تصفحت المنبر ومع قدومي للكويت سمعت بعض من يقوم بمهاجمتها وهو ما دفعني
لمطالعتها من البداية وحتى النهاية، وحقيقة رأيتها عكس ما كانوا يدعون لأنها
تكشف الزيف بصراحة وتطرح الدين بنزاهة. أولئك الذين يتعرضون «للمنبر» لا
يملكون فكراً كاملاً فيحاولون إيجاد النقص فيها، وأنا أخاطب كل من ينتقد
المنبر وأسألهم صناعة منبر آخر لأن الانتقاد وحده لا يكفي. المنبر تميزت عن
جميع المجلات بصراحتها بينما المجلات الأخرى - ولا نعمم - تتحدث بالمجالات
التي تضيع الحقيقة. هذا المنبر اسم على مسمى لأنه يكشف الحق مثلما كشف الإمام
الحسين (عليه السلام) زيف بني أمية. وأنصح الإخوة بدل التهجم عليها، انتقادها
نقدا بناء. كما أنني أدعو بعدم الاكتفاء بمجلة واحدة، إنما نصدر أكثر من مجلة
وصحيفة وإن اختلفت توجهاتها.
- من مواليد كربلاء المقدسة عام 1954م. - متزوج وله خمسة أبناء هم حيدر وأحمد وحسن وابنتان. - أتم دراسته في المدارس النظامية، إلا أن الأجواء الدينية الكربلائية دفعته للانشغال بالعمل الإسلامي الشبابي، فلم يواصل الدراسة الجامعية وانخرط في سلك العاملين. - تتلمذ في المدرسة الحسينية الواقعة خلف مقام أبي الفضل العباس (عليه السلام) حيث تلقى الدروس الحوزوية، كما مارس نشاطات دينية واسعة تحت لواء إحدى الهيئات الإسلامية التطوعية التي تأسست بتوجيهات المرجع الديني الأعلى الإمام الشيرازي دام ظله. - تسببت أنشطته الدينية في تهجيره وعائلته إلى إيران من قبل حزب البعث الكافر، فواصل في قم المقدسة دروسه العلمية حتى ارتدى العمامة عام 1983م. - اختار منهج الخطابة، ونذر نفسه لخدمة مذهب أهل البيت عليهم السلام تبليغاً ودعوة، فجال في أرياف إيران وكردستان العراق ولبنان وسورية لإيصال صوت الحق إلى أهالي تلك البقاع، فأسس المؤسسات وأقام الأنشطة وتسبب في استبصار جمع بالمذهب الحق. - له كتاب «أهل البيت عليهم السلام امتداد القرآن» الذي ألّفه لكشف مظلوميتهم وأحقية مذهبهم، وهو الكتاب الذي لاقى رواجاً واسعاً في أوساط أبناء العامة جعلت كل نسخه - في طبعته الأولى - تنفذ. يحضّر الآن لرحلات تبليغية جديدة لمدن ومناطق مختلفة من العالم، رغم أنه تعرض للاغتيال أكثر من مرة بسبب نشاطاته. |
|||