|
|
|
|
|
لا تقلقوا.. سنحرر القدس! |
||
|
كتب: عبد العزيز قمبر
ولم يكن الشاب الذي يدعى (تيودور هرتزل) يمتلك أية مقومات تؤهله فعليا لتحقيق مثل هذا الهدف الصعب الذي كان يبدو شبه مستحيل في ذلك الوقت، فهو ليس سياسيا محنكا حتى يقال بأنه يستطيع رسم سياسات تؤدي إلى هذا الغرض، ولا هو زعيم روحي حتى يؤثر مثلا في تعبئة الجماهير، وما هو بصاحب نفوذ حتى يلعب دورا في تحريك الساحة، وليس هو ذا وفرة مالية يمكنه من خلالها ضمان تمويل المخططات والمشاريع. وعلاوة على ذلك فإن مستوى وعيه وثقافته كان متدنيا إلى درجة أقل من المقبول فما هو من أصحاب الفكر أو القلم، بيد أن خصلة واحدة كانت متوافرة فيه وهي تعدل كل تلك المقومات.. إنها «الهمّة». وخطى هرتزل خطوته الأولى بالإعداد لمؤتمر تشاوري يهودي جمع فيه الساسة والتجار ورجال الدين حتى تتضح له كيفية تنفيذ هدفه بإقامة تلك الدولة، فعقله البسيط لم يتمكن من الإجابة على السؤال الذي راوده وهو «من أين أبدا؟». وبعد كر وفر؛ وصبر وتحمل؛ تمكن من إقناع هؤلاء بحضور مثل هذا اللقاء الذي انقلب إلى جلسة قهقهة واستهزاء وسخرية، إذ لم يكن المدعوّون يتصورون بأن من يعكف على إقامة دولة يهودية إنما هو هذا الشاب المستضعف الساذج. لقد سألوه في البداية: «أية جهة تريد أن تتبنى مشروع قيام الدولة؟» فأجاب هرتزل: «أنا»! وعندها لم يتمالك الحاضرون أنفسهم وضجوا بالضحك، ووجّه أحدهم كلامه إليه قائلا: «أ أنت من يريد أن يؤسس لنا حكومة بعد أربعة آلاف سنة عشنا فيها نحن اليهود بلا حكومة؟! أفِق يا هذا من حلمك! ». لكن هرتزل لم يعبأ بهذا الاستصغار والاستهزاء اللذان قوبل بهما، فأصر على الحاضرين أن يرشدوه إلى منطلق العمل وآليته، لكنهم كانوا غير متجاوبين، فما كان منه إلا أن خاطبهم قائلا: «لا أريد منكم شيئا.. إنها مسؤوليتي الشخصية فأنا عازم على تحقيق هدفي بإقامة دولة قومية لنا، إن لم تردوا مساعدتي فإني لا ألزمكم، فقط أخبروني أين هو المكان المناسب الذي يمكن أن نؤسس فيه هذه الدولة؟». وكان رأي رجال الدين أن أفضل الأمكنة هو فلسطين باعتبار أنها مهد أنبياء بني إسرائيل ولأنها الأرض الموعودة حسب التوراة، فيما عارض الساسة هذا الرأي بدعوى أن فلسطين واقعة في قلب العالم الإسلامي الأمر الذي يعني أن المشاكل ستتفجر دوما في ما بينهم وبين المسلمين، واختار هؤلاء أن تقام الدولة في منطقة أوروبية. أما التجار فكانت لهم وجهة نظر أخرى، فهم رجحوا أن تؤسس الدولة في منطقة بأفريقيا باعتبار أنها تكتنز كثيرا من الثروات الطبيعية التي ستعود على اليهود بالرفاه. وعقب انفضاض الجلسة ورحيل أفرادها، جلس هرتزل مع نفسه ليفكر مليا في الأمر، وانتهى به المطاف إلى تبني رأي حاخامات اليهود حيث دفعته ميوله الدينية إلى ذلك. وعندما اقتنع هرتزل بهذه الفكرة، أي إقامة الدولة العبرية على أرض فلسطين، احتار ثانية في السبيل إلى ذلك، وكدلالة على مدى جهله وغبائه قرر أن يسافر لمقابلة من تقع فلسطين تحت إمرته وحكمه حتى يطلب منه السماح بتأسيس الحكومة اليهودية عليها! وكان يومها السلطان عبد الحميد الثاني وهو من السلاطين العثمانيين الذين كانوا يحكمون معظم أرجاء البلاد الإسلامية تحت مظلة الخلافة الشرعية. ولم يكن بحوزة هرتزل من المال ما يؤمن له الوصول إلى عاصمة الخلافة إسلامبول (إسطنبول حاليا) الواقعة في تركيا، فاضطر إلى الاستدانة من هذا وذاك حتى يوفّر لنفسه مبلغ شراء تذكرة الرحلة بالقطار. وسافر وكلّه أمل أن يستجيب خليفة المسلمين لطلبه.. هكذا وبكل بساطة! وما إن أوصل هرتزل نفسه إلى تركيا، حتى طفق يسأل هذا وذاك عن قصر الحكم، وعندما بلغه حاول جاهدا أن يلتقي بالسلطان دون جدوى، ففي كل مرة كان الحراس يطردونه ويوبخونه. غير أنه لم يتراجع قيد أنملة، وبقي يواصل محاولاته دون كلل أو ملل ودافعه لكل ذلك «الإرادة والتصميم» ليس إلا. واستغرقت هذه المحاولات المتتالية - التي كانت الإهانة والمذلة والضرب المبرح نتائجها - أياما وأسابيع وأشهر.. بل سنين ثلاث قضاها هرتزل في تركيا على أمل اللقاء بالسلطان عبد الحميد! ولم يكن هذا الشاب طوال تلك الفترة يملك حتى قوت يومه، فاضطر للعمل حدادا تارة وخبازا أخرى حتى يؤمن لنفسه لقمة تبقيه حيا على الأقل، فيما كان رصيف الشارع فراشه الذي ينام عليه طوال تلك الليالي القاسية! وبعد ثلاث سنوات؛ سُمح له أخيرا بلقاء الخليفة بعدما شاع خبره ووصل إلى هذا الأخير. وأُبلغ هرتزل بالموعد فتطاير من الفرح وأخذ ينسج في مخيلته ما سيقوله خلال هذا اللقاء الذي انتظره بفارغ الصبر. وحينما حان الوقت الموعود أُدخل هرتزل على عبد الحميد الذي ما إن رآه حتى بادره بلهجة عنيفة قائلا: «أ أنت هرتزل الذي يزعجنا دائما؟ أخبرني ماذا تريد يا شقي؟ ما مشكلتك؟ هيا بسرعة وإلا سجنتك ولربما قتلتك فقد ضقت بك ذرعا». وهمّ هرتزل بالجلوس حتى يبدأ بكلامه، لكن الخليفة منعه فظل واقفا بين حارسين، وعندما لم يجد بدا قال: «أيها السلطان العظيم.. المعروف عن رسول المسلمين أنه كان رحمة للناس كافة، وقد كان عطوفا رحيما ليس على المسلمين فحسب بل على جميع أهل الديانات الأخرى، وأنت خليفة ذلك الرسول، فلابد أنك تحمل صفاته وأخلاقياته. ونحن اليهود شعب مشرد مضطهد، لا يملك أرضا يقيم عليها حكومته، فهلاّ تكرمت علينا ومنحتنا أرض فلسطين حتى نؤسس فيها دولتنا، وكل ما ستأمرنا به سننفذه سمعا وطاعة، وكل ما ستطلبه منا سنلبيه حبا وكرامة، فما قولك؟ هل توافق على طلبنا؟». وكان هذا الطلب الذي ينم عن مدى غباء صاحبه كافيا لتعالي صوت السلطان عبد الحميد بالضحك، فأجابه بالقول: «يا أحمق.. تريد من خليفة المسلمين أن يعطي قطعة من أرض المسلمين إلى أعداء المسلمين؟! هيّا أغرب عن وجهي وإن رأيتك ثانية فستندم كثيرا». صُدِم هرتزل من الجواب ووجد أن كل أحلامه تبددت وجميع خططه ذهبت هباء منثورا في ثوان، وأن صبره وتحمله طوال أكثر من ثلاثة أعوام لم يأت بأية فائدة مرجوة، فحاول أن يستمهل السلطان ويحادثه دون جدوى، إذ أمر الأخير الحراس بإخراجه وإلقائه في الشارع، وبينما هم يهمّون في ذلك ويجرجرونه إلى الخارج، خاطب عبد الحميد هرتزل ساخرا: «أنتم اليهود أغبياء حقا.. لو كان لكم قليل من الذكاء لعرفتم بأنكم إن أردتم إنشاء دولة في أرض ما فعليكم أولا أن تشتروها». وكانت هذه الكلمة أعظم خدمة قدمها الخليفة العثماني لهرتزل الذي اختزنها في ذاكرته جيدا، وإن كان لقاؤه بالسلطان قد باء بالفشل إلا أنه تمكن على الأقل من الإمساك بطرف خيط يوصله إلى مراميه. لقد انتبه هرتزل إلى أن شراء أرض فلسطين قطعة قطعة هو ما سيتيح لليهود تملكها ومن ثم إقامة حكومتهم عليها، فعاد إلى هنغاريا (المجر) وواصل من هناك جولاته وصولاته التي تركزت على التجار وأصحاب المال، حاول عبرها مرارا وتكرارا إقناع هذا بشراء قطعة أرض في فلسطين، وذاك بشراء دكان فيها، وثالث بشراء عقار من عقاراتها، ورابع بشراء مركز معين من مراكزها. وهكذا استمرت محاولاته الدؤوبة التي لم تكن تجدي نفعا في معظم الأحيان، لكنه واصل جهوده وتحركاته في هذا الإطار. وكرديف لهذه المساعي، تفتق ذهن هرتزل إلى تشكيل حركة تنظيمية يهودية عالمية تعمل على توحيد الطاقات والجهود للعمل على قيام الدولة في فلسطين، ومن هنا تأسست «الحركة الصهيونية» التي بدأت تعمل على تعبئة الجماهير وتنظيم الشباب والتحرك الدبلوماسي من خلال مؤتمرات دورية منتظمة. وانصبت جهود الحركة على توطين اليهود في الأراضي التي اشتريت من فلسطين وخلق فرص عمل لهم بعد تنظيم رحلات هجرة جماعية، بينما انبثقت منها - أي الحركة - عصابات مسلحة بدأت تؤسس نواة القوة العسكرية للدولة المرتقبة. وشيئا فشيئا بدأت تتشكل مقومات الدولة، أرضا وشعبا وقوة، ولئن كان هرتزل توفي في عام 1904 أي بعد ست سنوات من انطلاق حركته، فإن أولئك الذين تأثروا به واصلوا المسير في هذا الدرب الوعر فاستغرقت محاولاتهم لإقامة الحكومة اليهودية على أرض فلسطين خمسين عاما تماما، لم يألُ أحدهم جهدا طوال نصف القرن هذا في سبيل تحقيق طموحه بتأسيس هذه الدولة. وفي عام 1948 حدث ما كان نتيجة طبيعية لهذه الجهود المتواصلة المكثفة، فأعلن اليهود - الذين باتوا يسيطرون بعد عمليات الشراء المنظمة على رقعة كبيرة من شمال فلسطين - قيام دولتهم المستقلة وعاصمتها الموقتة (تل أبيب) فيما كانت عيونهم على القدس الشريف لاتخاذها عاصمة أبدية لدولتهم، وذلك استجابة إلى توراتهم المحرفة التي تتحدث عن في القدس هيكلا مزعوما يخصهم حيث ينسب للنبي سليمان عليه السلام. وهكذا نجح بعض اليهود بعد خمسين عاما في تحقيق هدفهم الذي كان يستهزئ بإمكان حدوثه أولئك الذين اجتمع إليهم تيودور هرتزل، ومضى على قيام تلك الدولة العبرية حتى سنتنا هذه نحو خمسين عاما أيضا، وتحديدا 52 عاما لم يستطع فيها المسلمون الذين يشكل عددهم ثلث سكان العالم استرجاع تلك الأراضي التي اغتصبت منهم في فلسطين رغم أن كل موازين القوى تميل لصالحهم، فهم يحوطون إسرائيل جغرافيا من كل جانب، ولهم قوة بشرية هائلة إذ إن مقابل كل يهودي واحد 133 مسلما، فاليهود خمسة عشر مليونا فقط يقطن أربعة ملايين منهم في فلسطين والباقي منهم يتوزعون في أميركا وبقية بلدان العالم، بينما المسلمون يبلغ عددهم مليارا نسمة ويتركز معظمهم في قلب العالم امتدادا من أقصى أندونيسيا حتى أقصى المغرب. ويضاف إلى مصادر قوة المسلمين وجود تلك الثروة النفطية الاقتصادية الكبيرة وإمكان تحقق الاكتفاء الذاتي اعتمادا على الموارد الطبيعية المتوافرة لديهم، بينما إسرائيل لا تملك أيا من تلك الموارد أو المقومات. ورغم ذلك فإن إسرائيل تمكنت من الحفاظ على كيانها بل والتفوق على المسلمين جميعا، ويرجع ذلك إلى أنها أتقنت استثمار الفرص المتاحة بينما عجز خصومها عن ذلك رغم ما بحوزتهم من مزايا وإمكانات واسعة. وبعد حروب متكررة ومناوشات متواصلة استمرت طوال تلك الفترة ولا تزال، تمارس إسرائيل اليوم اضطهادا واسع النطاق ضد السكان الأصليين الفلسطينيين. وتسبب مشهد تلفزيوني صوّر لحظات إطلاق الرصاص على طفل فلسطيني يدعى محمد الدرة في هز مشاعر العالم كله، وانقلاب الرأي العالمي على إسرائيل. إلا أن هذا المشهد المؤلم الذي شوهد فيه ارتماء الطفل في حضن أبيه مقتولا لم يستثمره العرب إلا في إدراجه ضمن سياق الأغاني والمقطوعات الموسيقية التي يعتبرونها حسب الظاهر سلاحا سيلقي بإسرائيل في البحر! وتتشعب مشكلة المسلمين التي تحول دون استردادهم كرامتهم المصادَرة من الإسرائيليين، بيد أن تدني الوعي العام هو أساسها، ففي أوائل الثمانينات وعقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان كشف وزير الدفاع الإسرائيلي آنئذ أرييل شارون - الذي تفجرت بسببه اليوم انتفاضة الأقصى - عن أدق التفاصيل العسكرية للصحافيين الذين نشروها في الجرائد والمجلات الإسرائيلية، ودفع ذلك بعضا من الساسة إلى مهاجمته وانتقاده في الكنيست (البرلمان) بدعوى أن الإعلان عن مثل هذه التفاصيل من شأنه أن يخدم العرب ويعرّفهم بالقدرات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية. عندها رد شارون على تلك الانتقادات بتصريح لصحافة بلاده قال فيه: «إطمئنوا.. إن العرب لا يقرؤون، وإذا قرؤوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يعملون»! وتصف هذه الكلمة مشكلة المسلمين والعرب حقا، إذ أماط شارون - الذي أصبح اليوم رئيس حزب الليكود المتطرف - اللثام عن أن غياب «الوعي» عند المسلمين هو السبب الحقيقي للانتصارات الإسرائيلية والهزائم والإخفاقات العربية. فلو أن المسلمين وعوا جيدا ما يجري حولهم، لعرفوا أن طريق تحرير فلسطين إنما يبدأ بالعودة إلى تطبيق ركائز النهضة الإسلامية التي ستمكنهم من تحرير أنفسهم أولا، ثم تحرير القدس. وتحقيق مثل هذه الغاية مرهون باستيعاب هذه المعادلة جيدا، فالتحرير لا يتأتى عبر الشعارات الكلامية وإنما من خلال اتباع آليات نهضوية محددة تصل نتيجتها إلى تحقق ذلك على أرض الواقع.. لا أرض الأحلام. وعديد من الزعماء العرب؛ لعلهم أبرع من تمكن من توظيف معاناة الفلسطينيين لخدمة مصالحهم وأهدافهم الشخصية التي تتركز في المحافظة على المناصب الرئاسية العليا. لقد تفننوا كثيرا في الخطب الرنانة وفي عقد مؤتمرات القمة الصورية وإقحام شعوبهم في حروب كان معلوما أنها خاسرة منذ البداية، لأن «أسيادهم» أرادوا لها أن تخسر. وبدلا من أن يستوعب المسلمون ذلك، وقعوا في فخ هذه الجوقة من الزعماء الذين هم في واقع الحال عملاء للاستعمار الداعم للصهيونية. وهذه ليست تهمة بلا دليل، بل هي الحقيقة بعينها. ففي كتابه «هل سيبقى الصلح بين العرب وإسرائيل؟» يتحدث المرجع الديني الأعلى الإمام الشيرازي عن تجربة شخصية في هذا المضمار، ويقول: «على سبيل المثال.. منعت الحكومة العراقية كتابي (هؤلاء اليهود) عن النشر ومنعوا ترجمته في بعض الدول الإسلامية. وكان لمنعهم لكتابي هذا دلالة واضحة على موقفهم السياسي الحقيقي من القضية الفلسطينية. ثم إنهم منعوا أيضا منشورا كنت نشرته في زمن الرئيس المصري عبد الناصر، والذي كان بخصوص إسرائيل وكيفية مواجهتها. فاعتقلت الحكومة العراقية من وزّع المنشور وأودعتهم السجن، كما عاقبت المطبعة التي طبعته. حتى المعونات التي حاولنا إرسالها إلى المشردين والمنكوبين من الفلسطينيين حالت دونها الحكومة. وقد أثبتت لي التجربة أن بعضا من حكام المسلمين منذ الاحتلال عام 1948 وإلى يومنا هذا موزعون بين عميل وخائف، وهل يعمل العميل إلا بأمر أسياده؟!». وإذا كان فاقد الشيء لا يعطيه؛ يتضح أن المسلمين الذين يفتقدون حريتهم في أوطانهم بسبب الحكومات الجائرة الجاثمة على صدورهم، يصعب عليهم بلا شك أن يحرروا تلك الرقعة الفلسطينية التي احتلها اليهود. و«غياب الوعي» هو عامل أساسي في بقاء حالة الانقياد الشعبي للحكومات الظالمة التي جعلت من معاناة الفلسطينيين مادة إستهلاكية دعائية شبه دورية. وفي الوقت الذي كان من المفترض فيه أن يعكف المسلمون على سلوك القنوات الجهادية الصحيحة لطرد الغاصبين اليهود، والتي يفترض أن تنطلق من نقطة العودة إلى حضارة الإسلام، فإنهم استكانوا إلى زعمائهم الذين عقدوا تلك الصفقات الاستسلامية مع الحكومة الإسرائيلية بذريعة أن خيار السلام هو الخيار الاستراتيجي الوحيد. إلا أن ما حدث في الآونة الأخيرة من أحداث في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وما رافقها من قمع وحشي صهيوني للمدنيين العزّل، كشفت أن هذا «الخيار» لم يكن إلا وهما أشاعه الزعماء العرب وزرعوه في أذهان شعوبهم! وجاءت تجربة تحرير الجنوب اللبناني لتسقط قناع الوهم أيضا، فما عجزت عن تحقيقه الجيوش العربية قاطبة، تمكن منه بضع مجاهدين منخرطين في صفوف المقاومة الإسلامية التي حطمت مقولة «الجيش الذي لا يقهر». وكان الزعماء المستسلمون يبررون إقدامهم على صفقات الاستسلام بالاستشهاد بصلح الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم مع المشركين في الحديبية، وفات أولئك أن الرسول صلوات الله عليه وآله إنما كان صلحه عبارة عن خطوة تكتيكية ذكية لتقوية المسلمين، وهو لم يصالح لأجل التخلي عن أراضي المسلمين لليهود كما يحدث اليوم. وكان الإمام الشيرازي دان بشدة في رد مفصل تلك الصفقات الانهزامية منذ يومها الأول حيث وقع اتفاق «عزة - أريحا أولا» بين ياسر عرفات وإسحاق رابين، واعتبر في ردّه الذي أصدره في ذلك اليوم المشؤوم أن: «عملية الصلح هذه مرفوضة أساسا جملة وتفصيلا، لأن مقدماتها غلط وقياسها باطل، ولا يمكن أن نجني منها سوى النتائج الفاسدة. ولا ريب أن من صالح اليوم من العرب على أراضي المسلمين، إنما صالح على غير ما يملك، وفي المثل: وهب الأمير بما لا يملك». ويبدو أن ما توقعه السيد الشيرازي من «نتائج فاسدة» وقع فعلا. وإذا كان السلطان عبد الحميد أول من أنار طريق الاستيلاء على فلسطين لتيودور هرتزل، فإن زعماء المسلمين الحاليين هم من عبّدوا ذلك الطريق بكل حرفية وإتقان! ولا يبدو منطقيا وثوق الشارع الإسلامي بهؤلاء الزعماء من أنهم سيسترجعون الكرامة المهدورة في فلسطين، فكيف لمن غرق في وحل شهوة السلطة وملذات الجاه أن يحقق النصر؟! وتظهر صور هؤلاء الزعماء قاتمة للغاية، فمنهم - مثالا - الزعيم الليبي معمّر القذافي الذي يطلق في كل عام «تقليعة» جديدة. وكانت آخر تقليعاته دعوته النساء إلى التعري! فخلال لقاء مع ممثلات عن ما يسمى بالحركة النسوية الأردنية جلس العقيد وسط حلقة منهن بلا خجل مما يلهث به، إذ دعا إلى «ثورة ثقافية لتحرير المرأة» على حد قوله، ومما جاء على لسانه: «إن المرأة يجب أن تتحرر من ثقل القيود التي يفرضها المجتمع عليها ومن بينها اللباس التي هي أساسا من صنع الشيطان (!) فهو الذي اقترح على آدم وحواء تغطية عوراتهما بلباس من ورق الشجر بعدما تسبب في إخراجهما من الجنة (!) فلا يجب إذن الوقوف كثيرا عند الملابس ووضع القيود عليها انطلاقا من موروثات عفا عليها الزمن»، وبينما هو محاط بعدد من عناصر الحرس النسوي الخاص به وقد بدا في غاية الأناقة حيث ارتدى بزة ناصعة البياض وقميصا أزرق غامقا، قال القذافي بتبجح: «إن الملابس ليست المعيار الأهم للحكم على الأخلاق والسلوك، فقد ترى امرأة ترتدي شورتا يمكن أن يكون سلوكها قويما بينما يمكن أن نجد امرأة ترتدي الحجاب وأخلاقها غير سوية»! والقذافي المخبول هذا ليس سوى نموذجا لبعض الزعماء العرب الذين تنحصر دائرة تفكيرهم في ما دون السرّة، وتجدر الإشارة إلى أنه طالب - عندما وقعت الأحداث الأخيرة في القدس - بقطعة أرض مجاورة لإسرائيل مؤكدا أنه لو منح تلك القطعة لشن هجوما شرسا على اليهود و«لألقاهم في البحر»! ويبدو أنه يحتاج أولا لأن يذهب ليشرب ماءه أولا، ذلك طبعا بعد أن يشبع عينيه من اللواتي استجبن لدعوته التحررية فارتدين «البكيني» واستلقين على الشاطئ! وفي نموذج آخر؛ فإن ذلك «المناضل الكبير» المدعو ياسر عرفات الذي طالما تباكى على مظلومية الشعب الفلسطيني وامتهن «سياسة التقبيل».. ما إن وصل إلى غزة وترأّس ما يسمى بالسلطة الوطنية الفلسطينية عقب الصفقة الاستسلامية الأولى، حتى أصدر أوامره بإفساح المجال لإقامة دور الملاهي والكباريهات بذريعة تنشيط الاقتصاد السياحي! وكانت هذه أولى «إنجازاته» أن افتتحت في عهده هذه المراكز الموبوءة بالفساد على مقربة من الأقصى الشريف!! ولا تزال عقليات كثير من عامة المسلمين متدنية المستوى، فبعض منهم يتصور أن هذه المظاهرات والمسيرات يمكن أن تؤدي إلى نتيجة، لكن الحال خلاف ذلك، فليست هي - ما دامت لا تؤدي إلى أفعال وإجراءات حقيقية - سوى صخب وصور وخطب حماسية ليس إلا. ويبدو أن المسلمين بحاجة إلى يعرفوا أن القدس لن تعود ببث أغاني المطربة اللبنانية فيروز التي ما زالت تقول: «القدس لنا» رغم أنها ستبقى لغيرنا بسبب أمثالها! كما أنهم بحاجة إلى أن يعوا أن بضع فتيات يشاركن في المظاهرات الاحتجاجية وهن يرتدين الألبسة الضيقة (الإسترتش) هن أول من يسيء إلى هذه القضية العادلة. وثمة سؤال مهم في هذا الشأن: ألا يستحي أولئك من هذه التصرفات بينما دماء الشهداء تسيل؟! وعلى هذا لا تكون إسرائيل وحدها المسؤولة عن تلك الدماء التي أريقت على أرض فلسطين، وإذا كان محمد الدرة قُتِل برصاص الجنود الإسرائيليين، فإن المسلمين - بجهلهم وانقيادهم الأعمى لزعمائهم المشبوهين - هم من فرشوا البساط الأحمر لأولئك الجنود ووضعوا هذا الطفل المسكين على مائدة الضيافة!
|
||