|
|
|
|
|
ذكرى مرور واحد وأربعين عاماً
على رحيل المرجع المقدس الورع |
||
|
كتب: جاسم صفر
لزاماً علينا - بداية - أن نعتذر من سماحة الإمام السيد الميرزا مهدي الشيرازي لما سنتناوله في موضوعنا هذا من جوانب لشخصيته النيرة والفريدة، إذ هو أوصى ألا يُذكر أو يُطرى في الفواتح وغيرها، ولم يكن يقبل أن يشيع تشييعا عاما وإنما سراً وخفية، أسوة بأمه الزهراء عليها السلام، وكذلك معارضته لإقامة مجالس الفاتحة على روحه الطاهرة، فمن حقه كل ذلك، لكن من حقنا أيضا وحق جميع من تعرف عليه، سواء ممن عاصره أو ممن يأتي بعده ولو تطاولت الأيام وتقادمت السنين والقرون، من حقنا أن نحزن عليه ونلهج بذكره وأن نتأسى ونقتدي به، فكفانا بخساً لقادتنا بعدم تقديرنا لهم إلا بعد فوات الأوان! فرحيل الميرزا مهدي قد خلف خسارة فادحة لكربلاء الحسين عليه السلام والحوزات العلمية والعالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه حيث فقدت مرجعاً مسؤولاً وراعياً أميناً وفقيهاً تقياً. وإن التُزم الصمت عن الميرزا فترة فستتكلم آثاره وباقياته الصالحات وإن حُكي أو كُتب عنه كانت النتيجة العجز والتلكؤ، فمن الصعب أن يحاط بذاك العطاء والمجد وبتلك المسيرة المشرقة في سطور وجيزة، وأنى لها أن تكشف أسرار هذا العابد الزاهد وآثاره الخالدة إلا بمقدار يسير.. ويسير جدا. ليست هنالك أية مبالغة في ما يقال ويذكر تجاه هذا الفقيه الورع الملهم، وهذه هي الحقيقة فإن الذين عاشروه وعاصروه يذكرون بعض الأمور قد تبلغ مصاف الأساطير بينما هي حقائق لمسها أولئك عن قرب، وعندما نلاحظ كلمات العلماء الأعلام والمراجع العظام حول الإمام الميرزا مهدي قدس سره يزول هذا التعجب ويضمحل هذا الاستغراب، ومن خلال ذلك يمكن أن ندرك جانباً وقدراً من عظمته ومكانته السامية. تواتر النقل عن المرحوم آية الله العظمى الإمام الميرزا عبدالهادي الشيرازي قدس سره الذي كان من كبار مراجع النجف آنذاك قوله في الميرزا: «إنني لم أجد مثله سواه» وقد توفي بعد الميرزا بعامين، وبلغت شدة تأثير شخصية السيد الميرزا إلى درجة أن المرحوم آية الله العظمى الإمام السيد الطبطبائي القمي قدس سره - الذي كان مرجعا أعلى للطائفة حيث قادها من النجف الأشرف بعد وفاة السيد أبي الحسن الأصفهاني - كان قد أشاد بالميرزا قائلاً: رإنني لم أجد في العراق أو في إيران بل ولا في غيرها نظيراً للسيد ميرزا مهدي الشيرازي»، علماً أن السيد القمي لم يكن يثق بأحد إلا ما شذّ وندر لكثرة احتياطاته، وقد وافاه الأجل قبل الميرزا بأربعة عشر عاما، وقد اشتهر عن السيد الميرزا علي الشيرازي وهو أطول الأسرة الشيرازية عمراً حينما سئل عن الميرزا مهدي هل هو عادل يصح تقليده؟ فأجاب: «لقد أشرفت على حياته منذ ولادته فلم أر منه مكروها ودع عنك الحرام»، وعندما سئل هذا السؤال نفسه المرجع المعروف آية الله العظمى الشيخ محمد كاظم الشيرازي قدس سره فأجاب قائلاً: «اسألوا عن عصمته لا عن عدالته»، وحينما تشرف بزيارة كربلاء المقدسة الكاتب والمفكر الكبير الأستاذ جورج جرداق (لقاء معه في هذا العدد) صاحب الموسوعة العملاقة حول الإمام علي عليه السلام المعنونة «الإمام علي صوت العدالة الإنسانية» وذلك للمشاركة في احتفال كبير في ذكرى ميلاد أمير المؤمنين عليه السلام وكان قد التقى الإمام الميرزا مهدي فقال عنه: «إنه تلميذ حقيقي للإمام علي» إلى غير ذلك من الكلمات والإشادات التي لها أكبر الدلالة على نفسية الميرزا الشيرازي وقدسه وتقواه... وهل كل ذلك يكشف سر تشرفه بلقاء صاحب العصر والزمان - عجل الله تعالى فرجه الشريف - عدة مرات؟! أم هل يفسر حقيقة تلقيه رسالة شفوية من الإمام الكاظم عليه السلام قبيل وفاته على ما نقله أحد الثقاة، الذي لم يتطرق إلى ما جرى في تلك الحادثة بالتفصيل، وربما طواها الغيب وأُلحدت مع الجثمان الطاهر المقدس، كما هو شأن الكثير من الكرامات والأسرار لمن عُدّ من الأبدال! لعل التاريخ المرجعي لم يكشف أسرة عريقة كآل الشيرازي، فعميد العائلة هو الإمام الميرزا محمد حسن الشيرازي قدس سره المعروف بالمجدد الكبير صاحب ثورة «التنباك» وهو أشهر من أن يعرف، وكذلك خال الميرزا مهدي من جهة الأم هو قائد ثورة العشرين الميرزا محمد تقي الشيرازي قدس سره، فقد كان لهما الدور البارز والكبير في إدارة البلاد وأمور العباد وريادة الحوزات، بحيث اعتبر سابقة لم تتكرر منذ ذلك التاريخ، وقد تمكن من طرد المستعمرين من البلاد الإسلامية مما عزز مكانة الحوزة والمرجعية في العالمين العربي والإسلامي، وقد استمرت هذه الشجرة الطيبة والمكافحة إلى أن قُيض لهذه الأمة مرجعاً مُلهماً كالميرزا مهدي في علمه وورعه وتقواه وجهاده وبطولاته، وما زالت هذه الشجرة تمد وترفد الأمة الإسلامية بالعلماء والمراجع فكان الشهيد أية الله السيد حسن الشيرازي المفكر الإسلامي المعروف صاحب موسوعة الكلمة، الذي اغتيل في بيروت على أيدي أزلام البعث الصدامي، وكذلك أخوه المرجع الديني الأعلى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي صاحب أعظم موسوعة فقهية في تاريخ التشيع والإسلام، ورائد الثورة النهضوية في العالم المعاصر، حيث يقودها من عش آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قم المقدسة، وكذلك بقية الأخوة كآية الله الفقيه المعظم السيد صادق الشيرازي، وآية الله المحقق السيد مجتبى الشيرازي الذي قال عنهم مرجع الطائفة الإمام السيد محسن الحكيم قدس سره: «إن فقدنا مهدياً واحداً فقد بقي لدينا أربعة مهديين». انقسمت الحياة الجهادية للميرزا الراحل إلى ثلاثة أقسام رئيسية، الأولى كانت في مساندته الإمام الميرزا محمد تقي الشيرازي في ثورته ضد الإنجليز لتحقيق السيادة والاستقلال، وكان دوره فاعلاً في استنهاض الشعب ومؤازرته للثورة، وأما الثانية فقد كانت لموقفه الحازم مع الإمام القمي والإمام البروجردي قدس سرهما لمواجهتهم الوضع الاقتصادي المهترئ والفساد الاجتماعي والأخلاقي الذي استشرى في إيران إبان الحكم البهلوي، وكانت الحكومة آنئذ تحارب الحوزات وتهمل المراقد المقدسة وتصادر الموقوفات، وكانت نتيجة المواقف الشجاعة والحكيمة أن رضخت الحكومة لمطالبهم، وسارعت في تنفيذها بعد أن صدر قرار بشأنها من قبل رئيس الوزراء حينها، وأما الثالثة فكان في اجتماعه التاريخي مع الإمام الحكيم قدس سره الذي تم على أثره إصدار بيان من قبل المرجعية الدينية في تكفير الشيوعية التي تنامى مدّها أيام عبدالكريم قاسم، مما أدى إلى تحجيمها وفشلها فشلاً ذريعاً.. فهكذا كان الإمام الفقيد بعيد النظر وبالغ الحذق في توحيد صفوف العلماء وكلمتهم ومواقفهم إزاء الأحداث التي تعاقبت على الأمة الإسلامية وأنقذها من زُمَر تيارات إلحادية وأعاصير شيوعية، بأداء حكيم لفت انتباه القاصي والداني.
لا نريد هنا أن نسهب الحديث حول مكانة الفقيد العلمية وعن عطائه العلمي فذلك أمر يطول مقامه، وهو متروك للكتب المطولة من السير والتراجم، وإن كان ولا بد فنقتصر على إشارة خاطفة. فبما أن الميرزا وُلد في مدينة كربلاء المقدسة وهي من كبرى الحوزات المعروفة وظل بها أيام فتوته الأولى، لذا أخذ علوم المقدمات والسطوح من أساتذتها وكبار المحققين فيها وكان مكباً على الدراسة بحيث كان لا ينام إلا ساعتين في اليوم، ويواصل دروسه أيام الخميس والجمعة وكذلك بقية العطل المختلفة مما أهله للدراسات العليا في فترة قياسية ثم سافر إلى سامراء المشرفة التي أسس حلقاتها ومحافلها العلمية الإمام المجدّد، فكانت زاخرة بكبار العلماء والمجتهدين من خيرة تلامذة المجدّد، ثم توجه إلى مدينة الكاظمية المقدسة وكانت تضم في رحابها الفقهاء والمحققين البارعين فاشتغل هناك بالبحث والدرس والتحقيق، ثم عاد إلى كربلاء المقدسة مواصلاً هذه المسيرة، ثم انتقل إلى النجف الأشرف وأقام بها ما يقرب العشرين عاما وتخضرم فيها وحاز على مرتبة عالية من الفقاهة العلمية.. ثم عاد إلى مسقط رأسه في كربلاء المقدسة واستقر بها إلى أن وافته المنية.. وحاصل ذلك أنه تتلمذ الدراسات العليا وبحث الخارج على أساطين الفقه والأصول وكبار المراجع أمثال: الإمام الميرزا علي الشيرازي خلف المجدد، والمرجع الأعلى الميرزا محمد تقي الشيرازي، والعلامة الهمداني صاحب كتاب «مصباح الفقيه» والمرجع الكبير محمد كاظم الطبطبائي اليزدي صاحب كتاب «العروة الوثقى» والشيخ الآخوند صاحب كتاب «الكفاية» والميرزا النائيني المعروف، والإمام القمي الطباطبائي، والشيخ ضياء الدين العراقي، والمحدث الكبير الشيخ عباس القمي، وغيرهم كثيرون، وكان الراحل يشترك في بحث الكمباني وهو بحث علمي في غاية الأهمية مع الميرزا علي الشيرازي، ويباحث الميرزا عبدالهادي الشيرازي وذلك في النجف الأشرف، وفي كربلاء المقدسة كان يحضر بحث الكمباني الذي كان تحت رعاية الإمام القمي ويضم أكابر مجتهدي كربلاء، ومنهم الإمام السيد هادي الميلاني، والفيلسوف الشيخ محمد رضا الأصفهاني وآية الله الكاشاني والفقيه المحقق البيارجمندي الخراساني، وبعد وفاة الإمام القمي توجهت الأنظار لترشيحه للمرجعية والزعامة الدينية.
أدرك الراحل قدس سره واقع الأمة في انقباض الوعي الإسلامي واندثاره لفترة طويلة ومنذ منتصف النصف الأول من هذا القرن، وهي مرحلة زمنية تمثل تسرّب المفاهيم الشيوعية والغربية داخل الوسط الشرقي وترويجها من بعض مثقفي الأمة المغتربين أو المخترقين ثقافيا، لذلك خطى سماحته منطلقا من واجبه الديني ومن مبادئه الإنسانية ودوره في كونه صاحب أمانة أعطاها كل الأهمية، وهي توعية الجيل الجديد بالذات، مهتماً اهتماماً كبيراً في قضية نشر الدين بين أبناء الأمة وتوعيتها بكل السبل ذات المسلك النفسي الناجح لإرساء روح الدين ونفثها في روح الشباب فكان أفضل ترويج لأحكام الدين وقيمه، وأمر الخطباء وأصحاب المنابر بتوضيح الأحكام الدينية وشرح المسائل الشرعية والتلطف مع الشباب والجيل الصاعد وجذبهم بالخلق الحسن والقول الرصين والأدلة المحكمة إلى ظلال الدين الوارفة والانقضاض على التوجهات العلمانية التي تستثني الدين عن معترك الحياة فكان نتيجة هذا المسعى النبيل أن تربى جيل من الشباب الواعي والمتفهم لأحكام الإسلام وقد تأثر بجهده الخير في تبليغ الإسلام ونشر تعاليمه أغلب أهالي كربلاء والعراق بينهم الأساتذة والطلاب وغيرهم، فصاروا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر يعقدون الندوات والمناظرات حول مبادئ الدين ويشكلون الهيئات والجمعيات الدينية، منطلقين من كربلاء إلى رحاب العالم. ربما أن أهم لغز في حياة الميرزا الراحل هو ارتباطه الوثيق بالقرآن الكريم وحفظه الكامل له، والمواظبة على قراءته كل يوم وخصوصاً بعد صلاة الصبح حيث كان يقرأ جزءاً كاملاً بعدها، والغريب أنه أتم حفظ القرآن تحت ضوء القمر وجراء ذلك ابتلي بالعمى الليلي، لهذا نذر لله تعالى إن شفاه زار السيد محمد المعروف وهو أحد أبناء الأئمة عليهم السلام، وفعلاً كان يزور السيد محمد كما نذر كل عام مرة، لأن بصره صار قوياً جداً بحيث كان يستطيع رؤية ساعة العباس من داره وتمييز عقاربها، بينما الآخرون لا يستطيعون سوى رؤية جسم الساعة على رغم كونهم من الشباب، وينقل عن المرجع الديني الأعلى الإمام الشيرازي دام ظله أكبر أنجال الميرزا أن ذات مرة كنا في طريقنا من النجف الأشرف إلى كربلاء المقدسة وأثناء الطريق توقفت السيارة وقال سائقها إن البنزين قد نفذ فيجب علينا البقاء هنا حتى شروق الشمس ومرور السيارات لأنها لا تمر في هذا الطريق ليلا، حينها أخذ السيد الوالد يتمشى حتى الصباح بينما كنت أنا داخل السيارة لشدة البرد، وعند الصباح قلت للوالد لماذا لم تنم ليلة البارحة مع طولها وشدة بردها قال لقد كنت منشغلاً بقراءة القرآن مما أخرني عن النوم، وهذه فرصة سنحت لي فاغتنمتها، وأتم خلال هذه المدة قراءة ثمانية أجزاء. وقد حصلت للمرحوم الوالد هذه الكرامة عندما كان يتمشى في صحراء سامراء ويقرأ القرآن اقترب منه شخص قائلاً: ماذا عندك؟ فقال له: لاشيء عندي، ولماذا تسأل؟ قال: أنا صياد ورأيتك من بعيد ولكني لم أتبين ما أنت، فظننتك صيداً، إلا أنني كلما حاولت تصويب البندقية عليك فإنها لم تنطلق فتعجبت! وعندما دنوت منك وجدتك إنساناً ازداد تعجبي، قال الوالد: إني كنت أقرأ القرآن، ولعل ذلك من تلك البركات.
وهنا ننقل شطراً من تألق الراحل الروحي والمعنوي وشيئاً من مناقبه الأخلاقية فكان رضوان الله تعالى عليه يحب أن يلي أعماله الشخصية بنفسه قدر الإمكان مع اعتزاز أولاده بخدمته عن إخلاص، كما كان ذا همة قعساء في تسلق مدارج التقوى والورع منذ أيام شبابه فكيف بسنوات النضج ومرحلة الشيوخية؟ وقد عثر بعد وفاته على قصاصات ذاتية يحذر فيها نفسه من يوم القيامة وأهواله. وللإمام الراحل حكايات مذهلة إن دلت على شيء فإنما تدل على خوفه من الله تعالى ومن أن تزل قدمه، كما جاهد في تحصيل ملكة الزهد إذ كان يقول: «إن العلم لا يحصل إلا بالزهد» ونقل بعض الثقاة أنه قضى أشهر الشتاء القارص في سامراء «بقِباء». وقِباء هو رداء رقيق لا يُلبَس إلا بالصيف، وكان إذا احتاج الماء في أيام الشتاء استخدم ماء الحوض أو البركة المكشوفة غير مبال بما يصيبه من ألم البرد الشديد، ولم يكن يهتم بمأكله ومشربه أصلاً فكل ما كان يحضر له يأكله دون أن يعيب طعاماً أو ينتقد كيفية طبخه وربما بقي جوعاناً دون أن يطلب لنفسه شيئاً، فإذا علم من في الدار أنهم نسوا أن يقدموا له الطعام لام بعضهم بعضا. وأما ما يرتبط بسلوكه داخل بيته ووسط أسرته فإنه كان يخيط ثوبه بنفسه ويرقع جوربه ويغسل ملابسه ويكنس حجرته ويطبخ الطعام في بعض المرات، وإذا مرض أولاده وأهله كان يمرضهم بنفسه ويقدم لهم الدواء. ونذكر هنا ما نقله الإمام المرجع دام ظله عن والده المقدس إذ يقول: «لقد عاشرت الوالد سنين متعددة لعلها أكثر من ثلاثين سنة ورافقته في أسفاره وعند ذهابه إلى الصلاة في أوقاتها المختلفة في صحن الإمام الحسين عليه السلام، ومع ذلك لم أره يضحك بصوت وقهقهة، ولو لمرة واحدة وإنما كان ضحكه تبسماً، وكان رحمه الله دائم الفكر والتفكر في الآخرة، ويطبق كل شيء على الموازين الشرعية صغيراً كان ذلك الشيء أم كبيراً، وعندما يعظ إنساناً فإن الآخرة تكون نصب عينيه بل وكأنها يوم غد، وذات يوم تعرض له أحدهم بالإهانة فقال: «إن هذا الرجل لا يعلم أنه جعل حبلاً في عنقه وأعطى طرفه الآخر بيدي يوم القيامة»، وكان مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من يذكركم الله رؤيته»، وكان إذا رآه شخص أو جلس عنده ذكره بالله والدار الآخرة في تصرفاته وأعماله وأقواله، كما أنه رؤي في المنام فسئل: ما أنفع الأعمال لك في الآخرة مما عملته في الدنيا، فأجاب: إن أنفع الأعمال التي انتفعت بها بعد موتي هي ما كنت أتصدق به للفقراء خصوصاً الذين كانوا يأتون إلى باب منزلنا ويطلبون شيئاً من المال، وكان الوالد - والحديث للسيد المرجع - قدس سره كثيراً ما يعطيهم ولا يردهم. ونقل لي شخص من الثقاة أن المرحوم الوالد كانت تطوى له الأرض، فقد رآه ذلك الشخص في الصحراء بين النجف وكربلاء يمشي وحيداً فتعجب من ذلك، فكيف جاء إلى هنا والصحراء مقفرة ولا سيارة ولا ناقلة تقوم بنقله إلى هنا؟! قال ولما رجعت إلى كربلاء المقدسة بالسيارة نفسها التي كانت تقلني رأيته في كربلاء، فاستغربت استغرابا شديدا! ومن جملة رياضاته النفسية أنه كان يذهب إلى المقبرة ويدخل قبراً خالياً وينام فيه ويتذكر أعماله ثم يقول بصوت عال: «ربي ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت» وبعد فترة يخرج من القبر ويعتبر نفسه أنه رجع للحياة فيعمل لآخرته ما ينجيه!
وينقل الخطيب الشهير آية الله السيد مرتضى القزويني حفظه الله حيث كان يشيعه للذهاب إلى المطار للحج، أنه رأى الراحل قدس سره على رصيف الشارع عند المطار جاعلاً عمامته إلى جنبه بصورة تنافي الوقار، فقلت له: سيدنا لا يناسبكم الجلوس هكذا. فقال الراحل: «إن هذا سفر العبودية لا سفر الوقار». فهذا غيض من فيض آيات فضله، وحفنة خاطفة من خصاله ومناقبه، وصفحة صغيرة من صفحات جهاده وتضحياته. أصبح الراحل مبكراً يوم الثامن والعشرين من شهر شعبان المعظم لسنة 1380 للهجرة كعادته قبل الفجر، وأسبغ الوضوء ووقف في محرابه للصلاة واسترسل في ذلك وقرأ ما تيسر من الذكر الحكيم عن ظهر قلب والأدعية المأثورة والتسبيحات المستحبة كدأبه المألوف في كل يوم، وما إن ارتفعت الشمس أمتاراً في الأفق إلا ودخلت عليه جماعات من الناس وتحاكموا عنده، وتبادلوا معه الحديث حول شتى المواضيع الدينية والزمنية، كما سأله بعض المقلدين عن تقرير مصيرهم وموقفهم من بعض الأحداث، فوجدوه كما عهدوه مجتهداً قديراً يتكلم بكل ثقة وهدوء وعمق واتزان، والابتسامة المشرقة المحببة لا تفارق ثغره الجميل المهيب، لتضفي على الكلمات روعة ظاهرة بالإضافة إلى ما لها من جلال معنوي بارز. وتقاطر الناس داخلين وخارجين حيث أنجز كثيراً من مهماته ومهمات الناس، وفي الساعة الحادية عشرة توجه للوضوء من الحوض وأخذ يسبغ الوضوء بتؤدة معهودة، وبينما هو كذلك وإذا بطارق على الباب - هل هو طارق الموت؟! - وربما كان يستفتي عن حكم شرعي فأجابه الميرزا وهو في حال الوضوء.. ولعله كان يقرأ: «اللهم بيض وجهي... » وفي هذه الأثناء تراخت أعصابه ولم يتمالك نفسه.. رآه أحد الحاضرين يتمايل للسقوط.. أسرع نحوه وصاح بمن في الدار.. فيمموا نحوه وأعدوا له شيئا ارتمى عليه باتجاه القبلة.. وانطلقت روحه الطاهرة تشق عنان السماء.. وعبثاً رفع الناس أكفهم للدعاء وسرعان ما رجعت تلطم الخدود والجباه.. وانفجرت العيون بالدموع الساخنة!! في تلك اللحظات الحاسمة سجل التاريخ بأحرف بارزة: لقد أنهى الإمام الميرزا الشيرازي الفصل الأخير من حياته الحافلة بالمثل والقيم، المثقلة بالتضحيات والانتصارات، وخلف تاريخه صفحة مشرقة بيضاء دون أن تتخللها نقطة سوداء، ثم وفد على ربه شامخ الجبين مرفوع الهامة، حتى يندر أن يوجد تاريخ بهذه النزاهة! ولنعد إلى دار الميرزا حيث يتوسطها نعش مغطى بدثار، وحوله أسرته لا تتورع عن الجهر بالبكاء والنحيب وقد ازدحمت الجماهير حول الدار وهي تبكي وتندب وتزلزلت الدار بأصوات الباكين حتى شمل النوح والنحيب البلدة كلها. وارتطمت كربلاء بالسواد، فقد علق السواد على جدران البيوت وفي الشوارع والمحلات، حتى كأنما انغمست بالحبر الأسود كما كانت أيام عاشوراء، وخرج النعش على الأكف في تشييع رهيب لم يعهد من قبل مثله، ولما وصل إلى صحن أبي الفضل العباس عليه السلام، خطب العلامة السيد مرتضى القزويني خطبة مثيرة أشاد فيها بمواقف الفقيد وشخصيته المعجزة وأنهى الخطاب بتلاوة نص الوصية، وبكون خلفه الأرشد السيد محمد وصيه في شؤونه كافة.
وما إن انتشر صدى الفاجعة إلا وأقيمت الفواتح في المدن والبلاد كافة، وأعلن الحداد العام في جميع الحوزات العلمية وأذيع الخبر في الإذاعات وعلى صفحات الجرائد، وانهالت البرقيات ورسائل التعزية لذوي الفقيد من جميع أنحاء العالم ومن مختلف البلاد والطوائف والشخصيات، وحتى من الأزهر الشريف وعلماء الحجاز المنصفين، ورثاه جمهرة كبيرة من فطاحل الشعراء مما لا يسع المجال لذكره ولو جمعت أشعارهم لصار كتاباً مستقلاً، ولكن تجدر الإشارة إلى ما قاله الشاعر السيد هادي كمال الدين فيه: «لقد كان للأوطان أعظم مصلح... فليس (جمال الدين) يحكيه أو (غاندي)». وخلاصة الحديث أننا فقدنا هذا العالم الرباني جسدا، لكننا لم نفقده روحا، فروحه ما زالت بيننا، وفكره وسيرته وجهاده وتاريخه ماثل أمامنا. وحري بنا أن نعيد لهذه الروح نضارتها وروعتها من خلال قراءتها من جديد، والسير على خطاها بصمود وثبات، ومن منطلق «من أرخ عالما فقد أحياه»، وجدير أن يطبع في هذا الصدد كتاب عن هذا الطود الشامخ، فيجب الاعتراف والإذعان بتقصيرنا تجاه الإمام الميرزا مهدي الشيرازي، فإنه ومنذ أربعين عاما مضت لم يطبع كتاب مستقل يتحدث عن حياته وسيرته الفريدة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على نوعية الوفاء لأولئك العظماء! |
||