|
|
|
|
|
الإسلام المنحرف!! |
||
|
وقد أغفل أهل السنة أو تغافلوا عن الشطر الأول من هذه الأحاديث الدال على أن كل أحكام الدين قد حرّفت وبدّلت ووجهوا الأنظار إلى الشطر الثاني فحسب وهو الإحداث في الصلاة وتضييعها، كما وأنهم جعلوا الإحداث والتضييع في الصلاة بمعنى تأخيرها عن وقتها، ولذا قد أدرج البخاري هذين الحديثين في كتاب مواقيت الصلاة باب تضييع الصلاة عن وقتها، مع أن تأخير الصلاة عن وقتها لا يسمى إحداثاّ فيها، مضافاً إلى أن بكاء أنس بالشام لا يكون إلا لأمر عظيم جليل، وهو تحريف أحكام الدين والعبث بشريعة سيد المرسلين، وأما تأخير الولاة أو الخلفاء للصلاة فإنه لا يستدعي منه كل ذلك، لأنه كان يرى منهم الظلم والفسوق والفجور والمجون ولم يبك لشيء من ذلك، فكيف يبكي لتأخير الصلاة عن وقتها؟! وقد دلّت الروايات الكثيرة على أن وقوع التحريف في أحكام الدين قد وقع من بعض صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما والترمذي في سننه وصححه، والنسائي في سننه وأحمد في المسند عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث قال: ألا وإنه يجاء برجل من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: (وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم) (صحيح البخاري 6 / 69 و 6/ 122، صحيح مسلم 4 / 2195، سنن الترمذي 5 / 321-322 قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، سنن النسائي 4 / 117، سند أحمد 1 / 235). ومنها: ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة أنه كان يحدّث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلّون (أي يطردون ويبعدون) عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوه بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى (صحيح البخاري 8 / 150) ومنها: ما أخرجه مسلم في صحيحه وأحمد بن حنبل في المسند وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أنا فَرطكم (أي سابقكم ومتقدمكم) على الحوض ولأنازعنّ أقواماً ثم لأغلبنّ عليهم (أي سأجادل عن أقوام تخليصاً لهم فلا ينفعهم ذلك) فأقول: يا ربّ أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك (صحيح مسلم 4 / 1796، سند أحمد بن حنبل 1 / 384 - 406 - 407 - 425 - 453) ومنها: ما أخرجه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني فرطكم على الحوض من مرّ عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا، ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم، قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش، فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم، فقال: اشهد على أبي سعد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها: فأقول: إنهم منّي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي (صحيح البخاري 8 / 150، صحيح مسلم 4 / 793) ومنها: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وأحمد في المسند وغيرهم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لَيَردنّ عليّ ناس من أصحابي الحوض، حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول: أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك (صحيح البخاري 8 / 149، صحيح مسلم 4 / 1800، مسند أحمد بن حنبل 3 / 281، 5 / 48-50) إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة الصحيحة والمعتبرة التي رواها حفاظ الحديث من أهل السنة بطرق كثيرة جداً وبألفاظ متقاربة. وأما التأمل في هذه الاحاديث: فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أقوام» يدل على كثرة من بدّل وأحدث بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنه يستفاد كثرة ما حرّف في الدين وبدّل، لأنه إذا كان الذين بدّلوا أقواماً فلا ريب في أن الذي بُدّل يكون كثيراً، لأنه ما بدّله بعضهم لا يصح نسبته إلى غيره، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «من أصحابي» ظاهر في أن أولئك المبدّلين في الدين والمحدثين فيه هم ممن صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخالطه وأدركه، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ارتدوا على أدبارهم القهقرى» ظاهر في أنهم كانوا باقين ومحافظين على ظاهرهم الإسلامي وكانوا مرتدين في الباطن وذلك بقرينة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أحدثوا»، لأن المرتد عن الإسلام علناً لا يمكنه أن يحدث في الإسلام شيئاً، إذ لا يتبعه المسلمون، إلا إذا كان يظهر الإسلام ويبطن غيره، وهذا المعنى يثير تساؤلاً، وهو: أنهم إذا كانوا قد اتبعوا الخليفة الحق المنصوص عليه من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف تأتّى لهم أن يحدثوا في الدين ما شاؤوا؟ وكيف يمكن أن يكونوا مرتدين على أدبارهم القهقرى؟ أوليس ذلك دليلاً على كون الارتداد في أمور كثيرة منها مسألة الإمامة؟ … أسئلة سنجيب عنها لاحقاً وإن كانت الإجابة غير مستصعبة على أولي الألباب! |
||