|
|
|
قراءة دقيقة لنظرية (فقه المرور) الشيرازية أصول وقواعد حضارية مرجعية في نظم المرور |
||
|
دراسة: كريم المحروس*
وفي خضم هذا التحول الحضاري، لم تغب النظرية الاسلامية في مجالاتها المختلفة، بل انها تفاعلت مع كل عطاء حضاري وانساني، وسجلت حضورها بصياغة جديدة للكثير من العلوم والافكار والاحكام، اعتمادا على نصوص الشريعة كمرجعية اساسية، واطار يحفظ لهذا الحضور قوته ومتانة حجته. ومن بين تلك التحولات الحضارية، نظم المرور، التي تشكل في عصرنا الراهن عصبا خطيرا. حيث كانت هذه النظم واحدة من بين الاهتمامات الفكرية الحضارية التي غطتها الموسوعة الفقهية العظيمة للمرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي. وقد اختصها هذا الإمام المرجع، رائد الحركة الثقافية المعاصرة، وصاحب اكبر موسوعة فقهية في عصرنا الراهن، بكتاب تحت اسم (فقه المرور) غطى فيه ثلاثة عنأوين رئيسية، هي: قواعد عامة لاستنباط فروع المرور. قوانين المرور. أحكام المرور. وآداب المرور. فقد ضم العنوان الأول اكثر من عشرين قاعدة ودليلا من الكتاب والسنة والاجماع والعقل، استنبط آية الله السيد الشيرازي قوانين واحكام المرور منها، وكان عمدتها قواعد في (الضرر) و(الحرج) و(العسر)، وهي عنأوين تتوافر بين بعض الامم كإصر حملوا به لمخالفتهم تعاليم الشرع والعقل، وقتلهم الانبياء بغير حق، فيكون هذا الإصر من قبيل الحدود والتعزيرات. ونجد هذا الامر في قوله تعالى في الاية رقم 286 من سورة البقرة: (ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا). فالحرج أمر نفسي، بينما العسر امر بدني، اذا ذكرا معا، بينما يطلق كل واحد منهما على الاخر عند الانفراد. فالعسراذاً مثل الحرج واذا كان العمل حرجيا فواجب تركه، أو حرام فعله. وقد أورد الإمام الشيرازي بعضا من الادلة في الكتاب والسنة على نفي الحرد في قواعد واحكام المرور خاصة، كان من بينها، ظهور اتفاق واجماع علماء الدين الكبار عقب عهد التشريع، الذين قالوا في جملة كلامهم: (وأما على العموم فلإجماع المسلمين على ان الحرج منفي عن هذا الدين). وايضا اية (نفي الحرج) من سورة الحج / 78 (وما جعل عليكم في الدين من حرج). وآية رقم 185 من سورة البقرة، في نفي العسر (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). واحاديث وروايات، تنفي التكليف بما لا يطاق. وكذلك مصاديق جرت في عهد التشريع تؤكد على هذه الامور. يضاف الى كل ذلك ان سيرة العقلاء تقبح تكليف السيد عبده بما هو شاق وفيه حرد وعسر، ويلومون هذا السيد على هذا التكليف.
ويضيف آية الله العظمى السيد الشيرازي الى مسألة الضرر والحرج والعسر، قاعدة مهمة اخرى أولية هيى موضوعا للأحكام الثانوية هي قاعدة (النظم) التي لولا توافرها لوقع الناس في هرج ومرج، ولانتهى بهم الامر الى الفوضى والاضطراب. وهي مورد تتعلق ايضا بباب (المرور) الذي اصبح اليوم من الامور المبتلى بها، ولا يمكن لمجتمع الاستغناء عنها. ولولا وجود صياغة لقوانين تنظم امور المرور في سيرها وحركتها، وتوقفها وسكونها، وسرعتها وبطئها، لأدى ذلك بدون شك الى الضرر والاضرار. ودفعا لذلك يرى آية الله الشيرازي الزام القيام حسب قاعدة النظم برسم خارطة (للمرور)، تبين فيها الخطوط العريضة والجزئيات المؤثرة في حفظ المجتمع من الفوضي، والمفيضة عليه السلامة والسعادة وفقها، لقوله تعالى في سورة الحدر/19 (والارض مددناها والقينا فيها رواسي وانبتنا فيها من كل شيؤ موزون). فالفوضى والاضطراب الذي هو بحاجة الى قاعدة النظم ينتج لنزعتي الخير والشر التي جبل الانسان عليها. وبما ان هنالك من المغريات ما يقوي لدى الانسان نزعة الشر وتشجعه على التعدي على نفسه وعلى المجتمع والمحيط، وتدعوه الى مخالفة الاحكام والقوانين الشرعية وغيرها والتي من بينها امور (المرور)، فقد جعل الاسلام ثلاثة امور تقوم الانسان وتقوي نزعة الخير فيه، وتغلبه على نزعة الشر، هي: أولا؛ تزكية الانسان وتهذيبه عبر جعل الأوامر والنواهي، آدابا وسننا وحكما ومواعظ. ثانيا؛ ارقابة الاجتماعية، حيث أوجب ارشاد الجاهل، والفات المخطئ، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة الى الخير. ثالثا؛ القوانين الجزائية والعقوبات. ولكن يلزم ألا تكون هذه القوانين في المرور بحس الانتقام أو لطلب الاستعلاء، وان تكون نزيهة وتستمد احكامها من الادلة الاربعة منهجا، ومن القاضي العادل الجامع للشرائط تطبيقا. فالقضاء الاسلامي في قضايا (المرور) يتميز عن غيره من القضاء بكثير من الفوارق على رغم كونه وضع لحسم مطلق النزاعات ورد كل الاعتداءات. فهو في غاية البساطة في الحكم وكيفية تنفيذه، والحاجة اليه في المجتمع الاسلامي سلسلى وبسيطة ايضا. فالحريات الممنوحة للمسلمين كثيرة جدا، لذلك فليست هنالك محظورات وممنوعات كثيرة تحتاج الى المحاكمة والجزاء وما اشبه ذلك. بخلاف الممنوعات والمحظورات في القوانين الوضعية. وهذا القضاءواحد من بين ثلاث قوى في المجتمع الاسلامي، هي قوة التشريع التي يمثلها الفقهاء المراجع في اطر شورى الفقهاء الذي يحكم بالاكثرية حال الاختلاف في الآرا. وقوة التنفيذ. ويلعب القضاء دورا في فصل الخصومات والنزاعات في (المرور) موضوع بحث آية الله السيد الشيرازي. ويتوجب على القاضي الذي يحكم في مرافعات المرور معرفة الجرم والمجرم وخصوصيات الجريمة، ويصح للقاضي ان يحكم بعمله، وإلا احتاج الى الطرق الشرعية في الاثبات، وبدون ذلك لا يتمكن من الحكم وان علم أو ظن. ويجوز للقاضي الاعتماد على الكشوف الحديثة المذكورة في الكتب التي توجب ا لعلم بغير خلاف مع الموازين الشرعية. ويذكر آية الله الشيرازي بعضا من الشروط التي يتوجب توفرها لضبط القضاة، من قبيل: استقلال القاضي عن ضغوط الحزب الحاكم، ويكون ذلك بتوافر تعددية حزبية في البلاد، وتوافر المحامين والوكلاء الذين يدققون في الامور، ووجود شورى المراجع الذين يراقبون قضايا الامة بدقة، ووجود الصحافة والاعلام الحر، واشراف قاضي القضاة للمنافسة، ووجود محكمة تمييز واستئناف. واما القانون في الشأن المروري أو غيره، فيذكر آية الله السيد الشيرازي، ان له امر ان لابد من التأمل فيهما والتعرف عليهما، لأنهما مثار جدل واختلاف بين علماء الحقوق، هما: الأول؛ روح القانون ومغزاه. الثاني؛ جسم القانون ومادته. فاذا اتحدا فلا اشكال. اما اذا اختلفا فهل يقدم القاضي الروح لانه هو اذ وضع من اجله الجسم، أو الجسم لانه القالب؟ واذا قيل بتقديم الروح لم يكن هناك أيقاف لمن يريد ان يتحايل على القانون باسم روح القانون. وهذا الخلاف له مصاديق في فقه الاسلام، كما انه له مصاديق في غيره. والواقع كما يراه المرجع السيد الشيرازي: انه اذا لوحظ الحق لزم تقديم الروح، واذا لوحظ امكان التحايل وهو ممكن وواقع وكان ذلك اهم لزم تقديم الجسم. ويختلف الامر باختلاف القضاة والامم في درجة وعيهم وما اشبه ذلك، والا فالاصل الروح الذي يوضع لاجله الجسم. فالتحايل هو الباس الباطل بلباس الحق وهذا ما يدركه العرف ويحس به الانسان في باطنه، والتمييز موكولالى القضاة النزيهين بالاضافة الى عرف المتشرعة. والمتحايل يجب ردعه ومنعه وتاديبه حسب المقرر شرعا، وهذه المسالة تجري في المرور وغيره. وللقاضي ان ينظر الى الحقوق ويعلم بها، وللفرد في (المرور) حق على فرد أو مجتمع، وللمجتمع حق على الفرد أو على مجتمع ىخر، ومثلها حقوق الدول على بعضها، أو حق الدولة على الشعب وعكسه. والحكم في الشريعة كما يذكر ذلك السيد الشيرازي، انه لا يقبل الاسقاط ولا المبادلة ولا البيع ولا الارث ولا الهبة ولا ما اشبه ذلك، بينما الحق بعكس كل ذلك، وهو ما يظهر الفرق بين الحكم والحق فيحالة الشك بين الحق والحكم، والا لزم مراجعة الادلة الاربعة في عالم الاثبات، فاذا لم يعرف من الدليل في المورد ذاته انه من ايهما، فالاصل ان يعامل معاملة الحكم. وفي ذلك تفصيل في كتاب (فقه البيع)، احد اجزاء الموسوعة الفقهية التي تناهز الـ 150 مؤلفا، مطبوعا ومخطوطا، من تأليف آية الله السيد المرجع الشيرازي نفسه. ويضيف آية الله الشيرازي، ان لصاحب الحق العفو في قضايا (المرور) وغيره، اذا كان حقه من الحقوق، اما اذا كان من الاحكام فلا حق له في العفو، بمعنى انه حق لا ينفع في اسقاط الحكم الشرعي. واما في باب القاصر والمقصر الذي اشبعه الفقهاء بحثا في مجالات مختلفة، فهو في مجال (المرور) الذي انفرد به آية الله الشيرازي ضمن تغطيته للنظرية الاسلامية الشاملة، يذكر ان الجاهل القاصر لا يعاقب بالحدود ونحوها، سواء كان قصوره في احكام المرور أو غيره، لا في الدنيا ولا في الاخرة، نعم، ولكن تطبق عليه الاحكام الوضعية كأن لو خالف قصورا احد قوانين المرور، وادى الى كسر يد شخص أو رجله، فان عليه الدية. واما الجاهل المقصر، فيستحق العقاب في الاخرة، كماعليه تطبيق عقوبات الاحكام الوضعية كالدية أو غيره، ولكن الميزان في القاصر والمقصر هو العرف، وملاك المعرفة بين القاصر والمقصر هو القرائن التي تدل على احدهما أو معرفة الجاني نفسه. وبعد ان ينتهي آية الله السيد الشيرازي من مقدمته التي استعرض خلالها القواعد العامة لاستنباط احكام المرور والمشابهة لها في 191 صفحة، وذلك لاهميتها في مقام البحث، والشرح المقتضب والسلس تيسيرا للقارء المهتم والمتابع. يبدا السيد الشيرازي، في استعراض قوانين السير والمرور ومتعلقاتهما، والمصاديق التي تمثل شأنا يوميا في مجالات المرور، نظرية وممارسة. أولا؛ ادارة المرور. لا يحق للدولة ولا أي جهة اخرى ان تمنع التجول والعبور والمرور، وان تحظر على الناس الذهاب والاياب في الطرق والشوارع، فانه مناف لقانون الحرية الاسلامية، الا اذا كانت هناك مصلحة اهم و قررتها شورى الفقهاء المراجع. ولكن للدولة ان تفرض اتجاها خاصا لسير السيارات، أو تحدد سرعة معينة لها، أو تعين طريقا خاصا للمشاة، وآخر للراكبين وهكذا، اذا كانت باشراف شورى الفقهاء المراجع، أو كان ذلك من مصاديق القواعد الفقهية (لا ضرر) و(الاهم والمهم) (نفي العسر والحرج) و(النظم) وما اشبه، والا فالاصل حرية الانسان ولا يجوز لاحد أو جهة معينة المنع عن حرياته. وادارة المرور ملزمة بوضع النصب والعلامات لتنبيه مستعملي الطريق، سواء من المشاة أو سائقي المركبات، ولها الحق في تنظيم المرور وضبط مخالفات السير، وياتي ذلك وفقا لدراسات مرورية وهندسية. كما يتعين عليها الاشراف على المؤسسات والمدارس التدريبية ومراجعة مناهجها وصلاحياتها وشروط المواقع والمركبات والاجهزة والمعدات والمدربين المرخصين. كما لهذه الادارة تعيين قضاة ومحكمة مرور تحكم وفق قوانين الاسلام التي تحدد المتهم بريئا كان أو مدانا، وذلك اذا لم يدع الى دفع الغرامة المقررة أو لم يتم التصالح معه حول مخالفته. ولهذه الادارة الحق في امور متعلقة بالسائق والمركبة، من بينها: حجز المركبة بالمقدار الذي تقتضيه حاجات التحقيق الأولي فقط، وفرض عقوبات ملزمة الاطاعة حال التسبب عن ضرر، نحو التعزيرالذي تقرره شورى الفقهاء كما وكيفا، كالغرامة المالية أو المنع من السياقة أو السجن، ولها ترقيم المركبات واصدار اجازات المرور واضاءة الطريق وتنظيفه وتوسيعه وترتيبه. اما بالنسبة الى السائق في القانون الاسلامي المروري: فهو ملزم بالحصول على الاجازة قبل السياقة بعد ان يكون قد تخرج من مؤسسة التدريب أو المدرسة، وان يتأكد من استيفاء مركبته لشروط السير المعينة من قبل شورى الفقهاء اذا ما عزم على سياقة مركبة، مع اخذ الاحتياطات اللازمة التي تكفل سلامته وسلامة غيره من مستعملي الطريق. كأن يكون يقظا مسيطرا على المركبة، وان يتجنب الاضرار بالاشخاص والاملاك العامة والخاصة، وان يعمل على توفير طمأنينة وسلامة غيره من مستعملي الطريق، وان يتاكد من استطاعته في حال الخروج من خط سير المركبات أو الدخول فيه دون ان يعرض غيره للخطر، بان ياخذ بعين الاعتبار أوضاعهم واتجاههم وسرعتهم. وهو ملزم ايضا بملاحظة قواعد الطريق واتباعها، وتوجيهات وسائل تنظيم المرور وأوامر ضباط وافراد شرطة المرور. وهناك محظورات على السائق ايضا، كان يرمى أو يترك على قارعة الطريق ما من شأنه اعاقة حركة السير، أو ان يسبب اخطارا وضررا كالنفايات والاحجار والتراب ومواد البناء أو المياة، ولو فعل فهو ضامن. ويستثنى من شروط السائق، سائقي مركبات الطوارى المصرح بها، ولكن لا يعفون من بعض شروط سائق المركبة العادية، كالقيادة بوعي ومراعاة سلامة الاخرين واموالهم، ولا تحميه هذه الشروط من النتائج المترتبة على اهماله وعدم اكتراثه لسلامة الاخرين، وان لم يراع فهو ضامن حسب القواعد المقررة في الحدود والديات والضمانات. واما بشأن الاجرة فللسائق الحق في تعيينها لقاء حمل الراكب أو المتاع أو ما اشبه، ولا يجوز له الاجحاف. ثانيا؛ وسائل النقل. واما بالنسبة لوسيلة النقل (المركبة)، فيرى الإمام الشيرازي، انه يجوز التامين على وسائل النقل الحديثة، كما يجوز اجراء مختلف المعاملات العقلائية الشرعية على وسائل النقل الحديثة، من البيع والاجارة والصلح والرهن والدويعة والعارية والمضاربة والهبة ومااشبه. ان تزود المركبة بكل ما يتطلبه السير، من اجهزة تنبيه أوانذار المساعدة عند الضرورة، وان تكون مضبوطة المكابح والانوار، وان يعتنى بسلامة محركاتها ونظافتها، كأن يكون الاحتراق داخلها كاملا لمنع خروج دخان كثيف مزعج له مردودات سلبية على البيئة وامنها وسلامتها، ولذلك يستوجب الامر ان تكون المركبة مجهزة بعادم الصوت لتصريف الغاز بشكل سليم. ولا تجوز الضوضاء بسبب عدم كفاءة العادم. كما ويجب ان تتوافر المركبة على اجهزة لازمة صالحة الاستعمال، كالمرايا والمواسح والاطار الاحتياطي ورافعة المركبة ومطفئ الحريق وغير ذلك. ثالثا؛ المشاة والطريق. يتحقق الطريق العام بأن يجعل احد ملكه طريقا عاما، أو ان يحي جماعة ارضا ثم يجعلوها مسلكا فيها طريقا لها، أو أن للناس ارضا عاطلة للمرور والعبور تعرف تدريجيا بكونها طريقا عاما. واذا اشتمل الطريق أوالشارع على ملك احد فاللازم استرضاؤه - اما التوسعة بدون ذلك فلا يجوز - نعم اذا كانت هنالك مصلحة عامة اهم من عدم رضاية المالك، فالمتبع قاعدة (الاهم والمهم) حسب تقرير شورى الفقهاء المراجع. ويستحب الاهتمام بنظافة الطريق، وتجميل الشوارع والطريق والارصفة بما لا يعد اسرافا، وينبغي مراعاة الاخلاق والاداب حال السير، ولا يجوز ارتكاب ما يسبب ايذاء الاخرين أو خوفهم ورعبهم، كاستعمال المنبه العالي الصوت أو التوقف المفاجئ أو المرور السريع بمحاذاة المشاة أو غير ذلك، فامطاطة الاذى عن الطريق مستحبة وهي صدقة، فللطريق حرمه كما للبيت. ويجوز تعيين جهة السير على جميع الطرقات على اليمين مثلا، وعلى الجميع اتباعه وعدم مخالفته وذلك لدفع الاضرار المحتملة ولتنظيم السير. وعلى السائق في حالة السير العادي ان يلتمزم الجانب الايمن من المعبد، وعليه ان يلتزم اقصاه في حالات مختلفة، كأن يقبل عليه الطريق التي ليست لها ارصفة. أو عندما يريد سائق أخر تجأوزه، أو عندما تكون الطريق الى الامام غير كافية أو عند ما تكون سرعته ما تكون الطريق الى الامام غير كافية أو عندما تكون سرعته دون السرعة المسموح بها على الطريق، وخاصة الجبلي. وفي عملية التخصيص وجوب والتزام، كان يخصص قسم من الطريق لفئة معينة من السائقين أو المشاة العاديين أو المرضى أو المقعدين أو الاطفال، تعين على هذه الفئة ان تلتزمه وعلى باقي الفئات ان تتجنبه. ويشير المرجع الديني الأعلى بشكل مختصر الى بعض آداب الشماة، كأن يمشون على الارصفة، والتقيد بالاشارات المرورية، التي تعين الاماكن المخصصة لاجتيازهم الطريق، وأوقات الاجتياز، وعليهم الايقدموا على اجتياز الطريق وبكل حذر وبعد التثبت من ان بإمكانهم عبورها دون أي خطر أو اعاقة لحركة مرور المركبات. ولا يحق لهم عند عبور الطريق ان يتأخروا أو يتوقفوا دون مبرر. واذا كان مفترق الطرق غير منظم بواسطة الاشارات المرورية، فالافضلية تكون لمركبات الامن والاسعاف والمطافئ وقوافل المركبات العسكرية التي يزيد عددها عن خمس مركبات، وكذلك تلاميذ المدارس اثناء دخولهم على مدارسهم أو خروجهم منها. ويلزم الالتفات الى الاخطار المصاحبة لعبور المشاة على طول الطريق، ويطلب اليهم العبور من اماكن مأمونة، اذا كان احد المشاة مجبرا على العبور، أو كان سيره على طول الطريق يلزم تحري الاماكن الاكثر امانا. وللمشاة الذين ينقلون اشاء ضخمة، ولمجموعات المشاة، ان تسيرعلى طول الطريق، ويحظر على المشاة التسكع في الطرقات، أو الوقوف فيها، ويتم التدخل من قبل شرطة المرور لطلب عبورهم الطريق بأسرع وقت ممكن. ويمنع السائقين السير عبر طوابير الجند، أو طوابير طلاب المدارس، أو المواكب الرسمية المصرح بها، كوكب العزاء أو الفرح أو غيره. فللمشاة حق أولوية المرور. ولكن اذا تعمد الماشي القصر والخلاف في المشي، وصدمته مركبة بدون تقصير السائق اطلاقا فهو على الظاهر هدر من قبل الماشي، لانه هو المقدمعلى ذلك. ولو كان جاهلا ونحوه فاللازم التصالح بين الطرفين وبيت المال الذي بيد الحاكم الشرعي. فبيت المال هو الذي يدفع الغرامة فيما اذا كانت الغرامة مالية ولم يكن ضمانة على السائق. وذلك لان بيت المال هو المعد لمصالح المسلمين. وفي القسم الاخير من هذا الكتاب الرائع، يفصل آية الله السيد محمد الشيرازي في آداب الطريق والسير والسفر. وهي امور تجعل من السفر حركة غنية في فائدتها وسلامتها وجزيل الثواب بحكم التزام مستحباتها واجتناب مكروهاتها. فيستحب في آداب السير الذهاب من طريق والرجوع من طريق آخر، وان يكون السائر متفكرا في المشي، معتبرا العجائب صنع الله عزوجل اينما بلغت، ولا يكون مستهترا في المشي، وان يغض البصر عما لا يليق بالدين، وان يذكر الله كثيرا، وان لا يرفع صوته عند مسيره بل ينبغي ان يخفض صوته مطلقا. فالسفر من المستحبات في الاسلام وفيه نصوص وروايات عديدة، وربما يكون واجبا كسفر الجهاد الواجب والتجارة الواجبة وما اشبه، وقد يكون محرما كسفر المعصية، ولها احكام خاصة. كما انه من المستحب اختيار الأوقات في السفر، كان يكون يوم السبت أو الثلاثاء أو الخميس وفقا بعض الروايات، ولكن يستحب السفر والسير ليلا، ودفع الصدقة والدعاء عند دفعها، وقراءة القرآن، ورعاية مكارم الاخلاق وحسن الصحبة ومراقبة الحقوق وطلب الرفقة والخروج مع النظراء في النفقة واتخاذ الصاحب المناسب للسفر، ويكره ان يسافر الانسان وحده و يمفرده أو مع سيء الخلق أو اذا استوجب السفر مذلة. هذا الاهتمام من قبل آية الله السيد الشيرازي في شأن المرور ونظمه وقوانينه والقواعد التي على اسساها استنبطت تلك القوانين والانظمة والقواعد، يدل على مدى حرصه في تغطية جانب متعددة من حاجات الامة الاسلامية في هذا العصر المتسارع في تطوره. وصحيح ان هنالك قواعد ونظم ارستها الدولة الحديثة، ولكنها نظم وقواعد قد تتطابق مع الادلة الشرعية التي يرجع اليها الفقيه المرجع في استنباطه للاحكام والقواعد والنظم، وقد لا تتطابق، بل قد تتعارض معها، ولكن جزئيا لا كليا، وذلك بحكم صدورها عن موازين عقلية صرفة. ولا تعارض بين العقل والشرع. فالعقل المسند الى الشرع هو واحد من الادلة الاربعة. ولكن قد تكون هنالك بعض الاحكام والضوابط المرورية فضلا عن العقوبات في الدولة الحديثة، لا تتوافق وقواعد الشرع، أو ان تمييز قربها من الشريعة أو بعدها عنها من الامور المستعصية على مثقفي أو متشرعي القانون الوضعي، فهنا يرد آية الله الشيرازي في مرات متعددة من بحثهعن (المرور) فيمختلف اجزاء الكتاب وفروعه، مسألة شورى الفقهاء المراجع. فهي مسألة تمثل نظرية جامعة لأولي الالباب في أوسع نطاق ديني ودولي بادئ الامر، ثم هي نظرية قادرة على التعاطي مع متغيرات العصر وتطوره وتحضره والتفاعل معه، ولكن وفق رأي وفكر جماعي يحفظ للعطاء الديني الحضاري تطورهو تجديده واستمراره، وتراكم خبراته وتفاعلها مع محيط واسع جدا. وتأسيسا على ذلك، يكون هذا الكتاب، بما ضمه من نظريات وقواعد وقوانين ونصوص، وادلة شرعية، اساسا ومرجعا لرقابة الواقع في مجالات المرور، ودراسة مدى تطابقها والشرع، لاستخلاص ما هو انفع واجدى واكثر قربا من حاجة الانسان في هذا المجال الذي لا ينظم حركة الناس وسائلهم فحسب، بل ييسر الحياة لهم و يدفع عنها الاصر والاغلال، ويجعلها اكثر بعدا عن الحرج وما يولده من فوضى تعكس آثارها السلبية على الحياة المجتمعية والاقتصادية وغيرها. * باحث في مركز التثقيف الإسلامي - لندن
|
||