الفهرس

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

محاورة بين القدس والكربلاء   |   الثامن من شوال.. يوم أسود على البقيع الغرقد

 

ذكرى استشهاد الإمام الصادق (عليه السلام) في الخامس والعشرين من شوال

ملامح الحركة العلمية للإمام الصادق (عليه السلام)

 
 

كان الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، يستثمر كل الفرص، ويغتنم كل الظروف لتثقيف الأمة، ونشر العلوم والمعارف، حاله في ذلك حال أبائه الطاهرين وأجداده الميامين، الذين أسسوا لسيل هادر وبحر زاخر من مختلف العلوم والفنون.

فقد كانت حلقة متصلة في سلسلة ثقافية علمية إسلامية تنحدر من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لتتصل بعلي بن أبي طالب (عليه الصلاة والسلام) - أعلم الناس قاطبة - كما عبر عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك الإمام العظيم الذي يؤثر عنه كثيرا أنه كان يقف على المنبر في مسجد الكوفة ويعلن على الملأ: «سلوني قبل أن تفقدوني».

ويستمر هذا التفوق العلمي في آل البيت (عليهم السلام) حتى ينتهي بآخر إمام منهم.

إنما برز الإمام الصادق (عليه السلام) من بين الأئمة الهداة، وعرف عنه (عالم آل محمد) لأنه استطاع من خلال الظروف المؤاتية والفرص المناسبة التي مكنته من أن يتولى نشر طيات هذه العلوم والمعارف، وبث هذا المنهج افسلاميالنير العميق دون سواه من سادة أهل البيت (عليهم السلام)، فالمعروف أنهم جميعا عاشوا فترات حالكة، وظروفاً قاسية، وحياة قصيرة بالنسبة لفترة حياة الصادق (عليه السلام).

فقد كانت الحكومات المعاصرة لم تتخذ أعلى درجات الحيطة والحذر منهم ومن أصحابهم وشيعتهم، وكانت السياسات الغاشمة والحكومات الظالمة تحجز بينهم وبين عطائهم العلمي والفكري وتخاف منهم أشد الخوف، ولا تريد للناس أن يتعرفوا عليهم، فيكتشفوا النور الذي أودعه الله عندهم، فكانت تضيّق عليهم الدوائر، وتوصد دونهم الأبواب..

أما الإمام الصادق (عليه السلام) - ومن حسن حظ المسلمين - عاش فترة حجبت مشاكلها السياسية عيون السلاطين عنه (عليه السلام) وهي فترة انهيار الدولة الأموية، والتأسيس للدولة العباسية، وطبيعي أن هذين المقطعين من الزمن، عصيبة لكل الملوك والسلاطين، وكل الحكام، يلتهي الحاكم بمشاكل تصرفه عن التفكير في القضاء على مثل الإمام الصادق (عليه السلام) ومحاربته ومراقبته.

اغتنم الإمام هذه الفرصة، فأسس مدرسته الخالدة، وجامعته الكبرى، وحاول كثيراً أن ينتجب التماس مع الحاكمين، وينصرف إلى العلم، ويركز على هذا البعد الضائع في حياة آل البيت (عليهم السلام).

عمل على أن يقوم بثورة! إلا أنها - هذه المرة - علمية فكرية.

...

(رواته عليه الصلاة والسلام):

ولنقف أولاً مع بعض رواته (عليه السلام)، للتجلى مدى عظمة المدرسة وجلالتها ومهابتها من خلال هؤلاء الأساطين في الفكر الإسلامي، والأفذاذ في مدينة العلم.

منهم: زرارة بن أعين، ابان بن تغلب، مؤمن الطاق، هشام بن الحكم، حمران بن اعين، أبو بصير المرادي، هشام بن سالم، بريد العجلي، محمد بن مسلم، جابر بن حيان الكوفي، مؤسس الكيمياء كما عرفه الغرب، ثابت بن دينار، جابر بن يزيد الجعفي، قيس الماصر، هؤلاء من الشيعة.. أما من السنة، فمنهم:

أبو حنيفة النعمان بن ثابت، وهو مؤسس المذهب الحنفي والذي منه تفرعت المذاهب الأخرى، مالك بن أنس، مؤسس المذهب المالكي، سفيان بن عيينه، سليمان بن بلال، شعبه بن الحجاج، سفيان الثوري، سعيد بن سالم القداح، إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عبد العزيز الداراوردي، جرير بن عبد الحميد، إبراهيم بن طهمان، عاصم (حفيد عمر بن الخطاب)، وأبو عاصم النبيل (شيخ احمد بن حنبل)، الكسائي (عالم اللغة)، عبد العزيز عبد الله الماجشون زميل مالك في الفتيا في زمن الحج... وغيرهم.

ولقد صنف الحافظ أبو العباس بن عقدة، كتاباً جمع فيه رجال الصادق (عليه السلام)، ورواة حديثه وأنهاهم إلى أربعة آلاف، وكتب من أجوبته (عليه السلام) أربعمائة صنف.

(علم الإمام):

ومن أقواله (عليه السلام) في علمه وعلم الأئمة من آل البيت الرسول (صلوات الله عليهم): (علمنا غابر ومزبور، ونكت في القلوب، ونقر في الأسماع، وإن عندنا الجفر الأحمر، والجفر الأبيض، ومصحف فاطمة، وإن عندنا الجامعة، فيها ما يحتاج الناس إليه).

ويرد أبو العلاء المعري على الذين يستنكرون الجفر، فيقول:

لقد عجبوا لآل البيت كما أتاهم علمهم في جلد جفر.

فمرآة المنجّم وهي صغرى تريه كل عامرة وقفر

ويقول مالك بن أنس عن علم الإمام الصادق (عليه السلام): (ما رأت عين ولا سمعت أذن، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد، فضلاً وعلما، وعبادة وورعا).

ودخل عليه سفيان الثوري يوماً، فسمع منه كلاماً أعجبه، فقال: هذا والله يابن رسول الله الجوهر. فقال الإمام (عليه السلام): بل هذا خير من الجوهر، وهل الجوهر إلا حجر؟!

...

(بين يدي الصادق عليه السلام):

وجاء أبو حنيفة إليه ليسمع منه، وخرج أبو عبد الله يتوكأ على عصا، فقال له أبو حنيفة: يابن رسول الله، ما بلغت من ا لسن ما تحتاج معه إلى عصا؟!

قال (عليه السلام): هو كذلك، ولكنها عصا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أردت التبرك بها. فوثب أبو حنيفة إليه وقال: أقبّلها يابن رسول الله؟ فحسر أبو عبد الله عن ذراعه وقال له: والله لقد علمت أن هذا بشر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأن هذا من شعره فما قبّلته، وتقبّل عصا؟!!

وعن الحسن بن زياد قال: سمعت أبا حنيفة وقد سئل: من أفقه الناس؟ قال: جعفر بن محمد، لما أقدمه المنصور، بعث إليّ فقال: يا أبا حنفية، إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد، فهيئ له من مسائلك الشداد، فهيأت له أربعين مسألة، ثم بعث إليّ أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته، فدخلت عليه، وجعفر بن محمد (عليه السلام) جالس عن يمينه، فلما بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر مالم يدخلني لأبي جعفر (المنصور)، فسلمت عليه، فأومأ إليّ فجلست، ثم التفت إليه، فقال: يا أبا عبد الله، هذا أبو حنيفة، قال: نعم أعرفه، ثم التفت إليّ فقال: يا ابا حنيفة ألق على أبي عبد الله من مسائلك، فجعلت ألقي عليه فيجيبني، فيقول: أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا، وربما تابعنا، وربما تابعهم، وربما خالفنا جميعا، حتى أتيت على الأربعين مسألة، فما أخل منها بشيء.

ثم قال أبو حنيفة: أليس أن أعلم الناس، أعلمنهم باختلاف الناس؟

...

(التدوين والتأليف):

ومن النقاط البارزة في الحياة العلمية للإمام (عليه السلام)، أو قل النظرة المستقبلية الجادة التي عرف بها الإمام الصادق (عليه السلام)، أنه كان يأمر تلامذته بتدوين ما يسمعون ويتعلمون حتى لا تضيع هذه المعارف الجمة، والأسس المحكمة بين طيات التاريخ وليبقى منها - على الأقل - بقية ينهل منها المؤمنون على مر الدهور والحقب. من هنانبغ في مدرسة الإمام (عليه السلام) كتاب ومدونون كبار، استثمروا عصر النهضة العلمية التي عاصروها وكسبوا إعجاب العالم، إذ تبارت فيه براعاتهم، وتسابقت أقلامهم، وتابعهم على ذلك علماء الأمة، منذ عهد الصادق (عليه السلام) حتى يومنا هذا. وقد لا نتجاوز الحقيقة، لو قلنا بأن هذه الصفة (صفة التدوين) تميز بها علماء الشيعة حتى صارت من أبرز معالم التشيع. ولا ننفي أن علماء السنة كتبوا أيضا، إنما توسع أهل العلم من الشيعة في الكتابة والتدوين، متبعين بذلك، الأسلوب الذي فرضه عليهم إمامهم جعفر الصادق (عليه السلام)، فلم يدعوا صغيرة ولا كبيرة إلا ودونوها.

وبعد شهادة الإمام (عليه السلام) سنة 148 هـ شرع أتباعه وتلامذته بتدوين ما حصلوا عليه من العلوم عن طريقه، ومن جملتها:

(الأصول الأربعمئة) وهي أربعمئة مصنف لأربعمئة مصنف من فتاوى الإمام الصادق (عليه السلام). ومنها: الكتب الأربعة التي عليها مدار العلم والعمل حتى اليوم، وهي: «الكافي، ومن لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار».

والطوسى، والشريفان، والشيخان المفيد والصدوق، والكليني رضوان الله عليهم أجمعين قد وصلوا ماانقطع من التأليف منذ عصر الإمام الصادق (عليه السلام) حتى منتصف القرن الخامس ليستمر التيار والتدفق.

وفي آثار هذا السلف العظيم، تتابع ركب العلماء والمؤلفين الفحول، يخلّدون فقه الإسلام وعلوم آل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين).

وأخيراً كان للإمام الصادق (عليه السلام) الفضل الأكبر في الحركة العلمية والتدوينية والثقافية على الإسلام والمسلمين ولا غرو في ذلك فهو امتداد لنهج جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجده أمير المؤمنين (عليه السلام)، وآبائه الطاهرين رزقنا الله في الدنيا اتباعهم والسير على هداهم، وفيالآخرة شفاعتهم إن شاء الله.

 

   

محاورة بين القدس والكربلاء  أعلى

 
 

أبيات: السيد محمد رضا القزويني

حدّث القدس فأصغت كربلا سمعاً لتستجلي الحوارا

قال: اني أجمع الأديان في أرضي ويكفيني فخارا

وقديماً هزت الدنيا حروب تخذت وصلي شعارا

واريقت من دماء الخلق ما يروي الفيافي والقفارا

فانتشت أرضي وقد بورك ما حولي وقد فاضت ثمارا

وتلاقت رسل الله وكان المرتقى عندي إلى العرش مسارا

وعروش الظلم اهوت حين لم تعرف لها قبل انهيارا

كلّما لاح من الغرب (صليب الحرب) كي يسعر نارا

أخمدته نفحات الله في الشرق ولم تترك لأعداها قرارا

بيد أني اليوم في الأسر لدى (صهيون) دهرا أتوارى

ويرى العالم ما ألقى من المحتل والغاصب ليلا ونهارا

لم أجد في الكون من يدفع هذا الضيم أو يبدي انتصارا

غير أطفال وبالأحجار تحميني فأفديها صغارا

زينتها (درة) تغسل عن أبنائي العزّل عارا

وأنا أرتقب (المهدي) من يهبط (عيسى) معه يحيي الديارا

ليعيد العز للإنسان في توحيد دين الله سرا وجهارا

* * *                                                                 

فاستفاقت كربلا من غفوة مرت على الطفّ بألوان العذاب

لنواسي (القدس) في محنتهِ الجلّى تسلّيه بدمع واكتئاب

أيّنا أفظع في الأهوال يا قدس وفي البلوى وأدهى في المصاب؟

إن تكن أرضك للأملاك مهوى بالرسالات مجيئا بإياب

وعروجا لرسول الله للعرش وعيسى الطهر يرقى في السحاب

إنما أراضي مهوى لنجوم أشرقت في العرش من نور الحجاب

من رسول الله أوصاك تقطعن بأدي البهم أبناء الصحاب

قلبوا (الودّ بذي القربى) قتالاً دونه في الدهر قتل في استلاب

وضيع (للحسين السبط) يستسقي فيروي النبل عن ريّ الشراب

وأسارى من بنات الوحي تهدى كالسبايا دون ستر أو حجاب

شربت أرضي دماء الآل (آل البيت) نهلاً كالعباب

فاستطالت في سماء العزكي تروي البطولات لشيب وشباب

فإذا الأبناء ثوار بوجه الظلم والطغيان في كل إهاب

إنما اليوم غدوا أسرى بسجن (البعث) اخوان الذئاب

إن يكن أعداك يا قدس يهوداً أو وحوشاً لم يقرّوا بكتاب

إنما أعداي من سل سيوف البغي في الإسلام من غير ارتياب

عملاء ليهود القدس كفّار وللإسلام قالوها رياء بانتساب

تركوا أبنائي الأحرار قتلى الحرب والأجساد نهشا للكلاب

وإذا ما وضعت أوزارها الحرب وعاد الجيش ذلا بانسحاب

عادت السلطة للتجويع والتعذيب للناس بلا أدنى حساب

واستعادت رقصات (النصر) فوق الجسد المضنى لشعب متغابي

وحصار يقتل الخلق جهارا حين يبقى الرأس من دون عقاب

وسجون تهتك الأعراض فيها (ودعاة الحق) عنها في غياب

وترى (الأعلام) في العالم غض الطرف كالأعمى فزيداد عذابي

أيّنا أفظع في الأسر وفي الأهوال (يا قدس) وأدهى في المصاب

وكلانا يرقب (المهدي) وعد الله في التوراة والإنجيل من قبل الكتاب

ليقيم العدل في الدنيا وحكم الله في الأرض فيخضر جنابي

 

   

هدّمت فيه صروح عزة الإسلام.. أضرحة أهل بيت النبوة عليهم السلام

الثامن من شوال.. يوم أسود على البقيع الغرقد!   أعلى

 
 

كتب: الدكتور حسين الحيدري*

ما تتخذه أية أمة من الأمم من توازن بين أصالتها وتراثها وبين حداثتها وتطورها، هو من علامات تحضرها. فمن التراث والأصالة تستمد هذه الأمة المتحضرة هدى وبصائر تجعل من الواقع امتدادا حقيقيا لما سلكته الأجيال الغابرة. ويؤكد ذلك أيضا أن الأمة الحضارية تسير بكل ثقة في سبيل واضح المعالم حاضرا ومستقبلا. وإذا كأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هو خاتم الأنبياء والرسل عليهم السلام، وهو اعظم الخلق جميعا، فليس هنالك تراث شريف وعظيم وقريب إلى واقعنا المعاصر اعظم مما تركت عظمة هذا النبي العظيم الذي به أتم الله مكارم الأخلاق. فمنه نستمد أصالتنا وتراثنا. وعلى هذا يتطلب الأمر منا المحافظة حتى على أدق معالم هذا الرسول ورسالته. وعلى هذا الطريق بذل كثير من علمائنا وحفظة هذا الدين القيم من المتقدمين والمتأخرين، جهودا جبارة للمحافظة على الآثار التي تركها النبي (صلى الله عليه وآله) أهل بيته (عليهم السلام) أجمعين، وسجلوا أدق الأمور الخاصة بالنبي وأهل بيته، كقبورهم ودروعهم، ودورهم والآبار التي شربوا منها وغير ذلك. كما سجلوا يومياتهم وسلوكهم وكيفية تعاطيهم مع المحيط الاجتماعي. لكن كثيرا من الحوادث والنوائب والرزايا التي مرت بالمسلمين، قد افقدتهم القدرة على الاستمرار في المحافظة على هذه الآثار ودقائقها. وبالتالي دخل المسلمون إلى عقود الحضارة وهم يفتقدون اعز ماكانوا يحافظون عليه. وكأن دخولهم هذا يشتكي سقما أفشته الأيام ومحنها.

فإذا بتلك الآثار قد طمس كثيرا منها.

وبعد أن كان المسلمون يحرصون في كل بلادهم على صيانة مراقد الأولياء وحفظها من الإندراس والاندثار، نجد في المدينة المنورة أن آثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته عليهم السلام الذين اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قد طاولتها معاول الهدم منذ الثامن من شوال عام 1344 للهجرة، وأما ما تبقى منها فقد ظل دون صيانة أو حماية من عوامل التعرية والظروف المناخية.

وتعد آثار البقيع الغرقد من اكثر الآثار تضررا. بل أن كثيرا من المعالم الأثرية على أرضه قد اندثرت، ولم يتبق إلا عدد من الأحجار على مراقد سويت بالأرض منذ زمن بعيد حيث وصفه عدد من الرحالة في سنة 1925 للميلاد بأنه «منظر لبلدة خربت عن آخرها» فلم يكن في أنحاء المقبرة كلها ما يمكن أن يرى أو يشاهد سوى أحجار مبعثرة وأكوام صغيرة من التراب لا حدود لها، وقطع من الخشب والشيش، مع كتل كثيرة من الحجر والآجر والاسمنت المتكسر هنا وهناك. وهو أشبه بالبقايا المبعثرة لبلدة أصابها الزلزال فخربها كلها... وقد أزيلت الأنقاض من بعض الممرات الضيقة حتى يمكن للزائرين أن يمروا منها ليصلوا إلى مختلف أنحاء المقبرة. وفيما عدا ذلك لم يكن هناك ما يدل على شيء من الانتظام. ولم يحدث هذا بفعل الزمن وعوارض الطبيعة بل صنعته يد الإنسان عن عمد وتقصد، فقد هدمت واختفت عن الأنظار القبب البيضاء التي كانت تدل على قبور آل البيت النبوي في السابق، وأصاب القبور الأخرى المصير نفسه، فسحقت وهشمت، حتى القفاص المصنوعة من أعواد الجريد التي كانت تغطي قبور الفقراء من الناس قد عزلت جانبا أو أحرقت.

لقد صاحبت البقيع الغرقد شهرة عظيمة منذ أن اصبح مدفنا لأهل البيت عليهم السلام وأعلام الأنصار والمهاجرين من الصحابة الأخيار والشهداء. لذلك كبر شأن البقيع في قلوب المسلمين، وقصده كثير منهم بقصد إحياء الشعائر والدعاء والاستغفار انطلاقا من قوله تعالى «ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب» وامتثالا لعديد من الأحاديث والروايات عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).

لقد ظل البقيع الغرقد عامرا بأضرحته وقبابه وابنيته القائمة على تلك المدافن الشهيرة المقدسة حتى قصدته تلك الأيدي التي استنت بمذهب تسوية القبور بالأرض، فسوت مراقد الأئمة، الحسن المجتبى، وعلى زين العابدين، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق (عليهم الصلاة والسلام) أجمعين، والعباس بن عبد المطلب، ونجل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إبراهيم (عليه السلام)، وعدد من التابعين الأخيار وتابعي التابعين. لقد وصف الرحالة ابن جبير في القرن السادس الهجري ذلك وصفا، خلاصته: «أن البقيع الفرقد واقع شرقي المدينة، تخرج إليه على باب يعرف باب البقيع، وأول ما تلقى من يسارك عند خروجك من الباب المذكور مشهد صفية عمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمام هذه القبة قبر مالك بن أنس الإمام المدني، وعليه قبة صغيرة مختصرةالبناء، وأمام قبر السلالة الطاهرة، إبراهيم ابن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليه قبة بيضاء، وعلى اليمين منها تربة ابن الخطاب، وبإزائه قبر عقيل بن أبي طالب (عليه السلام) و عبد الله ابن جعفر الطيار، وبإزائه روضة فيها أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبإزائه روضة صغيرة فيها ثلاثة من أولاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتليها روضة العباس ابن عبد المطلب والحسن بن علي عليهما السلام، وهي قبة مرتفعة في الهواء على مقدمة من باب البقيع المذكور، وعن يمين الخارج منه. وراس الحسن (عليه السلام) إلى رجلي العباس، وقبراهما مرتفعان عن الأرض متسعان مغشيأن بألواح ملصقة أبدع إلصاق، مرصعة بصفائح الصفر ومكوكبة بمسامير على أبدع صفة واجمل منظر. وعلى هذا الشكل قبر إبراهيم ابن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويلي هذه القبة العباسية بيت ينسب لفاطمة بنت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ويعرف ببيت الأحزان، يقال أنه البيت الذي أوت إليه والتزمت الحزن فيه على موت أبيها المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم). ثم يقول ابن جبير: «ومشاهد هذا البقيع اكثر من أن تحصى لأنه مدفن الجمهور الأعظم من الصحابة المهاجرين منهم والأنصار». وقد مر الرحالة العربي الشهير ابن بطوطة منذ ما يقرب 150 سنة بالبقيع، فيصفه بالوصف المطابق لوصف ابن جبير في تحديد أماكن المراقد والقبب والأضرحة. ولكن لم يتبق من تلك المباني والقباب تلك إلا الأحجار المتناثرة في أماكن متباعدة من المقبرة. إن إجراء هدم الأضرحة والمراقد في البقيع الغرقد هو إجراء رفضته التعاليم الإسلامية، حتى أضحى هذا الإجراء اليوم وبالاً على مسيرة المسلمين في ظل عالم موغل في المدنية والتطور، لا يرى في حركته نحو الحضارة نجاحا إلا بالعودة إلى التاريخ وما تركه من آثار تكمن فيها الأدلة والحجج والمناهج، وهو إجراء كان قبل كل شيء خلاف رأي القرآن في الاثار والبناء على القبور وتعظيم الشعائر التي هي من تقوى القلوب، وهو خلاف ما امرنا به الباري عزوجل من وجوب المودة في قربى أهل البيت عليهم السلام، وهو خلاف ما اعتادت عليه أمم الأرض كافة من تعظيم للأولياء والقادة، والعظماء. وهو إجراء تم بناء على دليل إجماع كاذب بحرمة بناء القبور، وعلى أحاديث فاقدة لكل شرائط الحديث الصحيح دلالة وسندا.

إن معتنقي بعض الأديان والقائمين عليها، يسعون بكل الوسائل الشرعية وغير الشرعية للبحث عن أية آثار تدل على الرعيل الأول في هذه الديانات، حتى أنك تجد المسيحيين يغبطون المسلمين على ما توفر لديهم مما تبقى من آثار تدل على النبوة والرعيل الأول الذي قام على تضحياته صرح هذا الدين القويم، وإلى جانب ذلك نجد اليهود وقد فاضوا في جرائمهم في محو الآثار الإسلامية بمبرر قيامها على أنقاض آثار دينهم ورموزه، وراح الهندوس كذلك إلى تدمير مسجد البابري في الهند لإقامة معبدهم على أرضه بدعوى كاذبة تفيد ببناء المغول هذا المسجد على أنقاض مسقط راس اله الهندوس الاسطوري «راما». بينما المسلمون في غفلة من أمرهم، يرثون أحوالهم، ويغفلون عن سبل الحفاظ عما تبقى من آثار قبل أن تنهشها فتاوى المتعصبين ومعاولهم. وليس لهم من سبيل في إعادة بناء وترميم ما هدم وتدمر من البقيع الغرقد وما يضمه من رفات لأهل البيت (عليهم السلام) قد طمست معالم قبوره، وسويت بالأرض، وظل دون مباني أو قبب تشير إلى ما يكنه المسلمون من مودة وحب لهؤلاء العظماء. وإذا كأن السابع من شوال عام 1344 للهجرة هو عام صدور الفتوى غير المسؤولة بهدم البقيع وجل مراقده ومبانيه، والتي مست ومازالت تمس كل مقدس في وجدان المسلمين، فإن واقنعنا الراهن الذي من خلاله يستطيع كل مسلم مسؤول أن يطلع على تفاصيل الأحداث التاريخية وما تعانيه مراقد آهل البيت والصحابة في البقيع بالمدينة المنورة اليوم، والأدلة التي تضمها سنة الرسول الكريم حول جواز بناء القبور والمحافظة على آثار الأمم عامة وامتنا الإسلامية خاصة، يوجب رد الاعتبار لهذه الآثار والمراقد وإعادة بنائها وترميمها، وتوظيف أموال الأوقاف وغيره لصيانتها والمحافظة على بقائها.

وتأسيسا على ذلك، خصصت المنظمة العالمية للدفاع عن الأماكن المقدسة، يوما عالميا أسمتهُ «يوم التراث العالمي» توافقا مع شهر شوال من كل عام، حيث ذكرى الفتوى القاضية بهدم المباني والقبور التي تدل على أهل البيت (عليهم السلام) في البقيع، دعت فيه جميع المسلمين إلى إحياء هذا اليوم بزيادة المعارف عن المقدسات الإسلامية، والمساهمة في الدفاع عن هذه المقدسات عبر حث الدول الإسلامية على الاهتمام بها وصيانتها وإعادة بناء أو ترميم ما هدم منها، سواء بفعل الاعتداءات المتعمدة، أو بفعل عوامل أخرى.

وفي هذه الذكرى، دعت المنظمة المسلمين كافة، دولا ومؤسسات وأفرادا إلى المشاركة الفعالة في هذه الذكرى، وذلك عبر التضامن مع حركة الدفاع عن المقدسات في كل مكان، بمراسلة المنظمات والشخصيات ذات الاهتمام، ومكاتبة السلطات المعنية، وحثها على إعادة النظر في أوضاع مراقد الأولياء والأئمة في البقيع، مع إعادة بناء المراقد وقببها، والمحافظة على ما تبقى من آثار إسلامية على هذه البقعة. وإقامة المؤسسات الدينية المختصة بمتابعة أمر المقدسات، وتهيئة الاستعدادات الأولية لبناء وترميم الآثار والمراقد المقدسة. مع إعادة كتابة تاريخ آثارها و..., تأليف الكتب التي تغطي المسيرة التاريخية التي مرت بها الآثار والمراقد في البقيع على وجه الخصوص.

*الأمين العام للمنظمة العالمية للدفاع عن الأماكن المقدسة - لندن

 

   

أعلى