|
|
|
مادام الأمر هكذا.. ربما أمر بالاقتداء بأحمد بن حنبل! هل صحيح أن الرسول (صلى الله عليه وآله) أمر المسلمين بالاقتداء بالشيخين؟! |
||
|
كتب: محمد الطهماسبي بعدما تلقى الطعنة التي أماتته، اختار عمر بن الخطاب وهو على فراش الموت ستة أفراد طلب إليهم أن يجتمعوا بعد وفاته لاختيار أحدهم خليفة. كان هؤلاء هم أمير المؤمنين على بن أبي طالب (عليهما الصلاة والسلام)، عثمان بن عفان، عبد الرحمن بن عوف، سعد بن أبي وقاص، طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام. وفي ذلك المجلس، عرضت الخلافة على أمير المؤمنين (عليه السلام) على أن يعمل بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر، فرفض صلوات الله عليه ذلك رفضا قاطعا قائلا: «أما كتاب الله وسنة نبيه فنعم، وأما سيرة الشيخين فلا». ودفع ذلك القوم إلى عرض الخلافة وفقا لهذه الشروط على عثمان بن عفان فقبلها، وتقلدها. والحق أن هذا العرض الغريب لم يأت إلا لمعرفة القوم بأن عليا (عليه السلام) سيرفضه، ومن ثم يبعدونه عن الخلافة ويقلدونها صاحبهم بشكل «مقبول» ظاهريا. وثمة تساؤل يقول: لماذا اشترط هؤلاء العمل بسيرة الشيخين، هل أن شريعة الله اشترطت ذلك؟ من أين جاء هذا الشرط؟ أهل السنة يقولون بأن هذا الشرط لم يخرج عن الشريعة، مستندين إلى حديث وارد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندهم يقول فيه: «اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر وعمر». غير ان هذا الحديث نفسه يضعفه أهل العلم والرواية عندهم، بل ولا يحتجون به لأن رواته من غير الموثقين. والمضحك المبكي أن بعض المتعصبين لأئمة بعض المذاهب السنية الأربعة ساق هذا الحديث إلى أئمة تلك المذاهب بالنص نفسه الذي ورد فيه! فبدلا من أن يكون النص «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» وجعلوا النص «اقتدوا باللذين من بعدي أحمد بن حنبل ورجل آخر نسيته»!! وما هذا إلا لأنهم استمرئوا هذا الحديث المختلق فألصقوه بمن يحبون! ولما كان الدفاع عن السلف من ضروريات مذهب أهل السنة - بغض النظر عن كونه حقا كان أم لا إذ لو فتح هذا الباب لكان النقاش في صحة المذهب - كان من تبريراتهم لفعل عبد الرحمن بن عوف الذي اشترط هذا الشرط بأنه لم يخرج به عن سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يبتدع أمرا جديداً، لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) حسب تلك الرواية: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»، فقد أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) باتباعهما والاقتداء بهما، وهما مقتدين به (صلى الله عليه وآله وسلم)، فسنتهما هي سنة رسول الله. وهكذا تجد بعض المتأخرين من أهل السنة - أي من بعد القرن الثالث - في حججهم يتشبّثون بكل حديث وإن كان ضعيفا بحسب قواعدهم في علم الحديث لتبرير مواقف أسلافهم، وأما إذا احتجّ الشيعي بأحاديث في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) فتجدهم يبذلون كل ما في وسعهم لتضعيفها، ورغم ذلك السعي وتلك المحاولات، سلم الكثير منها من أيديهم لعجزهم بأسباب خارجة عن قدرتهم عن تضعيفها وتوهينها ذكرت في بعض كتبنا، حيث تبينت سباب تضعيفهم لرواة الفضائل، ومنهجية نقاد أهل السنة من أهل الجرح والتعديل في توهين الرواة، وعلة مجيء تلك الأحاديث من طرق نزيرة وغير ذلك، والمحقق المتتبع للأحاديث من طرق نزيرة وغير ذلك، والمحقق المتتبع للأحاديث الواردة في كتب أهل السنّة يظهر له بكل وضوح كيف أنّ المتقدمين منهم كانوا يدعون ويبررون مواقفهم ومواقف أسلافهم بأحاديث الله يعلم بمنشئها، ومن ذلك: حديث «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»، فهو من الأحاديث التي غضوّا النظر عن عدم صحّتها على حسب قواعدهم في علم الحديث، رغم محاولة بعض منهم في تحسينها، ومع ذلك احتجوا به في فضائلهما وتبرير موقف عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان في ذلك اليوم التي كانت نتيجتها معروفة لديهم!! ونحن هنا نريد أن نناقش هذا الحديث من جهة السند لنثبت لأهل السنة أنه ساقط ولا يعتد به، فهذا الحديث بلا شك موضوع مختلق لعلل كثيرة التي منها سنده ولنأخذ على سبيل المثال هذه العلة الأخيرة؛ فلننظر إلى طرقه وأحوال رجال أسانيده من حيث الجرح والتعديل عندهم، فقد أخرجه الترمذي في «سننه» رقم 3662 والحاكم في «مستدركه» وغيرهما من طريق عبد الملك بن عمير عن هلال مولى ربعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة به. فأما هلال فهو مجهول، وأما عبد الملك فقد ضعفه غير واحد ورموه بالتدليس وذكره ابن حجر في الطبقة الثالثة من طبقات المدلسين، وهم ممن أكثروا من التدليس حتى ردوا أحاديثهم إلا ما صرحوا فيها بالسماع من مشايخهم، ومنهم من رد أحاديثه مطلقا، وقد رواه عبد الملك كماعند جميع من خرّجه عنه بصيغة العنعنة - أي رواه عن شيخه بصيغة «عن» من غير التصريح بسماعه منه كـ«حدثني أو أنبأني» وما أشبه - وقد ثبت أنه قد دلس في هذا الحديث، وذلك أنه قد رواه مرّة «معنعنا» عن هلال مولى ربعي كما عند ابن أبي شيبة في «مصنفه» رقم 31942 والحاكم 80%3 والبزار رقم 2828 وغيرهم، ورواه في مرة عن المنذر بن جرير بصيغة العنعنة عنه كما في زوائد القطيعي على «فضائل الصحابة» لأحمد بن حنبل رقم 526، وفي مرة أخرى دلّسه عنهما فرواه مباشرة عن ربعي بن حراش، فمع تدليسه - وقد عنعنه في جميع الروايات - هو كما قال فيه أحمد بن حنبل: «مضطرب الحديث جدا مع قلة روايته ما أرى له خمسمائة حديث وقد غلط في كثير منها» وقال ابن معين: «مخلط». وللحديث طرق أخرى كلّها ضعيفة وواهية، فله طريق آخر أيضاً أخرجه الترمذي في «سننه» رقم 3663 من طريق سالم بن العلاء المرادي عن عمرو بن هرم عن ربعي به. وإسناده ضعيف جداً، فسالم المرادي لم يوثقه أحد بل هو مجمع على تضعيفه، فقد ضعفه النسائي وابن معين وأبو حاتم وابن الجارود، فلا ينجبر حديث عبد الملك بمثل هذه المتابعة، بل وفي رواية ربعي عن حذيفة إشكال أيضا سنوا فيك بها لاحقا. وروي الحديث من طريق أخر عن صحابي آخر أخرجه الترمذي في «سننه» رقم 3805 وسنده أسوأ حالا مما تقدم، فقد رواه من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود وإبراهيم وأبيه وجده يحيى كلهم من المتروكين فلا يستشهد بهم، ومع ذلك أيضا فأبوا الزعراء قد ضعفه البخاري والعقيلي ولم يرو عنه غير سلمة بن كهيل ولم يوثقه أحد من جهابذة النقد، وقد جاء من طريق آخر أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» رقم 7177 وفيه عمرو بن زياد الباهلي، وهو: «كان كذابا أفاكا يضع الحديث» كما قال أبو حاتم ا لرازي، وله طريق آخر عن صحابي آخر وهو أبو الدرداء أخرجه الطبراني في «مسند الشاميين» ج 2 ص 57، وهذا إسناد واهٍ مسلسل بالضعفاء وهو منكر لأن المحفوظ هو حديث حذيفة، ففيه: إسماعيل بن عياش ضعيف في غير أهل بلده، وفيه عبد الله بن عنبسة والعتبي وابن نصر وكلهم ضعفاء مجاهيل، ورواه ابن حبان في «الثقات» 190%2 من طريق آخر عن صحابي آخر وهو أنس، وهو حديث موضوع، ففيهالحارث بن عمير ضعفه الأزدي وغيره وقال الحاكم: «روى عن حميد الطويل وجعفر بن محمد أحاديث موضوعة» وهذا الحديث رواه عن حميد، وقال ابن خزيمة: «كذاب» وقال ابن حبان: «كان ممن يروي عن الاثبات الأشياء الموضوعات»، وفيه أيضا هارون بن زياد وهو مجهول، وذكر الذهبي الحديث في «ميزانه» رقم 556 من طريق آخر عن صحابي آخر وهو ابن عمر، وفيه أحمد بن محمد بن غالب الباهلي وكان يضع الحديث كما قالوا فيه، وهذا الحديث من مصائبه كما قال الذهبي. وقد ضعف هذا الحديث ابن حزم في «الاحكام» ج 242/6، وبين أمراً آخر في ضعف حديث ربعي عن حذيفة فقال أنه لم يسمعه من حذيفة، فحاول ابن حجر في «تلخيص الحبير» 109/4 أن يصحح الحديث في رده على ابن حزم، فقال: «أما مولى ربعي فاسمه هلال وقد وثق، وقد صرح ربعي بسماعه من حذيفة في رواية»، فانظر إلى محاولته في تصحيح الحديث، فهلال مجهول بلا خلاف، وابن حبان كان معروفاً بتوثيق المجاهيل، فخالف نفسه وغيره من المحققين في هذا الموضع فاعتمد توثيق ابن حبان للمجاهيل! وأما ما زعمه بأن ربعي قد صرّح في رواية بسماعه من حذيفة فلم يعزوها إلى أحد، وقد حققنا جيداً في هذا الأمر وكل ما وجدناه أنه في جميع الروايات قد رواه عن حذيفة بصيغة العنعنة، ولم نجد في رواية واحدة أنه قد صرّح فيها بسماعه من حذيفة، وعادة ابن حجر أن يعزو مثل هذا إلى المخرّج للحديث كما هو معروف خاصة إذا كان ادعاؤه مشكل يحتاج إلى دليل وبيان كما في هذا الموضع. فالنتيجة أنّ هذا الحديث ضعيف جداً لا يمكن الإحتجاج ولا حتى الإستشهاد به من حيث سنده بغض النظر عن العلل الأخرى للحديث، بل هو بلا شك من الأحاديث الموضوعة كما قلنا لدلائل كثيرة لا يمكننا في هذا المقام أن نذكرها، وقد ذهب جمهور محدثي أهل السنة إلى أنّ الحديث إذا كثرت طرقه بأسانيد فيها لا تخلو من الضعفاء والمتروكين والكذابين ازداد وهنا على وهن كما بالنسبة لهذا الحديث. والمتتبع لما جاء في كتب أهل السنة التي تروي الأحاديث بالأسانيد من السنن والمسانيد والطبقات والتأريخ وغيرها، لا يتعجّب حينما يجد كيف أنهمكانوا يدعمون عقائدهم بأحاديث ضعيفة على حسب قواعد علم الحديث عندهم - الله أعلم بحقيقتها - فيحسنون الظن بها فينسبونها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمتتبع أيضا لأحوال رواتهم ومروياتهم يرى العدب من توثيقات أئمتهم من أهل الجرح والتعديل لمن أكثر منهم من رواية فضائل الثلاثة وغيرهم، لأنّ فيها تقوية لمذهبهم وإن كان ذلك الراوي معروفاً عندهم بالكذب والوضع كنعيم بن حماد أحد كبار أنمتهم وهو صاحب أحمد بن حنبل وله كتاب «الفتن»، فلا خلاف أنه كان يضع الأحاديث تقوية للسنة باعترافه، ومع ذلك يوثقونه ويعتذرون له!! وقد حققنا ذلك في إحدى كتبنا تحقيقاً مفصلاً بأدلة وبراهين ساطعة وليس هوا دعاء وحسب. وقد ابتليت هذه الأمة بجهال يفترون على الله ورسوله بمزاعم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، كالزهاد الذين كانوا يضعون على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحاديثا في فضائل الأعمال أو للترهيب في النار أو الترغيب في الجنة كما هو معروف لدى المشتغلين بهذا العلم، ومن ذلك ما نسبوه من الأحاديث إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في فضل أئمة الفقه عندهم كأبي حنيفة والشافعي بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بشرّ بهما وأمر باتباعهما كما هو معروف، وقد ناقشها الكثير من علماء أهل السنة وأحسنوا في بيان حقيقتها، بل وجدت أنه بعضهم جعل هذا الحديث الذي نحن بصدده في فضل أحمد بن حنبل! فقد روى أبو نعيم في «حلية الأولياء» 185/9 عن أحمد بن محمد بن عمر قال: أملى عليّ أبو العباس محدثا قال: سمعت أباداود يقول: «رايت في المنام كأن رجلا خرج من المقصورة يعني مسجد طرسوس فقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اقتدوا باللذين من بعدي: أحمد بن حنبل، ورجل آخر نسيته»! وادعي الذهبي في «سير الأعلام» 346/11 بأنه أحمد بن نصر الذي قتل في قضية خلق القرآن، ونحن وجلون أن يطبع اليوم كتاب ويرد فيه أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسلم قال: «اقتدوا باللذين من بعدي:... و....» أكمل الفراغ من علماء هذا العصر!!
|
||