|
|
|
|
| إلفاتات استنتاجية حول ما بعد هبوط آدم (عليه السلام) |
فلسفة الديمقراطية الراهنة تبعث على جدلية دستورية |
|
المجتمع البحريني بين خياري الاستفتاء والمقاطعة فلسفة الديمقراطية الراهنة تبعث على جدلية دستورية |
||
|
أشاع الميثاق الوطني البحريني المزمع إجراء استفتاء شعبي مباشر عليه في الرابع عشر من فبراير، نقداً من قبل كثير من نخب المجتمع البحريني المهتمة. وعقدت في ذلك ندوات وحوارات في محافل مناطق مختلفة من البلاد. ومدت الحكومة وبعض امتدادات المعارضة، تلك الندوات والحوارات، بما تمتلكان من تصورات وتحليلات ومقاصد متضاربة إلى حد ما، أخذ بعضها هيئة المطالب والشروط، هذا من جانب المعارضة. بينما البعض الآخر أخذ هيئة الوعود ودعوة إلى التفاؤل وإعادة الثقة بين جميع الأطراف، حيث مثل هذا الجانب الأمير الشيخ حمد آل خليفة وحكومته. بينما غاصت نخب المثقفين والمعارضين القدامى في بحر نقد غير محدود لنصوص الميثاق وعلاقته بالدستور، لتستخرج من نصوص الميثاق ما يؤكد خطورته على المستقبل السياسي والدستوري للبلاد. وفي المحافل الشعبية أثيرات أمور غير صحية ضمتها نصوص الميثاق، كان من أخطرها: اعتماد مواد مخالفة بشكل صريح لنصوص الدستور، على عكس مواد أخرى اعتبرت تعديلاً لنصوص دستورية أخرى، وهو أمر سيتطلب في نهاية المطاف إقامة تعديل دستوري قسري، مستند إلى النتيجة التي سيخلص إليها الاستفتاء الشعبي. ذلك أن المجلس التشريعي القادم إن قيض له القيام من كبوته التي دامت 25 عاماً، سيكتشف خلال دورته الأولى أن كيانه قد أسس على غير هدى. ووفق نصوص ميثاقية ودستورية ليست على انسجام. يضاف إلى ذلك أن النتيجة الإستفتائية إذا ما قيض لها النجاح بنزاهة كاملة، وكان مفادها رفض مطلق للميثاق، فذلك الرفض ستعتبره الحكومة رفضاً للتحول القادم نحو تفعيل الدستور وإقامة المجلس الوطني المنتخب. وهذه جدلية سياسية خطيرة لا سابقة لها في تاريخ البحرين. وإذا كانت النتيجة هي لصالح مبدأ القبول بالميثاق، هنا يجدر التساؤل: من أين سيستمد المجلس التشريعي القادم شرعيته، من الميثاق أم من الدستور؟ وإذا قبلنا جدلاً أن الدستور هو المشرع لقيام المجلس التشريعي. فكيف يستفتى الشعب قبيل قيام المجلس التشريعي، في نصوص أخرى لا تستقر على حال أمام الدستور، لكنها ترجع في أحيان كثيرة إلى ما تضمنه الدستور من مواد لا ترقى في مكانتها وقوتها إلى مكانة وقوة نصوص الميثاق؟ إن في ذلك عودة صريحة في الأذهان إلى مثل الوجود الفلسفي الأول للبيضة والدجاجة، لأن المجلس التشريعي سيضطر عقب انتخابه، إلى إجراء تعديل دستوري بما ينسجم ونصوص الميثاق. ذلك أن الاستفتاء على الميثاق هو تعديل صريح وقسري للدستور، وعليه لا يمتلك الدستور بعد الاستفتاء آية قوة رسمية أمام الميثاق. بمعنى أن الدستور سيعدل آلياً بالتصويت الإيجابي على الميثاق. وعندها سيفضي الأمر إلى عدم أحقية المجلس التشريعي في النشوء وفق دستور معدل في إطار خارج إطار السلطة التشريعية. ولن يمتلك القوة الدستورية الصحيحة التي تحظى بها الدساتير من إرادة جمعية شعبية. بل سيبقى ضعيفاً خاوياً، فاقداً لقوته المعنوية وقدسيته في إطار الدولة، ومحاصراً بين نصوص الميثاق ونصوص القانون التي ستصدر وفق مراسيم ملكية مصدرها رأس كل السلطات، التشريعية والتنفيذية والقضائية. وهذه نتيجة خطيرة، مفادها خسارة حقيقية وضياع لكل جهود سنوات النضال والكفاح التي خاضها المجتمع البحريني خلال أكثر من مئة عام مضت. وستزيد هذه التحولات الجديدة من سلطة الفرد مطلق الصلاحيات. وستضيف إلى مكانتها مكانة أخرى، تجعل من مجتمع البحرين غير قادر على النيل منها في أي حال من الأحوال، سواء أوفت بالتزاماتها القانونية والدستورية أم لم توف بها. وهنا يجدر القول أن القبول بهذا التحول بالإيجاب، وبهذه السرعة الفائقة، ودون ضمانات تؤكد سلامة الرأي والموقف، هو تحول نحو المجهول، في وقت لا مناص فيه من تقديم السلطات البحرينية كامل تنازلها عن نظامها القديم الذي أصيب بأمراض جعلته يتآكل من الداخل بشكل واضح وجلي. فلو افترضنا جدلاً أن النتيجة الإستفتائية أكدت مقاطعة شعبية كاملة للاستفتاء. فهل سيتراجع النظام السياسي البحريني عن خطواته المستجدة؟ وهنا سيكون الجواب بالنفي قطعاً. إذن لا معنى لأن يتراجع المجتمع البحريني عن كل طموحه في الحياة الكريمة، وعن كل تضحياته خلال العقود الماضية، في مقابل ما هو واقع لا محالة. وفي الحالات جميعها يعد المسار السياسي الحالي غير شرعي. فعلى سبيل المثال: نص الميثاق على أن دين الدولة الإسلام، وهو مصدر أساسي من مصادر التشريع، عوضاً عن النص الدستوري الذي يقول دين الدولة الإسلام، وهو المصدر الأساسي للتشريع. فما الذي سيتقدم بين هذين النصين، الميثاقي أم الدستوري؟. فإن قدم الميثاقي على الدستوري، فهو تعديل دستوري قسري خارج إطار المجلس التشريعي. فتلك معادلة رجحت المعارضة وقوعها بعدما أعلنت الحكومة عن تعديل في أعضاء مجلس الشورى، بحيث يضاف إلى قائمة أعضائه من يمثل الجاليات المسيحية واليهودية. يضاف إلى ذلك أن هناك نية حكومية مبيتة للثأر من نتيجة الجدل الكبير الذي نشأ في المجلس التأسيسي عام 1971م حول هذا النص الدستوري الذي انتهى بغلبة المصدرية التشريعية الأساسية للإسلام دون غيره. يضاف إلى هذا المثال، أن اعتماد مجلسين في السلطة التشريعية، هما مجلس الشورى المعين، المؤلف من (المختصين ذوي الخبرة)، والمجلس المنتخب، المؤلف ممن (يمثل الاتجاهات والأفكار المتنوعة ووجهات النظر المختلفة بين أفراد الشعب في القضايا المعاصرة)، ضمن نصوص الميثاق، يؤكد أيضاً على أن تعديلاً دستورياً حتمي القيام بشكل آلي، وبما يفقد المجلس التشريعي والدستور معا قوتهما من حيث تصديهما للواقع السياسي، فضلاً عن الأمني والاجتماعي والاقتصادي. فحتمية التعديل الدستوري أصبحت مع الإعلان عن إجراء استفتاء شعبي على الميثاق، تحصيلاً حاصلاً. وهو ما يؤكد بقيام الجدلية الفلسفية بين البيضة والدجاجة في الحقيقة الدستورية والتشريعية. فلا شرعية لقيام مجلس تشريعي إلا بتعديل دستوري وفق الميثاق، ولا تعديل دستوري إلا بقيام مجلس تشريعي وفق نصوص الدستور: ويبقى الميثاق الوطني الطامة الكبرى هو صاحب الخلق الجديد لهذه الجدلية، والرأس المدبر للفوضى الدستورية. الأمر الذي سيستدعي بطبيعة الحال وجود إرادة سامية منفردة تحسم الأمور، لن تتمثل وفق نصوص الميثاق، إلا في الملك (رأس الدولة) و(الذات المصونة) و(رأس السلطات الملكية الثلاث) و(الركيزة الأساسية لنظام الحكم) و(مصدر المراسيم بالقوانين)! ويضاف إلى مثال جدلية التعديل المغاير لنصوص الدستور، تشكيل (جهة قضائية تختص بالمنازعات المتعلقة بدستورية القوانين واللوائح والنيابة العامة)، إلى جانب تعديل ثالث مضافاً إلى نصوص مواد، مصدر التشريع، وقيام المجلسين التشريعي والشورى في إطار السلطة التشريعية، والملكية الدستورية للدولة، وحرية المرأة. حتى اللحظة الراهنة لم يعلن عن مسمى لجهة الرقابة الدستورية، في كونها محكمة أم لجنة قضائية. ولكن حسم أمر النيابة العامة، حيث ستكون الجهة التي تستقطب شكاوى وتظلمات المواطنين أمام الحكومة، وترفعها إلى المحاكم الصغرى والكبرى والاستئناف والتمييز. وفي الحقيقة إن ذلك الأمر يتطلب سعياً تقوم به السلطة التشريعية لاعتماد تعديل دستوري يؤكد على استقلالية القضاء من جهة، لكنها من جهة أخرى ستجد نفسها أمام قبول حتمي وقسري بوجود النيابة العامة التي أقرها الميثاق. بينما لن تكون لها صلاحية التدخل أو الاعتراض على التكوين الوظيفي للنيابة العامة. التكوين الوظيفي الذي ستقوم عليه السلطات الثلاث، هو من أخطر التحولات السياسية التي رافقت إعداد نصوص الميثاق. فالأمير لم يراع التدرج في عملية التغيير، بل إن كلاًّ من الميثاق ومؤسسات السلطان الثلاث وحتى الكثير من القوانين قد أعدت سلفاً، وبني كيانها قبل الإعلان عن التحول السياسي الجديد في البلاد، عدا النصف الآخر من السلطة التشريعية، ألا وهو المجلس التشريعي المنتخب الذي سيعصف به عاملان سيفقدانه أثره الدستوري، هما مجلس الشورى، الذي يستمد قوته من الميثاق، ويعلو على المجلس التشريعي بما يمتلك من (اختصاص وخبرة) وتخويل ملكي بأداء الدعم للحكومة. بينما العامل الآخر هو تكوينه الذي سيتألف بشكل طبيعي من كتل ثلاث، تصب واحدة منهم مصالحها في بحر مجلس الشورى والحكومة. ويضاف إلى هذين العاملين، أثر العضوية الكاملة لأعضاء الحكومة، وعددهم 14 وزيراً، يشكلون نسبة 25% من أعضاء المجلس التشريعي المكون من 54 عضواً منتخباً. إن الأمر المستهجن الآخر في التكوين الوظيفي الذي أعد سلفاً من قبل الأمير وحكومته، هو عدم إجراء تحول حقيقي وجاد يجاري خطوات الإعلان عن الميثاق والاستفتاء عليه. فمصداقية التحول الحقيقي إذا ما عززت، فإنها تتطلب تدرجاً لاحقاً. بمعنى أن التحول الوظيفي يجب أن يلحق نتائج الاستفتاء على الميثاق والإعلان عن تفعيل الدستور وقيام المجلس المنتخب، لا أن يأتي قبله كما هو واقع الحال. فعلى سبيل المثال، شكل الأمير وحكومته الحالية - التي يفترض إعلان استقالتها بمجرد الإعلان على نتائج الاستفتاء - المجلس الأعلى للقضاء والنيابة العامة، وسمي أعضاء هذا المجلس المكون من قضاة، يشكل البحرينيون بينهم نسبة 10% فقط، بينما يشكل المصريون والأردنيون والسودانيون نسبة 90% ولم يدخل ضمن دائرة المجلس الأعلى أي قاض جديد سواء من البحرينيين أو غيرهم. فلا تغيير في أعضاء السلطة القضائية، بل تحول في التكوين الوظيفي من حيث الإداري ومراتبه. وتفتقد هذه السلطة مشروعيتها في جهتين، الأولى، أنه لا يحق للأمير (الملك) أن يعين التركيب والتسلسل الوظيفي لهذه السلطة قبل الإعلان عن نتائج الاستفتاء على الميثاق. فالميثاق لم يخرج عن كونه نصاً، إلى الواقع في كونه عهداً ملزماً حتى اللحظة الراهنة، فكيف تقام السلطة القضائية وتشكل دون قوة دستورية أو (ميثاقية) عهدية مقرة شعبياً؟ وفي الجهة الأخرى إن عهد ما قبل الميثاق فيه استحقاقات يتوجب الإيفاء بها. فلم يمارس القضاء نزاهة تذكر إلا في جرائم الحق العام، بينما كان القضاء منحازاً إلى جانب الحكومة في القضايا السياسية. بل إنك تجد من المواطنين من حكم بالمؤيد في قضية سياسية، ثم بعد سنة ثبت حكماً آخر بحق آخرين بالمؤيد في القضية نفسها، دون تبرئة صاحب الحكم الأول الجائر الذي ثبت قانونياً عدم ضلوعه في جرم يدان به. لم يمارس القضاء دوراً عادلاً في قضايا القتل العمد تحت التعذيب في السجون وبالرصاص في شوارع البلاد وأزقتها. كل ذلك تحت ذريعة عدم قدرة المتظلمين المواطنين من إثبات حقهم بالوثائق الدامغة. ذلك يؤكد أن مقتل مواطن تحت التعذيب لا يعد وثيقة دامغة حينها؟ ومع كل النقد الصريح من قبل المنظمات الدولية والمحلية للقضاء البحريني، لم يستطع القضاء إصدار ولو حكم واحد في القضايا السياسية في صالح مواطن واحد منذ أكثر من خمسة عقود. حتى أنك تجد بعض القضاة الذي ساهموا بشكل فاعل في دعم مؤسسات قانون الدولة السيئ الصيت خلال مراحل مضت، هم اليوم أول من أبدى عدم التفاؤل بالتحول السياسي الجديد وما طرأ على القضاء من مستجد، مع نفي صريح لنقد ومحاكمة ماضي القضاء وأحكامه. وهنا يثور تساؤل حول إمكانية سعي المواطنين المتظلمين خلال الأحداث الماضية، لرفع قضاياهم إلى النيابة العامة. فهل سيؤخذ بعين الاعتبار حقهم في استرداد ما فقدوا من حق خلال ما مضى من عقود، أم أن الماضي سيجب بصدور الميثاق؟. فإذا سقط حق المواطن وفق التحول الجديد، فمن الطبيعي أن تسقط كل المبررات الحكومية في التغاضي عن كل نتائج تلك الأحداث الماضية وما نجم عنها من إجراءات حكومية على صعيد التعزيز الأمني لوزارة الداخلية، عبر إنشاء قوات ردع أمني قوامها الألوف من غير البحرينيين الوافدين من الكويت والأردن وسوريا، والذين جندوا ضمن قوات الشعب، في مقابل حصولهم على جنسية بحرينية تخولهم بالمشاركة في كافة الفعاليات الوطنية التي يأتي في ضمنها الانتخاب والترشيح. وهو الأمر الذي ترفضه الحكومة بقوة، ذلك أن مصير النظام السياسي القائم مرهون بالأعداد الهائلة من هذه القوات التي أريد بها إعادة صياغة البنية المجتمعية والديمغرافية للبلاد، بما يرجح صوت السلطات على صوت المواطن الذي كافح لعقود من الزمن لنيل حريته وكرامته وعزته. وأما بالنسبة للسلطة التنفيذية فالواجب عليها إعلان الاستقالة بمجرد الإعلان عن نتيجة الاستفتاء، إن تأكد صدق هذه النتيجة بالإيجاب لصالح الميثاق. ويبدو أن الأمير لم يستطع أن يتقدم بأي تحول في شأن هذه السلطة التي يرأسها عمه الشيخ خليفة آل خليفة. فالدائرة التي يواصل الأمير إكمالها بشكل متسارع في مقابل الإرادة الشعبية والمعارضة بالتغيير، لم تكتمل الأحكام على أعضاء الحكومة ورئيس الوزراء ونفوذه. فهذه السلطة ستدوم على حالها دونما تغيير، سوى ما علم من تحول في الوظائف من الدرجة الثالثة، كما هو الحال بالنسبة للمؤسسات الإعلامية، حيث جرى تغيير وظيفي في بعض الصحف المحلية. ولكن الواقع يشير أيضاً إلى أن الأمير استطاع أن يقيم تعديلاً طفيفاً في وزارة الداخلية التي بقيت لسنوات على خلاف مع قوى الأمن العسكري. لذلك كانت وزارة الداخلية هدفا يسعى الأمير إلى الهيمنة عليه، وتهميش بعض أدواره التي ستناط في نهاية المطاف إلى الأمن العسكري. من هنا لم يجر أي تعديل كبير في وزارة الداخلية، ولم يمس جهاز المخابرات والأمن السياسي أي تغيير، وظل يمارس دوره في القمع والاعتقال التعسفي والتعذيب بشكل اعتيادي تحت إمرة الحكومة الحالية، كما هو الحال في اعتقالات كرباباد وبني جمرة ومناطق أخرى مختلفة، والتي جرت بسبب إبداء المواطنين اعتراضهم على الميثاق، ودعوتهم الصريحة بمقاطعة الاستفتاء. إذن، الأمر كله أعد ودبر بليل، سواء بالنسبة للميثاق، أو الاستفتاء عليه، أو للتكوين الوظيفي للسلطات الثلاث وتشكيلها قبل إعلان نتائج الاستفتاء، حيث ستظل تحت عون عدد هائل من (الأمراء) الذين توزعوا في مؤسسات الدولة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، يرأسونها ويوجهونها دون منازع. فإذا ما سمح الميثاق أو الدستور أو القانون بمساحة للحرية بمختلف صورها نصاً، فإن نفوذ هذا العدد الهائل من (الأمراء) سيقلص تلك المساحة عملاً، بل ربما يعدمها. فهذا النفوذ قد رسم ونفذ منذ ما قبل إجراء التعديل والإصلاح في نظام الدولة، ولا يشذ عن تركيبه أبداً. وسيلعب دوراً أساسياً في تحديد هوية المتغير الجديد. إذن، لا تفاؤل بتحول حقيقي وجاد. وستظل (المملكة) محكومة بسلطات عليا غير تلك السلطات الثلاث الواهنة من حيث التمثيل الشعبي وفاعليته. وستتمثل هذه السلطات في حق (الملك) المشرع من قبل الميثاق، والذي تستقل السلطات الثلاث عن بعضها أمامه لا عنه. وفي حق (الأمراء) الذي يمتلكون سمواً على كل حركة نمو سياسي اجتماعي أو اقتصادي أو ثقافي. وفي حق (العنصر الوظيفي) الذي ظل متنفذاً طوال الثلاثة عقود الماضية، متصدياً وقامعاً لأية نهضة شعبية يقصد من ورائها إطلاق الحريات وتشريع القوانين في دولة للقانون. وعلى أساس من كل ذلك، نأتي لنستطلع الموقف الشعبي والمعارض. فنشير إلى أن من بعد عقود من القمع والإرهاب، جاء الانفتاح الجزئي مفاجئاً. مما تسبب بشكل طبيعي في حالة من الإرباك الشعبي، بين مصدق ومكذب، بين ثقة معدومة ومانح لفرصة أخرى للامتحان ولتقدير الأمور، بين يأس وقنوط وعدم مبالاة وثقة مبتورة، بين تردد وعزم. ولكن الغالب في كل ذلك موقفان: واحد يرى السلامة في المقاطعة الكاملة ودون أي تعاطي إيجابي مع أية خطوة حكومية إيجابية. والحكم في ذلك ليس لما تمليه نصوص الميثاق وظروف نشأته وصياغته والقائمين عليه، بل إن هنالك الكثير من الملفات العالقة يجب دراستها ورفعها في تسوية حقيقية وجادة تزيد في الثقة الشعبية في مجريات الوضع الراهن. وعلى الدولة أن تخطو خطوتها الأولى بحل كافة مؤسسات القمع والإرهاب وقوانينها بشكل جدي، على أن يتم إعطاء كل ذي حق حقه (فلكم رؤوس أموالكم) و(لا تظلمون ولا تظلمون). فليس الأمر ملقى على عواهنه. فهناك شهداء ودماء ومتضررون وسجناء ومبعدون، وهناك جرائم ومجرمون، ومؤسسات إجرام أمني قائمة بذاتها، لها كامل الصلاحية في القتل المتعمد، والسجن بأحكام قضائية بدون حدود ولا ضوابط. وهناك وضع معنوي خطير في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، يصعب تجاوزه باستفتاء على ميثاق أو تفعيل لدستور أو إقامة مجلس تشريعي منتخب. لأن الأمر في حقيقته قد مس القيمة الشخصية والمعنوية للمواطن، والاعتراف به كصاحب حق أعلى، يسمو حتى على سمو (الملك). فكونه مصدر السلطات جميعاً، لا يعني بحال من الأحوال أنه يأتي في الدرجة الثانية بعد الأمير أو (الملك). ولو افترضنا جدلاً ذلك، فإن جميع السلطات التي يرأسها الأمير تعد أكثر سمواً من المواطن. فهنا إذن لا معنى لكون المواطن أو الشعب مصدر السلطات جميعاً. فالمواطن هو (الذات التي يجب أن لا تمس)، وهو مصدر السلطات جميعاً بحق، بما فيها سلطة الأمير (الملك) والشيوخ (الأمراء). وهنا أيضاً من الجدير ذكره أن جهة التنازل والتراجع السياسي والعفو عما سلف، تشير إليها مئة عام من الزمن، ولا تخرج عن كون الضحية فيها المواطن دائماً لا السلطات. ففي الأحداث التي تشهد مواجهات بين الحكومة والمواطن بسبب زيادة كيل القمع والإرهاب الأمني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، يدفع ثمنها المواطن دائماً في واقع الحال. ثم في حالات الانفراج أيضاً، والتي تتبع عادت موت أمير وقيام آخر على السلطة، يبقى المواطن هو المدان، الأمر الذي يدعو السلطات توخي الحذر دائماً. فيدعى المواطن إلى التراجع عن مقاصده والتنازل عن حقه في التظلم، في إطار مخططات تزيد في شد عضد السلطات، بينما تسعى السلطات في الجهة الأخرى إلى صياغة لون من النظام لا يشد عن سابقة إلا في الشكل والمسمى، مع دعم لضمانات مؤسسية تكفل للحكومة النجاح الدائم في الهيمنة. إن كل ذلك ليس مدعاة للثقة في دعوى المشاركة في الاستفتاء. ويمثل هذا الموقف غالبية المواطنين فكرياً ومعنوياً، وقد برز هذا الموقف بداية مع إطلاق شعارات غطت بعض مناطق البلاد، تدعو إلى المقاطعة الشاملة للاستفتاء، حتى وإن لم تدعو المعارضة إلى ذلك. لكن الرغبة العارمة في الاستقرار ولو للحظة، عقب الحدث الكبير (الانتفاضة)، والحالة العاطفية الجياشة تجاه مستوى الضرر الذي يعانيه المعتقلون والمبعدون، كل ذلك تسبب في غلبة تردد لدى البعض المتمادي في دفع ثمن سياسي باهظ مقابل بضاعة أمن خاسرة، مع معرفة مسبقة أنها ستسترد دون ثمنها إلى السلطات القائمة. أما الموقف الآخر فلا يجد في الثقة في النظام أساساً، ويرى أن ما تحقق من تحول في النظام يجب أن يثنى عليه ويشجع، رغبة في عطاء أكبر، وإن تطلبت هذه الرغبة مجاوزة لكل الملفات العالقة. ذلك أن مرمى هذا الموقف لا يتعدى تفعيلاً لنصوص الدستور فحسب. ويعد الإعلان عن الميثاق بما يضمه من مساوئ وخلاف مع نصوص الدستور، خطوة إيجابية تستدعي ترك المواطنين دون توجيه، للمشاركة في الاستفتاء على الميثاق، فكل يرى ما يرى، على أن لا يكون الميثاق في نهاية المطاف بديلاً عن الدستور. وهو كون لا يمتلك هذا الاتجاه الشعبي أو ذاك خلقه أو صنعه أو حتى توجيهه. وفي اعتقادنا أن هذا اللون من الموقف يضم إلى قائمة البعض ممن تجره العاطفة الجياشة وتعب سنين الكفاح والنضال، ويؤلمه الواقع إلى حد جمود في الفكر، وتجره القوى الخفية لكبوات التجربة السياسية، إلى حيث نظريات الخطوة خطوة غير المجدية، والقليل أحسن من العدم، ويضم إلى هذا الموقف أيضاً موقف باحث في أصل الأمر عن موطئ قدم لنفوذ اجتماعي ربما يكون باعثاً على كرة نضال أخرى تأخذ في الحسبان كبوات الحاضر، وتستمد من الانفتاح الجزئي القادم وفق نصوص الميثاق مكانة جديدة في الوسط الحكومي والمجتمعي كانت فقدتها خلال العقد الماضي نتيجة الأحداث غير المتوقعة. وهذا الموقف يجر وراءه نخبة من الشخصيات التي لا تجد صراعها الحقيقي مع السلطات الحالية وما تبيته من خطط، بمقدار ما كانت تجد أن الصراع الحقيقي هو المحافظة على تسلسل هرمي عرفي مورث منذ أمد. يعطي لعدد من المراتب المجتمعية مكانة لا تشترط التأهيل والكفاءة. ومهما يكن من أمر، فالاستفتاء على الميثاق هو استفتاء على تاريخ البلاد وحاضرها ومستقبلها. والمستفتون مسئولون عن أصالتهم، ومسئولون عن واقعهم بما يضمره من مخاطر سياسية وأمنية، ومسئولون عن مستقبلهم الذي سيبنى خيراً أو شراً وحسب ما تضمره السلطات من مقصد وراء كل هذه الإجراءات الراهنة. ولا أجد من بد من القول أن تلك المسؤولية تشد إلى رقابنا دماءً وآلاماً ومعاناة تستوجب الحفظ والصون. وأن المجريات السياسية الحالية لم تصنعها أيدينا وإرادتنا، حتى تكون محل ثقة مطلقة منا، بل هي منحة استوجبت منا مقابلاً، هو تناسي الماضي ورميه وراء ظهورنا. ولا ندري إن كانت تلك المنحة دائمة أم أنها محكومة بالظروف السياسية والأمنية الداخلية والخارجية. ولو تداركنا الموقف بموضوعية أكثر، فإن عدم مشاركة المواطنين في الاستفتاء ومقاطعتهم له وفقاً لما تمليه الضمائر، هو أفضل ما يجب اتخاذه في اللحظة الراهنة. ذلك أن النظام السياسي الجديد لا يمتلك إلا أن يقيم انفراجاً وانفتاحاً في جميع الظروف والأحوال، سواء قاطع المواطنون الخطوات الجديدة، أم ساندوها وشاركوها مقاصدها. وإن المشاركة في الاستفتاء برفض القبول بالميثاق وما ورد فيه، لن يزيد في الأمر من شيء، ذلك أن 250 ألف مواطن مشارك ومتردد وممتنع ومعارض ومؤيد في الاستفتاء لن يغير في المعادلة السياسية شيئاً، ذلك أن هذا الرقم يشكل في الموفدين التابعين لوزارة الداخلية والدفاع نسبة 30% مضمونة الصوت بـ(نعم) للميثاق. وليست السلطات بحاجة إلا إلى 20% أو أكثر من ذلك بقليل. فلا عقبة إذن أمام نجاح الميثاق وسيادته. بينما مقاطعة الاستفتاء تشكل واقعاً شعبياً جديداً قادراً على التأثير في مصير الدستور والمجلس التشريعي القادم. والمقاطعة هي لون من الممارسة الديمقراطية التي يجب على النظام السياسي القائم قبولها كأحد الخيارات الشعبية. والقبول بهذه المقاطعة دون التصدي لها بالعنف والإرهاب، ومن ثم القبول بالنتائج الحقيقية للاستفتاء، سيكون خير دليل على جدية التحول الجديد.
|
||
|
ينتاب كثيراً منا تساؤل: ماذا حدث بعد أبينا آدم ما إن توفي؟ وكيف عاش أبناؤه من بعده؟ فإننا نقول بعد أن هبط أبونا آدم وأمنا حواء من الجنة إلى الأرض كان أبونا آدم نبياً لأبنائه، فإن الإنسان منذ بداية الخلق يعيش حضارة وتقدماً، فكيف وصل أبونا آدم (الإنسان الأول) إلى حضارته وتقدمه؟ إن أبوينا كانا في الجنة يعيشان التقدم والتحضر، فإن الجنة قمة الحضارة والتقدم فكل ما يريد المرء يجده فيها. فلما هبطا من الجنة ألهم الله سبحانه وتعالى عبده آدم كيف يربط بين عوامل بيئته الطبيعية وبيئته الاجتماعية وما هي احتياجاته وكيف يربط بينهما. فقد حباهما الله سبحانه وتعالى برؤية نافذة وذكاء فأنزل الله لهما الملبس والمسكن والمشرب والعلم وكيف يربط بين هذه العوامل بعضها مع بعض. فاستخدم النار للتدفئة والطهي والإنارة، وأنزل عليهم الملبس حتى يواري عورته، واستخدم الجبال والكهوف لمسكنه وعلمه صناعة السفن والزراعة ورعي الغنم، فكل ذلك حتى يعيش على هذه الأرض بسعادة وراحة. فلماذا إذن أصبح الإنسان شريراً وآخر طيباً ومؤمناً؟ لماذا سلك هذا المسلك الحقير؟ من السبب في الانحراف هل هو الإنسان نفسه أم أن هناك عوامل ساعدت على أن يصبح شريراً أو كافراً أو فاسقاً أو معانداً؟! لماذا كفر الإنسان بأنعم الله عليه؟ وهل هناك من توبة؟ أم انتهى الأمر فالمؤمن والكافر كافر في الآخرة؟ فمنذ البداية وجد الإنسان المؤمن المصلح والإنسان الفاسق المخرب.. لماذا وجد هذين النوعين من البشر؟ هل هو بمحض إرادة من الله سبحانه وتعالى واختبار لأبونا آدم حيث عصى ربه وتاب وأناب تدبير الله سبحانه وتعالى أن يظهر لأبونا آدم قدرته عليه ولو شاء الله لما تاب عليه وغفر له ذنبه. فإن الله سبحانه وتعالى لا يظلم عبداً من عباده فقد كتب على نفسه الرحمة. هل هناك قوتان متضادتان تعملان ضد بعضهما البعض أم ماذا؟ فإن كان ذلك فإنه يجب أن نقول أن القوة الإلهية هي الأقوى وهي الأعم والأدوم. فإن كبر الشيطان كان ضعيفاً. فقد ابتلى الله سبحانه وتعالى بعض عباده بعبادة الشيطان. فلنبحث لماذا أجاب الشيطان دون أن يلبي دعوة الله سبحانه وتعالى وهي الأقوى؟ فإن الإنسان بعد فوات الأوان وقيام الساعة والتوجه إلى المصير الحتمي إما جنة أو نار يقول: يا رب غلبتني شقوتي، فإذن هي سوء الطالع والشقوة. ما هي الشقوة وكيف تغلبت على ذلك الإنسان الشرير؟ فإن أبونا آدم (عليه السلام) لما أكل من الشجرة لم يعمل ذلك بسبب شقوته ولكن لجهله بعاقبة الأمور. استجاب للشيطان بعد أن أقسم لهما بأنه يريد إخلادهما في الجنة وبقاءهما الدائم في الجنة. إن الإنسان فطر على الإيمان وحب التقوى والإيمان إذن لماذا عصى ربه؟ لماذا انحرف؟ وأي الكفتين أقوى في نفسه أكانت التقوى أم الشقوة. وهل جبل على المعصية والتوبة؟ أم ماذا؟ فإن التوبة هي الباب المفتوح أمام المذنب فكيف يتوب؟ وهل يتلقى كلمات من ربه لما حدث لأبويه حين تلقى كلمات قوية أدخلته في رضا الله والتوبة. أم أنه يطرق جميع الأبواب حتى يصل إلى باب التوبة والرضا. ولماذا لا يتوب الكافر؟ ماذا يفعل الإنسان حين يعصي الله سبحانه وتعالى وتأتي ساعة الندم والحسرة فهل يصل إلى باب التوبة وهو صادق التقية أم أنه يلجأ إلى التوبة بعد أن تصبح ذنوبه كزبد البحر ثم يتوب. هل يطرق باب التوبة من أول معصية أم أنه ينتظر حتى يغرق في ذنوبه؟ إن الله سبحانه وتعالى عندما أنزل آدم وحواء من الجنة على الأرض حذرهما من الحرام وحلل لهما الحلال وفرق بينهما ليس بعمل الحرام ثم يتوب ولكن ليتق الله سبحانه وتعالى ويتورع ويخاف الله في عمل الحرام فإن الحرام فيه هلكة للإنسان فهل نفسه من تآمره بالحرام أم الشيطان؟ هناك إنسان مؤمن ورع تقي نقي طاهر لا يقرب الحرام. وهناك من هو يعبد الله على حرف؟ فإنهما كلاهما يقعان في نفس الظروف النفسية والاجتماعية إلا أن المؤمن يتق ويتورع والآخر يكفر ويعصي. فإن الله سبحانه وتعالى حينما خلق الإنسان علم من هو مؤمن ومن هو كافر إلا أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم عبداً فكلاهما تحت نفس الظروف إلا أنهما يختلفان في العمل. فإذن شقوة الإنسان وعمل الشيطان هما من يضلان الإنسان. فنرى كيف فعل شمر ذي الجوشن (لعائن الله عليه) كيف وجد تحت نفس الظروف التي مر فيها الحسين (عليه السلام) إلا أن الفرق واضح بينهما. فإن شمراً يعلم من هو الحسين إلا أنه تعمد وأصر على قتله. وذلك لأنه شقي في الدنيا كافر في الآخرة. إلا أن الإمام الحسين (عليه السلام) ذلك الإمام الهمام التقي النقي الصابر العالم المؤمن يعلم بأنه مقتول على يد شمر (لعنة الله عليه) إلا أنه لم يتراجع عن هدفه وإيمانه دفعه إلى القتال في سبيل الله سبحانه وتعالى ويكفي أن يقتل الإنسان في سبيل الله فهنيئاً لك يا إمامي المثوبة والجنة.. والخلود.
|
||