الفهرس

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

أفحمهم بحججه فتيقنوا أنه إما (نبي أو وصي نبي)

كيف انتصر الإمام الرضا (عليه السلام) في مناظراته مع علماء المذاهب والأديان؟

 


كتب: ناصر عبد الأمير الطاهر

يمتاز المذهب الإمامي بقدرة فائقة على التناظر والتباحث في العقيدة والملة، وكانت هذه الميزة إحدى الأسباب الرئيسية التي أدت إلى انتشاره وشيوعه بعدما رأى الناس من أهله تفوقاً على غيرهم في المناظرات والمطارحات التي تنتهي انتصارهم حجةً وبرهاناً واستدلالاً.

وتنبع ميزة التناظر هذه من تربية الأئمة (صلوات الله عليهم) لشيعتهم وحثهم إياهم على التفقه في الدين، حتى أن صادق الآل (عليه السلام) كان يقول ما معناه: (ليت السياط على رؤوس أصحابي حتى يتفقهوا في الدين). وقد استفاد الشيعة كثيراً من مناظرات الأئمة (عليهم السلام) مع غيرهم، تلك المناظرات التي أضافت رصيداً ضخماً لعقيدة الشيعة، وعلّمتهم أسس الاستدلال والمنطق والحجية.

وكم هي مثيرة تلك المناظرات التي خاضها المعصومون (عليهم الصلاة والسلام)، ولعل من أبرزها مناظرات الإمام على بن موسى الرضا (عليهما الصلاة والسلام)، الذي نعيش هذه الأيام ذكرياته الشريفة. وها هنا ننقل مناظرتين له سلام الله عليه مع أرباب الفرق وأصحاب المقالات. وقد جرت المناظرتان في مجلس الخليفة المأمون العباسي، الذي كان قد نصب الإمام صلوات الله عليه ولياً للعهد لغاية في نفسه تتمثل بإطفاء لهيب الثورات العلوية ومراقبة الإمام، إلا أنه سلام الله عليه لم يشترك في أمر من أمور الدولة بعد إذ قبل بهذا المنصب مكرهاً حفظاً للدين من الزوال.

والمناظرة الأولى كانت بينه (عليه السلام) وبين علماء المذاهب الأخرى، حول أحقية إمامة أهل البيت (عليهم السلام) أما الثانية فهي أوسع وأشمل إذ جرت بينه (عليه السلام) وبين أرباب مختلف الفرق الأخرى، حتى غير الإسلامية منها، مثل اليهود والنصارى والصابئة. وقد انتصر فيها الإمام (صلوات الله عليه) بكل براعة أركعت كل من كان يتناظر وإياه لبيان حقه.

(المناظرة الأولى)

عن أمالي الشيخ الصدوق (قدس سره)، عن عبد العزيز بن مسلم قال: كنا في أيام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بمرو، فاجتمعنا في مسجد جامعها في يوم جمعة في بدء مقدمنا فأدار الناس أمر الإمامة وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها، فدخلت على سيدي ومولاي الرضا (عليه السلام) فأعلمته ما خاض الناس فيه، فتبسم ثم قال:

يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن أديانهم، إن الله تبارك وتعالى لم يقبض نبيه (صلى الله عليه وآله) حتى أكمل له الدين وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كل شيء بين فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج الناس إليه كملاً فقال عز وجل: (ما فرّطنا في الكتاب من شيء) وأنزل في حجة الوداع وهي آخر عمره (صلى الله عليه وآله): (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) فأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمض (صلى الله عليه وآله) حتى بيّن لأمته معالم دينهم وأوضح لهم سبله وتركهم على قصد الحق وأقام لهم علياً (عليه السلام) علماً وإماماً وما ترك شيئاً تحتاج إليه الأمة إلا بيّنة.

فمن زعم أن الله عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله عز وجل، ومن رد كتاب الله عز وجل فهو كافر.

فهل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة فيجوز فيها اختيارهم، إن الإمامة أجل قدراً وأعظم شأناً وأعلى مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم.

إن الإمامة خص الله عزل وجل بها إبراهيم الخليل (عليه السلام) بعد النبوة والخلة مرتبة ثالثة وفضيلة شرّفه الله بها فأشاد بها ذكره فقال عز وجل: (إني جاعلك للناس إماماً) فقال الخليل (عليه السلام) سروراً بها: (ومن ذريتي) قال الله عز وجل: (لا ينال عهدي الظالمين) فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصفوة.

ثم أكرمه الله بأن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة فقال عز وجل: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلاًّ جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين).

فلم تزل في ذريته يرثها بعض (عن بعض) قرناً فقرناً حتى ورثها النبي (صلى الله عليه وآله) فقال الله جل جلاله: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) فكانت له خاصة فقلدها النبي (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) بأمر ربه عز وجل على رسم ما فرض الله، فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله عز وجل: (وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لثبتم في كتاب الله إلى يوم البعث) فهي في ولد علي (عليه السلام) خاصة إلى يوم القيامة إذ لا نبي بعد محمد (صلى الله وآله وسلم)، فمن أين يختار هؤلاء الجهال؟

إن الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء، إن الإمامة خلافة الله عز وجل وخلافة الرسول ومقام أمير المؤمنين وميراث الحسن والحسين (عليهما السلام)، إن الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعز المؤمنين، إن الإمامة أس الإسلام النامي، وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف.

الإمام يحلل حلال الله ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة، الإمام كالشمس الطالعة للعالم وهي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار، الإمام البدر المنير والسراج الزاهر والنور الساطع والنجم الهادي في غياهب الدجى والبلد القفار ولجج البحار.

الإمام الماء العذب على الظمأ والدال على الهدى والمنجي من الردى. الإمام النار على اليفاع، الحار لمن اصطلى به، والدليل على المسالك، من فارقه فهالك.

الإمام السحاب الماطر والغيث الهاطل والشمس المضيئة (والسماء الضليلة) والأرض البسيطة والعين الغزيرة والغدير والروضة، الإمام الأمين الرفيق والوالد الرقيق والأخ الشفيق ومفزع العباد في الداهية.

الإمام أمين الله في أرضه وحجته على عباده وخليفته في بلاده والداعي إلى الله والذاب عن حرم الله، الإمام المطهر من الذنوب المبرأ من العيوب مخصوص بالعلم موسوم بالحلم نظام الدين وعز المسلمين وغيظ المنافقين وبوار الكافرين.

الإمام واحد دهره لا يدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد به (منه) بدل ولا له مثل ولا نظير مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب، بل اختص من المفضل الوهاب، فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام أو يمكنه اختياره؟

هيهات هيات ضلت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وحسرت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الألبّاء وكلت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه أو فضيلة من فضائله فأقرت بالعجز والتقصير.

وكيف يوصف أو ينعت بكنهه أو يفهم شيء من أمره أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناءه؟ لا، كيف وأنى وهو بحيث النجم من أيدي المتناولين ووصف الواصفين؟ فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول عن هذا؟ وأين يوجد مثل هذا؟

أظنوا أن ذلك يوجد في غير آل الرسول صلى الله عليهم. كذبتهم والله أنفسهم ومنتهم الأباطيل وارتقوا مرتقاً صعباً دحضاً تزل عنه إلى الحضيض أقدامهم، راموا إقامة الإمام بعقول حائرة باثرة ناقصة وآراء مضلة فلم يزدادوا منه إلا بعداً، قاتلهم الله أنى يؤفكون، لقد راموا صعباً، وقالوا إفكاً وضلوا ضلالاً بعيداً، ووقعوا في الحيرة إذ تركوا الإمام عن بصيرة، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين.

رغبوا عن اختيار الله واختيار رسوله إلى اختيارهم والقرآن يناديهم: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون).

وقال عز وجل: (ما لكم كيف تحكمون أم لكم كتاب فيه تدرسون إن لكم فيه لما تخيرون أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون سلهم أيهم بذلك زعيم أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين).

وقال عز وجل: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) أم طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون، أم قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون) وقالوا سمعنا وعصينا بل هو فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

فكيف لهم باختيار الإمام؟ والإمام عالم لا يجهل، راع لا ينكل، معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعلم والعبادة، مخصوص بدعوة الرسول وهو نسل المطهرة البتول، لا مغمز فيه نسب، ولا يدانيه ذو حسب، في البيت من قريش، والذروة من هاشم، والعترة من آل الرسول، والرضا من الله، شرف الأشراف، والفرع من عبد مناف.

نامي العلم، كامل الحلم، مضطلع بالإمامة، عالم بالسياسة، مفروض الطاعة قائم بأمر الله، ناصح لعباد الله، حافظ لدين الله.

إن الأنبياء والأئمة يوفقهم الله عز وجل ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم فيكون علمهم فوق كل علم أهل زمانهم في قوله تبارك وتعالى: (أمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون).

وقوله عز وجل: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً).

وقوله عز وجل في طالوت: (إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم).

وقال عز وجل لنبيه (صلى الله عليه وآله): (وكان فضل الله عليك عظيماً).

وقال عز وجل في الأئمة من أهل بيته وعترته وذريته صلوات الله عليهم: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيراً).

وإن العبد إذا اختاره الله عز وجل لأمور عباده شرح صدره لذلك، وأودع قلبه ينابيع الحكمة، وألهمه العلم إلهاماً، فلم يعي بعده بجواب، ولا يحير فيه عن الصواب، وهو معصوم مؤيد موفق مسدد قد أمن الخطايا والزلل والعثار، وخصه الله عز وجل بذلك ليكون حجته على عباده وشاهده على خلقه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، فهل يقدرون على مثل هذا فيختاروه؟ أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدموه؟ تعدّوا وبيت الله الحق، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، وفي كتاب الله الهدى والشفاء، فنبذوا واتبعوا أهواءهم فذمهم الله ومقتهم وأتعسهم فقال عز وجل: (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين).

وقال عز وجل: (كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار).

ونقل الحافظ سليمان القندوزي الحنفي (سني المذهب) في كتابه (ينابيع المودة) عن الريان بن الصلت: أن الإمام الرضا (عليه السلام) حضر مجلس المأمون بمدينة، مرو، وقد اجتمع في مجلسه جماعة من علماء أهل العراق وخراسان، فقال المأمون: أخبروني عن معنى هذه الآية: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا)؟

فقال العلماء: أراد الله عز وجل بذلك الأمة كلها!

فقال المأمون: ما تقول يا أبا الحسن؟

فقال الإمام الرضا (عليه السلام): لا أقول كما قالوا،

ولكني أقول: أراد الله عز وجل بذلك العترة الطاهرة.

- وكيف عنى العترة من دون الأمة.

- أنه لو أراد الأمة لكانت أجمعها في الجنة، لقول الله عز وجل: (منهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير) ثم جمعهم كلهم في الجنة فقال عز وجل: (جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب...) فصارت الوراثة للعترة الطاهرة لا لغيرهم.

فقال المأمون: مَن العترة الطاهرة؟

فقال الرضا (عليه السلام): الذين وصفهم الله في كتابه.. فقال عز وجل: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) وهم الذين قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيهم: (إني مخلّف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ألا وإنهما لن يفتقرا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، أيها الناس لا تعلّموهم، فإنهم أعلم منكم) قالت العماء، فهذا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يؤثر عنه أنه قال: (أمتي آلي) وهؤلاء أصحابه يقولون بالخبر المستفاض الذي لا يمكن دفعه: (آل محمد أمته).

فقال الإمام: أخبروني فهل تحرم الصدقة على الآل؟

- نعم.

- فتحرم على الأمي؟

- لا.

فقال (عليه السلام): هذا فرق بين الآل والأمة، ويحكم أين يذهب بكم؟ أضربتم عن الذكر صفحاً أم أنتم قوم مسرفون؟! أما علمتم أنه وقعت الوراثة والطهارة على المصطفين المهتدين دون سائرهم؟

قالوا: ومن أين يا ابا الحسن؟

فقال (عليه السلام): من قول الله عز وجل: (ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون) فصارت وراثة النبوة والكتاب للمهتدين دون الفاسقين، أما علمتم أن نوحاً حين سأل ربه عز وجل (فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين) وذلك أن الله عز وجل وعده أن ينجيه وأهله، فقال ربه عز وجل: (يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألنِ ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين).

المأمون: هل فضلّ الله العترة على سائر الناس؟

الإمام الرضا: إن الله عز وجل أبان فضل العترة على سائر الناس في محكم كتابه.

المأمون: وأين ذلك من كتاب الله؟

الإمام: في قول الله عز وجل: (إن الله اصطفى آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) وقال عز وجل في موضع آخر: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً) ثم رد المخاطبة في أثر هذه إلى سائر المؤمنين، فقال: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) يعني الذين قرنهم بالكتاب والحكمة وحسدوهم عليها، فقوله عز وجل (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آيتناهم ملكاً عظيماً) يعني الطاعة للمصطفين الطاهرين، فالملك هاهنا هو الطاعة لهم. فقال العلماء: فأخبرنا هل فسر الله عز وجل الاصطفاء في الكتاب؟

فقال الرضا (عليه السلام): فسرّ الاصطفاء في الظاهر سوى الباطن في اثني عشر موطناً وموضعاً:

1- فأول ذلك قوله عز وجل: (وأنذر عشيرتك الأقربين) وهذه منزلة رفيعة وفضل عظيم وشرف عال، حين عنى الله عز وجل إنذار الآل، فذكره لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، فهذه واحدة.

2- والآية الثانية في الاصطفاء: قوله عز وجل (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) وهذا الفضل الذي لا يجهله أحد إلا معاند ضال... فهذه الثانية.

3- وأما الثالثة: فحين ميزّ الله الطاهرين من خلقه، فأمر نبيه بالمباهلة بهم في آية الابتهال، فقال عز وجل: - يا محمد - (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) فبرز النبي (صلى الله عليه وآله) علياً والحسن والحسين وفاطمة (صلوات الله عليهم)، وقرن أنفسهم بنفسه، فهل تدرون ما معنى قوله: (أنفسنا وأنفسكم)؟

قال العلماء: عنى به نفسه.

فقال الرضا (عليه السلام): لقد غلطتم، إنما عنى بها علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ومما يدل على ذلك قول النبي (صلى الله عليه وآله) حين قال: (لينتهين بنو وليعه أو لأبعثن إليهم رجلاً كنفسي) يعنى علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعني بالأبناء الحسن والحسين (عليهما السلام)، وعنى بالنساء فاطمة (عليها السلام)، فهذه خصوصية لا يتقدمهم فيها أحد وفضل لا يلحقهم فيه بشر، وشرف لا يسبقهم إليه خلق‘ إذ جعل نفس علي (عليه السلام) كنفسه، فهذه الثالثة.

4- وأما الرابعة: فإخراجه (صلى الله عليه وآله) الناس من المسجد ما خلا العترة حتى تكلم الناس في ذلك وتكلم العباس فقال: يا رسول الله: تركت علياً، وأخرجتنا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): أنت مني بمنزلة هارون من موسى.

قال العلماء: وأين هذا من القرآن؟

فقال الإمام (عليه السلام): أوجدتم في ذلك قرآنا وأقرأه عليكم.

- هات.

- قوله الله عز وجل: (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوّءا لقومكما بمصر بيوتاً واجعلوا بيوتكم قبلة) ففي هذه الآية منزلة هارون من موسى، وفيها أيضا منزلة علي (عليه السلام) من الرسول (صلى الله وآله وسلم)، ومع هذا دليل واضح في قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين قال: (ألا إن هذا المسجد لا يحل لجنب إلا لمحمد (صلى الله عليه وآله).

قال العلماء: يا أبا الحسن: هذا الشرح وهذا البيان لا يوجد إلا عندكم معاشر أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فقال (عليه السلام): ومن ينكر لنا ذلك؟ ورسول الله يقول: (أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها) ففيما أوضحنا وشرحنا من الفضل والشرف والتقدمة والاصطفاء والطهارة ما لا ينكره إلا معاند لله عز وجل، والحمد لله على ذلك، فهذه الرابعة.

5- والآية الخامسة: قول الله عز وجل: (وآت ذا القربى حقه) خصوصية خصهم الله العزيز الجبار بها واصطفاهم على الأمة، فلما نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ادعو إلي فاطمة، فدعيت له، فقال لها:

- يا فاطمة.

- لبيك يا رسول الله.

- هذه فدك، هي مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وهي لي خاصة دون المسلمين، وقد جعلتها لك لما أمرني الله تعالى به، فخذيها لك ولولدك، فهذه الخامسة.

6- والآية السادسة قول الله عز وجل: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) وهذه خصوصية للآل دون غيرهم، وذلك أن الله عز وجل حكى في ذكر نوح في كتابه: (يا قوم لا أسألكم عليه مالاً إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوماً تجهلون).

وحكى عز وجل عن هود أنه قال: (قل لا أسألكم عليه أجراً إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون).

وقال عز وجل لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله): (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) ولم يفرض الله تعالى مودتهم إلا وقد علم أنهم لا يرتدون عن الدين أبداً، ولا يرجعون إلى ظلال أبداً.

وأخرى أن يكون الرجل وادّاً للرجل فيكون بعض أهل بيته عدوا له، فلا يسلم له قلب الرجل، فأحب الله عز وجل أن لا يكون في قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) على المؤمنين شيء، ففرض عليهم الله مودة ذوي القربى، فمن أخذ بها وأحب رسول الله وأحب أهل بيته، لم يستطع رسول الله أن يبغضه، لأنه قد ترك فريضة من فرائض الله عز وجل، فأي فضيلة وأي شرف يتقدم هذا أو يدانيه؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية على نبيه (صلى الله عليه وآله): (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى).

فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه وقال:

- يا أيها الناس إن الله عز وجل قد فرض لي عليكم فرضاً فهل أنتم مؤدوه؟

- فلم يجبه أحد، فقال:

- يا أيها الناس إنه ليس من فضة ولا ذهب ولا مأكول ولا مشروب.

فقالوا: هات إذاً، فتلا عليهم هذه الآية، فقالوا:

- أما هذه فنعم.

فما وفى بها أكثرهم، وما بعث الله عز وجل نبياً إلا أوحى إليهم أن لا يسأل قومه أجراً، لأن الله عز وجل يوفيه أجر الأنبياء، ومحمد (صلى الله عليه وآله) فرض الله عز وجل طاعته ومودة قرابته على أمته، وأمره أن يجعل أجره فيهم ليؤدوه في قرابته بمعرفة فضلهم الذي أوجب الله عز وجل لهم، فإن المودة إنما تكون على قدر معرفة الفضل، فلما أوجب الله تعالى ذلك، ثقل ذلك لثقل وجوب الطاعة، فتمسك بها قوم قد أخذ الله ميثاقهم على الوفاء، وعائد أهل الشقاق والنفاق وألحدوا في ذلك. فصرفوه عن حده الذي حده الله عز وجل فقالوا:

- القرابة هم العرب كلهم وأهل دعوته، فعلى أي الحالتين كان، فقد علمنا أن المودة هي للقرابة، فأقربهم من النبي (صلى الله عليه وآله) أولاهم بالمودة، وكلما قربت القرابة كانت المودة على قدرها.

وما أنصفوا بني الله في حيطته ورأفته، وما مَنّ الله به على أمته مما تعجز الألسن عن وصف الشكر عليه أن لا يؤذوه في ذريته وأهل بيته، وأن يجعلوهم فيهم بمنزلة العين من الرأس حفظاً لرسول الله فيهم وحباً لهم، فكيف والقرآن ينطق به ويدعو إليه والأخبار ثابتة بأنهم أهل المودة والذين فرض الله تعالى مودتهم، ووعد الجزاء عليها، فما وفى أحد بها؟!

فهذه المودة لا يأتي بها أحد مؤمناً مخلصاً إلا استوجب الجنة لقول الله عز وجل في هذه الآية: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) مفسراً ومبيناً، ثم قال الإمام الرضا (عليه السلام).

- حدثنى أبي عن جدي عن آبائه عن الحسين بن علي (عليهم السلام) قال: اجتمع المهاجرون والأنصار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: إن لك يا رسول الله مؤنة في نفقتك وفيمن يأتيك من الوفود، وهذه أموالنا مع دمائنا، فاحكم فيها باراً مأجوراً، أعط ما شئت وأمسك ما شئت من غير حرج، قال: فأنزل الله عز وجل عليه الروح الأمين فقال: يا محمد (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) يعني أن تودوا قرابتي من بعدي، فخرجوا، فقال المنافقون: ما حمل رسول الله على ترك ما عرضنا عليه إلا ليحثنا على قرابته من بعد، إن هو إلا شيء افتراه في مجلسه، وكان ذلك من قولهم عظيماً، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: (أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئاً هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيداً بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم) فبعث عليهم النبي (صلى الله عليه وآله) فقال:

هل من حديث؟ فقالوا: أي والله يا رسول الله، لقد قال بعضنا كلاماً غليظاً كرهناه، فتلا عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الآية، فبكوا واشتد بكاؤهم، فأنزل الله عز وجل (وهو الذي يقبل التوبة عن عبادة ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون) فهذه السادسة.

7- وأما الآية السابعة: فقول الله عز وجل: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً) قالوا: يا رسول الله قد عرفنا التسليم عليك فكيف الصلاة عليك؟ فقال: (تقولون: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد) فهل بينكم معاشر الناس في هذا خلاف؟ فقالوا: لا، فقال المأمون: هذا مما لا خلاف فيه أصلاً وعليه إجماع الأمة، فهل عندك في الآل شيء أوضح من هذا في القرآن؟ فقال أبو الحسن: نعم، أخبروني عن قول الله عز وجل: (يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم) فمن عنى بقوله (يس) قال العلماء: يس محمد (صلى الله عليه وآله) لم يشك فيه أحد، قال أبو الحسن: فإن الله عز وجل أعطى محمد وآل محمد من ذلك فضلاً لا يبلغ أحد كنهه وصفه إلا من عقله..

وذلك أن الله عز وجل لم يسلّم على أحد إلا على الأنبياء صلوات الله عليهم، فقال تبارك وتعالى: (سلام على نوح في العالمين) وقال: (سلام على إبراهيم) وقال (سلام على موسى وهارون) ولم يقل سلام على آل نوح ولم يقل سلام على آل إبراهيم، ولا قال سلام على آل موسى وهارون، وقال عز وجل: (سلام على إل يس) يعني آل محمد صلوات الله عليهم، فقال المأمون: لقد علمت أن في معدن النبوة شرح هذا وبيانه، فهذه السابعة.

8- وأما الثامنة فقول الله عز وجل: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى..) فقرن سهم ذي القربى بسهمه وبسهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهذا فضل أيضاً بين الآل والأمة، لأن الله تعالى جعلهم في حيز وجعل الناس في حيز دون ذلك، ورضي لهم ما رضي لنفسه واصطفاهم فيه، فبدأ بنفسه، ثم ثنّى برسوله ثم بذي القربى في كل مكان من الفيء والغنيمة وغير ذلك مما رضيه عز وجل لنفسه فرضي لهم فقال وقوله الحق: (واعملوا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى..) فهذا تأكيد مؤكد وأثر قائم لهم إلى يوم القيامة في كتاب الله الناطق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) وأما قوله: (واليتامى والمساكين) فإن اليتيم إذا انقطع يتمه خرج من الغنائم ولم يكن له فيها نصيب، وكذلك المسكين إذا انقطعت مسكنته لم يكن له نصيب من المغنم ولا يحل له أخذه، وسهم ذي القربى قائم إلى يوم القيامة فيهم للغني والفقير منهم، لأنه لا أحد أغنى من الله عز وجل ولا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجعل لنفسه منها سهماً ولرسوله سهماً، فما رضيه لنفسه ولرسوله (صلى الله عليه وآله) رضيه لهم، وكذلك الفيء ما رضيه منه لنفسه ولنبيه (صلى الله عليه وآله) رضيه لذي القربى كما أجراهم في الغنيمة، فبدأ بنفسه جل جلاله، ثم برسوله، ثم بهم، وقرن سهمهم بسهم الله وسهم رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وكذلك في الطاعة قال: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) فبدأ بنفسه ثم برسوله، ثم بأهل بيته، كذلك آية الولاية: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) فجعل طاعتهم مع طاعة الرسول مقرونة بطاعته كذلك ولايتهم مع ولاية الرسول مقرونة بطاعته كما جعل سهمهم مع سهم الرسول مقروناً بسهمه في الغنيمة والفيء، فتبارك الله وتعالى، ما أعظم نعمته على أهل هذا البيت؟! فلما جاءت قصة الصدقة نزّه نفسه ورسوله ونزه أهل بيته فقال: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله) فهل تجد في شيء من ذلك أنه سمّى لنفسه أو لرسوله أو لذي القربى، لأنه لما نزه نفسه عن الصدقة ونزه رسوله ونزه أهل بيته، لا بل حرّم عليهم، لأن الصدقة محرمة على محمد وآله، وهي أوساخ أيدي الناس لا يحل لهم، لأنهم طهروا من كل دنس ووسخ، فلما طهرهم الله عز وجل واصطفاهم رضي لهم ما رضي لنفسه، وكره لهم ما كره لنفسه عز وجل، فهذه الثامنة.

9- وأما التاسعة: فنحن أهل الذكر الذين قال الله عز وجل: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) فنحن أهل الذكر، فاسألونا إن كنتم لا تعلمون، فقال العلماء: إنما عنى الله بذلك اليهود والنصارى، فقال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): سبحان الله! وهل يجوز ذلك إذا يدعونا إلى دينهم، ويقولون أنه أفضل من دين الإسلام؟! فقال المأمون: فهل عندك في ذلك شرح بخلاف ما قالوه يا أبا الحسن؟ فقال أبو الحسن: نعم، الذكر رسول الله ونحن أهله، وذلك بيّن في كتاب الله عز وجل حيث يقول في سورة الطلاق: (فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً يتلو عليكم آيات الله مبينات) فالذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونحن أهله، فهذه التاسعة.

10- وأما العاشرة: فقول الله عز وجل في آية التحريم: (حرّمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم) فأخبروني هل تصلح ابنتي وابنة ابني وما تناسل من صلبي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يتزوجها لو كان حياً؟ قالوا: لا، قال: فأخبروني هل كانت ابنة أحدكم تصلح له أن يتزوجها لو كان حياً؟ قالوا نعم، قال: ففي هذا بيان.. لأني أنا من آله، ولستم من آله، ولو كنتم من آله لحرم عليه بناتكم كما حرّم عليه بناتي لأني من آله، وأنتم من أمته، فهذا فرق بين الآل والأمة لأن الآل منه، الأمة إذا لم تكن من الآل فليست منه، فهذه العاشرة.

11- وأما الحادية عشرة: فقول الله عز وجل في سورة المؤمن حكاية عن قول مؤمن من آل فرعون: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم) إلى تمام الآية، فكان ابن خال فرعون، فنسبه إلى فرعون بنسبه، ولم يضفه إليه بدينه، وكذلك خصصنا نحن، إذ كنا من آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بولادتنا منه، وعممنا الناس بالدين، فهذا فرق بين الآل والأمة، فهذه الحادية عشرة.

12- وأما الثانية عشرة فقول الله عز وجل: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) فخصصنا الله تبارك وتعالى بهذه الخصوصية إذ أمرنا مع الأمة بإقامة الصلاة، ثم خصصنا من دون الأمة، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجيء إلى باب علي وفاطمة (عليهما السلام) بعد نزول هذه الآية تسعة أشهر كل يوم عند حضور كل صلاة خمس مرات، فيقول: الصلاة رحمكم الله، وما أكرم الله أحداً من ذراري الأنبياء بمثل هذه الكرامة التي أكرمنا بها، وخصصنا من دون جميع أهل بيتهم. فقال المأمون والعلماء: جزاكم الله أهل بيت نبينا عن هذه الأمة خيراً، فما نجد الشرح والبيان فيما اشتبه علينا إلا عندكم.

(المناظرة الثانية)

لما قدم الإمام (عليه السلام) إلى المأمون أمر الأخير الفضل بن سهل أن يجمع له أصحاب المقالات مثل الجاثليق، ورأس الجالوت، ورؤساء الصابئين، والهربذ الأكبر، وأصحاب زردهشت، وقسطاس الرومي والمتكلمين ليسمع كلامه وكلامهم، فجمعهم الفضل بن سهل ثم أعلم المأمون باجتماعهم. فقال: أدخلهم علي، ففعل، فرحب بهم المأمون، ثم قال لهم: إني إنما جمعتكم لخير، وأحببت أن تناظروا ابن عمي هذا المدني القادم علي، فإذا كان بكرة فاغدوا علي ولا يتخلف منكم أحد. فقالوا: السمع والطاعة يا أمير المؤمنين نحن مبكرون إن شاء الله. قال الحسن بن محمد النوفلي: فبينا نحن في حديث لنا عند أبي الحسن الرضا (عليه السلام) إذ دخل علينا ياسر الخادم - وكان يتولى أمر أبي الحسن الرضا (عليه السلام) - فقال: يا سيدي إن أمير المؤمنين يقرؤك السلام فيقول: فداك أخوك، إنه اجتمع إلى أصحاب المقالات وأهل الأديان والمتكلون من جميع الملل فرأيك في البكور علينا إن أحببت كلامهم، وإن كرهت كلامهم فلا تتجشم، وإن أحببت أن نصير إليك خف ذلك علينا. فقال أبو الحسن (عليه السلام).

أبلغه السلام وقل له: قد علمت ما أردت وأنا صائر إليك بكرة إن شاء الله.

قال الحسن بن محمد النوفلي: فلما مضى ياسر، التفت إلينا ثم قال لي: يا نوفلي أنت عراقي ورقة العراقي غير غليظة، فما عندك في جمع ابن عمك علينا أهل الشرك وأصحاب المقالات؟

فقلت: جعلت فداك يريد الامتحان ويحب أن يعرف ما عندك: ولقد بنى على أساس غير وثيق البنيان، وبئس والله ما بنى.

فقال لي: وما بناؤه في هذا الباب؟

قلت: إن أصحاب البدع والكلام خلاف العلماء، وذلك أن العالم لا ينكر غير المنكر، وأصحاب المقالات والمتكلمون وأهل الشرك أصحاب إنكار ومباهتة، وإن احتججت عليهم أن الله واحد، قالوا: صحح وحدانيته، وإن قلت: إن محمداً (صلى الله عليه وآله) رسول الله، قالوا: أثبت رسالته، ثم يباهتون الرجل وهو يبطل عليهم بحجته ويغالطونه حتى يترك قوله، فاحذرهم جعلت فداك.

قال: فتبسّم (عليه السلام) ثم قال: يا نوفلي أتخاف أن يقطعوا علي حجتي؟!

قلت: لا والله ما خفت عليك قط، وإني لأرجو أن يظفرك الله بهم إن شاء الله.

فقال لي: يا نوفلي أتحب أن تعلم متى يندم المأمون؟

قلت: نعم.

قال: إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم، وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم، وعلى أهل الزبور بزبورهم، وعلى الصابئين بعبرانيتهم، وعلى أصحاب المقالات بلغاتهم، فإذا قطعت كل صنف ودحضت حجته وترك مقالته ورجع إلى قولي علم المأمون أن الموضع الذي هو بسبيله ليس هو بمستحق له، فعند ذلك تكون الندامة منه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فلما أصبحنا أتانا الفضل بن سهل فقال له: جعلت فداك ابن عمك ينتظرك وقد اجتمع القوم فما رأيك في إتيانه؟

فقال له الرضا (عليه السلام): تقدمني فإني صائر إلى ناحيتكم إن شاء الله، ثم توضأ (عليه السلام) وضوء الصلاة وشرب شربة سويق وسقانا منه، ثم خرج وخرجنا معه حتى دخلنا على المأمون، فإذا المجلس غاص بأهله، ومحمد بن جعفر في جماعة الطالبين والهاشميين والقواد حضور.

فلما دخل الرضا (عليه السلام) قام المأمون وقام محمد بن جعفر وقام جميع بني هاشم، فما زالوا وقوفاً والرضا (عليه السلام) جالس مع المأمون حتى أمرهم بالجلوس، فجلسوا، فلم يزل المأمون مقبلاً عليه يحدثه ساعة.

ثم التفت إلى جاثليق فقال: يا جاثليق هذا ابن عمي علي بن موسى بن جعفر، وهو من ولد فاطمة بنت نبينا، وابن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما فأحب أن تكلمه وتحاجه وتنصفه.

فقال الجاثليق: يا أمير المؤمنين كيف أحاج رجلاً يحتج علي بكتاب أنا منكره، ونبي لا أؤمن به؟

فقال له الرضا (عليه السلام): يا نصراني فإن احتججت عليك بإنجيلك أتقرّ به؟

قال الجاثليق: وهل أقدر على دفع ما نطق به الإنجيل؟ نعم والله أقر به على رغم أنفي.

فقال له الرضا (عليه السلام): سل عما بدا لك وافهم الجواب.

قال الجاثليق: ما تقول في نبوة عيسى (عليه السلام) وكتابه؟ هل تنكر منهما شيئاً؟

قال الرضا (عليه السلام): أنا مقرّ بنبوّة عيسى وكتابه وما بشر به أمته وأقرّ به الحواريون وكافر بنبوة كل عيسى لم يقر بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله) وبكتابه ولم يبشر به أمته.

قال الجاثليق: أليس إنما تقطع الأحكام بشاهدي عدل؟

قال: بلى.

قال: فأقم شاهدين من غير أهل ملّتك على نبوة محمد ممن لا تنكره النصرانية، وسلنا مثل ذلك من غير أهل ملتنا.

قال الرضا (عليه السلام): الآن جئت بالنصفة يا نصراني، ألا تقبل مني العدل المقدم عند المسيح عيسى ابن مريم؟

قال الجاثليق: ومن هذا العدل: سمه لي.

قال: ما تقول في يوحنا الديلمي؟

قال: بخ بخ، ذكرت أحب الناس إلى المسيح.

قال (عليه السلام): فأقسمت عليك هل نطق الإنجيل أن يوحنا قال: إن المسيح أخبرني بدين محمد العربي، وبشرّني به أنه يكون من بعده فبشرّت به الحواريين فآمنوا به؟

قال الجاثليق: قد ذكر ذلك يوحنا عن المسيح وبشرّ بنبوة رجل وبأهل بيته ووصيه ولم يلخص متى يكون ذلك، ولم يسم لنا القوم فنعرفهم.

قال الرضا (عليه السلام): فإن جئناك بمن يقرأ الإنجيل فتلا عليك ذكر محمد وأهل بيته وأمته أتؤمن به؟

قال: سديداً.

قال الرضا (عليه السلام) لقسطاس الرومي: كيف حفظك للسفر الثالث من الإنجيل؟

قال: ما أحفظني له!

ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال له: ألست تقرأ الإنجيل؟

قال: بلى لعمري.

قال: فخذ على السفر الثالث، فإن كان فيه ذكر محمد وأهل بيته وأمته سلام الله عليهم فاشهدوا لي، وإن لم يكن فيه ذكره فلا تشهدوا لي.

ثم قرأ (عليه السلام) السفر الثالث حتى إذا بلغ ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) وقف.

ثم قال: يا نصراني إني أسألك بحق المسيح وأمه أتعلم أني عالم بالإنجيل؟

قال: نعم.

ثم تلا علينا ذكر محمد وأهل بيته وأمته، ثم قال: ما تقول يا نصراني؟ هذا قول عيسى ابن مريم، فإن كذبت ما ينطق به الإنجيل فقد كذبت موسى وعيسى (عليهما السلام)، ومتى أنكرت هذا الذكر وجب عليك القتل، لأنك تكون قد كفرت بربك وبنبيّك وبكتابك.

قال الجاثليق: لا أنكر ما قد بان لي في الإنجيل، وإني لمقر به.

قال الرضا (عليه السلام): اشهدوا على إقراره.

ثم قال: يا جاثليق سل عما بدا لك.

قال الجاثليق: أخبرني عن حواري عيسى ابن مريم كم كان عدتهم؟ وعن علماء الإنجيل كم كانوا؟

قال الرضا (عليه السلام): على الخبير سقطت، أما الحواريين فكانوا اثني عشر رجلاً، وكان أفضلهم وأعلمهم الوقا، وأما علماء النصارى فكانوا ثلاثة رجال: يوحنا الأكبر بأجّ ويوحنا بقرقيسيا ويوحنا الديلمي بزجان، وعنده كان ذكر النبي (صلى الله عليه وآله)، وذكر أهل بيته وأمته، وهو الذي بشرّ أمة عيسى وبني إسرائيل به.

ثم قال (عليه السلام): يا نصراني والله إنا لنؤمن بعيسى الذي آمن بمحمد (صلى الله عليه وآله) وما ننقم على عيساكم شيئاً إلا ضعفه وقلة صيامه وصلاته.

قال الجاثليق: أفسدت والله علمك، وضعفت أمرك، وما كنت ظننت إلا أنك أعلم أهل الإسلام.

قال الرضا (عليه السلام): وكيف ذلك؟ قال الجاثليق: من قولك: إن عيساكم كان ضعيفاً قليل الصيام، قليل الصلاة، وما أفطر عيسى يوماً قط، ولا نام بليل قط، وما زال صائم الدهر، قائم الليل. قال الرضا (عليه السلام): فلمن كان يصوم ويصلي؟

قال: فخرس الجاثليق وانقطع.

قال الرضا (عليه السلام): يا نصراني إني أسألك عن مسألة.

قال: سل فإن كان عندي علمها أجبتك.

قال الرضا (عليه السلام): ما أنكرت أن عيسى كان يحيي الموتى بإذن الله عز وجل؟

قال الجاثليق: أنكرت ذلك من قبل أن من أحيى الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص فهو رب مستحق لأن يعبد.

قال الرضا (عليه السلام): فإن اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى: مشى على الماء، وأحيى الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص فلم يتخذه أمته رباً، ولم يعبده أحد من دون الله عز وجل، ولقد صنع حزقيل النبي (عليه السلام) مثل ما صنع عيسى ابن مريم (عليه السلام) فأحيى خمسة وثلاثين ألف رجل من بعد موتهم بستين سنة.

ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال له: يا رأس الجالوت أتجد هؤلاء في شباب بني إسرائيل في التوراة؟ اختارهم بخت نصر من سبي بني إسرائيل حين غزا بيت المقدس ثم انصرف بهم إلى بابل فأرسله الله تعالى عز وجل إليهم فأحياهم، هذا في التوراة لا يدفعه إلا كافر منكم.

قال رأس الجالوت: قد سمعنا به وعرفناه.

قال: صدقت.

ثم قال (عليه السلام): يا يهودي خذ على هذا السفر من التوراة، فتلا (عليه السلام) علينا من التوراة آيات، فأقبل اليهودي يترجّح لقراءته ويتعجّب.

ثم أقبل على النصراني فقال: يا نصراني أفهؤلاء كانوا قبل عيسى أم عيسى كان قبلهم؟

قال: بل كانوا قبله.

قال الرضا (عليه السلام): لقد اجتمعت قريش إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسألوه أن يحيي لهم موتاهم، فوجّه معهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال له: اذهب إلى الجبانة فناد بأسماء هؤلاء الرهط الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك: يا فلان، ويا فلان، ويا فلان، يقول لكم محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله): قوموا بإذن الله عز وجل، فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، فأقبلت قريش تسألهم عن أمورهم، ثم أخبروهم أن محمداً قد بعث نبياً وقالوا: وددنا أنا أدركناه فنؤمن به، ولقد أبرأ الأكمه والأبرص والمجانين، وكلمه البهائم والطير والجن والشياطين، ولم نتخذه رباً من دون الله عز وجل، ولم ننكر لأحد من هؤلاء فضلهم. فمتى اتخذتم عيسى رباً جاز لكم أن تتخذوا اليسع وحز قيل رباً، لأنهما قد صنعا مثل ما صنع عيسى من إحياء الموتى وغيره، إن قوماً من بني إسرائيل هربوا من بلادهم من الطاعون وهم ألوف حذر الموت فأماتهم الله في ساعة واحدة، فعمد أهل تلك القرية فحظروا عليهم حظيرة فلم يزالوا فيها حتى نخرت عظامهم وصاروا رميماً، فمرّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل فتعجب منهم ومن كثرة العظام البالية، فأوحى الله عز وجل إليه: أتحب أن أحييهم لك فتنذرهم؟

قال: نعم يا رب.

فأوحى الله عز وجل إليه: أن نادهم.

فقال: أيتها العظام البالية قومي بإذن الله عز وجل، فقاموا أحياء أجمعون ينفضون التراب عن رؤوسهم، ثم إبراهيم (عليه السلام) خليل الرحمن حين أخذ الطيور وقطعن قطعاً، ثم وضع على كل جبل منهن جزءاً ثم ناداهن فأقبلن سعياً إليه، ثم موسى بن عمران وأصحابه والسبعون الذين اختارهم صاروا معه إلى الجبل فقالوا له: إنك قد رأيت الله سبحانه، فأرناه كما رأيته، فقال لهم: إني لم أره، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نر الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم، وبقي موسى وحيداً فقال: يا رب اخترت سبعين رجلاً من بني إسرائيل فجئت بهم وأرجع وحدي فكيف يصدقني قومي بما أخبرهم به؟ فلو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، افتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ فأحياهم الله عز وجل من بعد موتهم، وكل شيء ذكرته لك من هذا لا تقدر على دفعه، لأن التوراة والإنجيل والزبور والفرقان قد نطقت به، فإن كان كل من أحيى الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص والمجانين يتخذ رباً من دون الله فاتخذ هؤلاء كلهم أرباباً، ما تقول يا نصراني؟!

قال الجاثليق: القول قولك، ولا إله إلا الله.

ثم التفت (عليه السلام) إلى رأس الجالوت فقال: يا يهودي أقبل علي أسألك بالعشر الآيات التي أنزلت على موسى بن عمران (عليه السلام)، هل تجد في التوراة مكتوباً نبأ محمد وأمته: (إذا جاءت الأمة الأخيرة أتباع راكب البعير يسبّحون الرب جداً جداً تسبيحاً جديداً في الكنائس الجدد فليفرغ بنو إسرائيل إليهم وإلى ملكهم لتطمئن قلوبهم، فإن بأيديهم سيوفاً ينتقمون بها من الأمم الكافرة في أقطار الأرض).

هكذا هو في التوراة مكتوب؟

قال رأس الجالوت: نعم إنا لنجده كذلك. ثم قال (عليه السلام) للجاثليق: يا نصراني كيف علمك بكتاب شعيا؟ قال: أعرفه حرفاً حرفاً.

قال الرضا (عليه السلام) لهما: أتعرفان هذا من كلامه: (يا قوم إني رأيت صورة راكب الحمار لابساً جلابيب النور، ورأيت راكب البعير ضوؤه مثل ضوء القمر)؟

فقالا: قد قال ذلك شعيا.

قال الرضا (عليه السلام): يا نصراني هل تعرف في الإنجيل قول عيسى: (إني ذاهب إلى ربي وربكم والفارقليطا جاء، هو الذي يشهد لي بالحق كما شهدت له، وهو الذي يفسر لكم كل شيء، وهو الذي يبدي فضائح الأمم، وهو الذي يكسر عمود الكفر)؟

فقال الجاثليق: ما ذكرت شيئاً مما في النجيل إلا ونحن مقرّون به.

فقال: أتجد هذا في الإنجيل ثابتاً يا جاثليق؟

قال: نعم.

قال الرضا (عليه السلام): يا جاثليق ألا تخبرني عن الإنجيل الأول حين افتقدتموه عند من وجدتموه؟ ومن وضع لكم هذا الإنجيل؟

قال له: ما افتقدنا الإنجيل إلا يوماً واحداً حتى وجدنا غضاً طرياً فأخرجه إلينا يوحنا ومتى.

فقال له الرضا (عليه السلام): ما أقل معرفتك بسر الإنجيل وعلمائه؟ فإن كان كما تزعم فلم اختلفتم في الإنجيل؟ إنما وقع الاختلاف في هذا الإنجيل الذي في أيديكم اليوم، فلو كان على العهد الأول لم تختلفوا فيه، ولكني مفيدك علم ذلك، أعلم أنه لما افتقد الإنجيل الأول اجتمعت النصارى إلى علمائهم فقالوا لهم: قتل عيسى ابن مريم (عليه السلام)، وافتقدنا الإنجيل وأنتم العلماء فما عندكم؟

فقال لهم ألوقا ومرقابوس: إن الإنجيل في صدورنا ونحن نخرجه إليكم سفراً سفراً في كل أحد فلا تحزنوا عليه، ولا تخلوا الكنائس، فإنا سنتلوه عليكم في كل أحد سفراً سفراً حتى نجمعه لكم كله.

فقعد الوقا ومرقابوس ويوحنا ومتى ووضعوا لهم هذا الإنجيل بعدم ما افتقدتم الإنجيل الأول، وإنما كان هؤلاء الأربعة تلاميذ التلاميذ الأولي، أعملت ذلك؟

قال الجاثليق: أما هذا فلم أعلمه، وقد علمته الآن، وقد بان لي من فضل علمك بالإنجيل، وسمعت أشياء مما علمته شهد قلبي أنها حق فاستزدت كثيراً من الفهم.

فقال له الرضا (عليه السلام): فكيف شهادة هؤلاء عندك؟ قال: جائزة، هؤلاء الإنجيل، وكل ما شهدوا به فهو حق.

فقال الرضا (عليه السلام) للمأمون ومن حضره من أهل بيته ومن غيرهم: اشهدوا عليه.

قالوا: قد شهدنا.

ثم قال للجاثليق: بحق الابن وأمه هل تعلم أن متّى قال: (إن المسيح هو ابن داود بن إبراهيم بن إسحاق بن يعقوب بن يهودا بن حضرون).

وقال مرقابوس في نسبة عيسى ابن مريم:

(إن عيسى ابن مريم وأمه كانا إنسانين من لحم ودم فدخل فيهما روح القدس).

ثم إنك تقول من شهادة عيسى على نفسه:

(حقاً أقول لكم يا معشر الحواريين: إنه لا يصعد إلى السماء إلا ما نزل منها إلا راكب البعير خاتم الأنبياء فإنه يصعد إلى السماء وينزل) فما تقول في هذا القول؟

قال الجاثليق: كذبوا على عيسى.

قال الرضا (عليه السلام): يا قوم أليس قد زكّاهم وشهد أنهم علماء الإنجيل وقولهم حق؟

فقال الجاثليق: يا عالم المسلمين أحب أن تعفيني من أمر هؤلاء.

قال الرضا (عليه السلام): فإنا قد فعلنا، سل يا نصراني عما بدا لك.

قال الجاثليق: ليسألك غيري، فلا وحق المسيح ما ظننت أن في علماء المسلمين مثلك.

فالتفت الرضا (عليه السلام) إلى رأس الجالوت فقال له: تسألني أو أسالك؟

فقال: بل أسألك، ولست أقبل منك حجة إلا من التوراة أو من الإنجيل، أو من زبور داود، أو مما في صحف إبراهيم وموسى.

فقال الرضا (عليه السلام): لا تقبل مني حجة إلا من التوراة أو من الإنجيل، أو من زبور داود، أو مما في صحف إبراهيم وموسى.

فقال الرضا (عليه السلام): لا تقبل مني حجة إلا بما تنطق به التوراة على لسان موسى بن عمران، والإنجيل على لسان عيسى ابن مريم، والزبور على لسان داود.

فقال رأس الجالوت: من أين تثبت نبوة محمد؟

قال الرضا (عليه السلام): شهد بنبوته (صلى الله عليه وآله) موسى بن عمران وعيسى ابن مريم وداود خليفة الله عز وجل في الأرض.

فقال له: أثبت قول موسى بن عمران.

قال الرضا (عليه السلام): هل تعلم يا يهودي أن موسى أوصى بني إسرائيل فقال لهم: إنه سيأتيكم نبي هو من إخوتكم، فبه فصدقوا ومنه فاسمعوا، فهل تعلم أن لبني إسرائيل إخوة غير ولد إسماعيل، إن كنت تعرف قرابة إسرائيل من إسماعيل، والنسب الذي بينهما من قبل إبراهيم (عليه السلام)؟

فقال رأس الجالوت: هذا قول موسى لا ندفعه.

فقال له الرضا (عليه السلام): هل جاءكم من أخوة بني إسرائيل نبي غير محمد (صلى الله عليه وآله)؟

قال: لا.

قال الرضا (عليه السلام): أو ليس قد صحّ هذا عندكم؟

قال: نعم، ولكني أحب أن تصححه لي من التوراة.

فقال له الرضا (عليه السلام): هل تنكر أن التوراة تقول لكم: (جاء النور من جبل طور سيناء وأضاء لنا من جبل ساعير، واستعلن علينا من جبل فاران)؟

قال رأس الجالوت: أعرف هذه الكلمات وما عرف تفسيرها.

قال الرضا (عليه السلام): أنا أخبرك به، أما قوله: (جاء النور من جبل طور سيناء) فذلك وحي الله تبارك وتعالى الذي أنزله على موسى (عليه السلام) على جبل طور سيناء.

وأما قوله: (وأضاء لنا من جبل ساعير) فهو الجبل الذي أوحى الله عز وجل إلى عيسى ابن مريم (عليه السلام) وهو عليه.

وأما قوله: (وأضاء لنا من جبل ساعير) فهو الجبل الذي أوحى الله عز وجل إلى عيسى ابن مريم (عليه السلام) وهو عليه.

وأما قوله: (واستعلن علينا من جبل فاران) فذاك جبل من جبال مكة بينه وبينها يوم.

وقال شيعيا النبي (عليه السلام) فيما تقول أنت وأصحابك في التوراة: (رأيت راكبين أضاء لهما الأرض، لهما الأرض، أحدهما راكب على حمار، والآخر على جمل) فمن راكب الحمار؟ ومن راكب الجمل؟

قال رأس الجالوت: لا أعرفهما فخبّرني بهما.

قال (عليه السلام): أما راكب الحمار فعيسى ابن مريم، وأما راكب الجمل فمحمد (صلى الله عليه وآله)، أتنكر هذا من التوراة؟

قال: لا، ما أنكره.

ثم قال الرضا (عليه السلام): هل تعرف حيقوق النبي؟

قال: نعم أني به لعارف.

قال (عليه السلام): فإنه قال وكتابكم ينطق به: (جاء الله بالبيان من جبل فاران، وامتلأت السماوات من تسبيح أحمد وأمته، يحمل خيله في البحر كما يحمل في البر، يأتينا بكتاب جديد بعد خراب بيت المقدس، يعني بالكتاب القرآن، أتعرف هذا وتؤمن به؟

قال رأس الجالوت: قد قال ذلك حيقوق النبي ولا ننكر قوله.

قال الرضا (عليه السلام): وقد قال داود في زبوره وأنت تقرأ: (اللهم ابعث مقيم السنة بعد الفترة) فهل تعرف نبياً أقام السنة بعد الفترة غير محمد (صلى الله عليه وآله)؟

قال رأس الجالوت: هذا قول داود نعرفه ولا ننكره، ولكن عني بذلك عيسى، وأيامه هي الفترة.

قال الرضا (عليه السلام): جهلت، إن عيسى لم يخالف السنّة وقد كان موافقاً لسنة التوراة حتى رفعه الله إليه، وفي الإنجيل مكتوب: إن ابن البرة ذاهب والفارقليطا جاء من بعده، وهو الذي يخفف الآصار، ويفسّر لكم كل شيء، ويشهد لي كما شهدت له، أنا جئتكم بالأمثال، وهو يأتيكم بالتأويل، أتؤمن بهذا في الإنجيل؟

قال: نعم، لا أنكره.

فقال له الرضا (عليه السلام): يا رأس الجالوت أسألك عن نبيك موسى بن عمران.

فقال: سل.

قال (عليه السلام): ما الحجة على أن موسى ثبتت نبوته؟

قال اليهودي: إنه جاء بما لم يجئ به أحد من الأنبياء قبله.

قال له: مثل ماذا؟

قال: مثل فلق البحر، وقلبه العصا حية تسعى، وضربه الحجر فانفجرت منه العيون، وأخراجه يده بيضاء للناظرين، وعلامات لا يقدر الخلق على مثلها.

قال له الرضا (عليه السلام): صدقت إذا كانت حجته على نبوته إنه جاء بما لا يقدر الخلق على مثله، أفليس كل من ادّعى أنه نبي ثم جاء بما لا يقدر الخلق على مثله وجب عليكم تصديقه؟

قال: لا، لأن موسى لم يكن له نظير لمكانه من ربه، وقربه منه، ولا يجب علينا الإقرار بنبوة من ادّعاها حتى يأتي من الأعلام بمثل ما جاء به.

قال الرضا (عليه السلام): فكيف أقررتم بالأنبياء الذين كانوا قبل موسى (عليه السلام) ولم يفلقوا البحر، ولم يفجروا من الحجر اثنتي عشرة عينا، ولم يخرجوا أيديهم بيضاء مثل إخراج موسى يده بيضاء، ولم يقلبوا العصا حية تسعى؟

قال له اليهودي: قد خبّرتك أنه متى جاءوا على دعوى نبوّتهم من الآيات بما لا يقدر الخلق على مثله ولو جاءوا بما لم يجئ به موسى أو كان على غير ما جاء به موسى وجب تصديقهم.

قال الرضا (عليه السلام): يا رأس الجالوت فما يمنعك من الإقرار بعيسى ابن مريم وقد كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله؟

قال رأس الجالوت: يقال: إنه فعل ذلك، ولم نشهده.

قال له الرضا (عليه السلام): أرأيتما جاء به موسى من الآيات شاهدته؟ أليس إنما جاء في الأخبار به من ثقات أصحاب موسى أنه فعل ذلك؟

قال: بلى.

قال: فكذلك أتتكم الأخبار المتواترة بما فعل عيسى ابن مريم، فكيف صدقتم بموسى ولم تصدقوا بعيسى؟ فلم يحر جواباً.

قال الرضا (عليها السلام): وكذلك أمر محمد (صلى الله عليه وآله) وما جاء به، وأمر كل نبي بعثه الله، ومن آياته أنه كان يتيماً فقيراً راعياً أجيراً لم يتعلم كتاباً ولم يختلف إلى معلم ثم جاء بالقرآن الذي فيه قصص الأنبياء وأخبارهم حرفاً حرفاً وأخبار من مضى ومن بقي إلى يوم القيامة، ثم كان يخبرهم بأسرارهم وما يعملون في بيوتهم، وجاء بآيات كثيرة لا تحصى.

قال رأس الجالوت: لم يصح عندنا خبر عيسى ولا خبر محمد، ولا يجوز لنا أن نقر لهما بما لم يصح. قال الرضا (عليه السلام) فالشاهد الذي شهد لعيسى ولمحمد (صلى الله عليهما) شاهد زور؟ فلم يحر جواباً.

ثم دعا (عليه السلام) بالهربذ الأكبر فقال له الرضا (عليه السلام): أخبرني عن زردهشت الذي تزعم أنه نبي ما حجتك على نبوته؟

قال: أنه أتى بما لم يأتنا به أحد قبله ولم نشهده ولكن الأخبار من أسلافنا وردت علينا بأنه أحل لنا ما لم يحله غيره فاتبعناه.

قال (عليه السلام): أفليس إنما أتتكم الأخبار فاتّبعتموه.

قال: بلى.

قال: فكذلك سائر الأمم السالفة أتتهم الأخبار بما أتى به النبيون وأتى به موسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم، فما عذركم في ترك الإقرار لهم؟ إذ كنتم إنما أقررتم بزردهشت من قبل الأخبار المتواترة بأنه جاء بما لم يجئ به غيره، فانقطع الهربذ مكانه.

...

(الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله).

 

   

أعلى