الفهرس

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

(رئيس المجلس الشيعي الأعلى بالنيابة) يرى أن الضرورة ملحة لمؤتمر إسلامي عالمي

العلامة قبلان: الأمة بحاجة اليوم إلى (شورى الفقهاء المراجع) فالتباعد لم يعد مجدياً

 


أجرى الحوار: مصطفى نصر الله*

أبدى رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بالنيابة المفتي الجعفري الممتاز في لبنان العلامة الشيخ عبد الأمير قبلان تأييده لنظرية (شورى الفقهاء المراجع) التي يطرحها المرجع الديني الأعلى الإمام الشيرازي، معبراً في الوقت ذاته عن إيمانه بأن تطبيق هذه النظرية يعد حلاً ناجعاً لكثير من مشاكل الأمة التي تسبب التباعد المرجعي في تفاقمها.

وتحدث العلامة قبلان في لقاء مفصل أجرته معه (المنبر) حول كثير من قضايا الساحة الإسلامية، مقدماً رؤيته الخاصة تجاه عناوين تشغل بال الأمة اليوم. وأشار سماحته إلى أن تخلف المسلمين في هذا الزمن إنما يعود بالدرجة الأولى إلى ما حدث في يوم الاثنين وهو يوم استشهاد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، حيث وقع الانقلاب على الخليفة الشرعي وأنتج ذلك المآسي والويلات والنكبات التي أصابت الأمة ولا تزال تداعياتها مستمرة إلى العصر الحاضر.

ورفض سماحته أي نوع من أنواع التطبيع مع العدو الصهيوني باعتبار أن ذلك سيتسبب في وهن المسلمين وإضعافهم في الوقت الذي يقويه فيه، مبيناً أن الصلح الذي أجراه رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله) مع اليهود في بداية الدعوة الإسلامية لا يمكن أن يعد دليلاً كافياً لإسباغ الشرعية على عملية التطبيع التي تجري حالياً، فالرسول (صلى الله عليه وآله) صالح اليهود، وهم أهل ملة، لكننا اليوم نواجه الصهاينة وهم عبارة عن تنظيم إرهابي مهمته محاربة الإسلام والمسلمين، وعلى هذا فثمة فرق كبير.

ويعد العلامة الشيخ عبد الأمير قبلان أحد أهم الشخصيات العلمائية والدينية في لبنان والعالم الإسلامي، وهو اليوم بمثابة رئيس المجلس الشيعي الأعلى خلفاً للمرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين، ومن المتوقع أن يتم تنصيبه رسمياً في هذا المنصب بعد مرور فترة زمنية كافية ربما تنتهي بالذكرى الأربعينية احتراماً لمقام الفقيد. وسماحة الشيخ مفكر بارز وعالم محقق وناشط متمرس في مختلف المحافل التي يتواجد فيها بهدف خدمة الإسلام ومذهب البيت (عليهم الصلاة والسلام). وفي ما يلي نص اللقاء:

المنبر: بدايةً نود أن نسمع من سماحتكم نبذة عن مسيرتكم الفكرية وكيف كانت البداية بالنسبة لكم؟

- بدأت العمل بالحقل الديني والاجتماعي عام 1952م عندما أرسلت من قبل المرجع الديني السيد محسن الحكيم رحمه الله إلى ناحية (الغراف) في العراق وقمنا بالدور المطلوب منا بالتوعية الدينية وتوحيد الصفوف لنكون في خندق واحد ضد التيارات المعادية آنذاك، وبالفعل نجحنا في التصدي لتلك التيارات وصحّحنا بعض الانحرافات بعد تعايشنا هموم المنطقة والمساهمة في حل بعض القضايا الاجتماعية من خلال الاختلاط بالناس وخدمتهم.

وكان تواجدنا في النجف الأشرف يصب في خدمة المذهب والدين ومحاربة أعداء الدين والإنسانية وبإشراف من قبل السيد الحكيم فوقع الاختيار علينا من قبله للسفر إلى لبنان لأجل التوعية وخدمة الإسلام وبالفعل أقمنا بمنطقة (برج البراجنة) عدة نشاطات مكثفة إذ قمنا ببناء مسجد ومدرسة وحسينية وهذه المدرسة سميت (مدرسة التكامل الإسلامية) وقمنا بإلقاء الدروس الدينية لتعليم الأحكام الإسلامية إلى أن تعرفت على السيد موسى الصدر وأسسنا معه المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ثم نلت منصب المفتي الجعفري الممتاز في بيروت وجنوب لبنان. ومن نشاطاتنا تأسيس عدة مؤسسات منها دار العجزة في بعلبك ومنها مسجد وحسينية في (بيت حسن) وكذلك في حارة (حريك) وأسسنا منتجع للنبات الصحي في بلدة (كفرة) في الجنوب وهو مؤلف من دار للعجزة وجناح لمرضى السل وجناح لمرضى سرطان الرئة ولمرضى الضغط، ولا يزال المنتجع في طور الإنشاء ولم يكتمل بفعل قصف العدو الإسرائيلي له على مرحلتين؛ الأولى قصف فيها الطابق الأول منه وقد قمنا ببنائه في ما بعد، أما في المرحلة الثانية فقصف منه طابقين عام 1996م. هذا مختصر ما عملنا به خلال نشأتنا وعملنا الديني.

...

المنبر: المعروف عنكم أنكم تقولون بنظرية شورى المجتهدين والتي طرحت في المحافل الفكرية والعلمية فهل يمكن أن تعطونا فكرة عن هذه النظرية؟ - لقد دعونا إلى هذه النظرية وكنا من أوائل المبادرين إليها حسب ما أظن. وفي الواقع نحن نرى أن شورى المرجعية المتكونة من المراجع المعروفين والمشهورين لأجل علاج بعض الأمور المهمة هو أمر ضروري جداً. ومن الأمور المهمة على سبيل المثال: أن في مذهبنا تجمع الأموال (كالزكاة أو الخمس أو رد المظالم وما شابه) وتسلّم إلى المرجع وحتى لا تكون هذه الأموال والحقوق الشرعية عرضة للتطاول عليها نادينا بتأسيس (بيت المال) حيث يعطى لكل مرجع أو مؤسسة نصيب منه بدراسة وافية وضمان لحقوق جميع المسلمين.

وعندما تكون الأموال في أيادي أمينة منتخبة من قبل المراجع؛ يقع على عاتق هذه المؤسسة (بيت المال) أن تقوم بإحصاء المناطق في كل دولة وبلد يحتاج إلى دعم أو قرض أو مساعدة وفق هيكلية عليا تدير شؤونها وتوزع الأدوار وتعمل في صالح الأمة. هذا مثال واضح على أهمية تطبيق هذه النظرية.

ونحن أيضاً مع إنشاء مجلس شورى المرجعية وفق منهج مدروس وذلك بالتفاهم على الفتوى ومجابهة العنونة والوقوف في وجه الانحرافات أو التحديات القادمة من هنا أو هناك. وهذه النظرية لم تتغير مبادئُها عندي سواء كانت المرجعية الدينية قائمة في النجف الأشرف أم في قم المقدسة.

...

المنبر: هل تتفق هذه النظرية مع نظرية شورى الفقهاء المطروحة من قبل الإمام محمد الشيرازي؟

- نعم، حيث إنني اطلعت على كثير من الكتب والدوريات والمجلات التي تناولت هذه النظرية، كما إنني قرأت تفاصيلها من كتب السيد الشيرازي حفظه الله نفسه، وأرى أن ما نطرحه يوافق ما يطرحه السيد في هذا الخصوص.

وأعود للمثال الذي طرحته فأقول إن مما يحز في النفس واقعاً هو أن يذهب قسم من الأموال التي يتركها المرجع المتوفى إلى أعمال غير محبذة في الإسلام وهذا عمل لا يبشر بخير. نحن نريد للحقوق الشرعية أن تحفظ وتوزع بعدالة ولمن يستحقها من الفقراء والمساكين. ولا يمكن أن يحدث ذلك إلا من خلال تشكيل (بيت المال) الذي تشرف عليه المؤسسة المرجعية الشوروية.

...

المنبر: فما هي السبل التي يلزم اتّباعها لنشر ودعم هذه النظرية من وجهة نظركم؟

- من السبل إلى ذلك أمور منها الاعتراف بهذه النظرية أولاً، ثم يكون هناك تواصل بين المراجع تشتمل على لقاءات مكثفة لتهيئة الأجواء المناسبة لتحقيق الهدف بخروج النظرية إلى النور.

وينبغي التنبيه هنا إلى أنه مادام هناك بعض التباعد وعدم الاهتمام بالالتقاء والتشاور فلا أظن أن هذه الفكرة ستتبلور عند من لا يعتقد بها.

...

المنبر: وكيف يتحقق هذا التقارب بين المراجع؟

- التقارب يتم عبر الاعتراف بالآخر، وزرع الثقة المتبادلة. فإذا لم يكن هناك اعتراف ولا ثقة فلا أظن أن النظرية ستصل إلى هدفها إلا إذا كان هناك مرجع تقلده الأكثرية أو الغالبية وله اليد الطولى في العالم الإسلامي فله القدرة حينئذ على نشرها وتطبيقها وتصبح بادرته بادرة جيدة وحسنة ويكون القرار حينئذ ممن يملك القرار حتى تبصر هذه النظرية النور.

...

المنبر: ما هي حدود ولاية الفقيه في نظركم؟

- أنا مع المرجعية الموجودة والمتعارفة عندنا ولا أحب أن أزيد.

...

المنبر: يعنى الولاية المطلقة أم المقيدة؟

- المرجعية مرجعية النجف الأشرف أو مرجعية قم المقدسة.

المنبر: بعض الفقهاء يقولون بالولاية المطلقة وبعضهم بالولاية المقيدة بالحدوث فإلى أي القولين تميلون؟

- نحن مع المرجعية التي لا تتعدى حدود المرجعية عند المشهور.

...

المنبر: ما هو رأي سماحتكم في الأفكار التي تطرح في العالم الإسلامي وتدعو إلى الحرية والسلام والتعددية الحزبية، ولنبدأ من الحرية؟

- الحرية مطلب الجميع ولكن ضمن الإطار الشرعي وإذا خرجت عن إطارها الشرعي فلا تسمى حرية، فالحرية ضمن الأحكام والفرائض والمبادئ والأسس الشرعية. فمثلاً؛ كل اجتهاد خالف النص لا قيمة له، فنحن عندنا الكتاب والسنة والإجماع والعقل نعمل ضمن هذه الأصول الأربعة، وخارج إطار هذه الأصول لا نسميها حرية بل بدع، والبدعة مخالفة للدين الإسلامي.

....

المنبر: على هذا هل يعطينا الإسلام حرية كافية أو كبيرة في مناقشة النص الشرعي؟

- في الواقع نحن عندنا أحكام توقيفية نتوقف فيها على النص مثل العبادات فصلاة الصبح ركعتان والظهر أربع ركعات لا تزيد ولا تنقص فعلينا الالتزام فيها.

وعندنا أمور أخرى يقوم المجتهد فيها باستنباط الحكم الشرعي لعدم وجود نص عليها ولا يتعارض هذا الحكم مع الشرع الحنيف كالمسائل المستحدثة مثلاً.

إن الحرية مطلوبة لكن الحرية تبدأ وتنتهي عند حرية الآخرين. وحرية الآخرين حسب المفهوم عند الناس، فإذا لم تكن في الإطار الديني أو تكون مخالفة للدين فلا أعتبرها حرية.

...

المنبر: من الأفكار التي تطرح على الساحة الإسلامية في هذه الأيام أيضاً مفهوم اللا عنف أو السلام فما هو رأي سماحتكم بذلك؟

- الإسلام واضح وصريح وفي هذا المجال قال سبحانه وتعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين).

فالسلام مطلب إسلامي ولكن في إطار يحافظ فيه على كرامة الدين والمسلم في ماله وعرضه فإذا كان السلام ضمن هذه الحدود فنحن معه أما إذا كان السلام مفروضاً بالقوة فإنه لا يسمى سلاماً بل استسلاماً. وهذا هو ما يحدث اليوم بالنسبة إلى قضية فلسطين والأراضي المحتلة. إن قضية السلام مرهونة بشروط عندنا.

...

المنبر: ننتقل إلى مسألة: التعددية الحزبية فما هو رأي سماحتكم بها؟

- قال سبحانه: (إن الدين عند الله الإسلام) فإذا كانت التعددية من السبل التي ترتبط بالإسلام فلا بأس بها، أما إذا كانت التعددية تشط وتخرج عن المفاهيم الإسلامية فلا نراها صحيحة لأنها تنافي الحق والتعاليم الإسلامية.

...

المنبر: هل نفهم من كلامكم أنكم تشترطون إنشاء أحزاب إسلامية في ظل التعديدية أم أن من الممكن تشكيل أحزاب غير إسلامية أيضاً؟

- التعددية تشمل الجميع. وإذا قلنا بالتعددية الحزبية فيدخل ضمنها أحزاب إسلامية ووطنية واشتراكية وشيوعية وقوى كثيرة لكن نحن نتكلم في الإطار الديني، فكل حزب لا ينطلق من مبادئ الإسلام فعلينا أن ننظر إليه نظرة حذر وترقب.

...

المنبر: وهل لهذه الأحزاب حقٌ في القرار في ظل نظام التعددية؟

- إذا كانت الدولة إسلامية فكلٌّ يعمل ضمن الإطار الديني وإذا كانت الدولة غير إسلامية فكلٌّ يعمل على شاكلته ولكن المهم أننا نتكلم عن التعددية التي تخدم الإسلام وتدعمه.

ينقل أن هناك أخبار بأن اليهود تفترق إلى (71) فرقة، فرقه منها ناجية والباقي في النار. والمسيحيون يفترقون إلى (72) فرقة، فرقة منها ناجية والباقي في النار. والمسلمون يفترقون إلى (73) فرقة، فرقة منها ناجية والباقي في النار. فهذا رغم أنه مثال للتعددية إلا أنه لا يعنى أن جميع هذه الفرق على حق.

نحن نتعامل مع هذه (التعددية) في المنظار الإسلامي والإيماني وقد ننظر إليها بالمنظار الوطني أو القومي بشرط ألا يكون هذا التعدد مخالفاً للدين والعقيدة، أما إذا كان كذلك فنحن نعتبره بدعة علينا أن نضرب بها عرض الحائط.

...

المنبر: هل أراد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) إيجاد التعددية من خلال ما نسميه بحركة المهاجرين والأنصار في عهده؟

- المهاجرون والأنصار انصهروا في بوتقة واحدة وهي الإسلام وتحت راية (لا إله إلاّ الله محمد رسول الله) ولا أعتبر ذلك تيارات أو أحزاباً. فإنما هم جماعة (مهاجرين) وفدوا على جماعة (الأنصار) لقلتهم أمام مشركي قريش بعدما صدرت الأوامر بأن يلتحقوا بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في المدينة لأجل المحافظة على أنفسهم وعلى إيمانهم. لذا فإنني لا أطلق على تلك التشكيلات تسمية الفريق أو الحزب.

...

المنبر: ألا يمكن أن نفهم التعددية من خلال التنافس الذي كان بين المهاجرين والأنصار؟

- آخى النبي (صلى الله عليه وآله) بين المهاجرين والأنصار عندما قدموا المدينة فتعايشوا مع المبادئ الإسلامية وخصوصاً الأخوة والوحدة الإسلامية فالتنافس غير واضح هنا.

...

المنبر: فهل التعددية دخيلة على الإسلام أم أن لها جذوراً إسلامية؟

- كما أسلفت: فإذا كانت التعددية منطلقة من المبادئ الإسلامية فلا بأس أما إذا كانت خارجة عن المبادئ الإسلامية أو منطلقة من القوانين الوضعية أو الحالات الاجتماعية أو من الحالات الاستثنائية فهذا ما ليس له صلة بالإسلام.

...

المنبر: هل هناك نصوص شرعية تؤيد التعددية والتنافس الشريف؟

- نحن نرى في قول الرسول (صلى الله عليه وآله): (اختلاف أمتي رحمة) ما يؤيد ذلك لأن الحديث يعني أن الناس يأتون من عدة أماكن وقرى ودول للالتقاء فيما بينهم والتلاقح في الأفكار، وليس المراد من الاختلاف هو التضارب وإنما المراد منه هو المجيء أو الالتحاق من المناطق كافة، فهي إذن عملية صهر وصقل لهؤلاء الناس في ظل الإسلام وتحت راية (لا إله إلا الله).

...

المنبر: هل يرى سماحتكم ضرورة تشكيل مؤتمر إسلامي عالمي يضم تحت لوائه جميع الحركات والتنظيمات والأحزاب للتصدي للاستعمار والهجمات الشرسة على الإسلام؟

- في الواقع كلما أمكن الاتصال فلا يجوز الانفصال.

فإذا تقاربنا وتوحدنا وتعاونا وتحاببنا وانطلقنا من جامع مشترك وهو مبادئ الإسلام فإن ذلك من الأهمية بمكان في زماننا المعاصر، خاصة مع وجود هذه المؤامرات الشرسة ضد الإسلام وإن كان أصحابها لا يصرحون بذلك وإنما يغلفونها بشعارات مزيفة لتغرر بالإنسان. لذلك إذا كان هناك قدرة على جمع هذه التنظيمات الإسلامية لتكون موحدة ومتفقة وتأخذ تعاليمها من المنابع والأصول الإسلامية فهذا شيء نرحب به وندعمه.

وأظن أن هناك فريقاً يثق بفريق لو كانت الفئة أو التنظيم مدعوماً من قبل جهات واضحة كالتنظيمات الإسلامية، أما لو كانت الفئات والتنظيمات لها دعم خارجي غير واضح فلا يمكن القبول بها في مثل هذا الاجتماع الذي نقصده، فنحن عندنا دين الإسلام والدين يستوعب الجميع وليس عندنا أحزاب فالحزب هو دين الله ودين الله يشمل جميع المنتسبين له.

...

المنبر: ما هي العلل والأسباب التي أدت إلى تخلف الدول الإسلامية في نظركم وكيف يمكن علاج هذا التخلف؟

- في نظري أن التخلف له خدور تاريخية عميقة تعود إلى يوم الاثنين الذي ارتحل فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونحن الآن نعيش المآسي بسبب ذلك. فلو أعطي الحق لأصحابه وأهله وكان القائد لهذه الأمة من له الحق، لما وصلت الأمور إلى هذا المنحدر الخطير من التدهور والانحطاط كما نرى اليوم.

...

المنبر: سماحة العلامة.. كيف يمكن لنا أن نفهم مسألة الانتظار للإمام الحجة (صلوات الله عليه)؟

- مسألة انتظار الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) لابد منها وهي من مسائلنا العقيدية، ولكن قبل ظهور الإمام علينا أن نهيئ أنفسنا لنكون من أتباعه بالعمل والالتزام الديني والصدق. وفي الواقع فإن الإمام (عليه السلام) يريد أنصاراً ولا يريد غوغائيين ولا همجاً رعاعاً، بل يريد الإنسان الذي يعرفه حق معرفته ويسمع له ويفهمه وينصاع لأوامره ويسير على خطاه. فعندما تتوفر عندنا القابلية والاستعداد ونكون مجموعة متراصة ومؤمنة وملتزمة يكون السبب قد تهيأ أو تمهد لخروجه (روحي وأرواح العالمين له الفداء) وعندها نكون عوناً له وعوناً لأنفسنا في طريق الحق.

...

المنبر: ننتقل بكم - سماحة العلامة - إلى الصراع العربي الإسرائيلي أو الإسلامي الصهيوني - إن صح التعبير - فما جوهر هذا الصراع برأيكم؟

- حتى الآن يؤكد الواقع أن صراع العرب مع إسرائيل آخذ بالانحسار بعدما تظاهر العرب بأنهم أعداء لإسرائيل بينما الذي نشاهده من بعض دولهم العربية بتطبيع العلاقات مع الغاصبين يظهر العكس. وعلى صعد العالم الإسلامي فإنه يعيش حالة قوقعة، فالعرب كمسلمين التزموا الهدوء أو السكوت عن حربهم ضد العدو الإسرائيلي بذريعة (نحن لسنا أولى بأهل الدار من أنفسهم)، وعلى هذا الأساس برّروا سكوتهم وهرولتهم للتطبيع بأن أصحاب القضية أنفسهم من الفلسطينيين اتجهوا إلى هذا المنحى. إن الصراع مع إسرائيل في واقع الأمر لا يعتمد على الأنظمة وإنما يعتمد على الشعوب، أي الشعوب الرافضة للاحتلال الإسرائيلي وعدوانه ولهيمنته، فهناك فئات عربية ومسلمة شمرت عن ساعدها والتزمت قتال العدو الإسرائيلي. لكن الأجواء غير سليمة ولا ننسى أن كثيراً من الناس أصيبوا بالإحباط جراء ما حدث 1948م. وحتى الآن لم يتقدم العرب قيد أنملة في صراعهم مع إسرائيل وإنما يوجد هناك إعلام واجتماعات ومؤتمرات ولكن النتيجة عكسية لذلك أرى من الواجب للصراع العربي الإسلامي مع إسرائيل أن يسلك منهجية جديدة تارة تحتاج إلى عنف وتارة إلى الإعلام لكشف أوراق إسرائيل في العالم وأنها معتدية وظالمة احتلت أرض الآخرين وعندما تمارس هذه الخطة إعلامياً وسياسياً وعسكرياً حينها تظهر الصورة الحقيقية لهذا الوحش أمام العالم المنخدع به معتبراً إياه الحمل الوديع.

وبصراحة - أنا لست مع الإرهاب - أنا مع المقاومة التي ترجع الحق لأصحابه ومع قتال المحتل حتى يعود عن غيه، وأنا مع مقاومة إسرائيل وليس مع تطبيع العلاقات معها لأنها ستكون وقتئذ الشرطي العسكري الذي يحمي مصالح المستكبرين والمعتدين. لذلك نحتاج إلى عمل جبار يتصدى لكل عملية تطبيع ولكل المؤامرات التي تحاك ضد الشعوب المجاورة لفلسطين حتى تتمكن هذه الشعوب من الصمود أمام الإغراءات أو الترهيب والترغيب العالمي، فتبقى هذه الشعوب متضامنة ومتكاتفة في وجه كل مخطط أجنبي سواء كان صهيونياً أو غيره.

...

المنبر: ذكرتم المقاومة والعمل الإعلامي في مواجهة الكيان الصهيوني لإرجاع الحق إلى أهله فهل يمكن أن نضيف العمل الدبلوماسي أو السياسي إليهما أم لا؟

- العمل السياسي وظيفته كشف المؤامرات الإسرائيلية وفضح مخططاته.. ومن هنا نقول لكل من يدعم إسرائيل أو يتواطأ معها أنها ليست كما تدعي بأن العرب يريدون رميها في البحر وإنما العرب أصحاب حق ويتم ذلك عبر الإعلام المنظم والصادق والمنطلق من معاناة الناس.

يجب أن نخاطب الشعوب التي تعيش تحت ظلال الحكومات التي تدعم الكيان الصهيوني بغير حق لأن الكيان الصهيوني وجد على أرض عربية إسلامية سلمها الاستعمار الأجنبي لمن يحكمونها الآن وطرد شعبها الأصليين منها لذلك تنصب جهود الدبلوماسي والسياسي والإعلامي في مصب واحد لكشف ألاعيب الكيان الصهيوني وأما المقاومة التي تسدد ضرباتها إلى العدو الغاصب تكون الوسيلة الأقوى والأضمن لإيصال المظلوم إلى حقوقه.

...

المنبر: إذا تتبعنا تاريخ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) نجد فيه أنه هادن اليهود وصالحهم وبعض المعاصرين احتج بهذا كدليل على شرعية المهادنة مع إسرائيل فما هو رأى سماحتكم بذلك؟

- النبي محمد (صلى الله عليه وآله) صاحب قرار وهو يعرف الحكم والتكليف وعاش في ظروف مخالفة لظروفنا وكانت بداية الدعوة لدين فتي والقوة الإسلامية في حينها ضعيفة، فأراد النبي (صلى الله عليه وآله) من المهادنة أو المعاهدة أن يضمن شر اليهود ويتحرك في مجالات ثانية للدعوة الإسلامية لأنه إذا كان خارج المدينة أو المناطق التي يتواجد فيها اليهود فسيكون ظهره مكشوفاً أمام الأعداء فعندما عاهدهم أراد التفرغ لمهام أكبر ولكي يمنعهم من التحرك ضد الدعوة الإسلامية ومع ذلك لم يلتزم اليهود بهذا العهد رغم التزام النبي (صلوات الله عليه وآله) به مما أدى إلى توجيه ضربة قاصمة لهم عندما نكثوا العهد.

بالإضافة إلى ذلك أن سياسة النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك الوقت كانت تتطلب المهادنة وهو أعلم بالمصالح التي سيكسبها من فعله لأنه خبير وصاحب قضية كبرى وليس في ذلك تسلط لليهود.

أما نحن بمصالحتنا لإسرائيل اليوم نجعلهم مسلطين علينا بمعنى أنهم يصبحون في مركز قوة ونحن في مركز ضعيف فليس من مصلحتنا ذلك فمصلحتنا أن نبقى على حذر إن لم نتمكن من قتالهم فنعارض ونرفض التطبيع والمصالحة والتبادل السياسي. يجب أن نعلم أن في السابق - أي في زمان الرسول (صلى الله عليه وآله) - كان هنالك يهود، أما الآن فهاهنا صهيونية واستعمار عالمي ولوبي صهيوني ينهب من خيرات أرضنا وشعبنا وبلدنا. فهل يجوز بعد ذلك أن نقول إن النبي (صلى الله عليه وآله) صالح وعاهد ونحن أيضاً يجب أن نصالح ونعاهد فعلى أي أساس نربط بينهما؟ النبي (صلى الله عليه وآله) يعرف المصلحة وطبيعة اليهود وهو يتحرك بإرادة الله سبحانه وتدبيره وبدعم إلهي من قدرات وملائكة عندما كانت القوة الإسلامية ضعيفة فالنصر حليف المسلمين بفعل قدرات غيبية يتحرك على أساسها نبي الإسلام (عليه وآله الصلاة والسلام).

أما المصالحة في زماننا فإنها تصب في مصلحة إسرائيل فإذا لم تكن القدرة الكافية متوفرة لدينا للقتال عندها نقف عن ذلك ونقول بشموخ لا نريد المصالحة ولا أحد بإمكانه أن يجبرنا على مد الأيادي للمصافحة مع إسرائيل.

...

المنبر: يظهر أن عملية السلام سوف تصبح واقعاً مفروضاً فأميركا وإسرائيل يريدان إجبار الحكومات أو العرب على السلام فما هو موقف الشعوب بنظركم.. هل تصالح أم تقاتل؟

- إذا لم يتمكن الشعب في الوقت الحاضر من القتال فعليه أن يتابع الأحداث ويضمر حالة العداء فقط وهو أضعف الإيمان.

* إعلامي من المستقبل للثقافة والإعلام - بيروت

 

   

أعلى