الفهرس

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

معاني أشمل للنظافة الشخصية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية في فكر الإمام الشيرازي

حضارة النظافة في مختلف أبعادها

 


دراسة: كريم المحروس

بمجرد أن يأتي الحديث على أي منبر من منابر العطاء الثقافي عن أمور النظافة ومتعلقاتها، يتجه العقل العربي مباشرة إلى النظافة على صعيد الآداب الشخصية التي أوردتها الكتب الصحية والفقهية، من نحو تجنب النجاسات بأقسامها المتعددة، ومبطلات الوضوء والغسل كالحدث والخبث.

ويأتي الحديث الشريف (النظافة من الإيمان) الوارد عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ليؤكد في هذا الإطار على الواجبات الشرعية التي ذكرها الإسلام منذ ما يزيد على 14 قرن. ويضيف فقهاء الشريعة على هذا الحديث عشرات الأحاديث والروايات التي تفصل في بعض الأحيان في سنن النظافة دون خروج على المألوف بين الفقهاء ومؤلفاتهم في المسائل الشرعية، إلا أن المرجع الأعلى آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي يذهب في كتابه (فقه النظافة) ذي الـ(567) صفحة إلى أبعد من ذلك بكثير فهو إلى جانب رؤيته للنظافة كواجب شرعي واحد المظاهر الحضارية التي تدل على النمو العقلي للإنسان عبر تراكم علومه وخبراته على مر الزمن، ينظر آية الله السيد الشيرازي إلى النظافة كسابقة إسلامية تتفاعل في المجتمع الإسلامي تحت مظلة رواية الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) التي نصها (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه). وبذلك تكون للنظافة في كتاب آية الله السيد الشيرازي قيمة حضارية لها معنى أعم مما ورد في كتب فقهاء الشريعة والصحة، وتشمل جوانب حياتية متعددة في الأبعاد الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية بشقيها المادي والمعنوي، يستنبطها الإمام الشيرازي من الأدلة الشرعية الأربعة، القرآن والسنة والعقل والإجماع. ففي بعد النظافة الثقافية يؤكد آية الله السيد الشيرازي أن النظافة الثقافية الأهم يجب أن يتحلى بها علماء الأنبياء).

فما كان للأنبياء عليهم السلام من مسؤولية في إرشاد الناس وهدايتهم إلى سبل الخير والصلاح، يكون من بعدهم العلماء في تحمل نفس المسؤوليات في نشر النظافة المادية والمعنوية في المجتمعات، وفي مختلف المجالات الفردية والاجتماعية فيلزم أن يصلحوا أنفسهم أولاً بالنظافة المادية والمعنوية في هذا الشأن، ثم الأقرب فالأقرب، وإن تطلب الأمر التضحية بالمال والنفس. ولكن يشترط نظافة العلماء والمتعلمين في طلب العلم، وذلك بنظافة في النية والقلب التي من مصاديقها، النظافة من أكل الدنيا بالدين.

وفي هذا البعد يستعرض آية الله السيد الشيرازي عددا من الآداب النظيفة التي يجب أن يتحلى بها المعلمون والمتعلمون، من نحو، الكفاءة والأهلية، والعمل بالعمل، والتأدب بالآداب السنية حال طلب العلم وتعليمه، والاستعداد للتعلم والتعليم بكامل الأبهة والهيبة في اللباس والهيئة، والتحلي بالوقار والسكينة والتواضع في الجلوس، وتقديم الأشرف فالأشرف من العلوم، واغتنام الزمن والعمر، وعلو الهمة، والبدء في العلوم بالأهم فالأهم، وغيرها.

وفي بعد النظافة السياسية، فالقانون الإسلامي هو أنظف القوانين على الإطلاق، وشهد بذلك الخبراء وعلماء القانون، مضافاً إلى الواقع الخارجي والتاريخ الماضي والمعاصر تشريعاً وتطبيقاً. فينبغي للحاكم أن يكون زاهداً في الدنيا نظيفاً من مباهجها وزخارفها، أي أن يكون في أعلى درجات النظافة في حياته الشخصية والاجتماعية، كما كان للرسول (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، حيث أنهم كانوا المثل العليا في النظافة في كل حياتهم الشخصية والاجتماعية. فلا يجوز الاستبداد في الحكم، ولا البقاء فيه طويلاً من دون إرادة شعبية،. ذلك أن الحكم في الإسلام بالنسبة لغير المعصومين (عليهم السلام) هو بالتناوب، وبالكفاءات، وبالتصويت الحر الذي تتنافس فيه الأحزاب الحرة، وبالتعددية الحقيقية، وبأكثرية الآراء، وبالشورى، كما يجب توفير بقية الشروط الشرعية أيضاً، كنظافة السلطة من الكبت السياسي، لرعاية حقوق الإنسان السياسية لضمان أكبر للحريات بمختلف صورها، في مجالات السفر والإقامة حيث لا جواز سفر ولا جنسية ولا هوية تثقل كاهل المسلم وتحد من حركته، ولا حدود جغرافية تفرق جمع المسلمين. وتوفير الشروط الشرعية من مجالات الزراعة والتجارة، والبناء والعمران، والكسب والعمل، ونشر الكتب والمقالات، والمجلات والجرائد، وتأسيس محطات البث والإعلام، وتأسيس الأحزاب والتكتلات، واختيار السكن للزواج، وغير ذلك مما لا حرمة شرعية فيه.

وعلى السلطات السياسية أن تتحلى بنظافة من الغدر والاغتيال والإرعاب، وكل عنف وإرهاب، وما يوجب إيذاء الناس وتشويه دينهم، وهدر حقوقهم وحرماتهم بالتجسس عليهم وانتزاع الإقرار بالتعذيب. فالإسلام هو دين السلم والسلام، والصلح والوئام. والحاكم يجب أن يراعي نظافة سلوكه وتعامله مع غيره في كل الشؤون، وخاصة المعارضة السياسية. فللمعارضة حقوقها المحفوظة في ظل الحكم الإسلامي ما دامت تتنافس في ظل التعددية السياسية في سبيل الخير والبناء والتقدم، ولم تشهر السيف وتمارس العنف. فالظلم السياسي الذي يتسم بالخيانة ونشر الأغلال هو من أشد المحرمات، حتى مع الأعداء والكفار. لذا يجب رعاية النظافة في التعامل مع الآخرين أو يستحب - كل بحسبه - وذلك بتحجيم الرد على العدو بمثله وقدره، وتأطير ذلك في إطار نظيف، فالمقدار الزائد اعتداء وظلم وهو محرم. وأيضاً بالحث على العفو عن العدو وعدم الانتقام، وقلع جذور البغضاء والعدوان عن النفس (إن تعفوا أقرب للتقوى) و(العفو لا يزيد صاحبه إلا عزاً، فأعفو يعزكم).

يضاف إلى ذلك وجوب مراعاة المعاهدات الدولية التي يعقدها الحاكم الإسلامي مع الدول الأخرى، حتى غير الإسلامية منها، فالنظافة في ذلك باحترام العقود، وبعدم إجبار أحد بالاستبداد الديني لغير المسلمين دولاً وأفراداً، أكثريات وأقليات، ولا فرق في كونها تدين بالأديان كالنصارى، أو غير ذلك.

وأما في حالة الحرب. فالحرب في الإسلام هي خلاف الأصل، ولذا يقتصر فيها على أقصى موارد الضرورة. وقد راعى الإسلام في الحرب نظافة لم تر البشرية مثلها قط رغم كثرة المنظمات الدولية التي تدعي اليوم بأنها تراقب الحروب، وتندد بالانتهاك الذي تتكرر فيها. وقد استثنى الإسلام من قتل الأعداء المتواجدين في ساحة القتال والحرب عشر طوائف من الكفار المحاربين - أو أربع عشرة طائفة على قول بعض الفقهاء - فإنهم لا يقتلون ولا يصابون بأذى. وهذه ميزة لا توجد في غير الإسلام. وهم:

الشيخ الفاني الذي لا يقدر على حمل السلاح، والمرأة وإن كانت تسعف جرحى الأعداء من المحاربين أو تساعدهم في المأكل والمشرب ونحو ذلك، والطفل قبل بلوغه خمس عشرة سنة غالباً، والمقعد، والأعمى، والمريض، والرسول المبعث من قبل الكفار المحاربين إلى المسلمين، والراهب المنشغل بعبادته وإن كان ممن يحث المحاربين على الحرب ويدعو لنصرتهم، والمجنون، وكل من لا مصلحة انتصارية في قتله، والفلاح والزراع، وأصحاب الصناعات، كالمهندسين، والمخترعين، ونحوهم، وأصحاب الحرف، والخنثى.

كما لا يجوز البدء بحرب وقتال، فكل الحروب والغزوات التي خاضها المسلمون في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) والإمام علي (عليه السلام) والأئمة المعصومين، كالإمام الحسين (عليه السلام) كانت حروباً دفاعية ابتدأها العدو. وكان الأمان فيها محترماً، ولم تلوث خلالها المياه والأجواء، ولم يغدر الإسلام بمعاهدات الصلح فيها، وتلقى أسرى المسلمين أنظف تعامل عرفته البشرية إلى اليوم. وفي كل ذلك هناك الكثير من النماذج عن المعصومين (عليهم السلام) يستعرضها آية الله السيد الشيرازي في هذا المقام.

وفي بعد النظافة الاقتصادية يرى الإمام الشيرازي أن الاستقلال الاقتصادي يدخل في باب النظافة الاقتصادية التي أمر بها الإسلام، من نحو الاكتفاء الذاتي، ونفي الفقر والحرمان، وحرية رؤوس الأموال، وحرية التجارة والصناعة وما أشبه، وعدم فرض الضرائب غير الشرعية، وعدم الجمارك والموكوس، وقلة الموظفين، والقضاء على البطالة، ورعاية البساطة في الأمور وخاصة لدى الحكومة والحكم، وتوفير الحاجات الأساسية، وأمانة بيت المال، وزهد الحاكم، وتزهيد الناس في الجرائم، وترغيبهم على الخير، وحرمة أكل مال الناس بالباطل، وحرمة السرقة، وحرمة الاحتكار في الجملة، وحرمة الغش، وما أشبه.، كما ينبغي للحاكم الإسلامي والحكومة الإسلامية العمل على توفير الفيء، ونفي الفقر والحرمان، ومكافحة الجهل والمرض، وذلك بتطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي، فإن هذا الاقتصاد أنظف اقتصاد عرفه البشر، علماً بأن سلامة الاقتصاد ونظافته في الحياة، له ارتباط وثيق بسلامة دين الشعب وصلاح دنياهم وآخرتهم. وفي ذلك يجب على الحاكم الإسلامي وحكومته، إعطاء الحرية الاقتصادية التي قررها الإسلام لكل الناس، وذلك بأن تسمح لهم، بل وتساعدهم على إنتاج وتصنيع ما يحتاجونه أو يريدونه من مواد غذائية وإنشائية وخدماتية.

وإما في مجال الزراعة والصناعة والفنون والتقنيات اللازمة، فعلى الحكومة والحاكم فتح أبواب العلوم على الناس، والحرف والمهن والكسب والاكتساب والتصدير والاستيراد وغير ذلك. فالإسلام يقر الملكية الشخصية بشكل نظيف ونزيه، ويحترم أموال الناس كما يحترم أعراضهم ودماءهم، ولا يسمح لأحد ولا لأي جهة بالتصرف فيها إلا عن تراض حاصل بين الطرفين، أو عن طيب نفس من المالك، وذلك لما في تقرير هذه الملكية من منافع يتوقف عليها تقدم المجتمع ورقيه، إضافة إلى ما فيه من احترام للإنسان واحترام لما يرتبط به. وإذا حدث أن عاش الناس في ديون لم يقدروا على أدائها حال ممارسة حريتهم الاقتصادية النزيهة والنظيفة، فإن على الحكومة والحاكم تسديد ديون المغرمين المثقلين. ويؤدي هذا الدور التنفيذي، بيت المال، الذي يحظى برعاية ونظافة من قبل الحكم. فبيت المال المقرر في الشرع الإسلامي هو من أنظف المؤسسات الاقتصادية في العالم، مما لم يوجد مثله في النظافة والنزاهة في سائر الأديان والمبادئ، إذ أن بيت المال في الإسلام ليس فقط مما يجب مراعاة النظافة في مصارفه، بل يجب مراعاة النظافة في موارده ومداخله أيضاً، حيث يجب تطهير موارده من الربا، ومن الغش، ومن الغصب، ومن المصادرة، ومن الإجحاف، ومن الضرائب غير الشرعية، ومن غير ذلك مما حرمه الإسلام.

كما يجب تطهير مصروفه من الاختلاس والخيانة، ومن الزيادة والنقصان، للحاكم نفسه، ولغير الحاكم، حيث أن على الحكومة والحاكم أن لا يأخذ لنفسه ما لا يستحقه، ولا يتصرف عدواناً حتى في فلس واحد منه، ولا يهب منه بلا استحقاق لأحد من ذويه ولا لأحد من الناس. وفي كل ذلك يستعرض آية الله السيد الشيرازي الأدلة من القرآن والسنة التي تثبت تلك النظافة والطهارة في المجالات الاقتصادية.

وأما التفصيل في مجالات النظافة الاقتصادية فقد كان لآية الله السيد الشيرازي كتباً رائعة جداً، من بينها (الفقه الاقتصاد) (الفقه: آداب المال) و(الاقتصاد الإسلامي المقارن) و(الاقتصاد في خمسين سؤالاً وجواباً) و(الاقتصاد الإسلامي في سطور) و(الاقتصاد عصب الحياة) و(الاقتصاد للجميع) و(انفقوا لكي تتقدموا) و(الفقه: البيع) و(الفقه: التجارة) و(الفقه: المكاسب المحرمة) و(الفقه: الخيارات) و(حل المشكلة الاقتصادية في ضوء القوانين الإسلامية) و(الفقه: الخمس) و(الفقه: الزكاة) و(كيف يمكن علاج الغلاء) و(الكسب النزيه) و(لمحة عن البنك الإسلامي).

وفي بعد النظافة الاجتماعية، فهناك آداب كثيرة في خصوص المعاشرة مع الناس. والعشرة الاجتماعية وردت في روايات، وقد خصص لها علماء الدين في كتبهم أبواباً تحت عنوان (المعاشرة)، من بينها كتاب لآية الله العظمى السيد الشيرازي تحت عنوان (الآداب والسنن) و(الأخلاق الإسلامية) و(الفضائل والأضداد) و(الفضيلة الإسلامية) و(الفقه: المستحبات والمكروهات).

ويورد آية الله السيد الشيرازي مختصراً مفيداً في هذا الجانب، كآداب الدخول في التجمعات وإقامة الصداقات المختلفة، فهي بحاجة إلى نظافة بمعناها الأعم، كأن تكون النظافة الشخصية في التجمعات والصداقات بسريرة وعلانية واحدة تجاهها واحدة. وكسب ما هو إيجابي من سلوك الناس، خصوصاً عند مجالستهم، فالمجالسة مع الأفراد تؤثر في النفس، سلباً وإيجاباً. فيلزم تجنب مجالسة ومخالطة من تلوث قلبه وروحه بما لا يرضي الله تعالى، يضاف إلى ذلك أن تكون هنالك نظافة في المشورة، فقد أكدت على ذلك الكثير من الروايات، لما لها من عظيم الفائدة على التجمعات والصداقات، ولجليل عوائدها، وطيب ثمارها، وجميل نتاجها في حياة الفرد والمجتمع. وتختلف نظافة المشورة في التأثير بحسب مواردها شدةً وضعفاً، ولذا فهي بين واجب ومستحب. ويورد آية الله العظمى السيد الشيرازي عدداً من العناوين مع إجمال لما يندرج تحتها في شؤون مختلفة.

منها: شأن رعاية الأخوان التي يستحب فيها النظافة في تعامل المؤمن مع أخيه، وقد يجب ذلك، كل بحسبه كما دلت على ذلك روايات مختلفة. وفي شأن حرمة إيذاء المؤمن وعدم جواز غيبته أو بهتانه أو اتهامه والافتراء عليه.

وفي شان استحباب الزينة بين المسلمين إذا خرج أحدهم للآخر. وفي شأن نظافة التعامل مع الضيف وإكرامه، ورعاية حق الجار وحسن التعامل معه، فإنه بين الواجب والمستحب. وفي شأن رعاية المرضى، التي هي طهارة اجتماعية.

ويفرد آية الله السيد الشيرازي في هذا الباب من النظافة الاجتماعية فصلاً تحت عنوان (نظافة الأسرة)، ابتدأه بمسألة الزواج وتكوين العائلة. فيستحب رعاية النظافة في باب النكاح، وقد ورد في مجال انتخاب الصالحات، واختيار الطيبات نصوص وروايات كثيرة نقلها آية السيد الشيرازي في هذا الفصل، تتصل بصفات المرأة حال الانتخاب، كأن تكون ولود ودود، تعين زوجها على دهره لدنياه وآخرته، ولا تعين الدهر عليه. وخير النساء العفيفة العزيزة في أهلها، الذليلة مع بعلها، والمتبرجة مع زوجها، التي تسمع قوله، وتطيع أمره، وإذا خلا بها بذلت له ما يريد منها. ويحرض الإسلام على الزواج المبكر تحريضاً شديداً إبان بلوغ البنين والبنات البلوغ الشرعي، وبذلك أغلق باب الفساد على الشباب والشابات، إضافة إلى ما في الزواج من نظافة وفوائد صحية وجسمية، وسلامة الروح والبدن حسب اعتراف علم الطب والأطباء، فشرار الموتى هم العزاب، وركعتان يصليهما المتزوج أفضل من سبعين ركعة يصليها الأعزب.. فيجب أن يعف الإنسان فرجه عن الحرام وينظفه عما لا يحل له.

وفي الزواج آداب ونظافة في المقاربة، لها تأثير كبير في توثيق علاقة الزوجين، وتشديد الألفة والمحبة بينهما، إضافة إلى ما لها من بالغ الأثر في تكوين الولد وسلامة جسمه وعقله، بل سعادته في الدنيا والآخرة.

وتحت عنواني (نظافة العين) و(الاختلاط المحرم ونظافته) يقول الإمام الشيرازي: يجب نظافة العين عما لا يحل النظر إليه، فإن النظر سهم مسموم من سهام إبليس، يسمم الروح، ويعكر صفاء القلب، ويرهق النفس، ويمرض الجسم، كما ثبت ذلك علمياً، ودل على ذلك آيات وروايات. كما لا يجوز الاختلاط المحرم بين الرجال والنساء، فإن في ذلك مفسدة للمجتمع، وممرضة للقلوب والأجسام، ومهزلة للعقول والأفكار، كما ثبت ذلك في علم النفس الاجتماعي، وأثبتته التجربة التاريخية والعملية. وقد حذر الإسلام منها منذ بزوغ شمسه وطلوع فجره.

كما أكد الإسلام في جانب آخر تأكيداً كبيراً على أن تتزين المرأة لزوجها، وكره لها - حتى للمرأة العجوز - أن تعطّل نفسها من الزينة لبعلها، وذلك من مصاديق النظافة والزينة والجمال. إضافة إلى ذلك أن هناك نصوص وروايات كثيرة تؤكد على لزوم احترام المرأة كاحترام الرجل لاشتراكهما في الإنسانية، وفي جميع الأحكام إلا ما خرج بالدليل لحكمة رآها الشارع، وتوصي بحسن التعامل معها مطلقاً، زوجة أو أماً أو بنتاً أو أختاً أو خالةً أو عمةً أو ما شابه.

ولرب العائلة عقب زواجه استحباب التوسعة على العيال، كما يستحب شراء التحف والهدايا لهم ويستحب أو يجب - كلٌّ في مورده - الاهتمام بتربية الأطفال، وحسن كفالتهم، وتعليمهم، وتربيتهم تربية صالحة نظيفة، وأن يختار الأسماء الحسنة لهم ولنفسه. وحال ولادة أي منهم يستحب حلق رأس المولود في اليوم السابع منذ ولادته، فهو نظافة للرأس. كما يستحب التصدق بوزن شعره فضة، والعقيقة عنه، وهما نظافة للروح وسلامة للنفس. وأما في الرضاعة فيستحب رعاية النظافة في رعايتهم مادياً ومعنوياً.

وفي بعد النظافة النفسية يورد آية الله السيد الشيرازي (45) عنواناً، يبدؤها بالعلاقة مع الله سبحانه وتعالى، فإن أهم ما يؤثر في النفس ونظافة المجتمع من الذنوب والآثام الفردية والاجتماعية: الخوف من الله تبارك وتعالى، وقد ورد في النصوص والروايات التأكيد الكبير على ذلك. ويجب أن يكون ذلك الخوف منه سبحانه وتعالى ممزوجاً مع الرجاء، وأن يكون القلب نظيفاً من سوء الظن بالله تعالى، ويجب شحنه بحسن الظن به.

ويلزم تنظيف النفس عن الصفات المذمومة العالقة بها، وأدران الملكات السيئة والتمنيات الفاسدة والانحرافات المشينة والغرور لأن الغرور يصد عن العروج في سلم الكمال، ويهوي بالإنسان إلى درك الهوان والسقوط، وأن تحلّى النفس بالزهد وتنظف من حب الدنيا ومن الرغبة إليها والتعلق بها، وتنظف من حب الرئاسة والمقام، لأنه يؤدي إلى الانحراف إذا لم يكن لطلب الحق.

وأما الحسد فعلى الإنسان أن ينظف قلبه منه، فهو داء عضال، ومرض روحي وبيء يؤدي بصحة الإنسان وسلامته ويفسد عليه دنياه وآخرته، وكذلك الكبر من الخيلاء والكبرياء، فالكبرياء رداء الله ولا يليق بأحد غيره، وقد لعن الله من نازعه رداءه، وأذله وأخزاه.

ومن الصفات الذميمة التي يجب أن يطهر الإنسان نفسه منها، الضجر والكسل، فهو بين مكروه ومحرم، فمن كسل عما يصلح به أمر معيشته فليس فيه خير لأمر دنياه، وإن من علامات الصبر عدم الكسل والضجر. كما يجب أن يتطهر الإنسان من الطمع والتعصب الأعمى، فالحمية والتعصب على غير الحق بين مكروه وحرام، لذا على الإنسان أن يكون متحلياً بالسكينة ويزين نفسه بها وأن يبتعد عن المراء والخصومة والشحناء والعداوة وحب التفرقة وتشتيت المسلمين والرضا بالظلم والخيانة وحب المال والفحش والشتم والكذب على الله ورسوله والأئمة (عليهم السلام) فإن ذلك كله من مصاديق النظافة النفسية.

وفي مقابل ذلك على الإنسان أن ينظف ظاهر نفسه، بأن يستر ذنوبه وعيوبه ويغطيها، وأن يتوب ويندم حال ارتكاب الآثام، فإن الإسلام يؤكد على نظافة ظاهر الفرد والمجتمع، كما يؤكد نظافة باطنهما، وقد يجب الستر فيما إذا صدق على الإباحة بها إشاعة الفاحشة، كما أن الندم على الذنوب نظافة للروح وطهارة لقلب، وانطلاق للعقل وتحرر للإنسان.

ويجب التحلي بالتقوى، والتزين بالورع عن المحرمات واجتنابها، والحذر من ارتكاب الشهوات المحرمة والمعاصي صغيرة أو كبيرة، لكن الكبائر أشد حرمة، فيجب على الإنسان اجتنابها والابتعاد عنها.

وأما على صعيد النظافة الشخصية فقد أورد آية الله العظمى السيد الشيرازي (70) عنواناً، بدأها بنظافة البدن، فعلى الإنسان أن يراعي النظافة في شخصه، فيزيل الأوساخ والرطوبات المترشحة من بدنه، سواء كان عن ثقب كبير نسبة كالفم والأذن وما أشبه ذلك، أم عن الثقوب الصغيرة المنتشرة في كل البدن حيث ثبت علمياً أن في البدن أربعمائة ألف ثقب. كما يستحب سعة المنزل ونظافته فمن الشقاء ضيق المنزل، وكذلك بالنسبة لأثاث المنزل، حتى يكون المنزل مبعثاً للصفاء والنقاء والروائح الطيبة، إلى غير ذلك من مصاديق النظافة والجمال وغيرهما.

وللمائدة آدابها ونظافتها، فيستحب غسل اليدين قبل الطعام وبعده، ويكره كثرة الأكل والتجشؤ والأكل بالشمال والمشي حال الأكل والنفخ في الطعام والشراب، ويستحب تغطية الإناء وتخليل الأسنان بعد الأكل ويكره تركه.

وفي نهاية هذا الكتاب الرائع يدون آية الله السيد محمد الشيرازي خاتمة، يعدد فيها موارد النظافة الجسدية والمعنوية والأشكال الأخرى من النظافات. فمن الأدلة العامة والخاصة يعرف التأكيد على النظافة بكل أقسامها، حتى أن الشجر وإحياء الأرض بالزرع والنبات مما أكد عليه الإسلام نظافةً وجمالاً، إضافة إلى أنه ثمر وتصفية هواء، إلى غير ذلك.

ويقول آية الله السيد محمد الشيرازي: إن الغربيين إنما تقدموا في بعض المجالات، لأنهم اعتمدوا شيئاً من النظافة الإسلامية بالمعنى الأعم وطبقوها في حياتهم، كما دل على ذلك الكتب المعنية بهذا الأمر. نعم، بقيت عندهم في الحال الحاضر أمور كثيرة رفضها الإسلام لقذارتها، لكنهم لم يرفضوها بعد، ولذلك نجد في بلادهم الوساخات السياسية والثقافية والاجتماعية، والتلوث بوساخات حيواناتهم ومشروباتهم كالكلاب والخمور، والخلاعة والزنا وما أشبه. وقد وردت في بعض المجلات تصريحات بذلك. فقد قالوا في الحديث عن تلوث البيئة والمحيط وهذا ما يقوم به الفرنسيون بوساخة كلابهم المدللة، التي يزيد عددها على ثمانية ملايين ونصف المليون كلب، منها نصف مليون كلب في باريس وحدها، وهذه الكلاب الباريسية ترمي خمسين طناً من الفضلات ومائتي ألف لتر من الفضلات السائلة في الحدائق والشوارع والأرصفة بباريس، مما يؤدي إلى تلوث المكان والهواء، ويسبب إزعاجاً للآخرين، وهذه المشكلة لا تقتصر على الفرنسيين فقط، بل هي شائعة في عالم الغرب. إلى غير ذلك مما هو واضح.

فاللازم على الغرب أيضاً أن يتزين بالنظافة الشاملة التي بينها الإسلام وأمر بها، إن أراد تقدماً وازدهاراً كما يجب على المسلمين وحكامهم أن يهتموا بالنظافة الإسلامية في كافة مجالات الحياة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية والسياسية وغيرها، حتى يعود إليهم مجدهم وسؤددهم، وما ذلك على الله بعزيز.

* باحث في مركز التثقيف الإسلامي - لندن

 

   

أعلى