الفهرس

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

 

 

الفقه الشيرازي قدّم تفسيرات وحلولا فريدة للإشكاليات الفلسفية

العقائد مدخلا لإدراك نظام الحياة والآخرة

 

 

دراسة: كريم المحروس

الفقه الاسلامي من اهم العلوم واشرفها، ذلك انه دليل الانسان في هذا الكون ليتمكن بواسطته من عبادة ربه احسن العبادة، وليتمكن ايضا من تسخير النعم التي حباه الله بها احسن تسخير، هو دليل لا يتاتى الا من خلال علم يسخره خالق الانسان نفسه، يوجهه فيه وينظم به حياته وفق توجيه ونظام ينسجم مع طبيعة الخلق والمخلوقات. من هنا جاء علم الفقه ليكون اول العلوم التي يستوجب ان يتعرف عليها الانسان، ويضعها في سلم اولوياته العلمية.

وللدخول في هذا العلم الشريف لابد من معارف تضيء الطريق، وتجعل من معاني هذا العلم واضحة، سهلة الادراك والاستيعاب، لا لتعقيد في هذا العلم، او لنقص، بل الامرهنا متعلق بدرجة التمسك بهذا العلم والتعبد بنصوصه وتعاليمه. وعلى هذا الطريق تأتي علوم ومعارف العقائد لتجعل من الانسان ملتزما باجلال واحترام وتقدير لعلم الفقه. ذلك ان ادراك العقائد يأتي عقلا بعد الفطرة التي تثير في ذات الانسان ضرورات الايمان.

وعلى اسس من الاعتقاد العقلي وبإيعاز من الفطرة، تتجه ذات الانسان الى ضرورة ادراك المنهج والسلوك الذي يترتب على ذلك الاعتقاد.

فايماننا بالله عزوجل، وبوجوده، وبمدأ خلقه للكائنات، وبالمعاد الذي توزن فيه اعمال الانسان، وغير ذلك من الاعتقادت، يدعونا الى وجوب الاخذ بالفقه تعبدا. فالفقه هو المنهج وهو النظام والدليل لعبادة الخالق، وسبل التعاطي مع هذه الحياة وما فوق هذا الكون من مخلوقات.

اذن، دراسة علم العقائد هو ا لمدخل لعلم الفقه. وبما ان المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي هو صاحب اكبر موسوعة معاصرة في علم الفقه، جعل لموسوعته المباركة هذه مدخلا مختصرا في العقائد، في كتاب بصفحات تعدادها 395 صفحة، اسماه (الفقه العقائد). استهلها بمقدمة تعريف للكتاب والهدف من تأليفه، قال فيها:

(اما بعد.. فهذا مختصر في العقائد، حسب ما يستفاد من الكتاب والسنة، جعلناه مقدمة للفقه بعنوان المدخل، وربما امكن فرضه منه باعتبار بعض ما يتضمن من الفروع الفقهية العامة).

وقد جاء مختصر العقائد ليقول في مطلع مسائله: ان المبدأ والمعاد مما لا يدخلان بجميع خصوصياتهما تحت ادراك العقل، لانه لا يدركهما من هذه الحيثية الا مجملا ضبابيا، فالادلة التي يمكن الاعتماد عليها بالنسبة للمبدأ والمعاد هي الادلة الاربعة ايضا، كما في الفقه: الكتاب والسنة والاجماع والعقل.

وقد فصل الكتاب في المبدأ والمعاد. فتحت عنوان المبدأ، استعرض آية الله السيد الشيرازي مبحث الاله و الوجود. اذ يقول: انه لم يدل دليل على وجود المجرد ما عدا الله سبحانه وتعالى، بل الادلة على خلاف ذلك. وحيث ان الله عزوجل اراد ان يجعل هذا العالم الاسباب والمسببات، جعل المادة الاولية لهذا العالم الماء وهو غير مجرد، قال سبحانه: (وجعلنا من الماء كل شيء حي). ويندرج تحت هذا الخلق ايضا العقل. فالمراد من ان العقل اول ما خلق الله سبحانه وتعالى - في الظاهر كما يقول السيد الشيرازي - النسبية لا الحقيقة.

فالمادة الاولية (الماء) هي مادة واحدة، وهي منشأ كل الاشياء بأمر الله تعالى، وهي محاطة بالحدود الحقيقية، وحتى الزمان لو كان شيئا لكان من تلك المادة. وان عدم فهمنا لكنه الزمان او عدم فهم كيفية كون ذلك الزمان من تلك المادة، لا يوجب عدم تصديق ما في الروايات من ان منشأ الكون تلك المادة. وهكذا لو قيل: ان الموت والظلمات ايضا مخلوقات، كما هو ظاهر بعض الايات والروايات، مثل قوله تعالى: (خلق الموت والحياة)، وقوله عزوجل: (وجعل الظلمات والنور).

وكيف كان، فيدل على ان المادة واحدة جملة من الروايات. وبهذا القول، يستعرض آية الله السيد الشيرازي عددا من الروايات كأدلة على ذلك. حتى يأتي ليتحدث عن قسمي الماء الواحد المجعول من الباري عزوجل، فهما: الاجاج والعذب. وخلق من طبيعة الاول الطغيان والنار والاحراق. وقد جعلهما الله سبحانه وتعالى بقسمين، ليعطي كل ذي حق حقه، فان كان الماء كله عذب، لم يكن الله اعطى غير العذب حقه من الخلق، وهذا ما يسمى في الفلسفة، بقابلية القابل.

ويذهب الإمام الشيرازي في امر المجرد، الى استحالة تجرد غير الله سبحانه وتعالى، (فما ذكره الحكماء من الادلة على خلاف ذلك). وهنا يستعرض السيد الشيرازي عددا من الادلة التي تشير اليها الروايات. ومن بين تلك الروايت ما ورد عن ابي عبد الله (عليه السلام): (ان الارواح في صفة الاجساد في شجرة في الجنة تعارف وتساءل).

من هنا يرى السيد الشيرازي ان الروح ليست مجردة، وكذلك النفس (آلة الحياة) وهي شيء في داخل الانسان يأمره بالحسن والقبح. فلا دلالة في الروايات اطلاقا على تجرد الروح او النفس. والاستدلال بالروايات التي يرجع اليها بعض الحكماء على تجرد الروح والنفس هو استدلال - كما يرى السيد الشيرازي - مثل الاستدلال بها على وحدة الوجود او وحدة الموجود. حيث ان هذه الروايات بعيدة كل البعد عما ذكروه من الاستدلالات. واما ادلتهم العقلية فهي ليست ادلة برهانية.. بل انها اشبه بالادلة الخطابية او الظنية ظنا ضعيفا جدا. ومع ذلك يذهب آية الله السيد الشيرازي الى مناقشة ادلة الحكماء ويثبت بطلانها.

ويفرد صفحات من كتابه العقائدي الرائع، عن العلم ومعرفة الله والعقل. فالعلم والعقل هما كاشفان للحقائق مطلقا بقدر الاستعداد وبقدر تحصيل المقدمات. وافضل ما يكشفه العلم ويميزه العقل هو معرفة الله سبحانه وتعالى، ولكن لا يعرف الله بحقيقته مطلقا، اذ من المحال ان يشتمل المحدود على غير المحدود. ولكن لا يقال: فيما الفائدة في المعرفة؟ ذلك ان في العلم لذة ودفع الم الجهل، حيث لا لذة فوق معرفة الله ولا الم اكثر من عدم معرفته سبحانه وتعالى. ويأتي بعد معرفة الله لذة ودفعا لالم الجهل، معرفة أهل البيت عليهم السلام. ولذلك اوجب الله بلطفه المعرفة على الانسان، لانها ضرورية لكماله، ورتب على ذلك العقاب والثواب. وهنا يستعرض المرجع الأعلى الشيرازي روايات في هذا الصدد باستفاضة.

وتاتي المعرفة بالعقل، فهو حجة وبه يثاب الانسان او يعاقب، وهو شيء مخلوق غير مجرد، وله جنوده، وانما نعرفه بآثاره لا بحقيقته وكنهه، كما نعرف الامر بالنسبة لغالب الاشياء حيث لا تعرف بحقيقتها وكنهها، وهنا يستعرض الإمام الشيرازي الخلط الذي وقع فيه الحكماء والفلاسفة بين النفس والعقل، وجعلهم العقل مراتب النفس، فهذا الخلط كما يشير آية الشيرازي راجع الى عدم النظر في الروايات، فلا دليل على ذلك شرعا ولا حتى عقلا. فللعقل ذات لا نعرفها كما لا نعرف الاكثر من الاشياء.

وقد ركزت الروايات في العقل على خصوصياته ومزاياه و خواصه ولوازمه، مع اختلاف في التعابير، ولكنها لم تشر الى حقيقة العقل المخفية اطلاقا، فتارة تقول الروايات: انه من نور، وتارة انه نور، وتارة ان مثله كمثل السراج، وتارة اخرى انه خلق من العلم، وتارة انه قائم بالعلم، وكذلك عبارات اخرى، كالفطنة والفهم والحفظ والعلم. والعلم بالعقل هذه المفاهيم التي تذكر وتدرس وتتلقى فقط، بل بالاضافة الى ذلك انسياق كل ذلك مع سير الكون حسب تقدير الله تعالى للكون باجزائه المختلفة.

واما بالنسبة لعلاقة المعرفة بالفطرة، فيرى الإمام الشيرازي انها علاقة السبب والمسبب، فان المعرفة فرع الفطرة على الظاهر، وتطلق المعرفة على ما سبق الانسان ان عرفه، كما قال بذلك الشيخ البهائي قدس سره، لان الانسان سبق ان عرف الله في عالم الذر، حيث كانت الابدان قد خلقت كالذر في هذا العالم وامتحنت في الالوهية والنبوة والولاية، ولعله كان ايضا بالنسبة الى المعاد، قبل ابتلائهم في هذه الدنيا، ثم اودع سبحانه وتعالى الجسد الذري المشتمل على الروح الناطقة السامعة في جسد آدم (عليه السلام) بعد خلقه.

فضرورة العقل تدل على إله خالق للكون، وانه حي، وعالم، وقادر، وليس كمثله شيء، الى غير ذلك من الصفات الثبوتية والسلبية لله عزوجل، وانه لا يقاس بخلقه اطلاقا، نقلا وعقلا. وهنا يناقش آية الله السيد الشيرازي بعض آراء الفلاسفة في صفات الله سبحانه وتعالى، من نحو: القول بالفيض، فلو كان المخلوق من سنخ الخالق للزم وحدة الصفات وسائر الجهات، وذلك مستحيل. والقول ان الواحد لا يصدر منه الا الواحد، فهذا غير تام في الواحد بالارادة، اذ لو صدر من الواحد غير الواحد للزم صدور كل شيء من كل شيء. والقول بمسألة بسيط الحقيقة، فذلك متوقف على وحدة حقيقة الوجود في الواجب والممكن، وهو بحاجة الى دليل، بينما الدليل على عدمه. فالقبول بوحدة الوجود او الموجود خلاف الادلة العقلية والنقلية.

ويضيف الإمام الشيرازي في مناقشة اقوال الفلاسفة، امر القائلين بالجبر، وكذلك التفويض، ويستعرض الاجابة بالادلة على الامر بين امرين.

وكعادة الفقهاء والمجتهدين في بحوث العقائد، يجيب آية الله العظمى السيد الشيرازي على مسألة الموت والاخرة، فالموت اول مراحل الاخرة، وفلسفته بيان عدم احتياج الله سبحانه وتعالى الى أي شيء، بينما المخلوقات محتاجة، فالانسان على سبيل المثال من بدء خلقه الى منتهى ما يصل اليه من كمال، باق على ماديته وجسمانيته، فهو مادي وجسماني، وزماني ومكاني، وفقير ومحتاج في بقاء ذاته وجميع كمالاته المادية والمعنوية الى الله سبحانه وتعالى الغني المطلق والواجب المتعال.

وليس الموت هو نهاية لكمال الانسان، فالظاهر ان الانسان يصعد كمالا ايضا في عالم القبر وعالم المحشر وحتى في الجنة كما دلت على ذلك الاحاديث، لانه لا يقال: ان الله سبحانه وتعالى غير محدود، ومن الواضح ان غير المحدود كلما اخذ يقرب المحدود ويرفعه الى رحمته يبقي مجالا ومجالات الى ما لا نهاية. وفي ذلك يقول السيد الشيرازي: وهذا هو الجواب الذي اجيب به عن سؤال: ما فائدة صلواتنا على محمد وآله (عليهم افضل الصلاة والسلام) وقد بلغ (صلى الله عليه وآله وسلم) المقام المحمود. ويضيف الإمام الشيرازي في مسألة الموت: ان في الموت تعلق للروح ببدن مثالي كتعلقها في الدنيا بهذا البدن الترابي، كما في رواية الحنط عن ابي عبد الله (عليه السلام): (انهم في ابدان كأبدانهم)، وفي رواية اخرى (صيّر تلك الروح في قالب كقالبه في الدنيا، فيأكلون ويشربون). وفي هذا الموضع يستعرض السيد الشيرازي سبع شبهات حول المعاد الجسماني، هي: ان اعادة المعدوم ممتنعة، بين الفعلية والقوة، تبدل الانسان وحشره بجميع اجزاء بدنه المتبدلة، الآكل والمأكول وتحول المأكول الى جزء من الجسم، الحاجة الى دخول الروح في الجسد يوم القيامة، قابلية الارض. ثم ياتي الى شبهتين رئيسيتين في الخلود تمنعان المعاد الجسماني، هما: كيفية دوام النار مع ان المعاد الجسماني، هما: كيفية دوام النار مع ان العقل يدل على انه خلاف العدالة اذ السيئة تجزى بمثلها او اكثر، واستدلوا على ذلك بادلة لا يخفى ضعفها حسب قول السيد الشيرازي. واما الشبهة الثانية هي كيفية دوام الجنة مع ان ما لا اخر له مثل ما لا اول له، ويقول السيد الشيرازي في هذه الشبهة: ان الاستناد الى الله سبحانه وتعالى لا يدع مجالا لهذا الاشكال وأمثاله. ثم يضيف: ولو فرض صحة الاشكالين، لا يضر المعاد الجسماني نعيما او جحيما، وانما يزعم تضرر مسألة فرعية وهي (الدوام). وبعد انتهاء الإمام الشيرازي من تفصيل امر المبدا والمعاد ومتعلقاتهما من امر تجرد الله سبحانه وتعالى وما هية الروح والعقل والفطرة والمعرفة والموت واليوم الاخر، وغير ذلك، الاستدلال بالادلة الوافية بما يقرب من ذهن القارئ القاصد معرفة عقائده تمهيدا للاخذ بالفقه اخذا سليما. يختتم كتابه القيم بخاتمة ضمنها مجموعة من المسائل العقائدية في التوحيد والنبوة والمعاد والتقليد في الامور العقائدية وبعض من المسائل الفلسفية من حيث معاني الالفاظ الفلسفية، فضلا عن صفات الله، ثم الامامة وتفسير لبعض اقوال فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وامور متعلقة بولاية الفقيه من نحو ولاية فقيه على آخر والاطلاق والتقييد في الولاية وشورى الفقهاء. وفي نهاية الخاتمة يطرح المرجع الديني الأعلى الإمام الشيرازي بعضا من اجابات على استفسارات مختلفة ومتنوعة في المجالات العقائدية بشكل مختصر.

الكتاب في حقيقته مدخل مفيد جدا، يقرب الانسان نحو الاخذ بالفقه وتعليماته ومسائله بكل جد وانتظام، كما يتميز الكتاب نفسه بمحاولة تبسيط الامور العقائدية والفلسفية، بحيث يستوعبها عامة الناس. ويأنس لها المثقفون والمختصون لما فيها من عرض جديد لمختلف الاراء عند الحكماء والفلاسفة، وطرح يتبناه آية الله العظمى السيد الشيرازي، هو اقرب للصحة عقلا ونقلا.

ويأتي هذا الكتاب ثمرة من ثمار جهد عظيم يقوم به الإمام الشيرازي لجعل علوم الشريعة في مجالاتها العقائدية والفقهية رهن حاجة الناس دون تقعيد في النص وعرض للمعاني والنظريات والافكار، في اطار موسوعة علمية فقهية متكاملة، يزيدها الإمام الشيرازي كل يوم بنصوص مؤلفات جديدة.

* باحث في مركز التثقيف الإسلامي - لندن

 

   

أعلى