|
|
|
|
|
|
|
|
|
مناقشة علمية لمدى صحة فرضية (عدالة الصحابة) الصحابة.. وهالة القداسة الزائفة! من يستحق أن يتّهم بالغلو؟! |
||
|
كتبت: تسنيم الحبيب عند ما من الله عزوجل على البشرية برسالة الإسلام.. أعطاها الحرية بصادق معانيها وشاسع آفاقها، لكي تحدد وتختار نهجها على ضوء مفاهيم تلك الرسالة وشموليتها، فكان الإسلام قانون الحياة الرحيب، ومذهب آل البيت (عليهم السلام) هو التطبيق المثالي لمعطيات هذا القانون، وهو المذهب الوحيد الذي لا يضع أغلالا على أتباعه.. ولا يفرض عليهم عقائد دونما حجج وبراهين وعلل دامغة، بل على العكس، يشجع دائما على البحث وتقصي الحقيقة. على نقيض المذاهب الأخرى التي تقوم على التعتيم، وفرض أغلال على الإنسان بحجة الكيان المقدس، والمسلمات.. فمقدساتهم لا تمس ببحث أو تشكيك أو حتى استفهام. ويأتي مفهوم الصحابة كصرخة تساؤل حبيسة.. تبحث في ثنايا التشريع عن أجوبة لعلامات الاستفهام العديدة: ما هو حجم الصحابة الحقيقي؟! وما هو وزنهم في الكيان الإسلامي؟ وهل حقق جميعهم معادلة العدالة الصعبة؟! فيصح أخذ تعاليم الدين عن أي منهم؟! إن الولوج في هذا المبحث تعترضه موانع عدّة‘ تتمثل في التشدد الكبير لدى البعض في هذه القضية، واعتبار أي جدل بها (فتنة) و(خروجا عن ملة الإسلام)! وحقيقة، فإنه لا مبرر لهذا التشدد، فمفهوم الصحابة لا يعدو كونه أمراً ثانوياً.. لا يضيف ولا يزيل شيئاً من عقيدة الإسلام، فلا هو من أركان الإسلام عند المذاهب الأخرى، ولا هو من أصول الدين عند المذهب الشيعي، فهل يستدعي كل هذه الخطوط الحمراء التي تحول دون البحث في ثنايا هذا المفهوم؟! في مقابل هذا، نجد أن عقيدة الإمامة - وهي من أصول الدين - بحثت ونوقشت أبعادها، وعللت تعليلا سافراً، فأينها من مفهوم الصحابة؟! وإن سلمنا بأن الصحابة كان لهم دور بارز في نشر رسالة الإسلام - وهي المعلومة التي يفندها القرآن والسنة والتاريخ - فهذا لا يشفع لهم في ما اقترفه بعضهم من أفعال مشينة.. كانت وصمة عار في تاريخ الإسلام، وهذا أيضاً.. لا يبيح للتابعين إعطاءهم أكبر من حجمهم، ووصفهم (كلهم) بالعدالة والنزاهة المطلقة، والمغالاة في صفاتهم - كان تستحي الملائكة من عثمان مثلاً! أو أن يهبط جبرئيل (عليه السلام) ليبلغ سلام رب السماوات على أبي بكر ويلتمس منه الرضى! أو أن يخشى الشيطان من عمر بل ويظن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الوحي نزل عليه! - وليس هذا فحسب، إنما تكفير كل من يتعرض لهم، ويضع أفعالهم تحت المجهز. وقد تحوم بالأفق تساؤلات عن جدوائية الإفصاح عن مثالب الصحابة وزلاتهم، وقد يقول قائل: ما شأننا بما سلف؟! ولماذا نثير هذه القضايا؟! فنجيب بأن الغرض من إثارة هذه المواضيع هو درء الاعتقادات المغلوطة التي استشرت في الكيان الإسلامي، كما أن التاريخ يحوي بين دفتيه العديد من المظالم وجائر الأعمال التي مارسها بعض الصحابة في حق آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فضلا عن التشريعات والأحكام التي ابتدعها هؤلاء، فهل تبيح لهم عدالتهم المزعومة ما اقترفوه، وألا يتحتم تصحيح هذه الأخطاء التي لن تصحح بدورها إلا بتصحيح مفهوم الصحابة برمته؟! إن الخوض في مفهوم الصحابة ومناقشة أبعاده لازم وضروري لينقشع غمام التجميل والتعتيم، فعقيدة الإسلام صافية، لا لبس فيها ولا غموض، ومن ينشدها، عليه أن يتجرد من كل الأصفاد الفكرية والبحث في ثناياها بإنصاف وتفتح فكري. من هو الصحابي؟! يقول ابن حجر في كتابه (الإصابة في معرفة الصحابة: (الصحابي من لقي النبي مؤمنا به ومات على الإسلام فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه أولم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولم يجالسه ومن لم يره بعارض كالعمي، ويخرج بقيد الإيمان من لقيه كافراً: ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أخرى). نعم! هكذا يرى أهل السنة الصحابة، وبهذا يكون جميع أهل المدينة من الصحابة.. الرجال، الشيوخ، الأطفال وحتى النساء، وليت الأمر اقتصر على هذا، فقد بلغ المحدثون شأواً عظيماً في تفضيل هؤلاء الصحابة وتقديسهم على البرايا، وجعلهم خيرة الآخرين - وقد يكون بعضهم أفضل من خيرة الأولين والآخرين!- وتوجيه التهم لكل من يتعرض إلى كيانهم المقدس بقليل أو كثير، وجعل (عدالتهم) صخرة تتكسر عليها كل قبائح أفعالهم! يقول ابن الأثير في مقدمة كتابه (أسد الغابة في معرفة الصحابة) (1:10): (والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلا الجرح والتعديل، فإنهم كلهم عدول لا يتطرق الجرح إليهم لأن الله عزوجل ورسوله زكياهم وعدلاهم). ويذكر ابن حجر: (من أدلها على المقصود - على عدالة الصحابة - ما رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم عرضا، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه) الإصابة في معرفة الصحابة (1:10). ورغم أن هذا الحديث، لا يشير إلى عدالة الصحابة بشيء.. إلا أنه يتخذ ذريعة لمرامي (رواة الحديث) المتمثلة في جعل الصحابة كلهم عدول. وحتى نستطيع أن نقف على مصداقية هذا الادعاء، علينا أن نبحث في القرآن، والأحاديث المعتبرة، والتاريخ. القرآن الكريم: لقد قدم علماء السنة بعضا من الآيات الكريمة كشواهد على عدالة الصحابة ونزاهتهم المطلقة، وفي مايلي هذه الآيات مع تفاسيرها من كتب التفاسير المعتمدة لدى العامة. * (كنتم خير أمة أخرجت للناس) سورة آل عمران (110). حسب ما أورده مفسرو العامة في هذه الآية فإنها قد نزلت في حق جميع المسلمين، ولم تنزل في الصحابة كما أشار المتذرعون بها. يقول ابن كثير في تفسيره (399/1): (الصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة). ثم إن الآية محكومة بحكم الشرط.. انظر إلى قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر). فالحكم هنا حكم الشرط، أي أنكم (كنتم ما دمتم) وهذا أمر واضح يفهمه كل عربي. يقول القرطبي في تفسيره (173/4): (مدح لهذه الأمة ما أقاموا على ذلك واتصفوا به فإن تركوا التغيير وتواطؤوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سببا لهلاكهم). وقد قال الرازي، والنيسابوري (232: 2): (وهذا يقتضي كونهم آمرين بكل معروف ناهين عن كل منكر والمقصود به بيان علة تلك الخيرية). ونحن لا ننكر أن أمة الإسلام خير أمة ما دامت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتلتزم بشرع الله وأحكامه. إذا.. تخرج هذه الآية من دائرة الاحتجاج على عدالة الصحابة. * (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم) (سورة الفتح). إن هذه الآية الكريمة تختص بأصحاب بيعة الرضوان، ولا علاقة لها بسائر الصحابة، إذا هناك تخصيص لمجموعة معينة من الصحابة، ثم إن هناك تكملة للآية تتضمن قيوداً تتصل بعدم نكث العهد، فرضى الله تعالى مقرون هنا بالوفاء الدائم بهذا العهد وتلك البيعة. يقول تعالى في السورة نفسها: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه). ويذكر ذلك ابن كثير: (إن رضوان الله وسكينته مشروطة بالوفاء وعدم نكث العهد). الكشاف (543/3)، ابن كثير (199/4). * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) البقرة (143). في هذه الآية المباركة يبين الله تعالى أن أمة الإسلام كانت أمة وسطا بين اليهود والنصارى، وجاءت كلمة وسطا بمعنى التوازن بين الإفراط والتفريط، ولم تشر الآية إلى كون جميع أفراد هذه الأمة (وسطا) أي (عدلا). راجع تفسير النيسابوري (232/2). * (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، تراهم ركعا سجداً، يبتغون فضلا من الله ورضوانا، سيماهم في وجوهم من أثر السجود، ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، يعجب الزرّاع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً). (سورة الفتح). لقد احتج العديد من علماء العامة بهذه الآية المباركة، متخذين عبارة (محمد رسول الله والذين معه) إشارة صريحة على جميع أصحابه ومن كان معه، وحقيقة فقد تجلت في الآيات تخصيصات وشروط تظهر في الصفات التي تستلزم وجودها في (الذين معه)، حيث أنهم رحماء وعباد، فهل توافرت هذه الصفات في جميع صحابة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)؟! إن التاريخ يذكر لنا كثيراً من الأعمال التي تنافي هذه الصفات، لعل من أبرزها ما يذكره جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه إذ يقول: (بينما نحن نصلي مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ أقبلت عير تحمل طعاما فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا اثنا عشر رجلا فنزلت هذه الآية: (وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائما) سورة الجمعة (11). وقد ذكر هذه الحادثة كل من البخاري في كتاب الإيمان (28/ 6) والترمذي في سننه (87/ 5). فمرحى لهؤلاء الصحابة العبّاد الذين سيماهم في وجوههم من أثر السجود! والمتتبع للآية المباركة يجد أيضاً تخصيصاً لبعض الذين مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). انظر إلى قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيما). فلنلاحظ كلمة (منهم) جيداً، نجد أن الله تعالى خصص وحصر الأجر العظيم على من يتصف بالصفات السابقة فتأمل. النص: الإيمان بالله، حالة روحية يكتسبها الإنسان بالعبادات والرياضيات الروحية والطهارة المعنوية، ولكن في منطق (رواة الحديث ومؤرخي البلاط الأموي) يتحول هذا الإيمان إلى صفة تثبت بالنص! ويتحول جميع الصحابة إلى أناس أسطوريين، عدول، مؤمنين، أتقياء، لماذا يا ترى؟! لأنهم خير أمة أخرجت للناس، وهم من صحب الرسول وأحسن صحبته! وكيف أحسنوا صحبته يا ترى؟! لقد رباهم الرسول، فأحسن تربيتهم! ولذلك آذوه في قرابته! وتناحروا على السلطة من بعده، وقمعوا أبناءه وجرعوهم كأس المنون. لقد اجتهدوا، فإن أصابوا فلهم أجران وإن أخطؤوا فلهم أجر الاجتهاد! نعم.. هذا هو منطقهم.. منطق الترهات التي تزدريها العقول أي وهن يصيب العقل البشري وهو يستمع لمنطق هؤلاء؟! وهل هذا الهراء يقنع أحدا؟! وإن افترضنا وسلّمنا بأن إيمان الفرد يثبت بهذه النصوص، فأين هي هذه النصوص؟ لن تكون - يقيناً - أمثال ما رواه أبو هريرة الذي حجبوا عن الناس قبح سيرته، ولكن تكون أمثال ما دونته أيادي مؤرخي البلاط الأموي الآثمة. بل إن هذه النصوص - جميعها - لا تحتاج إلى كثير جهد وعناء لإثبات وهنها وضعفها وعدم قدرتها على الإقناع. والعجيب أن تكون هناك نصوص أخرى - من المصدر ذاته - تناقض معطيات تلك النصوص السالفة. ولعله من أصدق الأحاديث المعتبرة قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ليردن علي الحوض رجال ممن صحبني ورآتي حتى إذا رفعوا إلى رأيتهم اختلجوا دوني، فلأ قولن: يا رب أصحابي - أصحابي.. فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)! وقد ورد هذا الحديث في صحاحهم بطرق شتى منها ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند سهل بن سعد، الحديث الثامن والعشرون من المتفق عليه، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ، وليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم). وجاء في الصحيحين البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الا إنه سيجاء برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول يا رب اصحابي؟! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شيء شهيد. إن تعذبهم فإنهم عبادك، قال: فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم). ها هو النص يثبت أن كثيراً من صحابة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) سيرتد ويدخل النار، فكيف يكون الجميع مؤمنون وعدول؟! ولنلج إلى مأساة أخرى من مآسي النصوص وهي حديث العشرة المبشرين بالجنة المزعوم. من هم العشرة المبشرون بالجنة؟! إنهم بالترتيب التالي: أبوبكر - عمر - عثمان - الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) طلحة والزبير - عبد الرحمن بن عوف - سعد بن أبي وقاص - سعيد بن زيد - أبو عبيدة الجرّاح. ولا نعلم لماذا اختص هؤلاء بالبشارة مع أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بشّر الحسنين سلام الله عليهما بأنهما سيدا شباب الجنة، وقد بشر صلوات الله عليه وآله أيضاً آل ياسر فقال: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة). فلماذا هذا التخصيص؟! ولماذا لم يثور طلحة والزبير على عثمان ويألّبان الجمهور ضده؟ ولماذا يتناحرون على السلطة ويستميتون من أجلها؟! هاهو أبوبكر يوجه خطاباً للمهاجرين.. يقول فيه: (إنكم تريدون الدنيا، وستور الحرير ونضائد الديباج وتريدون الرئاسة وكلكم يريدها لنفسه وكلكم ورم أنفه). كل تلك أسئلة.. فأين الجواب؟!! التاريخ: حتى نسبر أغوار هذه القضية، علينا الولوج في خضم التاريخ الذي يعد مرآة صافية، تعكس جميع حقائق الصحابة الموبوءة. يقول سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد: (إن ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التاريخ والمذكور على ألسنة الثقات يدل بظاهره على أن بعضهم قد حاد عن طريق الحق، وبلغ حد الظلم والفسق، وكان الباعث له الحقد والفساد والحسد واللداد، وطلب الملك والرئاسة). ها هو عالم من علماء السنة يقرّ بأن ما نشب بين الصحابة العدول ليس اجتهادا يؤجرون عليه في جميع الأحوال… إن الباحث المنصف سيجد أن الصحابة هم أول من خالف الله عز وجل وآذوا الرسول في حياته وبعد وفاته.. وهذا غيض من فيض هذه المخالفات، وهو أن الصحابة يطمسون أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)! (عن عائشة: جمع أبي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكانت خمسمئة حديث فبات يتقلب ولما اصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك فجئته بها فأحرقها وقال: خشيت أن أموت وهي عندك، فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به، ولم يكن كما حدثني، فأكون قد تقلدت ذلك) تذكرة الحفاظ 1/2 و 3 ترجمة أبوبكر. (وعن يحيى بن جعة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة ثم بدا له أن لا يكتبها ثم كتب في الأمصار من كان عنده شيء فليمحه) جامع بيان العلم، طبقات ابن سعد (1/26). هاهم صحابة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يحرقون أحاديثه ويمنعون الناس من هديه دون الالتفات لقوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) النحل (44). وإليك فاجعة أخرى اقترفها صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ينتقل للرفيق الأعلى، وقد سمعت في صحاح السنة برزية الخميس: (عن ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء فقال: اشتد برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه يوم الخميس فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبداً… فتنازعوا!!! وقالوا: هجر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (أي بدأ يهذي). قال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه، وأوصى عند موته بثلاث أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وليست الثالثة)!! صحيح البخاري (4/82) صحيح مسلم (3/7، 12) كتاب الوصية، مسند أحمد (1، 222). نعم.. هذا ما فعله صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يدنو من الأجل… وقد ذكر في كتاب المرض في صحيح البخاري أن الذي رد على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) طلبه هو عمر بن الخطاب حيث قال: إن النبي ليهجر.. قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن.. حسبنا كتاب الله! الله أكبر! أو يتجرأ عمر على مقام النبوة؟! أو يكون مثله أعلم من رسول الله بصالح أمته؟! لا عجب! طالما أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يظن - بزعمهم - أن الوحي سينزل على عمر عندما يتأخر عنه!! وحاشى (ذا النورين) أن تنزل فيه سورة عبس وتولى.. ولكن أن تنزل في رسول رب السماوات فهذا معتاد! من يستحق أن يتهم بالغلو؟!! صحابة الرسول يفرون من ساحات الوغى! حينما حمي الوطيس يوم أحد.. وتكالبت جموع المشركين على نبي الرحمن تريد قتله.. لم يكن هناك من يذود عنه سوى علي بن أبي طالب سلام الله عليه وقلة من أصحابه.. مرحى لهؤلاء الصحابة الذي يتركون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحده.. ويهرعون لجمع الغنائم بعد ما خدعتهم كثرتهم! وقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره أن عمر بن الخطاب كان من أواخر المنهزمين! ومن الذين فروا يوم أحد عثمان بن عفان ورجلين! ومن الذين فروا يوم أحد عثمان بن عفان ورجلين من الأنصار يقال لهما سعد وعقبة، انهزموا حتى بلغوا موضعا بعيداً ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام فقال لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). (لقد ذهبتم بها عريضة)! (تفسير الرازي، الطبري (4/ 96)، الدر المنثور). وفي غزوة حنين فرّ عشرة آلاف صحابي وبقي مع النبي سبعة على رأسهم الإمام علي (ع) ونزل القرآن يوبخهم، وقد شارك عمر بن الخطاب الناس في الفرار! (صحيح البخاري كتاب المغازي 5/101). يقول تعالى في سورة التوبة: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين)! وتذكر كثير من التفاسير أن أبابكر قال: (لن نغلب اليوم من قلة) (التفسير الكبير للرازي). صحابة النبي.. يتعاملون بفظاظة معه! ربما يكون زجر القرآن لصحابة النبي من أكثر الشواهد على عدم عدالتهم، سيما في التعامل معه… يقول تعالى في سورة الحجرات: (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم والله غفور رحيم). التفت إلى عبارة (أكثرهم لا يعقلون)، أليست أكبر شاهد على عدم عقلانية كثير من الصحابة!! صحابة النبي يؤذون بعضهم بعضاً! لقد بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أعراب لم تتصوغ روحهم بنفحات الإيمان.. وقد أسلم السواد الأعظم منهم بلقلقة اللسان وحسب، دونما اقتناع بقيم الإسلام ونواميسه العظيمة، وخير دليل على ذلك أن الرواسب الجاهلية.. ظلت متأصلة بأفعالهم.. ومشاعرهم.. وحتى بتعاملهم مع بعضهم بعضاً. يقول تعالى في سورة الحجرات: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم). لقد تعذب نبي الرحمة كثيرا منهم.. وهو يكابد في تربيتهم وإصلاح نفوسهم السقيمة وتهذيبها.. ولكنهم اختاروا طريقة الجاهلية وعافوا طريق السمو والرقي.. ولا يعد هذا انتقاصا لدور الرسول البتة، وإلا.. لكان موسى عليه السلام أولى بالانتقاص.. معاذ الله. إن صحابة النبي الذين آذوه كثيراً في حياته - وقد نزل كثير من الآيات القرآنية تزجرهم في سورة البقرة وآل عمران والأنفال والفتح والحجرات - والذين آذوه بعد استشهاده في ذراريه لا يستحقون الاحترام.. فكيف بالاقتداء؟! كيف بهم.. وهم القوم الذين نمت لحومهم من الربا.. وأدمنوا على شرب الخمور، حتى آذوا الرسول كثيراً في مسألة تحريم الخمر، ويذكر ابن كثير أن عمر بن الخطاب كان أكثر الناس تعلقا بالخمرة، ومدمنا عليها في الجاهلية.. وحتى قبيل التحريم وكان دائما يؤذي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (اللهم بين لنا بياناً شافيا في الخمر). ناهيك - أخي القارئ - عن الرواسب الجاهلية الأخرى التي علقت في ضمائرهم. أخرج البخاري في الجزء السادس من صحيحه في باب قوله تعالى: (سواء عليهم استغفرت لهم): أن رجلا من المهاجرين كسح رجلا من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار. وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فسمع ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: (ما بال دعوى أهل الجاهلية) قالوا: يا رسول الله كسح رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار.. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (دعوها.. فإنها منتنة). كيف نقتدي بهؤلاء؟! كيف نجعلهم ائمة لنا؟! كيف نقتفي آثارهم؟! هذا معاوية.. وهو على حسب تعريف الصحابي.. صحابي بدرجة مئة بالمئة.. يقترف أفعال.. يندى لها الجبين فهل نقتدي به في ذلك؟! كيف يكون علي بن أبي طالب (عليه السلام) صحابياً.. ويكون معاوية الذي أمر بسبه على المنابر طيلة سبعين عامة صحابياً أيضاَ؟! وهذا عمار بن ياسر رضوان الله عليه، يقول في حقه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (عمار تقتله الفئة الباغية) صحيح البخاري (4: 25).. ويقتله معاوية في صفين! وهذا أبوذر الغفاري.. يقول فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر) (طبقات ابن سعد ج 4). ولكن عثمان نفاه إلى الشام، وخاف منه معاوية ومن صرامته في الحق، فنفاه عثمان إلى صحراء الربذة حتى وافاه الأجل هناك. ولنا وقفة مع أبي بكر.. خاصة وطويلة.. لأنه - كما يدعون - الصديق الأكبر.. وهو الذي لو وضع إيمان الأمة في كفة وإيمانه في كفة أخرى لرجحت كفته! وحتى نقف على مدى صدق هذه الكلمات أو كذبها.. علينا معرفة نُذُر من أفعاله.. لقد خالف أبوبكر النص في أكثر من موقع.. وذلك حينما حرم الزهراء من إرثها بحجة أن النبي لا يورث ولا نعلم حقيقة متى أفتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك.. ولماذا اختص أبابكر بالفتوى دون سواه.. فقد كان من الأولى أن يختص بها أهل بيته سلام الله عليهم! وقد خالف النص أيضا حينما رفض إقامة الحد على خالد بن الوليد في اعتدائه على مالك بن نويرة واغتصابه زوجته... وكلا الطرفين يعرف مجريات هذه الحادثة المخزية! علما بأن عمر بن الخطاب قد جادل أبابكر في إقامة الحد لأن ذنب خالد كان اسفر من الشمس.. ولكن أبابكر قال: تأوّل خالد فأخطأ!! كما يذكر ابن الأثير في كتابه (الإصابة بمعرفة الصحابة): أن أبابكر أوتي بشخص اسمه (الفجاءة) وكان قد ادعى الإسلام، وأوقد له ناراً في مصلى المدينة.. وجمعت يداه إلى قفاه وألقي في النار فحرقة وهو مقموط مع أن الفجاءة قد نطق بالشهادتين! هذا كله إن عدونا عن قبوله بالخلافة.. علماً بأن البيعة يوم السقيفة كانت قائمة على الغدر والإجبار.. وإن غضضنا الطرف عن إحراقه - هو وعمر - دار البتول.. وفي ذلك قال شاعر النيل حافظ إبراهيم: وقـــــولة لعـــلي قــالها عمر أكرم بسامعها أعظــــــم بــــملقيها حــــــرّقت دارك لا أبـقي عليك بها إن لم تبايـــع وبــنت المصــطفى فيها مـــا كان غيـــر أبي حفص بقائلها أمـــــــام فــارس عدنان وحاميها! ويذكر الطبري وابن الأثير وابن قتيبة وابن عبد ربه أن أبابكر في نهاية عمره قال: أجل.. إني لا آسي على شيء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن ووددت أني تركتهن.. وثلاث تركتهن وددت أني فعلتهن، وثلاث وددت أني سألت عنهن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأما الثلاث اللاتي وددت أني تركتهن: فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة على شيء وإن كانوا قد أغلقوه على الحرب، ووددت أني لم أكن حرقت الفجاءة السلمي وإني كنت قتلته سريحاً أو خليته نجيحا... إلى آخر كلامه). حقيقة.. لا يعلم الإنسان ماذا يقول في هذا.. ولكن لا عجب.. لا عجب ممن يقول: (إن لي شيطانا يعتريني، إذا زغت فقوموني وإذا ملت فسددوني) أن يتصرف مثل هذه التصرفات! وقد يعترض أحدهم على هذا الكلام بحجة أن الله قد أنزل في أبي بكر آية يقول فيها: (ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه). نقول: إن الآية المباركة لم تحمل أي معنى للمدح لأبي بكر.. بل على العكس تماماً.. لقد أظهرت الآية ضعفه النفسي وقلة إيمانه. ويتجلى ذلك من خلال: أولاً: إن كلمة (صاحبه) لم تكن سوى لفظ محايد.. لا يحمل الفضل ولا الذم.. فقد ذكر الله تعالى هذه اللفظة في مواطن عديدة في كتابه المجيد، فما كان لها ميزة أو فضل.. يقول تعالى في سورة النجم: (ما ضل صاحبكم وما غوى). ونجد أن الله تعالى يخاطب كفار مكة ومشركيها، وينعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويشير إليه بكلمة (صاحبكم). كذلك في سورة التكوير: (وما صاحبكم بمجنون). ولنتأمل سورة الكهف إذ يقول تبارك وتعالى: (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا). فبالرغم من أن الآية تعرض حواراً بين مؤمن وهو (يهودا) وبين كافر وهو (براطوس).. بيد أن الله جل وعلا في متن الآية يتيسر للمؤمنين بقوله (صاحبه). كذلك في سورة يوسف: (يا صاحبي السجن). فنبي الله يوسف (عليه السلام) يخاطب من جمعه السجن معهما بكلمة يا صاحبي.. بغض النظر عن كونهما كافرين، لذا فإن كلمة صاحب لا تعني بتاتا الانسجام الفكري ووحدة الاتجاه. ثانياً: يقول الله تعالى في متن الآية: (لا تحزن.. إن الله معنا). وقد ذكر الله تعالى في سورة يونس في الآية (63): (إن أولياء الله لا خوف عليهم ولاهم يحزنون)... (فتأمل)! ثالثاً: إن الله تعالى قال في الآية: (فأنزل الله سكينته عليه). ولم يقل جلّ وعلا عليهما. وقد يقول قائل.. إن السكينة نزلت على أبي بكر.. فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يحتاج إلى سكينة.. فنجيب بأن الله تعالى ذكر في سورة التوبة الآية (26): (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها). خصوصاً أن الله تعالى يقول في سياق آية الثاني اثنين: (وايده بجنود لم تروها). فمن المؤيد يا ترى؟! عائشة ستكون عائشة.. هي المحطة الأخيرة في هذا المبحث.. خصوصاً.. وأنها انغرست في وجدان المسلمين صنما.. يمتعض الكثير - سنة وشيعة - من تهشيمه.. ولكي نكون صادقين في بحثنا ومنصفين فيه علينا التجرد التام من المسلمات الموروثة.. والتحرر من ربقة العنعنة.. عائشة.. كانت تؤذي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد نزل كثير من الآيات تزجرها وتتوعد بها... ويرجع ذلك إلى عدة عوامل... لعل من أبرزها غيرتها العجيبة.. وحبها للتفرد والتسلط.. نقرأ في صحيح البخاري قصة المغافير (6/ 194): حيث كار رسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يأتي زينب بنت جحش ويأكل عندها عسلا فاتفقت عائشة مع حفصة أن تقولا للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن فيك رائحة مغافير (الثوم) وهكذا.. إلى أن قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لقد حرّمت العسل على نفسي.. فنزلت سورة التحريم.. ومنها قوله تعالى: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما، وإن تظاهرا عليه فإن الله مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير). ومعنى كلمة (صغت) كما أورد الرازي أي مالت عن الحق! وعن ابن عباس قال: أردت أن أسأل عمر فما رأيت موقعا، فمكثت سنتين فلما كنا بمر الظهران وذهب ليقضي حاجته، فجاء وقد قضى حاجته فذهبت أصب عليه من الماء، قلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: عائشة وحفصة! مسند أحمد بن حنبل (1/ 48). وليس هذا فحسب.. إنما كانت عائشة سبباً في طلاقه أسماء بنت النعمان الجونية من رسول الله حيث قالت لها وهي تمشطها: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعجبه من المرأة إذا دخلت أن تقول: أعوذ بالله منك! وهكذا طلق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أسماء بنت النعمان بسبب وشاية عائشة! وكم زجرها الله في كتابه الكريم.. حيث يقول في سورة التحريم: (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيراً منكن.. مسلمات.. مؤمنات.. قانتات .. تائبات.. عابدات سائحات ثيبات وأبكارا). وقد يتخذ البعض حادثة الإفك ذريعة لنزاهة عائشة.. ونحن نقر بأن أزواج الأنبياء لا يبغين قط.. ولكن هذا لا يعنى عصمتهن من الدنس. ثم إن تبرئة ساحة عائشة في سورة النور.. كان منطلقه تبرير مقام النبوة.. فلو كانت عائشة امرأة أخرى لما نزلت آية في القرآن بحقها بتاتاً. والتفت إلى قوله تعالى: (ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً.. وقيل ادخلا النار مع الداخلين). هاهما زوجتا نوح ولوط عليهما السلام تدخلان النار.. رغم أنهما لم تبغيان مطلقاً.. فالخيانة هنا.. جاءت كمعنى لخيانة الدين.. حيث كانت زوجة نوح تتهمه بالجنون.. وزوجة لوط تدلل على ضيفه. وإن عدونا عن ذلك.. فهعل نستطيع أن نتغاضى عن موقفها في حرب الجمل!.. إن حرب الجمل فضيحة.. ما بعدها فضيحة.. لقد تجاهلت عائشة قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن).. وخرجت على إمام زمانها - كما يقول أهل السنة والجماعة - وحاربته في صلافة عجيبة! لقد سلكت عائشة في حرب الجمل.. أكثر السلوكيات تناقضا.. فلطالما كانت تؤلب الناس على عثمان.. وهي التي أطلقت عليه اسم (نعثل).. وهو اسم أحد اليهود في المدينة. يقول ا لطبري (ج 3/ 477) أن عائشة كانت: (من أشد الناس على عثمان حتى أنها أخرجت ثوبا من ثياب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنصبته في منزلها وكانت تقول للداخلين إليها: هذا ثوب رسول الله لم يبل وقد أبلى عثمان سنته). ولطالما كانت تقول: اقتلوا نعثلاً فقد كفر.. قتل الله نعثلاً. وحينما كانت بمكة تؤدي الحج.. لقيها ابن أم كلاب بعد انقضاء حجتها فقالت له: ما فعل عثمان.. قال: قتل! فقالت: بعداً وسحقاً، ثم قالت: ثم ماذا صنعوا، قال: أخذها أهل المدينة بالإجتماع فجازت بهم الأمور خير مجاز.. اجتمعوا على علي بن أبي طالب فقالت: ليت هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك، ردوني ردوني، فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوما والله لأطلبن بدمه! أي تناقض في سلوكها هذا؟! بيد أنها لم تكتف.. بل تزعمت جيشاً جراراً بقيادة طلحة والزبير.. وتوغلت بين الرجال.. وذهبت لمحاربة أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي عقر ناقتها ثم فعل معها.. كما فعل أخوه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما قال لكفار مكة: اذهبوا فأنتم الطلقاء! نحن لا نعجب لفعل عائشة هذا.. فطالما عرفت بكرهها وبغضها لأمير المؤمنين.. حتى أنها كانت لا تطيق اسمه.. ويجبرنا ذلك إلى الالتفات لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما قال: (يا علي.. لا يحبك إلا مؤمن.. ولا يبغضك إلا منافق)! سنن ابن ماجة (1/42) باب فضائل علي. وقد ذكر في مسند أحمد بن حنبل ج (4، 275): (أن أبابكر جاء مرة واستأذن على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقبل الدخول.. سمع صوت عائشة عاليا وهي تقول للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): والله لقد عرفت أن عليا أحب إليك مني ومن أبي.. قالتها مرتين حتى ضربها أبوها)!. يكفي أنها قادت جيشا تحارب فيه من قال عنه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): (حربك حربي.. سلمك سلمي)! مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي الشافعي ص 50، للخوارزمي الحنفي ص 76. وقد نبحت عليها كلاب الحوأب.. رغم أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد حذرها من هذا.. وكم من مرة.. وقف (صلى الله عليه وآله وسلم) خطيبا وأشار نحو مسكنها فقال: (هاهنا الفتنة.. (ثلاثاً) من حيث يطلع قرن الشيطان)! صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير. وبعد.. فإنه قد تجلى كل شيء عن الصحابة.. هؤلاء القوم الذين يأمرنا ابن حجر.. وابن تيمية.. وأمثالهما باتباعهم.. قوم رعاع.. يعصف في خافيهم حب السلطة والنفوذ، آذوا رسول الله في حياته.. وآذوا ذريته الطاهرة وهم أنوار الملكوت.. وأسرار اللاهوت.. بعد استشهاده! هم قوم.. لم يعرفوا من الدين.. إلا اسمه.. ورغم أن التاريخ يفضحهم.. والقرآن يزجرهم.. إلا أن البعض لا يزال يتبتل في محراب قداستهم.. فمن يستحق أن يتهم بالغلو؟!
|
||