الفهرس

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

 

 

حكايات ثلاث من واقع هذه الحياة

كيف تاب الأب السكيّر وماذا حصل للفتى اللعوب وماذا رأى الشاب المؤمن في منامه؟!

 

 

الإنسان في حياته يخوض تجارب ويتعرض لمواقف ويعيش حالات تصوغ له سبيله. والإنسان السوي هو ذلك الذي لا يتوقف عند مرحلة معينة من مراحل حياته، بل يتعداها، فإن كانت تلك المرحلة سلبية عكف على معالجتها ليتخطاها ويغيرها، وإن كانت إيجابية عمل على استزادتها كي ينتقل إلى الأحسن فالأحسن.

ومن موجبات النجاح في هذه الحياة، أن يستفيد المرء من تجارب الآخرين، فيراقب ويعتبر ويستخلص النتائج، كي لا يقع في ما وقع فيه الآخرون من أخطاء أو عثرات، وكي يتمثل أيضا - من جانب ثان - أولئك الذين أصابوا فيسير على خطاهم.

والشباب فئة - كما نعلم - من أكثر فئات مجتمع الإنسان تعرّضا إلى التقلبات المرحلية، التي تقود بعضهم إلى المآسي والويلات نتيجة انعدام الخبرة من جهة، وسمة التسرع والتهورالتي تطبع حياة الشاب من جهة أخرى. لذا فمن الجدير أن تكون الأناة حاضرة في أذهان الشباب والشابات، خاصة وهم في مثل هذا الزمن الذي تحض مجرياته على الوقوع في جرف المهالك. والذي ينظر من الشباب إلى من حوله من الناس، مستمعا إلى حكاياتهم وقصصهم حول مامروا به، وما تعرضوا له، يدرك أهمية أن يتأنى الآن في قراراته وأفعاله، وأن يلتزم تعاليم الدين والأئمة الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فذلك هو درب النجاة الموصلة إلى السعادة في الدنيا والآخرة.

(للشباب فقط) سارت في هذا الطريق، وبحثت عن أناس لهم مثل هذه التجارب. استمعت إليهم وسجلت حكاياتهم التي فيها أكثر من عبرة، فكانت حصيلة الجولة الأولى، ثلاث قصص، لكل منها نكهة خاصة. وستستمر (للشباب فقط) في جولاتها، راجية أنتنقل مزيدا من الحكايات الواقعية، مقدمة إياها في هذه الصفحات، على أمل أن تحظى من جمهور القراء باهتمام ينعكس على حياتهم ويقودهم إلى الاستفادة والاعتبار.

(القصة الأولى: ابن ملتزم.. وأب مدمن على الخمر)

لكم عانى وقاسى ذلك الشاب الذي لا يتجاوزر عمره التاسعة عشر، ليس من أحد سوى ابيه! الذي عاقر الخمر وسلك درب الشيطان بلا تورع، حتى أنه كان يتبجح في احتساء المنكر أمام أعين المارة عندما كان يجلس على كرسيه قرب باب منزله!

لم يكن ذلك الشاب الذي حفظ نفسه والتجأ إلى ربه، إلا صابرا محتسبا رغم ما كان يعتريه من الم لحال أبيه ورغم تلك الحال التي لم يكن يطيقها. إنه يتحدث عنها قائلا: لا أستطيع أن أصف لكم حالتي آنئذ، فكيف بك وأنت ترى أباك وهو أقرب الناس إليك واقعا في حبائل الشيطان منساقا إليه؟! إن حالتي كانت تشابه إلى حد كبير حالة الصحابي الجليل محمد بن أبي بكر.

ويضيف الشاب قائلا: لقد ذهبت إلى أبي يوما وقلت له: يا ابت إن الخمر حرام وله ضرر عليك، وهو الذي تسبب في طلاقك لأمي وانهيار حياتك بالديون الكثيرة، فراتبك قليل ومع ذلك فإنك تصرفه كلّه في شراء هذا المنكر اللعين الذي يغيبك عن الوعي والإدراك ويقودك إلى الهاوية.. كفاك يا ابي فإن لك موعدا مع ربك ملاقيه.

أخذت أحدثه عن عذاب القبر وأهوال يوم القيامة، ورغم أنه كان ينهرني طوال حديثي ويسبني ويشتمني، غير أنني واصلت قول كلمتي بكل شجاعة لأنني سئمت هذه الحال ولم أعد أحتملها، فما كان منه في نهاية المطاف إلا أن ضربني وطردني! ولكنني لم أتوقف وعاودت نصحه مرات وكرات، وفي كل مرة كان ينهال علي ضربا مبرحا.

وذات يوم طلب مني أن أذهب لأشتري له قنينة خمر، فتطاير عقلي ورفضت بشدة، ولكنه أرغمني على أخذ النقود وتوعدني إن لم آت له بما أراد. فما كان مني إلا أن أخذت النقود وصرفتها علىنفسي ووالدتي، فالله تعالى هو الوحيد الذي يعلم ما كنا نقاسيه ونتجرعه بسبب تقتير والدي علينا، لقد صرفنا المبلغ في ما كنا نحتاجه حاجة ماسة، لأن والدي لم يكن يلبي احتياجاتنا، ولكم أن تتصوروا كيف أني ووالدتي المسكينة نعيش حياة صعبة كانت ستدمرني وتدمر مستقبلي، لأنني لم أكن أتمكن من مواصلة الدراسة، ورغم هذا فقد جاهدت لأجل إتمامها رغم ما تتطلبه من مصاريف.

وفي صباح اليوم التالي رآني والدي وطلب مني القنينة التي أمرني بابتياعها له، فأخبرته بأنني لم أذهب لشرائها وقد صرفت المبلغ على حاجاتي وأمي الضرورية وبدأت أعدد تلك الحاجات، ولكنه ما إن سمع مني ذلك، حتى إحمرت عيناه واستشاط غضبا وأخذ يضربني بقوة لم أعهدها من قبل، لدرجة أنه أخذ عصاه الغليظة وحطم كثيرا من أثاث المنزل بينما كان يلاحقني لضربي بها، وعندما ظفر بي، أخذ ينهال بها على ظهري بقوة حتى خلع كتفي وتسبب في كسره، عندها صرخت صرخة مدوية سمعها الجيران، وغبت عن الوعي، فارتبك والدي ولم يعد يعرف ما يصنع، لكنه سرعان ما أخذني إلى المستشفى بعدما رآني أنزف دما، وأدخلني قسم الحوادث، وهناك قاموا بإيقاظي حيث استعدت وعيي، وبدأت اصرخ واصرخ من شدة الألم، وقاموا بإجراء الأشعة لي فتبين أن عظم كتفي مكسور، وعندما أبلغ الأطباء ذلك لأبي، انهار من البكاء وبدأ ينظر إلى يديه قائلا: (أنا من صنعت ذلك بابني)!

لقد كان الموقف شديد الوطاة عليه، لقد كان كالصاعقة على أم رأسه، وبدأ يشعر حينها بوخز الضمير،وكأن هذه الحادثة قد أعادت له صوابه. بعدها بأيام، وبعد ما قام الأطباء بجبر الكسر، أخذوني إلى المنزل، وأرقدوني السرير، كنت أيامها أتمنى لو تزهق روحي لأتخلص من هذه الدنيا، إذ إنني لم أكن أحتمل أن أعود إلى حياتي مع أبي، ولكنني صبرت على مضض وتحملت على صعوبة التحمل، واحتسبت أمري إلى الله تعالى وتوسلت بالأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين بأن ينظروا لحالي وأن يوفروا سبل هداية أبي.

والحق أنهم عليهم السلام أهل الكرم والجود، فقد استجابوا لي، نعم هكذا كان، ففي إحدى الايام وبينما أنا راقد على سريري حيث منعني الأطباء من الحركة، سمعت صوت رجل يصلي لله تعالى بخشوع، كان الصوت قريبا جدا من صوت والدي، لكنني لم أكن أصدق، فطوال حياتي لم أر والدي يصلي يوما، بل إنه لم يكن يعرف معنى الصلاة، فسألت زوجة أبي الثانية - التي كانت عادت إلى المنزل بعد هروبها منه غير مرة بسبب تصرفات والدي - عن هذا الصوت وعن صاحبه، فقالت لي: إنه أبوك يصلي للمرة الأولى!

عندها بكيت فرحا، وكان الأمر كالحلم بالنسبة لي، لكن الأمر تأكد لي عندما جاء أبي إلي بعدها، وأخذ يقبل راسي ويمسح عليه بكل حنان وعطف وأبوة، معتذرا عما بدر منه، معبرا عن ندمه، وقال لي: (يا ولدي أرجوك أن تسامحني فها أنا أتوب إلى الله تعالى مما بدر مني طوال هذه السنين، لقد أحسست عند ما رأيتك تتلوى من الألم وكأن شيئا ما قد انتشلني من غيبوبتي، كأن شيئا ما قد أفاقني من رقدتي، وعندما أخبرني الأطباء بأن كتفك مخلوع مكسور، وعندما رأيتهم يضعون تلك الخشبة ويربطونها ناحية كتفك بغية تجبير الكسر، علمت أنني اقترفت ذنبا كاد يودي بحياتك يا بني، فاحتقرت نفسي وكدت أنتحر، لولا أنني صممت على أن ألقى ربي وهو عني راض في ما تبقى من عمري، فها أنا ذا أتوب واستغفر وأعود إلى الله).

لم أنطق حينها ببنت شفة، إذ لم أكن قادرا على أن أعبر عما يجول في خاطري، كل ما فعلته هو أنني احتضنت ابي، وكنت في نفسي أقول إن ربي هو أرحم الراحمين، وإن أئمتي لم يخذلوني. وعلمت بأن ما كنت أتعرض له هو اختبار وامتحان من الله تطلّب الصبر على البلاء، والحمد لله على توفيقه إياي للنجاح فيه.

(القصة الثانية: لعب الورق أضاع عمره)

إنه شاب في مقتبل العمر، فيه ميزة الطموح، لكن ظروفا أسرية نشأ فيها قتلت فيه كل طموح ممكن، إذ تهاوى وتهاوى وانجرف مع تيار الفساد. وليت هذا الانجراف كان بسبب أصدقاء سوء ماشوه، و صدمة نفسية تعرض لها، بل إنه كان بسبب اسرته التي تربي في كنفها.. نعم هي من دفعته إلى الانحراف وضياع العمر!

كيف ذلك؟! إنه يجيب ساردا قصته بالقول: نشأت وسط عائلة متدينة، والداي علّماني اصول الدين وفروعه، وأخذاني إلى المساجد والحسينيات، والمراكز الإسلامية أيضا، فكانت الأجواء التي أعيش فيها أجواء إيمانية. هكذا نشأت وهكذا ترعرت. وكنت من المتفوقين في دراستي، وكان طموحي أن أصبح استاذا جامعيا أكاديميا، وكنت أضع في اعتباري أنني ساقوم بتدريس الأجيال. هكذا كنت مخططا لمستقبلي الواعد.

وفي فترة دراستي في المرحلة الثانوية، كنت أذهب مع والدي إلى الدواوين حيث كان يصطحبني معه كثيرا، بغية تعويدي على الحياة الاجتماعية العامة، وقد كنت منسجما كثيرا مع تلك الجولات، وأحب الدردشة مع المترددين على تلك الدواوين. وعادة ماكان والدي يأخذني إلى دوواين أهلها يعتبرون من المتدينين، ولذا فإنني كنت مرتاحا من ارتيادها والتردد عليها، وذات مرة اصطحبني والدي إلى إحدى تلك المجالس، وبعد تبادل الأحاديث، وجدت بعض من كانوا هناك قد افترشوا الأرض وبدؤوا بلعب الورق مما يقال له عندنا (كوت بوستة) فامتعضت كثيرا من ذلك المشهد، إذ طالما اقترن في ذهني أن لعب الورق هومن الميسر وهو ملازم للشيطان والإثم. عندها نبّهت والدي إلى أن أولئك يلعبون هذه اللعبة الخبيثة، وكنت أنتظر منه أن ينصرف بي للخروج من ذلك المجلس قبل أن تشملنا اللعنة مشاركتنا إياهم في مجلس واحد وإن كنا غير لاعبين، هكذا كنت أفترض أن يكون موقف والدي، لكنني صعقت كثيرا عندما وجدته يجيبني ببرود عجيب حال تنبيهي إياه قائلا: (عادي.. ليس هنالك إشكال.. مادامت اللعبة بلا نقود فهي جائزة)!

استغربت كثيرا من موقف والدي، وبدأت أراجع ذاكرتي عن تلك المواقف التي حذرني فيها والدي وكذلك والدتي من لعب الورق بدعوى أنها من المحرمات، وسألت نفسي كيف تغير الموقف الآن؟ لكنني سكت وكتمت تساؤلاتي. إلا أن ثمة موقفا آخر زادني دهشة وعجبا، عند ما وجدت أحد اللاعبين بالورق ينادي والدي قائلا: (أبا فلان.. هلم إلينا لتشاركنا) فأجاب والدي مبتسما: (شكرا ولكنك عارف بأنني غشيم في اللعب جيدا). وبعد إصرار من ذلك الرجل رأيت والدي ينزل فعلا إلى اللعب.. هنا كان وقع الأمر علي شديدا جدا!

وأثناء عودتنا إلى المنزل بعد فض المجلس، سألت والدي في السيارة عما حدث، ونقلت له تساؤلاتي واستغرابي الشديد، فأجابني قائلا: (في الواقع لقد كان المرجع الذي نقلده في ما سبق متشددا بعض الشيء، ومرجعنا اليوم (...) هو مرجع أكثر انفتاحا وهو يجيز لعب الورق ما دام اللعب من غير رهان أو نقود).

عندما أبلغني والدي بذلك تذكرت أننا عندما توفي المرجع السابق الذي كنا نقلده، أخبرنا أبي بأننا الآن نقلد المرجع (...) الذي لم يكن معروفا على مدى، واسع حينها، حتى أن أختي الكبرى التي كانت ولا تزال ذات اطلاع ثقافي وديني واسع قامت بالاعتراض على تقليد ذلك الشخص، وأبلغت والدي بأنها لن تقلده وستبقى على تقليد الميت لحين معرفتها الأعلم من بين المراجع المطروحين، عندها وقع سجال بين والدي وأختي لكنني لم أكن مهتما وكذلك بقية أفراد اسرتي، قد اعتدنا على سماع وتنفيذ أوامر والدي دون مناقشة، خاصة في ما يتعلق بمسائل الدين إذ هو في نظرنا كان الأعرف والأفهم. وهكذا مر الأمر بالنسبة لنا جميعا إلا أختي الكبرى.

لقد كنت شديد التعلق بوالدي، وأعتبره مثلي الأول، ولذا فإنني عندما استمعت إليه في شأن حكم لعب الورق، لم أعترض ولم أناقش، بل قبلت بالأمر بشكل طبيعي، واقتنعت بما قاله لي والدي، فالقول قوله، هكذا اعتدنا، كما أنه بين أن هذا الحكم هو من حكم المرجع، وعندنا المرجع مقدس لا يجوز الاعتراض عليه أبدا.

ومرّت الأيام وأنا أواصل حياتي طبيعيا، وذات مرة دعاني زميل لي في الدراسة على زيارة صديق له، فقبلت، وجاء الموعد وذهبت معه إلى ذلك الشخص، فوجدته يقطن في ملحق منزله الذي هيأه بحيث يكون جاذبا لكل شاب، ولذلك فقد كان معظم من أعرفهم من الشباب متواجدين عنده. وكعادة جلسات الشباب، فإننا تبادلنا الحديث الضاحك وقمنا بالاستهزاء ببعض المدرسين في مدرستنا وتحدث بعض منا عن البنات وهكذا، وكنت أتجاوب مع بعض الأحاديث ولا أتجاوب مع الأخرى بالنظر إلى طبيعتي الدينية وتربيتي وأخلاقي.

وفي ذلك اليوم المشؤوم، وجدت الأصدقاء يهمون بلعب الورق أيضا، في البداية كنت سأخرج، لكنني تذكرت ما أبلغني به والدي، وتقبلت الأمر، وكان أن دعوني إلى المشاركة في اللعب، فاعتذرت لأنني لم يسبق لي أن لعبت هذه اللعبة أبدا، ولم يكن لي علم بقوانينها، فقام زميلي الذي اصطحبني وأجلسني بقربه، وعلمني أصول اللعبة وكيفيتها، فوجدت أنها لعبة ممتعة ومشوقة، هكذا كان انطباعي الأول، لكنني اليوم عرفت أن هذه اللعبة لم يصنعها صانعوها إلا لخراب البيوت ودمار الناس، فهذا ما حصل لي.. وآه مما حصل!

لقد انجذبت كثيرا لتلك اللعبة، وأحببتها، ولذلك فإنني أكثرت من ترددي على ذلك المكان، وخوض اللعب مع الأصدقاء، وسرعان ما تطوّر الأمر، ليصبح السهر رفيقا لنا، إذ كنا نقضي الساعات الطوال في اللعب والمرح. وقد كان صاحب المكان لا يعرف صلاة ولا صياما، وكنت أنا وزميلي وشخص ثالث الوحيدين الذين نصلي عندما يحين وقت الصلاة، كان هذا في بادئ الأمر، لكننا في نهايته لم نعر اهتماما للصلاة ولا أهلها! لقد استحوذت علينا تلك اللعبة تماما، إنها كالشيطان!!

أثر ذلك تأثيرا كبيرا على مستوانا الدراسي، وبدأت أتعثر وأتخبط، ورغم ذلك فإنني لم أنته عن اللعب، وأصبح اللعب يوميا ويستمر بنا إلى أكثر من منتصف الليل. وقد قرّبنا صاحب المكان الذي علمت في ما بعد أن أباه متوفي وأمه امرأة كبيرة في السن ولا تتمكن من مراقبته، وكان قربنامن ذلك الشاب صاحب الملحق أن كشف لنا سرا، إذ قال: (إن لنا في الساعة الثانية ليلا من كل يوم أربعاء وخميس جلسة خاصة جدا، تقتصر فقط على شبابنا المقربين، وها أنا ذا أدعوكم إليها، فلا تفوتكم الجلسة). سالت مستفسرا: (هل اللعب موجود فيها؟) فأجاب صاحب المكان: (بالتأكيد.. ولعبنا سيكون في تلك الأثناء أكثر إثارة وروعة)!

كنت وزميلي ننتظر مجيء ذلك اليوم بفارغ الصبر، وعندما حل الموعد النحس، ذهبت وإياه إلى الملحق، ووجدنا أشخاصا جديدين لم نكن نعرفهم من ذي قبل، تعرفنا عليهم بداية، ثم درد شنا قليلا، ثم هممنا باللعب، وفي تلك الأثناء، وجدت صاحب الملحق يشغل جهازي التلفزيون والفيديو، وقبل أن يبدأ العرض وجه حديثه لنا قائلا: (هذا الفيلم جديد وحلو جدا جدا، والذي يفوز في هذه الجولة من اللعب سيحصل عليه). عندها تعالت أصوات اللاعبين حماسة وفرحا، لم أكن أعلم ما السبب، ولم أكن أدري محتويات ذلك الشريط الذي لم يشغله صاحبه إلا لثوان معدودة بان عنوان الفيلم فقط، المهم أن التنافس في اللعب اشتد كثيرا، وكأن كلام ذلك الشاب صاحب المكان قد أشعل الأجواء حماسة. وانتهى اللعب بفوز أحدهم، وبانت علائم الخيبة على وجوه الآخرين، وطلب الفائز من صاحب المكان هديته، فأعطاه إياها، لكنه همس في أذنه وعندها طلب الفائز أن يعرض الفيلم على الحضور، وبان حينها كمن يتفضل علينا بهديته، وبالفعل فقدتم تشغيل الفيلم، وإذا به فيلم إباحي أجنبي شد أنظار الحاضرين، ولا أخفي أنني أيضا شاهدته حتى النهاية وكأنني كنت بلا وعي أو إدراك، فقد قادتني الشهوة وانتصر علي الشيطان!

وبعد انتهاء الفيلم، كنت مذهولا، فقد كانت المرة الأولى لي التي اشاهد فيها فيلما من هذا النوع، وأخذني زميلي وعدنا إلى المنزل وقد كنا مرهقين تماما، وفي صباح اليوم التالي وحيث إنه يوم عطلة، إذ لا دراسة في يومي الخميس والجمعة، اتصل بي صاحبي هاتفيا وسألني: (ما رايك في جلسة الأمس؟) وعندها استعدت وعيي وبدأ ضميري يؤنبني كثيرا على ما اقترفته من ذنوب وآثام، كانت فطرتي تحركني إلى رفض ما حدث، فأجبت مسرعا وبلا تردد: (أستغفر الله وأتوب إليه.. لقد أذنبنا ذنبا عظيما، وإنني يستحيل أن أذهب إلى هذا المكان ثانية).

ولم يعجب الكلام صديقي، فأتاني لزيارتي وقد كنا معتادين على أن نزور بعضنا بعضا في معظم الأحيان وفي أي وقت كان، جاءني ومعه كيس لم أعلم ما به، المهم إنه جلس عندي وبدأ يستفسر عن سبب قراري بمقاطعة الجلسات تلك، فأجبته وقد خرجت من طوري: (كيف تريدني أن أحضر تلك الجلسات وأشارك فيها؟! أما رأيت ما فعلوا؟! أما تخاف الله؟!) وببرود أعصاب عجيب أجابني صديقي: (لم أنت منفعل إلى هذه الدرجة، إنهم لم يفعلوا شيئا، الشريط كان غربيا ولكفار ولا ضير في رؤيانا له)!

قاطعته قائلا: (وعلى أي اساس نراه؟ ألا تعلم أن هذا حرام وهل نحن تنقصنا الذنوب أيضا؟! ألا يكفي ما حلّ بنا من مشاكل في الدراسة بسبب كثرة لعبنا؟!) وعندها تحدانا صديقي بأن هذه الأفلام ليست محرمة، وطلبت منه أن يثبت لي ذلك، فأخرج من الكيس كتابا فقهيا فيه مسألة طلب مني أن اقرأها، وإذا بصاحبها يفتي بأن من الجائز النظر إلى (كل من اعتادت على كشف جزء من جسمها أو كله بشكل طبيعي لأنها تدخل ضمن نطاق اللاتي لا ينتهين إذا نهين، كما أن النظر لعورة الكافر كالنظر لعورة الحمار، ولا حرمة لذلك)!!

لقد فوجئت كثيرا بهذه المسألة، ورأيت وإذا صاحبها هو نفسه ذلك المرجع الذي نقلده أهي مصادفة؟! لم أشغل بالي بالتفكير، فقد كنت حينها في داخلي أتوق لرؤية تلك الأفلام، كما سوّلت لي نفسي وكما ضحك عليّ الشيطان وأبعدني عن طريق الله تعالى. وبعد حضٍ من قبل صاحبي الذي أتاني، قبلت الذهاب ثانية إلى ذلك المكان الموبوء في ذلك اليوم، حيث كان يوم الخميس، وتكرر الأمر في كل أسبوع، وزادت الجلسات الشيطانية تلك، وبدأ الأمر يتطور إلى أن وقعت في الرذائل كلها شيئا فشيئا، فاحتسيت الخمر، وجربت المخدرات لكنني ولله الحمد لم أدمنها إذ لم أتأقلم معها، ولكن حياتي ضاعت كلها، فلم أكمل دراستي الثانوية، فضلا عن الجامعية.

ووقعت الطامة الكبرى، يوم زين لي أولئك الذين صاحبتهم، الذهاب إلى إحدى الشقق، وكانت بعض العاهرات هنالك، وكان ماكان، حتى انقلب الوضع إلى الشذوذ، وجاء يوم ألقت فيه المباحث القبض علينا، وأودعت السجن لسبع سنوات، لكن أفرج عني بعد أربع منها بمناسبة العيد الوطني لحسن سيري وسلوكي.

نعم.. لقد جرّتني تلك الأوراق اللعينة إلى الوقوع في هذه المهالك، كان كل شيء يجرما بعده، وفي فترة كوني في السجن، انهارت والدتي المسكينة وأصيبت بمرض القلب حيث كانت شديدة التعلق بي، وافتضح أمري عند الجميع، فلم أعد اقدر أن أواجه المجتمع، لقد أصبحت انطوائيا، لكنني أحاول الآن التغلب على هذه الحال بالتردد على الحسينية التي أخدم فيها الآن، كما أنني ولله الحمد أواصل الآن دراستي الثانوية مساءً، على أمل أن أكملها وأشق طريقي في الحياة من جديد.

لقد تبت إلى الله تعالى، وطلبت من سيدي صاحب الزمان (عليه السلام) أن يعفو عني، أعلم أن قلبه قد تألم مما فعلت كثيرا، وإن كان الذنب الأكبر يقع علي، فإني لا اتحمله وحدي، فهناك من زين لي الوقوع فيه، من أصدقاء السوء، ولربما كانت تلك الفتوى السيئة بحلية لعب الأوراق ومشاهدة الأفلام الإباحية هي ما مهد لي طريق الفساد. لقد تحققت من الأمر وليتني تحققت منذ بدايته، فعلمت بأن ذلك المرجع الذي افتى بهذه الفتاوى ليس سوى (ضال مضل) أفتت المرجعيات الكبرى والحوزات الدينية بفساد أفكاره وعقائده، ولا أحد يعترف باجتهاده فضلاً عن مرجعيته. كم كنت أتمنى لو كنت على معرفة بهذا الأمر قبل أن يقع ما وقع.

ولولا أن الله تعالى حفظني من الانزلاق أكثر، لكنت الآن مدمنا للمخدرات، ولربما كنت نسيا منسيا، لكنني والله الحمد عدت إلى صوابي ورشدي، وتبت إلى الله تعالى واغتسلت غسل التوبة، وبدأت اليوم أعوض ما فعلته بالخدمة في الحسينية ليل نهار، عسى أن يغفر الله لي ذنوبي والله غفور رحيم، وهو أرحم الراحمين.

(القصة الثالثة: رسالة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عبر رؤيا)

ونختم جولة القصص هذه، بهذه الرؤيا الصادقة التي رآها صاحبها، وهو شاب مؤمن ملتزم، وبعيدا عن مدى حجية الرؤيا، فإنها بالنتيجة تعبر عن حالة واقعة من الجيد أن يلم بها الجميع ويقف عليها.

يقول صاحب الرؤيا: لقد رأيت في عالم المنام كأنني أدخل إلى مسجد مشهور جدا يصلي فيه شيخ ذو هيئة نورانية، وكنت أرى في المسجد أمورا غير معهودة من ذي قبل، حيث كانت الأنوار المضيئة والزينة في كل مكان، وكان هناك على باب المسجد حراس لا يسمحون بدخول أحد إلا المؤمنين الصالحين المخلصين، هكذا كان الوضع. وبينما كنت جالسا في المسجد، رأيت الشيخ الجليل الذي هو إمام المسجد جالسا في محرابه كأنه ينتظر أمرا عظيما، فسألت الجالس بجانبي من المصلين عن الأمر، وعن سبب هذا التهيؤ العجيب وهذه الحفاوة المعدة، فقال لي: (ألا تعلم من ننتظر في هذه الساعة؟) قلت: (لا.. من ننتظر؟) فقال: (نحن على موعد بقدوم الحبيب المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وسوف يحظى كل الحاضرين هنا بهذا اللقاء العظيم)!! فقلت متشوقا و مندهشا: (أهذا صحيح؟ هل يعنى ذلك أنني سأرى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!) فقيل لي: (نعم)!

ما مرت إلا لحظات إلا ونهض الجميع واصطفوا، وقام الشيخ الجليل ونحن نسير خلفه بخطوات متأنية، وساعتها امتلأت الدنيا أنوارا و هيبة وكمالا وجمالا، وكأن الشمس قد دخلت من باب المسجد، فأعلن عن قدوم رسول الله خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وآله أجمعين، فأسرع الشيخ ونحن خلفه إلى تقبيل الأرض بين رجلي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم بدأنا واحدا واحدا بالسلام عليه، وعند ما وصل الدور إلى - وأنا الحقير - انكببت عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقبلت يده الشريفة وعانقته عناق طفل صغير لأبيه، نعم قد أحسست بحنانه صلوات الله عليه وآله وكنت أشعر بحاجتي إلى احتضانه طويلا.

وعندها أمرنى (صلى الله عليه وآله وسلم) أن آخذه إلى إحدى الأسواق المحلية المعروف عن مرتاديها بأنهم أهل فساد!! فاندهشت وتعجبت وقلت في نفسي: أمعقول أن يطلب رسول الله مني أن آخذه إلى مثل هذا السوق الذي يتأذى صلوات الله عليه وآله منه؟!

ابتسم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قائلا لي: إنني أعلم ما تقول في نفسك، ولكن قم بما أمرتك!

فقلت: سمعا وطاعة يا رسول الله. واصطحبته (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى سيارتي، فركب فيها و بينما كنت أقود السيارة، كان حضرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) جانبي، وقدر رأيته يضع عمامته الجليلة البيضاء التي كان يشع منها نور عظيم، واستبدلها بكوفية (غتره) ولثم بها نفسه بحيث لا يظهر من وجهه المقدس إلا عيناه الشريفتين.

وعند الوصول إلى ذلك السوق، شاهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يندى له الجبين، لقد شاهد محلات بيع أشرطة الموسيقى والغناء، وشاهد الفتيات السافرات الكاشفات لأجسادهن، وشاهد الشبّان الملوثين بالمعاصي يلاحقونهن، ورأى محلات بيع أفلام الفيديو، وكذلك محلات بيع آلات الطرب، وغيرها من مظاهر المنكر في بلاد المسلمين الذين لم تتحرك غيرتهم على دينهم للنهي عنه وإيقافه. عندها وجدت عينا رسول الله المقدستين تفيضان بالدمع، ونزلت دموعه على وجنتيه كأنها اللؤلؤ، وقال لي: (أنبئهم أن عذاب الله شديد! أنبئهم أن عذاب الله شديد! أنبئهم أن عذاب الله شديد)!!

قمت عندئذ فزعا من النوم، وبكيت بكاء شديدا، على حالي، وحال أمتنا!!

 

   

أعلى