|
|
|
|
|
.. حتى بعض من يسمون أنفسهم »شيعة«! |
||
|
بقلم: إسراء رمضان حسن * بينما كانت تتحدث مع بعض الأفراد عن الخطب التي وردت عن معصومية آل البيت عليهم السلام وإذا بها تنظر إلى أحدهم بدهشة شديدة وهو يسألها وقد اشتد غضبه: كيف تستمعين إلى مثل هذه الخطب الموضوعة والتي لا أساس لها من الصحة؟ بل وكيف تستمعون إلى فلان ذاك الخطيب المغالي في أقواله وخطبه؟ فأجابت: وأين هي أوجه الغلو في خطبه؟ فقال: أمن المعقول أن يعلم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بما في الأرحام؟ أمن المعقول أن يكون باستطاعة إمامنا علي (عليه السلام) إنزال المطر؟ كما يدعي ذاك المغالي؟ أمن المعقول ما يدعيه ذاك الخطيب بقوله أن مولانا علي (عليه السلام) أفضل من الأنبياء؟ فدهشت وقالت: ولم لا؟ أو كثير على فاتح باب خيبر الذي عجز عن حمله أربعون رجلاً أن يعلم ما في الأرحام وأن يتمكن من إنزال المطر بإذن من الله أو ما شابه ذلك من الأمور؟ فرد وهو يشتعل غضباً: كيف تجهلين بأن هذه الصفات من المختصات الإلهية والتي لا تجوز إلا على الله عز وجل ولا يجوز على أحد أن ينسبها إلى مولانا علي (عليه السلام) أو غيره من الأئمة لأنها تعتبر مغالاة في حق أمير المؤمنين؟! وما إن أرادت أن تتفوه بكلمة واحدة وحجة تدينه حتى أنهى النقاش سريعاً ببضع كلمات دلت وبشدة على عدم أهليته للخوض في مثل هذه المناقشات الراقية. ومن ثم.. قامت بمناقشة حادة وحواراً طويلاً مع عقلها وقلبها وجميع جوارحها.. وسألت نفسها، لماذا مثل هذه الفضائل لمولاي أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ أولم يخبر أبا الحسن أمته بما سيجري على أمم المسلمين بعد عصور وليس بعد سنوات فقط؟ أولم يخبر حيدرة بالكثير من الأمور الغيبية التي لم يكن أحد على علم بها، أمثال الضربة الت يسيضرب بها سيف ابن ملجم (عليه لعائن الله) رأسه الشريف فتختضب لحيته الطاهرة بالدماء؟ أولم يخبر علي بن أبي طالب عن قتل ابنه الحسين (عليهما السلم)؟ أولم يخبر عن واقعة الطف بأكملها وأخبر أيضاً أن بضعته السيدة زينب (عليها السلام) ستلاقي من الذل والهوان على يد أعداء الله ما لم تتعرض له قط على حياة أبيها الكرار؟ أولم يخبر إمامنا عن أمر الخوارج بالنهروان غيرها؟ أولم يخبر بأمر خروج قائمنا الحجة بن اتلحسن (عجل الله فرجه) في آخر الزمان؟ وبغض النظر عن كل ما سبق، أولم يعلم أمير المؤمنين صحابته بما يسمى بـ (علم الآجال) (وهو العلم بأوقات موت الناس)، حيث كان الإمام علي (عليه السلام) قد علم نخبة من كبار صحابته الأجلاء هذا العلم، أمثال ميثم التمار، ورشيد الهجري، وحبيب بن مظاهر الأسدي، ومحمد بن أبي بكر، وأويس القرني، وعمار بن ياسر، وكميل بن زياد النخعي، رضي الله عنهم أجمعين، وكان كل منهم يعلم متى وأين وكيف ومن سيقتله، ولي سهذا فحسب وإنما كل منهم كان يعرف ماذا سيجري على الآخرين أيضا وذلك بفضل علوم الإمام (عليه السلام) والتي غرس بذورها في نفوسهم الطاهرة، وقد حدث ذات مرة أن التقى (ميثم التمار) و(حبيب بن مظاهر) في مجلس ما وجرى بينهم حوار طويل حيث قال حبيب لميثم: كأني أرى رجلاً بطيناً وقد علقوه على خشبة لمحبته لآل البيت عليهما لسلام ويبقرونه من بطنه، وكان يقصد بذلك ميثم، فقال ميثم: إنني أعرف رجلاً أحمر الوجه ذا شعر طويل يذهب للميدان لنصرة الإمام الحسين (عليه السلام) فيقتلوه ويأتوا برأسه إلى الكوفة، وكان يقصد بذلك حبيب، فقال الحاضرون في المجلس بعد أن افترقا (حبيب وميثم): لم نعرف أكذب من هذين الرجلين، فأقبل عليهم عند ذلك (رشيد الهجري) وكان يستفسر عن حبيب وميثم، فقالوا له أنهما كانا هنا وأخبروه بما جرى بينهم، فقال رشيد: رحم اللهميثما لقد نسي أن يقول بأن الشخص الذي سيحمل رأس (حبيب بن مظاهر) إلى الكوفة سيمنح جائزة مقدارها 100 درهم، ولم تمض فترة من الزمن حتى أدرك الذين حضروا ذلك المجلس بأن كل ما قاله هؤلاء الصحابة كان سيحدث وبأنه من العلوم الغيبية! وفي حديث صدر عن أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) أنه قال: إذا أراد الإمام أن يعلم شيئاً أعلمه الله ذلك. (أصول الكافي، الكليني، ج 258/1). أولم يحدث ذات مرة أن خرج الإمام علي (عليه السلام) في إحدى الليالي بصحبة كميل بن زياد من المسجد وأخذا يتجولان في الأزقة والطرقات إذ سمع كميل قراءة قرآن بصوت خاشع متأثرا كثيرا بصوت ذلك المقرئ، وتمنى لو أنه كان شعرة في جسد هذا الرجل بدون أن يتفوه بذلك وإنما ظلت تلك الأمنية في نفسه، فالتفت إليه الإمام (عليه السلام) وقال له: لا تتأثر بهذا الصوت فإن صاحبه من أهل النار وسأخبرك بهذا في المستقبل. فدهش (كميل) من كلام الإمام أمير المؤمنين وذلك لسببين: السبب الأول: معرفة الإمام بتأثر كميل بهذا الصوت. السبب الثاني: إخبار الإمام (عليه السلام) كميلاً بأن صاحب هذا الصوت من أهل النار. ولم تمض فترة طويلة من الزمن، إلا وتبدأ حرب النهروان، حيث كان بعض قراء القرآن يحاربون أمير المءمنين (عليه السلام) بتهمة كفره والعياذ بالله، وبعد انتهاء الحرب أخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) بالمرور على القتلى، فوضع رأس سيفه على أحدهم وتوجه إلى كميل قائلاً: اليس هذا المقتول هو ذلك الشخص الذي كان يقرأ القرآن في تلك الليلة؟ فاهتز كميل من الأعماق ورمى بنفسه على قدمي الإمام (عليه السلام) وطلب من الله المغفرة. (القصص المصورة، تأليف/ علي مقدم). وفي النصوص والأخبار المعتبرة والتي تقول بأن الأئمة عليهم الصلاة والسلام يعلمون بالغيبيات بإذن منه جل وعلا، وعلم ما كان وما سيكون إلى أن تقوم الساعة، وأنه لا يخفى عليهم شيء، بينما الأنبياء والمرسلون في ما عدا خاتمهم محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - ما كانوا كذلك (سلوني قبل أن تفقدوني، الشيخ الحكيمي، ج 317/2). كما ورد أيضاً في هذا الشأن أن أبا الحسنين (عليه السلام) سئل من قبل رجل من أهل فارس حيث قال له: أتعلمون الغيب؟ فقال (عليه السلام): يبسط لنا العلم فنعلم ويقبض عنا فلا نعلم، ثم أردف قائلاً: سر الله عز وجل أسره إلى جبرئيل (عليه السلام)، وأسره جبرئيل إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأسره محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى من شاء الله تعالى. (أصول الكافي، الكليني، ج 256/1). وقد وردت أيضاً من باب العلم بالغيبيات بعض الأحاديث بشأن مصحف سيدتنا ومولاتنا الطاهرة المطهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) والمصحف المسمى بـ (مصحف فاطمة) حيث قال أبا عبدالله الحسين روحي له الفداء ما معناه: إن الله تعالى لما قبض حبيبه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل على فاطمة من الحزن ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فأرسل إليها ملكاً يسليها ويحدثها ومن ثم أخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) بكتابة كل ما يسمعه من هذا الملك وتدوينه في مصحف، وفي هذا الصدد تحدث أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: إن هذا المصحف ليس فيه شيء من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون. (أصول الكافي، الكليني، ج 240/1). وقد وردت الكثير من الأخبار التي أخبرتنا عن طرق إثبات إمامة الأئمة الإثني عشرية وإحدى هذه الطرق هي الإتيان بالمعجزة كما في النبوة لتكون شاهداً على صحة ادعائه. ولا شك أن الإمام علي (عليه السلام) والأئمة الإثني عشر من ولده قالوا بإمامتهم وأتوا بكم من المعجزات التي لا تعد ولا تحصى، ويمكننا في هذا الصدد الإشارة إلى بعض من معجزات الإمام علي (عليه السلام)، فكما أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أشار باصبعه المبارك إلى القمر فشقه إلى نصفين فكذلك وصيّه وأخوه علي (عليه السلام) حين غربت الشمس في حرب صفين فجاء إلى الإمام عدد من جنوده وقالوا له: يا أمير المؤمنين لقد غربت الشمس ولم نتمكن من أن نصلي صلاة العصر، فأشار الإمام بإصبعه الشريف إلى الشمس، فأرجعها. (أصول الدين، سيد عبدالمحسن دستغيب، ج 63/4). كما ينقل العلامة الحلّي بأن أحد العلماء الأفاضل كان مشغولاً بمدح الإمام علي (عليه السلام) وقد استمر المجلس حتى غربت الشمس، وفي ذلك الوقت خاطب هذا المحب لإمامه الشمس قائلاً: أيتها الشمس التي رجعت لمولاي في صفين بأمره، هل يجوز أن تغربي بهذه السرعة؟ ارجعي حتى أكمل مدحي وثنائي؟ وما إن طلب ذلك حتى رجعت الشمس. (بحار الأنوار، العلامة المجلسي، المجلد التاسع). وفي رواية عن الأصبغ بن نباته أنه كان جالساً عند أمير المؤمنين وهو يقضي بين الناس إذ أقبلت جماعة على الإمام ومعهم أسود مشدود الأكتاف وقالوا للإمام بأن هذا الأسود سارق، فسأله أمير المؤمنين، فاعترف بأنه قام بالسرقة وكررها على مسمع أمير المؤمنين ثلاث مرات رغبة منه بإقامة الحد عليه، وعندها فقد قضى أمير المؤمنين بقطع يده اليمنى وعندما قطعها أخذها بشماله وهي تقطر دما، فاستقبله رجل يقال له ابن الكواء، فقال له: يا أسود، من الذي قطع يمينك؟ فقال: قطع يمني سيد المؤمنين وقائد الغر المحجلين... ومن ثم أثنى على أمير المؤمنين بما يقارب خطبة كاملة ارتجلها في مدحه والثناء عليه، فقال له ابن الكواء: ويحك يا أسود! قطع يمينك وأنت تثني عليه كل هذا الثناء؟ قال: ومالي لا أثني عليه وقد خالط حبه لحمي ودمي، والله ما قطع يميني إلا بحق أوجبه الله تعالى علي، ومن ثم ذهب ابن الكواء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال له: سيدي وموللي، لقد رأيت عجباً، فقال (عليه السلام): وما رأيت؟ فسرد عليه ابن الكواء ما قاله الأسود، فأمر أمير المؤمنين بإحضاره ومن ثم قال له: قطعت يمينك وأنت تثني علي كل هذا الثناء؟ فقال الأسود: ومالي لا أثني عليك وقد خالط حبك لحمي ودمي فقال له أمير المؤمنين: هات يدك، فأخذها ووضعها في الموضع الذي قطعت منه ومن ثم غطاها بردائه فصلى ودعى بدعوات لم تردد من قبل وقال بنهاية دعائه: آمين، ثم قال: اتصلي أيتها العروق كما كنت، ورفع الرداء وإذا بيد الأسود قد اتصلت كما كانت فقام وهو يقول: آمنت بالله وبمحمد وبعلي الذي رد اليد بعد تخليتها من الزند. (منتهى الآمال، الشيخ عباس القمي، ج 309/1). فبعد كل هذه المعجزات التي لم نذكر سوى أقل القليل منها والتي تمت على يد مولانا علي بن أبي طالب (عليه السلام) أو يصعب عليه أن يعلم ما في الأرحام ذكر أم أنثى؟ هل يصعب عليه أن ينزل بضع قطرات من المطر بإذن من الله تعالى؟ فأي عبد صالح يطيع الله ورسوله في كل أمور الدنيا ويقوم بكثير من العبادات والمستحبات ويتمتع بالتقوى والزهد والورع ما إن يرفع يده بالدعاء إلى الباري جل وعلا فيستجيب له رب العزة والكمال لا محالة. وقد ورد العديد من القصص والأحداث في كتاب القصص العجيبة للسيد عبدالحسين دستغيب (قدس سره) بهذا الشأن، وسنذكر إحداها في هذا الصدد الآن، فقد كان طفل صغير يحبو وتتبعه والدته على السطح تريد الإمساك به، فاتجه الصغير نحو الميزاب فأخذت أمه تصرخ وفيما المارة واقفون في الزقاق يراقبون ولا يستطيعون فعل شيء، وإذا بالطفل يسقط فجأة، واتفق في لحظة سقوطه إن كان أحد كبار أهل الإيمان والتقوى حاضراً فقال بصوت مسموع: إلهي أمسك به، وفي موضع آخر، قف بإذن الله، فتوقف الطفل فجأة بالهواء إلى أن جاء الرجل فأمسك به ووضعه على الأرض، وعندما رأى الناس ذلك اجتمعوا عليه يقبلون يديه ورجليه ويسألونه كيف استطاع القيام بمثل هذا الفعل؟ فأجاب: أيها الناس، أنا العبد الحقير قضيت عمري في طاعة الله عز وجل، فلا عجب إن هو استجاب لي ولو لمرة واحدة حيث يقول الواحد الأحد لعبده (أنا مطيع لمن أطاعني) وفي موضع آخر، (يا عبدي أطعني تكن مثلي، أقول للشيء كن فيكون وتقول للشيء كن فيكون). (القصص العجيبة، دستغيب، 302). إن كان ذلك العبد الصالح الذي دعا رب الجلالة والإكرام ولم يمض على دعائه دقائق معدودات حتى استجاب الله له، فكيف يكون الأمر إذن بمولانا أبي الحسن روحي لتراب مقدمه الفداء؟ كيف يجرؤ المرء على إنكار حدوث تلك المعجزات على يد فاتح خيبر بإذن من الله الواحد القهار؟ كيف يمكن للمرء أن يستكثر على من شرف الكعبة بولادته بها حدوث بعض من التغيرات الكونية في الطبيعة وأن يعلم بالأمور الغيبية؟ لو كان الأمر كذلك.. فيمن إذن نزلت تلك الآية الشريفة (إذا زلزلت الأرض زلزالها، وقال الإنسان مالها)؟ أو لم تنزل في مولانا علي بن أبي طالب حينما زلزلت الأرض وهرع وفزع كل من فزع من حول الإمام (عليه السلام) وقد ظل هو ساكنا إلى أن ضربها بيده ضربة واحدة وهو يقول لها: مالكَ؟ اهدئي، فهدأت وسكنت. (منتهى الآمال، الشيخ عباس القمي)، أنسوا قول سيدنا وطبيب نفوسنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حين قال: يا علي.. لا يعرفك إلا الله وأنا. أي أن العبد الحقير مهما قال من الفضل في حق مولاي أمير المؤمنين فإنه لن يوفّ حتى جزءاً بسيطاً من حقه وإلا لسقط قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأعوذ بالله من ذلك. كل هذه المعاجز لك يا حيدرة وما زال البعض ينكر عليك هذه القدرات؟ ولا يسعني القول في هذا الصدد إلا: لعن الله أمة دفعتكم عن مقامكم، وأزالتكم عن مراتبكم التي رتبكم الله فيها يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة وأعلام الهدى والعروة الوثقى عليكم أفضل صوات الله وسلامه، وجعلنا من أتباعكم وأشياعكم. كاتبة كويتية
|
||
|
ثورة الحسين عليه الصلاة
والسلام وسيرته واستشهاده.. نور يضيء الإسلام
|
||
|
بقلم: د. إبراهيم بهبهاني *
ففيها ما يغني النفس ويطهّر القلوب. كربلاء هذه، المدينة العظيمة، أطلق عليها عدة تسميات بعد العام 680م أي بعد استشهاد سيدي الإمام الحسين بن علي عليهما السلام. أسماء مثل، مشهد الحسين ومدينة الحسين والبقعة المباركة وموضع الابتلاء، ومحل الوفاء، والحائر والحير.. إلى غير ذلك من الأسماء، إلا أن أشهرها بحسب الرواة وكتب التاريخ هو الحائر، لما أحيط بهذا الإسم من الحرمة والتقديس. والحائر هو اسم اختص بالمرقد، أي مرقد الإمام الحسين عليه السلام. والحقيقة التي لا تغيب عنها الشمس ولا تقبل التستر، أن كربلاء لم تكتسب هذه الشهرة إلى أيامنا هذه، لولا استشهاد الإمام الحسين عليه السلام على ترابها وصحبه في اليوم العاشر من محرم سنة 61هـ. ومن الذين تناولوا سيرة سيد الشهداء يذكرون أن المدينة تدين بنشأتها إلى واقعة الطف، المرتبطة بقبر الإمام، عندما قام عدد من سكان قبيلة بني أسد والقرى المجاورة بنصب معالم على القبر كي يتم الاستدلال عليه ولا تضيع معالمه. وهكذا بقي ضريح الإمام الحسين بجانب مرقد أخيه العباس عليهما السلام، في هذه المدينة المجاهدة والصابرة على ما شهدته وما حل بها من نكبات الدهر وأهواله. كثيرون من كتبوا سير الإمام الحسين عليه السلام وأظهروا مبادئه النبيلة والقيم التي حافظ عليها في وجه نوازع الشر والظلم التي تحيط ببني الإنسان. إن استشهاده، كان رمزاً للتضحية، أي التضحية في سبيل الحق، والوقوف بوجه الطغاة، حتى وإن تكلف ذلك حياة الإنسان. استشهاده كان صراعاً بين الخير والشر، صراعاً بين القهر والتسلط من جهة وبين من ينادي بالحرية والكرامة. لن نتحدث عن من هو الأولى بالخلافة فكتب التاريخ التي اختارت الحقيقة تعتبر أن الخلافة حق لعلي بن أبي طالب عليه السلام وليس لمن ادعى ذلك تسلطاً وإكراهاً. وحتى لا نذهب بالتأويل بعيداً، اقرؤوا معي ما أورده الكاتب مأمون غريب في مجلة آخر ساعة المصرية، وهو استدلال من خارج أهل الحسين عليه السلام من مفهوم الإنتماء المذهبي الجعفري الإثني عشري... لكنه برأيي، من صلب ثورة الإمام الحسين وأهل الحسين وكما أرى فيه اليوم ذلك، بعيداً عن العصبية المذهبية. أستشهد به، ليس للتدليل على صحة الكلام أو الواقعة، بل لإثبات أن هناك من الأحرار والمخلصين والمؤمنين بثورة الإمام الحسين وآل بيته عليهم السلام، وثم منتشرون في بقاع الأرض كلها. فاستشهاد الحسين وسيرته عنوان صريح لقيمة الثبات على المبدأ، ولعظمة المثالية في أخذ العقيدة وتمثلها كما يقول عن ذلك الدكتور أسعد علي.. فقد كان الإمام الحسين عليه السلام، شمعة الإسلام أضاءت ضمير الأديان إلى أبد الدهور. وهذا ما قاله الكاتب مأمون غريب: »وعندما آلت الخلافة لعلي بن أبي طالب بعد استشهاد عثمان، تحدى معاوية الخليفة، ورفض التنازل عن الولاية بعد أن عزله علي بحجة أنه يريد الانتقام من قتلة عثمان وكان الصراع الدامي.. الذي انتهى باستشهاد الإمام علي على يد عبدالرحمن بن ملجم أحد الخوارج.. و.. أصبح معاوية خليفة للمسلمين ثم قرر أن يكون ابنه يزيد ولياً للعهد، وأخذ البيعة له باللين حيناً وبالقوة حيناً آخر.. ولا أدل على ذلك أنه عندما ذهب معاوية بنفسه إلى الحجاز لأخذ البيعة لابنه يزيد، ولم يرض عن ذلك زعماء الحجاز.. الحسين بن علي، وعبدالله بن الزبير، وغيرهما.. فما كان من معاوية إلا أن أخذ البيعة عنوة.. فقد صعد إلى المنبر، وجنوده مصوبون أسلحتهم على الناس في المسجد وخطب فيهم متوعداً. وقال لرئيس جنده: إن ذهب رجل منهم يرد على كلمة بتصديق أو تكذيب فليضربوه بسيوفهم!! وعندما حضرت معاوية الوفاة.. حذر ابنه من الحسين بن علي، وعبدالله بن الزبير.. وعبدالله بن عمر.. وقال له: فأما عبدالله بن عمر فرجل قد وقذته العبادة إذا لم يبق أحد غيرك بايعك..! وأما الحسين بن علي فلا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه. فإن خرج عليك فظفرت به فاصفح عنه، ولا تنس نسبه من رسول الله. أما ابن الزبير فإنه خب ضب، فإذا أمكنته فرصة وثب.. فإن هو فعلها فقدرت عليه فقطعه إرباً إلا أن يلتمس منك صلحاً. فإن فعل فاقبل واحقن دماء قومك ما استطعت!). وسيزيد التساؤل مرارة عندما نعرف أن يزيد عندما ظفر بالإمام الحسين لم يتذكر نصيحة والده له، بأن يراعي حرمة جده العظيم عليه وآله أفضل الصلاة والسلام. ومهما قيل وكتب، ستبقى سيرة الإمام الحسين نوراً يضيء قلوب البشر والساعين لإقرار العدالة والمساواة، ولكم أن تتأملوا بقول الوليد بن عتبة بن أبي سفيان عندما أشار عليه مروان بن الحكم بقتله وقال له: أتشير عَلَيَّ بقتل الحسين؟ والله إن الذي يحاسب بدم الحسين يوم القيامة لخفيف الميزان عند الله. وأنا أكتب هذه الكلمات عدت إلى كتاب أتمنى أن يقتنيه من أحب الحسين وآل بيت الحسين عليهم السلام، لأن فيه (شهادة) باحث يدعى أنطون بارا وبعنوان الحسين في الفكر المسيحي، يجسد في ثناياه أنه لم يسجّل التاريخ شبيهاً لاستشهاد الحسين في كربلاء. فاستشهاده وسيرته هما عنوان واضح وقوي بقيمة الثبات على المبدأ والحق. وليس كبيراً على الحسين بن علي عليهما السلام رائد الإنسانية ومثلها الأعلى، أن يكون صاحب ثورة أولى ورائدة ووحيدة وخالدة بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام. مؤلف وناشط اجتماعي كويتي
|
||
|
إن اليـهـود بحبــهـا لنبــيها أمنت معـرّة دهـرها الخــوذان وذوو الصّليب بحب عيسى أصبحوا يمشون زهواً في قـرى نجــران والمـؤمنـون بحـب آل محـمـد يرمـون في الآفـاق بالنـيـران!
هل اتبعنا نحن كمسلمين نداء رسولنا الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم).. (أنا سلمٌ لمن سالمتم وحرب لمن حاربتم).. أم خلقنا الأعذار الواهية والدنيئة والتي يلتمس من خلالها غباء المحللين المأجورين لأجل الدفاع عن ابن الطلقاء وأعوانه لقتله وإبادته الأسرة النبوية؟ هل أحب المسلمون الحسنين عليهما السلام امتثالاً للسنة النبوية الشريفة حينما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (الحسن والحسين من أحبهما أحببته ومن أحببته أحبه الله ومن أحبه الله أدخله جنات النعيم ومن أبغضهما أو بغى عليهما أبغضته، ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله نار جهنم وله عذاب مقيم)؟ قبل استعراض فضائل سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حسب ما هو وارد في الأحاديث المتواترة من كتب الحديث والتفسير والتاريخ يتعين علينا أن نعرف، لماذا يحب شيعة آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الحسين عليه السلام؟ يقول الشاعر: لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المُحب لمن يحب مطيعُ إن الحب الحقيقي هو الموالاة والاتباع والانقطاع التام إلى المحبوب. إن أول من أسس وجوب حب الحسين هو جده صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال الكثير في شأن ولده الحسين. وفي البداية سنتطرق عن حب الأنبياء لأولادهم وأسبابها لتقريب الموضوع إلى الأذهان. الحب لله: يجب على المسلم الحقيقي أن يجعل حبه وبغضه لأي شيء لله سبحانه، أي يجب أن يتجرد من كافة التحيزات مهما كان نوعها، وإن كان حبه لولده الوحيد، وعليه أن ينظر للأمور بشكل موضوعي وصادق بعيداً عن التحيز. إن تصرفات الرسل والأنبياء والأولياء كانت كلها لله سبحانه. فحب سيدنا يعقوب (عليه السلام) لولده يوسف (عليه السلام) لم يكن حب الأب لولده كما هو متعارف عليه لدى البشر العاديين، فلماذا إذاً ميّز يعقوب ولده يوسف عن بقية أولاده، هل لجماله؟ أم لصغر سنه؟ أم لجمال روحه؟ أم لسجيته؟ فسيدنا يوسف (عليه السلام) كان محبوباً عند أبيه ومفضلاً عن بقية إخوته، لأن يعقوب كان عالماً بأن الله قد اختار يوسف واصطفاه.. قال سبحانه: (إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر لي ساجدين، قال يابني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً إن الشيطان للإنسان عدو مبين). فما إن أصبح سيدنا يوسف حبيباً لله، أصبح يعقوب متيماً في حب ولده. فحينما غاب يوسف عن عين أبيه ابيضت عيناه من شدة البكاء وهو كظيم. فالبكاء كان سببه فراق حبيب الله عن عين يعقوب. وأما ما جاء في قصة سيدنا إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا وآله السلام، فقد رزقه الله سبحانه ولده إسماعيل (عليه السلام) بعدما أصبح إبراهيم شيخاً كبيراً. وعندما بلغ إسماعيل أشده رضخ إبراهيم لنداء السماء ليذبح ولده. فلما دار الحب بين الأمرين وهو حب إبراهيم لله وحب إبراهيم لولده إسماعيل، اختار إبراهيم حب الله على حب ولده دون أن يتردد ولو للحظة واحدة. وكذلك الحال بالنسبة إلى إسماعيل، فحينما دار بين حبه للدينا وحبه لله اختار حب الله دونما تردد. (قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين). فلو كان حب نوح (عليه السلام) لولده خارجاً عن إطار الحب لله، لضج وبكى لغرق ولده ولحصل له ما حصل لسيدنا يعقوب على فراق ابنه. ولا أحد يستطيع أن يدّعي بأن نوحاً لم يكن يحب ولده من الناحية الغريزية، بدليل قول نوح حسب ما ورد في الذكر الحكيم (يا بني اركب معنا ولا تكن من الكافرين)، لكن الولد العاق والمغرور أبى قبول نصيحة والده الشفيق.. (سآوي إلى جبل يعصمني من الماء)، فنظر إليه نوح نظرة أب مشفق لولده فقال له: (لا عاصم اليوم من أمر الله، إلا من رحم). وبعد برهة من هذه المحاورة (حال بينهما الموج، فكان من المغرقين). أخذت الرقة تأخذ حيزاً ومن قلب الأب على ولده، فتضرع إلى الله في نجاة ابنه الغريق، فإن الله تعالى كان قد وعد بنجاة أهله، فقال نوح عليه السلام: (رب، إن ابني من أهلي، وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين)، ولكن الله قد وعد نجاة أهل نوح الذين كانوا من الصالحين، ولذا أجابه سبحانه: (يا نوح، إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح). وهكذا دار الحب بين الأمرين وهو حب نوح لله وحبه لولده، فلم يكن للمحب إلا أن يختار الحب الحقيقي، فاختار حب الله على حب ولده. وكذلك الحال بالنسبة لخاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلماذا أحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة الزهراء عليها السلام حباً خاصاً؟ إن تألق فاطمة الزهراء وهيمنتها على قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن من واقع الصدفة، ولم يكن من واقع التحيز لها لأنه كان على علم بأن حب فاطمة من حب الله سبحانه، ورضاها من رضى الله سبحانه، وذلك حسب ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في شأن ابنته فاطمة عليها السلام، ويجب علينا تذكر قوله سبحانه: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) إلى جانب الآيات الكثيرة التي نزلت في شأنها. ويأتي الدور على بطل الإنسانية الخالد، أبي الأحرار، وسيد الشهداء الذي أعطى كل ما لديه لله. فدى أولاده وأخوته وأهل بيته وأصحابه دون أن تزل قدماه، بعدما مُثِّل بهم أمام عينيه الكريمتين وقتل ولده عبدالله الرضيع والذي لم يتجاوز الستة أشهر من عمره وهو على صدره حينما طلب قطرة من الماء بعدما جف صدر أمه من شدة العطش! وعليه، يحب المسلم الحقيقي الإمام الحسين عليه السلام إسوة برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يقول سبحانه في محكم كتابه في سورة الأحزاب: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) فالإمام الحسين عليه السلام أعطى كل ما عنده لله عز وجل، فأحبه الله وأحبه المسلمون. وهل هناك من يجهل الحسين، وجاهه عند الله ورسوله؟ لنتذكر هنا ومضات - بكل اختصار وإلا فالإلمام الكامل بشخصية الحسين عليه السلام - وما ورد في فضله ومقامه وجاهه لا يستوعب مجلداً كبيراً، بل يحوجنا الأمر إلى مجلدات ضخام. منزلة الحسين عند الله تعالى: عشرات الآيات القرآنية تبجّل وتثني على الحسين بن علي عليهما السلام، نخص بعض الآيات القرآنية، فقال سبحانه في آية التطهير: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا). فقد أجمع ثقاة المفسرين والمؤرخين والمحدثين على أن هذه الآية نزلت في رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم أفضل الصلاة والسلام. وفي آية المباهلة: قال سبحانه: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين). واتفقت هنا كلمة المفسرين حيث أكدوا بأن هذه الآية الكريمة نزلت في خمسة لا غير، وهم النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام. وكذلك الحال في آية الأبرار: (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا، عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا، يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا، ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا). فقد اتفقت كلمة المفسرين على أن هذه الآية الكريمة نزلت في فاطمة وعلي والحسن والحسين عليهم السلام حينما نذروا صياما، فعند الإفطار كانوا يقدمون طعام الإفطار إلى المساكين واليتامى والأُسَراء لمدة ثلاثة أيام، حيث لم يستيطعوا أن يردوا سائلاً على بابهم.. وهناك العشرات والعشرات من الآيات التي نزلت بأهل البيت النبوي والتي خصص لها مفسرون من كلا الفريقين بأنها نزلت بأهل البيت. والذي يحزنني كمسلم هو أن أرى قيام الجهات الرقابية في الكثير من الدول الإسلامية بمنع الكتب التي تحصر مناقب أهل البيت من القرآن الكريم في كتاب واحد ولان كان الكُتّاب والمفسرون من كبار علماء اخواننا من أهل السنة وأخص بالذكر أسباب النزول للواحدي وشواهد التنزيل للحسكاني ووفاء الوفاء للسمهودي وينابيع المودى للقندوزي والنصائح الكافية لمن يتولى معاوية للسيد محمد بن عقيل بن عبدالله بن عمر بن يحيى العلوي وهو من علماء السنة. هذا وتأتي بعض المهادنات بين تلك الجهات التي تحتكر على نفسها سلطة منع الكتب مع بعض الكُتّاب ذوي الأقلام الرخيصة التي تشتري بأقلامها آيات رخيصة فتضع كلمات ثم قال كذا وكذا وكذا« بدلاً من خليفتي ووصيي من بعدي في حديث الدار فينطبق عليهم قوله سبحانه: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين). فكيف لنا نحن أمة القرآن أن نعرف الحقائق إذا ما حُجبت عنا ولا نقول إلا أن الله سيتم نوره رغماً عن أولئك الأقدون! فهل نزلت مثل تلك الآيات باي شخصية إسلامية غير أهل البيت... أتساءل... ليأتي أي من علماء المسلمين على آية واحدة نزلت بشيخ الطلقاء وسيدهم وولده وحفيده لتأمرنا بمودتهم ومودة أولادهم! بالطبع لا يمكن، وعليه عرف أولئك كيف يخلق المال وتخلق الجواري الحسان الأحاديث الملفقة لتجعل منهم كتاب الوحي ولتطلق أسماءهم على المدارس دون غيرهم! إن النبي أراد أن ينبهنا لشيء هام ويحذرنا منهم فصنفهم بالطلقاء لتصبح هويتهم من طلقاء إلى يوم البعث حيث قال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) ولم يقول اذهبوا فإني أطلقتكم لتعيشوا مثلاً! فإن كان نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) يحب ولده فحبه على قسمين، القسم الأول حبه لولده من الناحية الغريزية بصفته جده، والقسم الثاني حباً صافياً لله. فلا تأخذه العواطف وصلة القربى مأخذا كبيرا في علاقاته مع أولاده، فإن الحب لا يكون لولده من باب العاطفة، وإن فضّل ولداً عن بقية أولاده الآخرين، فإن ذلك الحب والتفضيل يكون لله ليجعل من ولده سلماً للوصول إلى رضى الله سبحانه وتعالى. وختاماً نقول: إن الإفراط في الحب خطير مهلك ما لم يكن في حب الله وحده وحب من أحبه الله، أي أن لا تأخذ المحبة كل عواطفنا فتتحكم بنا وبأحكامنا وتجعل منا أناساً مسيرين وليس مُخيرين، فنتحيز لأولادنا ونفضلهم على سائر الخلق حتى وإن كانوا من الفاسقين، وهو الأمر الذي يجعل الملوك تنصب أولادها على الشعوب دون النظر إلى أهليتهم للحكم والمنصب، أمثال معاوية الذي نصب ولده يزيد على المسلمين وابتدع أكبر بدعة في الإسلام دون حسيب أو رقيب فتجاهل بعض الغلاة لبني أمية فلم يبينوا خطر البدع وحرمتها ووجوب الالتزام بالسنة وكأنهم لم يقرأوا قوله سبحانه في سورة الشورى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم الدين ما لم يأذن به الله) وكذلك ما ورد في الصحيحين: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد«. فلهذا ارتد معاوية وولده يزيد ومن أيد وعمل بتلك البدعة منذ ذلك الوقت. لهذه الأسباب والإثباتات كما جاء في القرآن الكريم والحديث الشريف فإننا نحب الحسين لحب الله ورسوله له، ولا يمكننا أن نجمع بين حب الحسين وحب قاتليه في قلب واحد، ولا نستطيع بل لا يعقل أن نلقب من قتل ريحانة رسول الله بأمير المؤمنين وعليه حق القول ليصبح ابن وحفيد أخطر طليقين من الطلقاء أميراً للفاسقين! * باحث واقتصادي كويتي
|
||
|
*بقلم: عيسى مرزوق كان محبا للحسين فعاش حياته، وتأمل في سيرته، فرأى عظمة الأمم بعين المجاهد العامل، الذي يعي لرضوان الله، ليرجع بالتاريخ، حيث بداية الثائرين، بعين وروح آل البيت عليهم السلام ومنهل النبوة، رأى أن التربية الثورية يجب أن تبنى على أساس عقائدي وروح جهادية، لا تعرف التنازل ولا تعرف الانكسار أمام الأهوال، بل أراد أن تكون أرواح المجاهدين تنهل من روح وعظمة رجل ليس ككل الرجال، فعلمه وورعه وصلته بالرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم تميز هذا القدوة، في الوقت الذي اخذت الافكار القومية والالحادية طريقا في فلسطين. نعم فهم روح الماضي وعرف ان اكثر الاحداث عظمة وسيرة ثورية تستدعي الوقوف عليها لتكون مدار شحذ للهمم واستمرارية للجهاد والثورة في وجه المحتل، هكذا كان أبو إبراهيم (فتحي الشقاقي - قتله اليهود في مالطا)، الذي وقف ذات يوم أمام صورة الحسين عليه السلام التي رسمها على جدار زنزانته أثناء اعتقاله. في سجون الاحتلال قائلا: (من أجلك أنت ما نحن فيه)! وما أحوج أن نقتدي بإمام خرج بأهله وماله ومتاعه في سبيل الله شاهرا سلاحه في وجه الباطل مستمسكا بالعدالة ورفضه للظلم والظالمين، لم يرضى أن يكون مع الخوالف او الراضين والمسلمين بالواقع، ليكون التاريخ باسره، ظانين بقتله انتهاء الرافضين للظلم وانهم سيكونون عبرة لغيرهم. لم يعوا أن الله يكيد، وكيده فوق كيدهم وان قاتليهم في النار والحسين وآله في الجنة، لم يدركوا ان الدم والقهر تتوارثه الشعوب لتكون نقمة على الظالمين، ولتصل إلى أهل فلسطين، فيعي من يعي سر دم الحسين، وكيف به أن يكون سيفا مسلط على رقاب يهود، وكيف به أن يكون وبالا ودمارا على يهود، ليلتقي سيف الحسين ببندقية المجاهدين في فلسطين وحجر داود بحجر أطفال الحجارة، هكذا نعيش الحسين عليه الصلاة والسلام في ذكراه، حبا لديننا ولنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ونارا على المحتل تلفح وجوهه، غير آبهين بالعرب والمسلمين المقروسين في ظلام الدنيا ونعيمها. إننا نحاول أن نفهم ما وصل اليه الامام، بحياتنا وجهادنا ونعيش مع الحسين صلوات الله عليه لنشحذ هممنا، فنحن كشعب قد نصل بارادتنا الى بعض صفات الحسين الا اننا نحاول كأفراد ان نعيش بالدم المتدفق للإمام عليه السلام. فنحن يا سيدي في ذكرى صعودكم للرفيق الاعلى شهداء، على موعد مع النصر بعون الله على الظالمين من يهود، وعلى موعد مع المهدي عجل الله فرجه في فلسطين، وعلى موعد مع الشهادة، فلا يعرف العشاق اين يلتقون في السجن ام في القبر ام في ظل وردة في الجنة. ويا سيدي لست اهتم بمن كان معي او كان ضدي لست اهتم بمن اترك بعدي لست اهتم بمن يبكي دموعا او بمن يبكي دماء غير هم واحد ان اسبق الموت الى العيش فأغدو من ضحايا كربلاء (احمد مطر/الاختيار). يا سيدي لا يهمنا القتل ما كان في سبيل الله ولا يهمنا التشريد ولا الحصار فنحن لا شيء أمام من بشر بالجنة وكان من آل البيت عليهم الصلاة والسلام. لا نبكيك ولكن نقول الى لقاء حيث العداله الالهية ولقاء محمد سيد الانبياء والمرسلين وآل بيته المطهرين. كِفاحيٌ فلسطيني
|
||
|
مجموعة رسائل يعتزم الشيخ المصري الكبير حسن شحاته توجيهها إلى المؤمنين شهريا بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وآله الغر الميامين، الهداة المهتدين، أئمة الخلق أجمعين، نور السموات والأرضين، وبارك عليهم بكل بركاتك يا رب العالمين، وسلم عليهم سلامك الكامل إلى يوم الدين. عزيزتي مجلة (المنبر) المعظمة المطهرة لي مطلب إيماني مُلح بحق مولاي إمام الزمان صلوات الله عليه وعلى آبائه وعجل الله فرجه الشريف. أرجوك يا منبر الإمام نشر هذا المطلب كل شهر حتى يسمعه كل المؤمنين الموالين لمولاي أمير المؤمنين وأبنائه الطاهرين صلوات الله عليهم. أولاً: كثير من خطباء الشيعة وكتّابهم كلما نطقوا أو كتبوا اسم إمام من الأئمة قالوا (عليهم السلام) وهذه الجملة مكروهة عندي جداً لأنها تقليد للمدعو محمد بن اسماعيل المعروف بالبخاري فهل يجوز للمؤمنين الموالين أن يقلدوا مثله؟! أرجوكم يا سادتي إذا ذكرتم اسم إمام من الأئمة أو كتبتموه قولوا صلوات الله وسلامه عليه لأن الله صلى عليهم والملائكة وقد قالها بالنص مولاي الإمام جعفر صلوات الله عليه حينما ذكر جده الإمام الحسين فقال: (قولوا صلوات الله عليك يا أبا عبدالله) وقد صار أمر الصلاة عليهم أشهر من الشمس وأنور من القمر بكل الدلائل من آيات وأحاديث.. يا سادة.. أخاطب أئمتي وقدوتي كما يخاطب الناس بعضهم بعضا؟ فإذا قال لي بعض الناس (سلام الله عليك) أرد علي - قائلاً (عليك سلام الله) هذه تحية الناس بعضهم لبعض أأحيي سادتي وأئمتي وقدوتي صفوة الله وخيرته من خلقه بما أحيي به عامة الناس؟! فالواجب إذا ذكر أحد المعصومين الأربعة عشر صلوات الله وسلامه عليهم أن أقول (صلى الله عليه وسلم) أو اللهم صل عليه وصلوات الله عليه. ثانياً: الشهادة الثالثة بالولاية لأمير المؤمنين أصلٌ من أصول التوحيد بل هي الأصل في التوحيد لأن من قالها واعتقدها وأقرها فقد أقر بالتوحيد الكامل لله والرسالة الكاملة لمحمد بن عبدالله صلوات الله عليه وآله. فوجب ذكرها مع الشهادتين في كل الأحوال والمواضع والمواقف والعبادات والمعاملات لأنه قد عُلم باليقين أن من وحد الله وشهد لرسوله ألف سنة من الزمن أو أكثر لا ينفعه ذلك إلا بالإقرار والاعتراف والإيمان بولاية أمير المؤمنين. وكيف أترك الشهادة الثالثة وأفرق بين آيات القرآن وقد جاء بالنص (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا... ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا) فلماذا أقطع ما أمر الله به أن يوصل وأعرض نفسي لمقت الله وغضبه؟ والعجيب أني تكملت مع أحد المراجع المشهورين في هذه القضية ليتولى نشرها منذ أشهر فكان رده عليّ ضعيفاً أوهى من بيت العنكبوت إذ قال لي أأجمع بين عبادتين في عبادة واحدة؟ فنظرت إليه متعجباً من هذا الرد الناسخ وقلت له يا هذا ألا تجمع في الشهاتدتين بين التوحيد والرسالة ثم إن الإمام المعظم ولي الله عليّ بن أبي طالب جمع بين الصلاةو الزكاة في عبادة واحدة فلم يستطع الرد! وقد سبقتني المجلة المطهرة (المنبر) في عدد ذي الحجة إلى هذه القضية الكبيرة ولكني أكرر بنشر هذا الموضوع مراراً حتى يسمع به كل الموالين لحضرته صلوات الله عليه. ثالثاً: إذا انتهى القارئ من قراءة القرآن يقول: (صدق الله مولانا العلي العظيم وبلغ رسوله النبي الكريم وبين وليه الإمام العليم وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب العالمين).
|
||
|
بقلم: عبد الله الفريجي * لعل من الثابت كون الإسلام شكل فاصلة في التاريخ الإنساني ميزت ما سبقه عمّا بعده إذ شهدت الإنسانية أضخم ثورة تحريرية نحتت العالم الذي كان قائماً على علاقات الاستبداد والعبودية ونشرت في أوصاله الحرية والنور والانعتاق. ونحن نواجه هذه الثورة فإن سؤالاً مشروعاً يطرح تلقائياً حول البدايات الأولى لهذه الثورة والتي يجمع العلماء على أنها بدأت فعلياً منذ اللحظة التي نزلت فيها سورة (القلم) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأنشأت علاقة العودة إلى الله من قبل العباد الذين تاهوا في دروب الضلالات والبدع. والسؤال هو لماذا كانت أول كلمة أوحى الله لنبيه الكريم محمد (صلى الله عليه وآله) (اقرأ) وهي طبعاً كانت بمثابة أول أمر يصدره الله تعالى لرسوله (صلّى الله عليه وآله) ومفتاح علاقة العودة المستأنفة إليه. ولكي لا نتقوّل على النص فإن من الضروري أن نرى أقوال المفسرين قبل الخوض في أية إجابة. لقد جاء في كتاب (تقريب القرآن) للإمام الشيرازي (دام ظله) ص 188 ـ 189 ما يلي: (اقرأ) يا رسول الله القرآن مصاحباً قراءتك (باسم ربك الذي خلق) فإذا قرأ كل إنسان ما يقرأ بدون اسم الله. فأنت اقرأ مع اسم الله وفي الحديث (إن جبرائيل نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في جبل حراء، بمكة فقال: اقرأ اقرأ ولست بقارئ فقال (عليه السلام) (اقرأ...). 3 ـ خلق الإنسان تخصيص بعد التعميم.. فإن خلق الأول حيث حذف متعلقه أفاد العموم (من علق) والعلق هو الدم المتجمد الذي ينقلب المني إليه، يعد استقراره في الرحم وهذا هو بدء خلق الإنسان. (اقرأ) للتأكيد في القراءة (وربك) يا رسول الله هو (الأكرم) في كل كريم، ومن كرمه أنه خلق الإنسان من تلك العلقة القذرة وأوصله إلى المقامات الرفيعة. (الذي علم) الإنسان المعارف والعلوم (بالقلم) بواسطة القلم فلولا خلقه للقلم وتعليمه للإنسان الكتابة لبقي الإنسان في دياجير الجهل والرذيلة. فمنه سبحانه (القراءة) و(اقرأ) ومنه الكتابة فعلّم (بالقلم) ومنذ البدء (من علق) ومنه الإيصال إلى الكمال. ولعل الاستغراب الذي نقله الإمام الشيرازي (دام ظله) على لسان الرسول (صلّى الله عليه وآله) من الأمر بالقراءة يلفت النظر بقوة إلى طبيعة هذا الأمر وهو الصادر من الله سبحانه الحكيم العليم إلى الإنسان لا يعرف الكتابة وليس بين يديه كتاب فيطالب بقراءته!! فما هو المطلوب إذن؟ إذا كان الأمر يخص تلاوة الأحرف والسطور فلا بد إذن من وجودها أولاً بالإضافة إلى كون المأمور هو ممن يعرف القراءة ولذلك لا بد لنا من تحويل انتباهنا إلى شيء آخر هو المطلوب، يفهم من الحالة التي كان فيها الرسول (صلى الله عليه وآله) حين نزول الوحي حيث كان في حالة من الاختلاء والتعبد الطويل متفكراً في وجود هذا العالم محاولاً استجلاء معانيه واستنباط أسباب التيه الذي كان مخيماً على العالم الإنساني المحيط بالرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله). لقد كان الرسول (صلّى الله عليه وآله) يصاب بالألم لرؤيته قومه يتخبّطون من الجهالة بعيدين عن معالم الحق الذي كان الرسول (صلّى الله عليه وآله) يدركه بالفطرة السليمة التي منحها الله إليه وقد أيدت الكثير من الدراسات وأثبتت امتلاك للرسول (صلّى الله عليه وآله) لهذه الفطرة بما وهبه الله من خصوصية في هذا المجال تجعله متفاوتاً عن بقية البشر سواء في مدركاته العقلية أو إلهاماته أو ما توحي به فطرته. ومصداق هذا النزوع الفطري لدى الرسول (صلّى الله عليه وآله) دعوته إلى إنصاف المظلوم ونهيه عن إراقة الدماء والطاحن قبل البعثة. فالقراءة التي أمر الله بها رسوله تتعلق بعملية الوعي التي تمثل كما تأمر الآيات حالة متميزة تختلف عمّا سواها مما هو موجود في الثقافات البشرية وهو ما أشار إليه الإمام الشيرازي (دام ظله) بقوله: فيا محمد! اقرأ أنت مع اسم الله إذا قرأ الآخرون كيف شاءوا. فهذه القراءة التي أمر بها سبحانه وتعالى تتضمن موقفاً محدداً يرتبط بقراءة هذا العالم وأسلوب إدراكه يختلف عن القراءات الأخرى لأنه يضع ذكر ومعرفة الله سبحانه وتعالى أساساً في القراءة ثم ينطلق ليكمل هذا الأمر بتوضيح وتعريف الإنسان بالله. والله سبحانه كما تبين الآية هو ذلك الخالق العظيم، فهو الذي خلق مع الإطلاق مشيراً من خلال الإطلاق إلى خلقه لمطلق الخلق أولاً ثم يشير إلى أحد مصاديق ذلك الخلق وتلك العظمة أنه خلق الإنسان الذي تقف أمامه يا رسول الله حائراً ولا يحتاج إلى برهان لأن كل إنسان يدرك ذاته ويحسها وحين يدرك أن خلقه من (علق) ذلك الشيء الحقير الذي قد نمر عليه فلا نعيره التفاتاً أو اهتماماً تتجسد عظمة الخالق. فالعظمة كل العظمة أن يولد هذا الإنسان العجيب من نطفة ثم من علقة فهذه العلقة التي هي ليست سوى بقعة دم صغيرة يتحول إليها المني بعد أن يلج في الرحم، تصعق فتنمو حتى تمسي إنساناً بفعل الأعاجيب بما يملكه من إمكانات ومدارك. فعظمة الإنسان كلّ عظمته بما يمتلكه من قدرة على الإدراك، وما كان لهذا الإدراك أن يصبح شيء مهماً وبهذه الخطورة لولا قدره الإنسان على مراكمة المعلومات واختزانها في ذاكرته البايلوجية أو تلك التي هداه إليها عندما علّمه بالقلم فصار وعاءً لا ينتهي، لعلوم لا حدود لها ولا نهاية. ولذلك عاد القرآن ليعيد الأمر بالقراءة كرة أخرى باسم الله الذي منح الإنسان فرصة الخلود عبر منحه القدرة على التعلّم بأداة العلم وهو القلم. فآية (اقرأ) حاولت تأسيس موقف خاص في عملية إدراك الكون وهي العملية المحورية في بناء الدين الذي أسلفنا أنه كان منذ البدء وراء الثورة التي حملت الإنسانية من مهاوي التردي إلى قمم العلم والحضارة والرقي. فالقراءة كان يريد ومنذ الكلمة الأولى أن يؤسس لقيام هذه الثورة عبر توجيه الإدراك وبناء المرجعيات فطالما أن هناك قراءات متعددة فلا يمكن لنا أن نفترض أن جميع القراءات صحيحة وإلا فان التوجيه نحو قراءة محددة لغو ولا معنى له فطالما أن جميع الطرق تؤدي إلى الهدف فلماذا الإصرار على طريق بحد ذاته. وحين تكون هناك قراءة صحيحة من بين عدد من القراءات الأخر غير الصحيحة فإننا لا بد أن نقف ألف مرة قبل أن نضع القدم الأولى على الطريق نحو القراءة الصحيحة للكون. والقراءة الصحيحة تكون باسم الله الذي خلق، خلق الوجود على إطلاقه فهو خالق كل شيء ثم خلق الإنسان وهو المفردة العظيمة في الوجود أبدعها وأنشأها من العدم وكما قال في سورة الدهر: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً). فللرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله) ومنذ الآن الأول لنشوء الرابطة مع الله أن يطرح إلى رؤية مسبقة مهما كانت وأن يعوّل على استلام الوعي من يدي مؤسس الوعي وصانعه. فهذه العلاقة بين الرسول وربه بداية لعلاقة جميع أفراد الجنس البشري بخالقهم ولذلك يجب أن تكون على درجة عالية من النقاء والصفاء. (فاقرأ وربك الأكرم) هنا دعوة للرسول أن يركّب مفردات الوعي على أساس ما يوحي به الله له وأن يكف عن السعي بمفرده لاستجلاء حقائق الوجود فعملية الإدراك التي أمر بها الله تعالى عملية موجهة لا تخضع للخطأ والصواب وتتم بطريقة موجهة تستند إلى الإقرار بصحة العملية لأنها أصلاً تأتي من الله خالق الوعي والإدراك. والمتأمل يرى أن الإسلام حينما فعل ذلك أغلق المنافذ على الإدراك غير المؤسس وبعبارة أخرى غير الممنهج فمن المعلوم أو الثابت أن مواقف الإنسان من الوجود وحتى من نفسه تتأسس على مصادرات ومواقف مسبقة وبعبارة أخرى أننا لا يمكن أن نتعامل مع العالم إلا من خلال منهج يوجه الرؤى ويسوق نحو نتائج معينة فحتى لو ادعى إنسان أنه بلا منهج فإنه في الواقع يكون قد تبنى منهجاً محتواه اللامنهج. فالآية أنشأت رابطة بين الأيديولوجية وبين العلم الذي يراد له أن يمثل حقائق الوجود أي أنها أرست أسس معيارية للتقييم وأنها قدمت كيفية الحكم على الأشياء لتمييز ما يصلح أن تقول أنه صح وأنه خطأ. فكل قراءة للعالم هي خاطئة ما لم تتم وفق ما أذن به الرب الأكرم الذي علم بالقلم وكل ما تم بإذنه إنما هو صحيح وكامل. وبغير كثير جدل ومناقشة فإن التجربة الإسلامية على صعيد الحياة والمجتمع أثبتت أن التأسيس كان عملية صحيحة وناضجة أسفرت عن نتائجها الضخمة على صعيد التاريخ الإنساني، وما كان لهذا البناء الشامخ أن يولد لولا البدايات الصحيحة. وعلى هذا الأساس فإن الإعلان عن بقاء هذا الدين إلى يوم القيامة لا يعبّر عن التمنيات والرغبة الفارغة بقدر ما يعبّر عن الوثوق من امتلاك ناصية التحولات التي سوف لن تبتعد عن المتوقع والمرسوم بحيث أن نهاية الدورة الحضارية ستصب في تأكيد هذا التوقع. باحث في المستقبل للثقافة والإعلام – بيروت
|
||
|
بقلم: فهيمة العيد* (ثقافة اللذة) مصطلح أطلقه مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق بريجنسكي. وهو يعني (أن يعيش الفرد في ذاته بحيث يظل يركض وراء تلك اللذة التي تتمثل في الاستهلاك أو المتعة الحسية أو غير ذلك). تطبيق هذا المصطلح وانصراف الآباء والأمهات إليه من شأنه أن يعلي شأن (الأنا) ويصرفهم عن توجيه الأبناء، ويجعل هدفهم الأساسي هو استمتاع الفرد بالحياة وإشباع رغباته، ومن شأنه أن ينبئ باحتمال انقراض مؤسسة الأسرة وتفككها في هذا القرن. ونحن هنا نسلط الضوء على مدى تأثر المرأة الزوجة بهذا المصطلح. أكد استطلاع أجرته مجلة نسوية بريطانية أن أكثر من ثلثي البريطانيات المتزوجات أو اللواتي يعشن مع أصدقائهن بصورة دائمة جربن الخيانة الزوجية في مرحلة من مراحل علاقتهن مع أزواجهن. وقالت المجلة أن 64% من المشاركات في الاستطلاع قلن أنهن مارسن الخيانة في المجتمع البريطاني المتحرر من قيود العلاقات والمتبع لثقافة اللذة، وقالت 36% من الخائنات أنهن مارسن العلاقة المحرمة مع رجال في المكاتب التي يعملن فيها، في حين قالت 52% أنهن مارسن الجنس مع أصدقاء لهن أو للأسرة. وكما أثر هذا المفهوم في مؤسسة الأسرة في الغرب نجده للأسف يغزو بعض الأسر الكويتية، فتشير جريدة الرأي العام الكويتية إلى أن معظم حالات الطلاق في الكويت سببها الخيانة الزوجية. فبعض الزوجات يتخذن صديقا (بوي فريند) وعندما يسألن عن الدوافع، تجد أحدها إهمال الزوج لزوجته وانشغاله عنها بالديوانية أو بملاحقة الفتيات أو في أعمال أخرى خاصة! والعجيب أن انشغال الزوج وغيابه عن البيت كانت تعاني منه جداتنا في الماضي، عندما كان يذهب الزوج في رحلة للغوص على اللؤلؤ أو للتجارة، تلك الرحلات التي قد تمتد إلى أكثر من ثلاثة أشهر وأحيانا إلى ستة أشهر، ولم نسمع أن جداتنا قد خنّ أزواجهن، بل كن نعم المدبرات والمربيات لأبنائهن رغم قسوة الحياة وضنك المعيشة، ورغم أنهن كن يفتقدن معاونة الخدم والسوّاق! بل هناك نساء عفيفات يعانين من تهتك أزواجهن ورغم ذلك تجد أبناءهن في قمة التربية والتدين، وكم من أرملة نذرت عمرها وشبابها من أجل طفل واحد. بالطبع هناك دوافع كثيرة تجدها بعض النساء عذرا لما يفعلنه من قبائح، ولعل أسوأها ذلك العذر الذي يوضح مدى تأثر بعض الزوجات بمصطلح (ثقافة اللذة)، عندما تقول: (أريد أن أكون دائما محبوبة ومعشوقة، فليس من المعقول أن أدفن شبابي وجمالي من أجل زوج مهمل أو حتى العيال)! للأسف قد حوّل هؤلاء أرقى كلمة في الوجود إلى أداة ذات مدلول حيواني منحط، فالعش والغرام أدوات يعبدها إنسان العصر بعدما أُخرِجت من مدلولها الإنساني إلى مدلولها السفلي، والقرآن الكريم لم يذكر العشق على الإطلاق، وإنما ذكر المودة والرحمة والسكينة بين الزوجين. إن الحب هو الميل الطبيعي بين أي فردين يساندان بعضهما في الطريق إلى الله. وأين أنت أيتها المرأة من علاقة الحب المثالية الخالدة مع الله عز وجل؟! يقول تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله). فلا تدعي أيتها الزوجة الفراغ ليحطمك جنبا إلى جنب الشيطان، فتبتعدي لا سمح الله عن طريق الله وتستأثر المهالك بذكائك وقدراتك وطاقاتك. أكملي تعليمك إن أمكن، التحقي بدورات في خدمة المجتمع، اتجهي إلى مشاريع العمل الإسلامي الخيري، أو إلى أي مشروع يفيدك ويفيد أسرتك ومجتمعك. ثم تأملي نفسك، وستجدين أنك أرضيتها، وأرضيت الناس، وأرضيت خالقك رب العزة والجلال. ناشطة إسلامية كويتية
|
||