|
|
|
|
|
دماء تنبض (يا حسين) تعيد نبض البشرية! |
||
|
كتبت: إسراء الموسوي
لقد وجد الكولونيل نفسه في عالم جديد لم يعهد مثيلا له من قبل، ليس لأن العادات والتقاليد والسمات الاجتماعية تختلف عن مجتمعه الذي كان يعيش فيه، حيث إنه كان مستوعبا لذلك بالطبع، بل لأنه عايش أجواء هزّته من الأعماق طوال خمس سنوات كانت فترة مقامه في تلك البلاد. إنها صور ومشاهدات رأتها عيناه فانطبعت في ذهنه وساورته في نفسه، وبقي يفكر ويتأمل فيها متسائلا: لماذا يفعل هؤلاء ما يفعلونه؟ لمَ كل هذا البكاء؟ لمَ كل هذه الدماء؟ وفي ليلة مهيبة جللها الحزن والسواد؛ وقف على مقربة مما يريد فهمه واستيعابه، فشاهد الآلاف المؤلفة من كل حدب وصوب، تنتحب وتندب وتلطم وتشج رؤوسها وتضرب أجسادها وهي تتوجه في مواكب منظومة منتظمة إلى حيث شُيِّدت قبة ذهبية على ضريح بات محورا تجتمع حوله الخلائق بشتى أصنافها. لم يدرِ (هوبت) لماذا لم يستطع كبح جماح نفسه عندما رأى تلك المناظر فدمعت عيناه لا إراديا، بيد أنه أحس بأن ثمة أمرا فطريا يحرّك كل هذه الجماهير، ذلك الأمر الذي لم يستطع هو بنفسه مقاومته حينما تقاطر الدمع من عينيه. وكانت الخطوة الأولى! عندما سأل أحدَ من كان هناك عن الذي يجري، فأجابه قائلا: (إنه الحسين)!! وهكذا استطلع (هوبت) الأمر وبحث فيه، ليجد نفسه غارقا في عشق الحسين عليه الصلاة والسلام. وبعدما علم بقصة ثورته العظيمة، وبالمُثُل والمبادئ، والقيم والسجايا، التي استشهد صلوات الله عليه من أجلها، لم يجد (هوبت) مفرا من أن يعتنق عقيدة الإسلام قائلا: (أشهد أن لا إله إلا الله.. أشهد أن محمدا رسول الله.. أشهد أن عليا ولي الله). وبهذا أصبح اسمه (عبد الله هوبت) بدلا من (لبنس هوبت) ليصوغ بذلك حياة جديدة لنفسه، فهو كأنما قد وُلِد من جديد في عالم جديد مفعم بروح الإيمان وعبق الولاية. وبينما كان (عبد الله) يستعد - للمرة الأولى - لدخول حرم الحسين عليه الصلاة والسلام، استعادت ذاكرته وقائع ما جرى في ذلك المكان قبل ما ينيف على 1300 عام، فانتابته مشاعر لا يمكن وصفها. لقد تملكته العبرة، وفي كل خطوة كان يخطوها كان قلبه يزداد خفقانا، ودموعه تسيل على خديه. وعندما اخترق تلك الجموع، ووصل إلى ذلك الضريح المقدس، التصق به بما يشبه الالتحام، حيث كان يشعر وكأن الإمام قد استقبله بذراعيه، فارتمى بين يديه! في تلك الأثناء؛ حيث كان يقبّل الضريح مناجيا باكيا.. عاهد (عبد الله) إمامه صلوات الله عليه بأن يبقى على ولائه له مدى الحياة، وأن يبذل كل ما يستطيع بذله من أجل أن يعرف الناس قضيته ومظلوميته ورسالته. وظلَّ الرجل وفيا لعهده. فحينما عاد إلى لندن في عام 1962 للميلاد، جمع معارفه وأصدقاءه وكل من استطاع جمعه، وشرع بقراءة مقتل الحسين عليه الصلاة والسلام. وسرعان ما انتشر حديثه بين الناس وذاع صيته، فبدؤوا يلتفون حوله ويزدادون يوما بعد يوم. وبذلك حاز الكولونيل (عبد الله (لبنس) هوبت) شرف كونه أول من أقام مجلسا حسينيا في العاصمة البريطانية. فرحمة الله تعالى ورضوانه عليه. وهنيئا له الجنة. ربما كان (عبد الله هوبت) موقنا بأن ذكر إمامه الحسين عليه الصلاة والسلام سينتشر في كل أرجاء الأرض، وأنه بدلا من أن يكون في بلاده مجلس واحد كان يقيمه بنفسه، فستكون هناك عشرات بل مئات من المجالس. ربما كان يدرك بأن القضية الحسينية ستظل خالدة في الضمائر الحية، وأن ذلك كفيل بتوسع نطاقها لتعم العالم أجمع فلا تكاد تخلو بقعة واحدة منه من مجلس يرثي الحسين صلوات الله وسلامه عليه وينقل أقواله وتعاليمه ووصاياه. إلا أنه ربما لم يكن عالما بأن زمنا ما سيأتي، ستُقصَف فيه كربلاء وتُدمَّر القبة الحسينية المقدسة على مرأى من البشرية التي لم تحرك ساكنا! ربما لم يكن عالما بأن زمنا ما سيأتي، ستُمنع فيه شعائر أبي عبد الله صلوات الله عليه ويُنَّكل بمن يقيمها في مهدها ومنبعها؛ أرض العراق وبلاد إيران! ربما لم يكن عالما بأن زمنا ما سيأتي، ستُوجَّه فيه أصابع الاتهام إلى من يتمسك بالتراث الحسيني العظيم بدعوى أنه (متشبث بالأساطير والخرافات والممارسات البالية)! ربما لم يكن عالما بأن زمنا ما سيأتي، سيُعتبر فيه البكاء على الحسين (حالة غير حضارية)! واللطم لأجله (ممارسة رجعية)! والتطبير لمواساته (جريمة لا تقبلها الإنسانية)! تُرى.. كيف ستكون حال (عبد الله هوبت) لو أنه عمّر إلى حين أن يرى كل ذلك بعينيه؟! لا شك أن قلبه كان سيعتصر ألما. ليس لأن عشاق الحسين عليه الصلاة والسلام محاربون - فذلك أمر أزلي ما دام الصراع بين الحق والباطل - بل لأن الذين انضموا إلى محاربتهم هذه المرة أناس يدعون أنهم منهم! ولأن الأسلحة الجديدة التي لجئوا إلى استخدامها ضدهم، هي أسلحة فتوائية! (ماذا يريد هؤلاء)؟! لعل هذا هو السؤال الذي سيراود الكولونيل البريطاني المتشيّع إذا ما كان حيا بيننا الآن. إنه السؤال ذاته الذي دار في أذهان عشاق الحسين عليه السلام قبل سنوات، لكنهم اليوم ما عادوا يشغلون أنفسهم بالإجابة، فهم أيقنوا أن تلك المحاربات لم تزدهم إلا عزيمة وإصرارا، وأن الجماهير التي تحيي شعائر سيد الأحرار والشهداء صلوات الله عليه في ازدياد ونماء يوما بعد يوم.
ومن العجيب أن من بين المطبرين مسيحيون مارونيون! إذ ينقل أحد آيات الله أنه شاهدهم يوم العاشر وقد شجوا رؤوسهم، وقد حاول أن يتحدث معهم ليستفهم منهم عن أسباب إقدامهم على هذا وهم على دين آخر، إلا أن انشغالهم بما كانوا فيه، وانخراطهم في المواكب العظيمة حال دون أن يستكمل حديثه معهم. ورغم ما تقوم به جهات حزبية، وأخرى طفقت إلى طموح مرجعي، من عمل دؤوب للانقضاض على تلك الشعيرة المقدسة، إلا أن شعب لبنان لا يزال على أصالته وتمسكه بتراثه الحسيني السامي. لقد وظفت تلك الجهات أموالها ظنا منها أنها قد تتمكن بها من إيقاف هذه الجماهير عن مواساة أبي عبد الله الحسين صلوات الله وسلامه عليه، غير أن الحسين أبى! ويأبى الله ورسوله والمؤمنون! ويبقى لبنان الأبرز في إحياء الشعائر الحسينية المقدسة، كونه محط أنظار الشرق كله، ومحطة إعلامية يصل مداها إلى العالم كله. من هنا وصل صوت الحسين عبر وكالات الأنباء والتلفزات العالمية ومختلف وسائل الإعلام التي غطّت ونقلت وصورت الحدث الكبير. في سوريا سُيِّرت المواكب التي انخرط فيها ما لا يقل عن ثلاثة آلاف من المطبرين، متوجهين إلى حرم عقيلة الهاشميين زينب بنت علي صلوات الله وسلامه عليهما لمواساتها في أخيها الحسين صلوات الله وسلامه عليه، ولإعلان استرخاصهم دماءهم في سبيله وفي سبيل إحياء قضيته. وطافت المواكب الشوارع أمام آلاف من الجماهير التي احتشدت لرؤيتها. وكانت ثمة نسوة تطبَّرن في إحدى الحسينيات. ورغم أن جهات طفقت إلى طموح مرجعي في لبنان سعت - حتى ماليا - لأجل ثني القيادة السورية عن قرارها بالسماح لعشاق الحسين بتنظيم مواكبهم وشج رؤوسهم، إلا أن المواكب استمرت بعدما لم تلتفت القيادة السورية لتلك الأصوات. ويظل الحرم المطهر لكعبة الأحزان زينب صلوات الله عليها، موئلا لكل العاشقين الذين يسيرون بسيرتها عندما نطحت جبينها بمقدم المحمل فسال دمها الطاهر المقدس من تحت القناع ليعلن للبشرية أن دماء أيٍ كان ليست أغلى من دماء الحسين! في باكستان لا يمكن إحصاء عدد المطبرين اليوم! إذ هم يتجاوزون الآلاف المؤلفة، وتصل بعض الأقوال إلى أن عددهم يتعدى خمسة وثلاثين الفا، رغم أنهم قبل (الفتوى إياها) لم يكن بينهم مطبّر واحد! حيث أن الباكستانيين اعتادوا على إدماء ظهورهم لا رؤوسهم، وذلك بكيفية خاصة تستخدم فيها المشارط المربوطة بالزناجير. وحرصا منهم على إحباط المؤامرة ضد الشعائر الحسينية المقدسة، فإنهم عمدوا منذ صدور (الفتوى إياها) إلى إدماء رؤوسهم بالسيوف والقامات بعدما يحرقون تمثالا خشبيا يمثل مَن أفتى، معلنين براءتهم منه ومن كل من يسعى إلى الانقضاض على شعائر أبي عبد الله الحسين صلوات الله وسلامه عليه. وأهل باكستان مفخرة من مفاخر الشيعة والتشيع، إذ إن ولاءهم لأئمتهم لا يمكن لأحد أن يساوم عليه، وقد كانوا منذ أمد التاريخ حتى يومنا هذا مضربا لأمثال الشجاعة والإباء والذوبان المطلق في محبة أهل بيت النبوة صلوات الله وسلامه عليهم. في أفغانستان ورغم الحكم الطالباني الوهابي الجائر، فإن الشيعة هناك أحيوا شعائر أبي عبد الله عليه السلام، حتى في كابول العاصمة! حيث نقلت (رويترز) و(أ.ف.ب) عن مراسليها هنالك أن شيعة آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قاموا بشعائرهم في يوم العاشر دون أن تتمكن السلطات من إيقافهم. لقد ظهر وكأن يد طالبان في ذلك اليوم مغلولة تماما إذ يقول مراسلا الوكالتين أنهما (لم يجدا تفسيرا منطقيا لعدم تمكن طالبان من إيقاف المسيرة)! إنهما لا يعلمان أن صرخة (حيدر.. حيدر) تهز الأرض تحت عروش الظالمين!! إنه الحسين.. من يستطيع أن يقف بوجه الحسين؟! في آذربيجان المستقلة وصل عدد المطبرين إلى حدود الخمسة آلاف، وينقل أحد الآذربيجانيين أن التطبير في آذربيجان لم يتوقف قط حتى في فترة الحكم السوفييتي الشيوعي! فرغم أن السلطات كانت آنئذ تحارب كل المظاهر الإسلامية، بما فيها شعيرة صلاة الجماعة، والأذان، إلا أنها لم تكن قادرة على كبح سيل المطبرين يوم العاشر، لقد كان العسكر الشيوعي يرتعد خوفا ما إن يرى عشاق الحسين عليه السلام مرتدين أكفانهم البيضاء التي لطختها دماؤهم الحمراء حاملين تلك السيوف هاتفين (حيدر.. حيدر)! ولذا فإن الشيوعيين في حكمهم لآذربيجان، ما كانوا يتعرضون إلى شيء اسمه الشعائر الحسينية، بل إنهم كانوا يعتبرون يوم العاشر من محرم يوما خارجا عن نطاق سيطرتهم! ويتحدث أهل آذربيجان عن الكرامات والمعجزات التي تقع لهم في ذلك اليوم العظيم، عندما يحملون راية أبي الفضل العباس صلوات الله عليه التي لا يستطيع أحد حملها لضخامتها إلا يوم العاشر! فتنطلق بهم من جادة إلى أخرى حتى يستقر بها المقام في منطقة ما، فيبدؤون هناك بمراسيمهم العظيمة. في العراق ورغم الحظر الصدامي الشديد، إلا أن المؤمنين هنالك يقيمون شعائر الحسين عليه السلام في البيوت المغلقة وبعض السراديب، وسط تكتم شديد. وثمة مشهد ذا دلالة عميقة ينقله شهود عيان زاروا العراق في الآونة الأخيرة، يقول هؤلاء: (عندما زرنا مرقد أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام في النجف الأشرف، لاحظنا أن ثلاثة من المؤمنين في الشارع يدفعون سيارة بدت معطلة، إلى هنا لم يكن الأمر غريبا بالنسبة لنا، إلا أننا وبعد وصولنا إلى كربلاء المقدسة لزيارة الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام، فوجئنا بعد يومين أو ثلاثة بالأشخاص أنفسهم والسيارة ذاتها في الوضعية نفسها! إذ كانوا يدفعونها أيضا وقد بدت عليهم معالم الإجهاد والتعب. فسألناهم عما يحدث فأجابونا قائلين: إن صدام اللعين منع كل شعيرة كنا نمارسها، حتى أنه منع زيارة أبي عبد الله مشيا على الأقدام، وهو ما نفعله عادة وكثير من المؤمنين الذين يسيرون على أقدامهم من النجف إلى كربلاء للزيارة، وفي الفترة الأخيرة كان كل من يقوم بذلك يتعرض للاعتقال والتعذيب! وكي نتحاشى جلاوزة النظام فإننا أوهمناهم بأننا ندفع هذه السيارة المعطلة، فكانوا عندما يمرون إلى جانبنا لا يرتابون بشأننا، وبهذه الطريقة استطعنا أن نسير على أقدامنا من النجف إلى كربلاء لزيارة سيدنا ومولانا أبي عبد الله، رغم أن قوانا قد خارت لكن كل شيء يهون في سبيله صلوات الله عليه)!! .. حقا كل شيء يهون فداء لتراب نعلي أبي عبد الله الحسين! في الإحساء ورغم الطوق الأمني إلا أن عدد هيئات التطبير يبلغ خمسة، حيث يشارك المئات في إحياء الشعيرة المقدسة دون أدنى التفات لـ (الطوق) أو(الفتوى) يقودهم إلى ذلك إيمانهم بإمامهم والتزامهم بشعائرهم وتمسكهم بمراجعهم. ويضرب أهل الإحساء أروع أمثلة الصمود والتحدي يوما بعد يوم، فليت شيعة العالم يخطون خطاهم، ولو أنهم فعلوا ذلك لارتفعت رايتهم وقويت شوكتهم وتحققت عزتهم! في الكويت ارتفع عدد هيئات التطبير إلى خمسة بدلا من ثلاثة، وشاركت النساء في التطبير في حسينية خاصة هذا العام للمرة الأولى في تاريخ هذا البلد. ويتجاوز عدد المطبرين حوالي الألفين والخمسمئة. وتميزت صحيفتا (الوطن) و(الرأي العام) بتغطية فعاليات مجالس التطبير حيث أفردت صفحاتها الأولى لنقل الوقائع. ورغم حرب المنشورات الدعائية التي وُزِّعت بغرض إحلال ما يسمى بـ (التبرع بالدم) محل الشعيرة المقدسة إلا أن المؤمنين لم يكترثوا بها وحرصوا على إقامة شعائرهم في يوم عاشوراء العظيم. ورصد بعض المهتمين عدد من شاركوا بما يسمى بـ (التبرع بالدم) فوجدوا أن عددهم لم يتعدَّ أصابع اليدين، حيث بقيت تلك المقرات التي أُعِدّت لهذا الغرض خالية من أي تواجد أو حضور ملحوظ. وتميزت حسينية بن نخي في إقامة مراسم (المشق) ليلة العاشر، في حين تميزت حسينية الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم الكربلائية بالحضور الكثيف صبيحة يوم العاشر حيث أجريت مراسم التطبير بحضور ومشاركة جمع من آيات الله والعلماء والخطباء. وكان أصغر مطبّر هذا العام في الكويت، طفل لم يتجاوز عمره تسعة أشهر، أسال والداه دمه موافقة لدم عبد الله الرضيع صلوات الله عليه. هنيئا لهذا الولد! ومن البلدان الأجنبية التي جرت فيها مراسم التطبير هذا العام: كندا (ثلاث هيئات في مونتريال للسنة الخامسة على التوالي)، هولندا (هيئة في أمستردام)، أستراليا، بريطانيا (ثلاث هيئات في لندن)، السويد، الدانمارك، النرويج، الولايات المتحدة (هيئتان واحدة في ديترويت والأخرى في واشنطن العاصمة للمرة الأولى هذا العام بجهود الشيخ مكي آخوند). ومن البلدان العربية؛ جرى التطبير للعام الثاني على التوالي في الأردن عند مقام جعفر الطيار صلوات الله وسلامه عليه، وقد تجاوز المطبرون عند المقام هذا العام الألفين بعدما كانوا في العام الفائت بحدود الثمانمئة. وأقيمت الشعيرة المقدسة في دبي بالإمارات العربية المتحدة أيضا. وهناك بلدان أخرى أدمى فيها عشاق الحسين عليه السلام أنفسهم مواساة له، إلا أنه لم يمكن التوصل إلى معلومات بشأنها. أما في إيران فقد طرأ تطور ملفت في إحياء الجماهير المؤمنة للشعيرة المقدسة، تلك الجماهير التي أثخنتها الجراح جراء (الفتوى إياها)، وهي الفتوى التي جاءت متناقضة مع القواعد الشرعية والحضارة الإنسانية واحتُسِبت تجاوزا على الحوزات العلمية وفقهائها الكبار. ويتمثل التطور في تسيير المؤمنين لمواكب التطبير في الشوارع العامة رغما عن أنف المخابرات، في تحدٍ واضح لها ولكل من يعتزم النيل من شعائر أبي عبد الله الحسين صلوات الله وسلامه عليه. في أصفهان طبّرت جموع تجاوز عددها خمسة آلاف يوم العاشر على مرأى من جميع الناس في الشوارع والميادين العامة، وذلك بواقع أربعة عشر موكبا ولمدة أربع ساعات بدأت منذ الصباح الباكر واستمرت حتى العاشرة تقريبا. وكان من بين تلك المواكب موكب خاص تجاوز عدد أفراده المئتين من طلبة العلوم الدينية. وتبقى أصفهان قلعة ولائية صامدة بأهلها، وبالسادة من آل الإمامي الأجلاء. وكذا بقت حوزتها المنيعة شامخة في وجه رياح التسييس النظامي. وفي مشهد اتجه موكب تجاوز عدد أفراده الخمسين إلى الحرم الرضوي الشريف منطلقا من (بازار سرشور). أما في قم؛ حيث ترقد السيدة الطاهرة المعصومة فاطمة بنت الكاظم صلوات الله وسلامه عليهما، فقد تقاسم القميون والكربلائيون والأتراك إحياء الشعيرة المقدسة في تظاهرة عبّرت عن الولاء المطلق لسيد الشهداء عليه السلام والرفض المطلق لكل من ينتقص من شعائره العظيمة. (حقا لقد كانت معجزة).. هكذا وصف أحد العلماء ما حدث في قم المقدسة هذا العام، حيث إن الجميع أحس بأن إمدادا قدسيا من لدن أبي عبد الله الحسين صلوات الله عليه كان هو الدافع والمانع! الدافع لقيام كل هذه الألوف بالمواساة في منتهى الشجاعة والإقدام، والمانع لأجهزة المخابرات والسلطات من البطش بمن طبّر رغم أنها كانت على مقربة من إجراء ذلك، بل قد أجرته بالفعل ولكن في نطاق محدود لم يؤدِّ إلى سجن أو تعذيب كما يحدث كل عام منذ صدور (الفتوى إياها)! صبيحة يوم العاشر؛ تجمع الكربلائيون القاطنون في قم في معمل كبير حيث جلبوا معهم كل أدوات التطبير ووسائله. وكانت المخابرات الإيرانية (إطلاعات) قد علمت بالأمر، فطوقت عناصُرها المكان بُعَيْد بدء المراسم، وتأهبت لاعتقال المواسين إمامهم أثناء خروجهم، وبالفعل فإن عددا من الاعتقالات جرت لبعض الأشخاص، خاصة أولئك الذين كانوا يترددون على المكان من الهيئة المنظمة، والمكلفين بتقديم الحلوى والعصير للمطبرين الذين يحتاجون إليها كما هو المتعارف لكل من يفقد جزءا من دمه. وبينما كانت العناصر مرابطة في ذلك الموقع؛ صدرت أوامر بتوجهها إلى حرم السيدة المعصومة عليها السلام، حيث فوجئت أجهزة المخابرات بأن أعدادا هائلة من الإيرانيين من أهل قم قد خرجوا إلى التطبير، وهو ما لم يكن متوقعا. كانت الأفواج الإيرانية قد اجتمعت في مسجد (رفعت) الواقع في منطقة (صفائية) وأفرادها حوالي الألفين، وهناك جرى شج الرؤوس، ثم خرجت الأفواج من المسجد متجهة إلى الحرم المطهر، ودخلت الأفواج الصحن الشريف مقدمة نفسها بين يدي السيدة صلوات الله عليها، هاتفة بالولاء معبّرة عن المواساة. ثم اتجهت المواكب إلى شارع (إرم) ثم إلى شارع (جهار مردان) ثم انعطفت إلى شارع (45 عمار بن ياسر) حيث كان مقررا أن تتجه بعد ذلك إلى الحمام للاغتسال في ختام المراسم. إلا أنه في تلك الأثناء وصلت دوريات المخابرات بعناصرها، وقامت بقمع أفواج المطبرين واعتقلت جمعا كبيرا منهم وأودعتهم في السيارات النظامية تمهيدا لإرسالهم إلى المعتقلات! هنا ثارت ثائرة الجماهير المحتشدة التي كانت تتابع مراسم التطبير، فتصادمت مع عناصر المخابرات، وطوقت الدوريات ومنعتها من التحرك لساعات، وهتفت بأعلى الأصوات (حيدر.. حيدر.. يا حسين.. يا شهيد)! منددة بالاعتقال ومطالبة بإطلاق سراح المعتقَلين، الأمر الذي اضطر السلطات إلى تخلية سبيلهم بعدما اشتدت المواجهات وتشابكت الأيادي وكادت تتسبب في حدوث ما لا يحمد عقباه. وبهذا نجّى الله تعالى بعناية سيد الشهداء وبركة السيدة المعصومة أفواج المؤمنين المطبرين، من بطش المخابرات التي ما فتئت تحارب هذه الشعيرة المقدسة لشعورها بتهديدها الجدي لكل الموازين السياسية في المجتمع. فالتطبير كان دوما شعارا لرفض الظلم وعنوانا لدحر الظالمين. وهذه هي المرة الأولى التي لم يستطع فيها العقيد المتجبّر (بيري) من إيقاف سيل المطبرين، وهو الذي كان يمشي مزهوا مختالا في الطرقات وهو ينسب إلى نفسه - بكل فخر - أنه القامع لمواكب التطبير!! نعم.. هاهو الحسين ينتقم من أمثال (بيري)، وهاهو التطبير يعود إلى إيران الإسلامية بشعبها المسلم المؤمن، وهو في كل عام يزداد عن الذي سبقه. والحري ذكره أن قائمة بأسماء 270 مرجع تقليد يفتون باستحباب التطبير خصوصا والشعائر عموما؛ كانت قد طبعت هذا العام في إيران ووُزِّعت بشكل كبير بعيدا عن أعين المخابرات، وهو ما ساعد على حدوث هذا التطور في إحياء الشعائر الحسينية هذا العام. لعل الاسى سيتملك الكولونيل البريطاني (عبد الله (لبنس) هوبت) لو أنه علم بأن إحدى أهم الشعائر التي هزت ضميره وأحيت وجدانه قد تعرضت إلى القمع والاضطهاد في بلدان يفترض أن تكون حامية لها. غير أن من المؤكد أنه سيشعر بالفخر والاعتزاز إذا ما علم بأن هذه الشعيرة وصلت إلى أقصى الأرض، في بلدان ككندا وأستراليا وجزر الكاريبي، وأنها يوما بعد يوم في توسع وتمدد، وأن أتباع ديانات أخرى، كالمسيحية والهندوسية والزرادشتية وغيرها، يقيمونها أسى وحزنا على الحسين عليه السلام واستذكارا لثورته العظيمة، ثورة الحق والحرية والعدالة والإنسانية. حقا.. كم هو عظيم هذا الإمام!! العالم يهتف باسمه، ويسيل الدماء لأجله! يرتدي العالم في يوم العاشر كفنا أبيض، ملطخا بالدم الأحمر، ويصرخ قائلا: حيدر حيدر! يا نفس من بعد الحسين هوني! حقا.. لقد انتصر الدم على السيف! وانتصرت كربلاء على الظالمين! فدماء كربلاء تسري في عروق كل أحرار العالم. لقد اكتسح الظَلَمة هذا العالم، وتسلطوا على الرقاب حتى أوقفوا كل نبض من نبضات الحرية، وكاد القلب أن يتوقف، لولا أن دماء تنبض »يا حسين« تعيد نبض البشرية كل عام! .. هذا ما جعل أمثال »هوبت« يسيرون نحو نور الحسين. فطوبى لعشاق الحسين!
الإمام الشيخ عبد الكريم الحائري مؤسس حوزة قم المقدسة: ضرب القامات إن كان لا يضر بحال فاعله فلا بأس به، فليس لأحد أن ينهى عن ذلك، بل جميع أنواع التعزية لأجل سيد الشهداء أرواحنا فداه مشروع مستحب. وقد وقع على هذه الفتوى تأييدا لها كل من: 1) آية الله العظمى الشيخ محمد الآراكي. 2) آية الله العظمى السيد محمد رضا الكلبيكاني. 3) آية الله العظمى السيد شهاب الدين المرعشي النجفي. 4) آية الله العظمى السيد حسن الطباطبائي القمي. 5) آية الله العظمى السيد محمد الوحيدي. 6) آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي. 7) آية الله العظمى السيد محمد صادق الروحاني. 8) آية الله العظمى محمد مهدي اللنكرودي. .. وغيرهم كثيرون. الإمام الشيخ محمد حسين النائيني أستاذ مراجع النجف الأشرف لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حد الاحمرار والاسوداد، بل يقوى جواز الضرب بالسلاسل أيضا على الأكتاف والظهور إلى الحد المذكور، بل إن أدى كل من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى. وأما إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأمونا، وكان من مجرد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها، ولا يتعقب عادة بخروج ما يضر خروجه من الدم ونحو ذلك، كما يعرفه المتدربون العارفون بكيفية الضرب. وقد وقع على هذه الفتوى تأييدا لها كل من: 1) آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم. 2) آية الله العظمى السيد محمد كاظم الشريعتمداري. 3) آية الله العظمى السيد عبد الأعلى السبزواري. 4) آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي. 5) آية الله العظمى السيد محمد رضا الكلبيكاني. 6) آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني. 7) آية الله العظمى السيد محمد صادق الروحاني. 8) آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي. 9) آية الله العظمى الشيخ حسين الوحيد الخراساني. .. وغيرهم كثيرون.
السيد الخوئي زعيم حوزة النجف الأشرف الأسبق س: هل ثمة إشكال في إدماء الرأس (التطبير) على ما هو المعهود المعروف في بعض مظاهر إظهار الحزن وإشادة العزاء على روح إمامنا المفدى أبي عبد الله الحسين عليه الصلاة والسلام مع فرض أمن الضرر؟ ج: لا إشكال في ذلك في مفروض السؤال في نفسه، والله العالم. س: تفضلتم بنفي الإشكال عن إدماء الرأس (التطبير) إذا لم يلزم منه ضرر، فقيل إنه لا يثبت أكثر من الإباحة، وعليه فهل إدماء الرأس (التطبير) مستحب لو نوى بذلك تعظيم الشعائر ومواساة أهل البيت عليهم السلام؟ ج: لا يبعد أن يثيبه الله تعالى على نية المواساة لأهل البيت الطاهرين إذا خلصت النية.
السيد السيستاني زعيم حوزة النجف الأشرف الحالي س: ما هو حكم الضرب بالزنجير ولطم الصدور والدخول في النار في عزاء سيد الشهداء عليه الصلاة والسلام؟ ج: إذا لم يستلزم ضررا بليغا أو نقص عضو فلا مانع. س: ما هو حكم لبس السواد واللطم على الصدور أثناء إحياء مراسيم العزاء لسيد الشهداء عليه الصلاة والسلام ولباقي الأئمة الأطهار عليهم الصلاة والسلام؟ ج: يجوز ذلك بل يعد من أعظم القربات عند الله فإنه تعظيم لشعائر الله تعالى. الإمام الشيرازي زعيم حوزة كربلاء المقدسة والمرجع الديني الأعلى> س: هل أن أهل البيت عليهم الصلاة والسلام كانوا يؤذون أنفسهم على الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام في تعظيم شعائره حتى نؤذي أنفسنا؟ ج: نعم كما ورد. س: هل ضرب الرؤوس يوم العاشر من المحرم »التطبير« يشوه سمعة الإسلام في الغرب؟ ج: بالعكس يقوي الإسلام. س: هل يمكن الاستفادة من قول الإمام الحجة عليه الصلاة والسلام في خطابه لجده الحسين عليه الصلاة والسلام: (فلأندبنك صباحا ومساء ولأبكين عليك بدل الدموع دما) في أن التطبير مستحب مؤكد؟ ج: نعم. س: هل يعد البكاء على الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام من الطرق القديمة في إحياء ذكر الميت إذ العصر الحديث عصر الفكر والحضارة؟ ج: البكاء حالة حضارية. س: ما رأي سماحتكم في ما يذكر من أن السيدة زينب صلوات الله وسلامه عليها عندما رأت رأس أخيها الحسين عليه الصلاة والسلام نطحت جبينها بمقدم المحمل فسال الدم من تحت القناع؟ ج: ثابت ذلك.
|
||