|
|
|
|
|
حلل في حديثه لـ (المنبر) سوسيولوجيا الشعائر الحسينية الدكتور بولس الحلو: لستم وحدكم.. فنحن المسيحيون نطبّر أيضا! |
||
|
كتب: جاسم صفر
ولا تعطي هذه الأطراف مبررات منطقية لقولها ذاك، بل تنطلق في محاربتها للشعائر من أوهام الشعور بالحرج مقابل الآخرين، ومن منطلقات الإحساس بالانهزامية والنقص. وقد استثمرت جهات سلطوية انتفاعية هذه الحالة، وغذتها بكل ما تملك، رامية بذلك إلى الانقضاض على هذه الشعائر المقدسة التي تهدد مراكز نفوذها وتسير بالضد من مصالحها وأهدافها. ورغم أن هذا المعسكر، وهو معسكر مناهضة الشعائر، تمكن من تحقيق نصر أولي يتمثل بصدور فرمان حكومي مُنِعت فيه شعيرة التطبير في موطن الشيعة والتشيع، بيد أن الانتصار اليوم هو لمجاميع المؤمنين الذين تمسكوا بهذه الشعيرة المقدسة، وكسروا بذلك كل الفرمانات والقرارات الجائرة التي ظنّ مصدروها أنهم قادرون على إيقاف شلال الشعائر الحسينية بإيقاف إحدى أهم عناصرها، وهي شعيرة التطبير. إنهم بدؤوا بالانتقاص من هذه الشعيرة ويريدون بذلك التوسع إلى أن يشتمل منعهم كل الشعائر المقدسة، ولكن هذا ما أباه المؤمنون، عندما أحبطوا تلك المؤامرة وتصدوا لها، وهاهم المطبرون اليوم في ازدياد وتكاثر إلى ما شاء الله، وهاهو التطبير يعود من جديد إلى موطن الشيعة والتشيع، ولسان حال جميع من أحيوا هذه الشعيرة العظيمة قول إمامنا الحجة أرواحنا لتراب مقدمه الفداء مخاطبا جده الحسين عليه السلام: (ولأبكين عليك بدل الدموع دما)! هناك نقطة لابد من معالجتها في الرد على جمهور المنتقصين، ومعسكر الانهزاميين، وهي تتمثل في السؤال التالي: هل صحيح أن إحياءنا لشعائرنا الحسينية ومنها التطبير يتسبب في نظرة دونية إلينا من قبل الآخرين؟ ولعل الجواب أوضح من السؤال، إذ من المعلوم أن كل الشعائر الإسلامية قد تسبب مثل تلك النظرة، بما فيها شعائر الصلاة والحج وغيرها، إذا لم نعمل على إيضاح فلسفة تلك الشعائر للآخرين. إن الناس عندما تنظر إلينا، فإنها تريد منا تفسيرا لما نقوم به من طقوس ومراسيم دينية، وهذا أمر طبيعي. فإذا لم نوضح لهم هذه الفلسفة، ولم نشرح أبعادها وغاياتها، فإننا حينئذ نفتح على أنفسنا الباب لنظرات الاستغراب والاستهزاء والتحقير أيضا، أما لو عملنا على شرح كل ذلك للناس، وخاصة أهل الفكر والعلم والفهم، فإنهم بلا شك سيستوعبون الأهداف السامية لتلك الشعائر الحضارية، وسيدركون مدى أهميتها، وسيتسبب ذلك في زيادة احترامهم لنا ولعقيدتنا ومذهبنا.
وهنا نسجل شهادة جديدة لأحد الأكاديميين المسيحيين المتخصصين في دراسة المجتمعات الإنسانية وتقاليدها وأعرافها. إنه الدكتور الماروني اللبناني بولس جوزيف الحلو، الأستاذ والمحاضر في عدد من الجامعات اللبنانية، والمؤلف وعالم اللغة في كثير من المنتديات العلمية والأكاديمية. ومما يزيد من أهمية شهادة الدكتور الحلو، أن رسالة الماجستير التي كان قد أعدها في ما مضى، كانت بعنوان (الحركة السلفية وآثارها على العالم الإسلامي)، وأنه اليوم يحضر لدراسة أكاديمية بعنوان (مقاربات بين المسيحية والإمامية.. دراسة تحليلية). علما بأن رسالته في الدكتوراة كانت بعنوان (منطقة جزين في ثمانين عاما.. دراسة اقتصادية ثقافية اجتماعية)، وهي الرسالة التي منح بها هذه الدرجة الأكاديمية من جامعة (الروح القدس) في لبنان. وقد زار الدكتور بولس مكتب هيئة خدام المهدي عليه السلام في الكويت في زيارة خاصة، وهو ما جعلنا ننتهز فرصة وجوده لتوجيه بعض الأسئلة إليه في ما يخص هذا الموضوع، بالإضافة إلى أسئلة أخرى تتعلق بالثورة الحسينية المجيدة، وقد كانت إجابات الدكتور التي اتسمت بالمنهج التحليلي أكثر من مفيدة، وفي ما يلي نص الحوار المختصر الذي دار معه: المنبر: لماذا لم يخبُ صدى الثورة الحسينية وما سر هذا البقاء والتجدد الذي يحدث لها كل عام؟ - حسب اعتقادي فإن الحالة الحسينية ليست مقتصرة على الشيعة فحسب، إنما هي عامة وشاملة. ولهذا فإننا نجد أن ارتباط الثورة الحسينية بمبدأ مقاومة الظلم، جعلها قريبة جدا من الإنسان أيا كانت ديانته وعقيدته، لأنه ما دام هناك ظالم ومظلوم، فلا بد أن يكون هناك يزيد والحسين، كرمزين أساسيين لكل من الجهتين. هذا من الناحية الفلسفية والروحية، أما من الناحية العملية والواقعية، فإن هذه الطقوس التي يمارسها الشيعة في أيام ذكرى استشهاد الحسين، تضفي بعدا تجديديا على هذه الثورة، بما يجعلها حاضرة في الذهنية البشرية باستمرار. المنبر: كيف؟ - إن النظرة السيوسيولوجية لهذه الطقوس أو الشعائر أنها شعائر أممية عالمية، تعبّر عن مقاومة الظلم ومناصرة المظلوم. وهذا التعبير هو ما أكسبها لونا أمميا، مما جعلها تحظى بالقبول الاجتماعي في مختلف البيئات والثقافات. أن تنشأ ثورة في مكان ما وزمن ما، وتبقى حاضرة إلى زماننا هذا، فإن ذلك يعني أنها مرتبطة بمفاهيم إنسانية عالمية من جهة، وأنها مستندة إلى تفاعلات اجتماعية دورية من جهة أخرى. وهذه التفاعلات هي هذه الطقوس أو الشعائر التي تجري في أيام محرم، وفي اليوم العاشر منه تحديدا. المنبر: إذا فانتم ترون أن هذه الشعائر مصدر بقاء هذه الثورة.. صحيح؟ - بالطبع. لأنه أن نتذكر إنسانا بهذا الشكل الذي نتذكر فيه الحسين فلا يكفي أن نتلو الصلوات على روحه، أو نستذكر مآثره وحسناته. بل لا بد من تواجد ما هو حسيٌّ وما هو مؤلمُ أيضا في دائرة الاستذكار. المنبر: مؤلمٌ؟! - نعم مؤلم. لأن كل ما لا يؤذي الجسد لا يستمر، إن الألم هو ما يحفظ القضية أو الذكرى ويجعل لها تطبيقاتها على أرض الواقع، وتأثيراتها على التحرك الاجتماعي والثقافي. إن استمرارية الذكرى وبقائها في العقل البشري يجب أن يتزامن مع الألم الحسي الجسدي، وهذا ما تحققه الشعائر الحسينية، فعندما تشعر بالألم في جسدك، فإنك تفكّر في مصدره، وعندما يقودك التفكير إلى الآلام التي وقعت للحسين فإنك تستذكر ثورته ومبادئه وأهدافه بشكل تلقائي. المنبر: هناك من يرى أن الشعائر الحسينية خرافة وتسبب نظرة سلبية عن محييها في عيون العالم.. هل هذا صحيح من وجهة نظركم؟ - هذا هراء. وهو بعيد كل البعد عن الحقائق العلمية. لأن الخرافة كما هو معلوم هي عبارة عن شيء ابتكره العقل البشري لنموذج أو صورة معينة مستعصية على فهمه، ولذا فإنه مع تطور العقل البشري لا يمكن لهذه الخرافة أن تستمر. إن الأصل في الخرافة أنها لا تدوم ولا تبقى، بل تزول بزوال مخترعها، أما الشعائر أو الطقوس الدينية فإنها مرتكزة على أسس عقائدية وإيمانية لا تعرف النقص أو النصف، ولذا فإنها بقت واستمرت. هناك فرق بين العقيدة والميتولوجيا، فالميتولوجيا تصورات ابتدعها الإنسان للوصول إلى ماورائيات الظواهر الطبيعية، وهي التي عادة ما تقوده إلى الخرافات حتى يقترب من فهم وإدراك تلك الظواهر، ومعظم هذه الخرافات سقطت، كما رأينا كيف أن من كانوا يعبدون الشمس أو القمر قد اندثروا الآن إلا في مناطق معزولة عن العالم في أفريقيا مثلا، وذلك لأن خرافتهم هذه لا يمكن بقاؤها مع التقدم الهائل الحاصل في الاكتشافات العلمية. أما الشعائر الحسينية فإنها بأبعادها الفكرية وقيمها الحية مستمرة طوال هذه القرون كلها، وذلك يعود لأنها ممارسات مرتبطة بالوجدان الإيماني للبشر، فأن يؤمن الإنسان بشيء، غير أن يبتدع خرافة. ولو كانت الشعائر خرافة لما استمرت طوال ألف وأربعمئة سنة مضت، ولا تزال مستمرة بل هي في ازدياد ملموس كل سنة. المنبر: فما سبب هذه الضجة التي تُثار حول الشعائر الحسينية؟ - في الحقيقة لم أرَ لهذه الضجة وجودا إلا عندكم! وعلى كل حال فإن كل حركة يُكتب لها الاستمرار والنجاح فمن الطبيعي أن يكثر أعداؤها ومنتقدوها، وكلما كثر المنتقدون والأعداء كلما قويت بشرط أن تكون مستندة إلى أسس حقيقية مرتبطة بالوجدان الإيماني كما ذكرت. المنبر: وماذا عن التطبير الذي يمارسه الشيعة يوم العاشر مواساة لإمامهم الحسين عليه الصلاة والسلام.. ما تقييمكم له كشعيرة؟ - التطبير نموذج من نماذج استشعار الألم وإيذاء الجسد للوصول إلى حالة الاستذكار الكامل، كما أوضحت. والتطبير من وجهة نظري هو الشعيرة الأكثر تحريكا للمشاعر والأحاسيس. المنبر: من واقع دراساتكم الأكاديمية؛ هل لهذه الشعائر أمثلة في شعوب أخرى؟ - نعم. فأنتم لستم وحدكم في هذا المضمار، بل نحن المسيحيين نمارس شعائر تماثل إلى حد كبير الشعائر الحسينية التي تقومون بها، وتصل بعض الطقوس المسيحية إلى حالة الإدماء أيضا، وهو يشابه التطبير. إن هناك بعض المسيحيين يضربون أجسادهم بالسوط في ما نسميه (أسبوع الآلام) أي آلام السيد المسيح، وهناك في بعض المناطق المسيحية في الشرق الأقصى، تُدمى المعاصم وتُدق بالمسامير للإحساس بآلام المسيح عندما صُلِب، كما يحصل هناك بعض الشرخ للجسد في أنحاء متفرقة لإسالة الدم، وهذا هو التطبير بعينه، ولذا فلا تظنوا أنكم وحدكم تطبرون على الحسين، بل نحن أيضا نطبر على المسيح. ولا أستبعد أن يكون هناك بعض المسيحيين عندنا في لبنان يطبرون على الحسين، خاصة أن للحسين موقعا خاصا عند المسيحيين بشكل عام، والمسيحيين اللبنانيين بشكل خاص. المنبر: ما هي هذه الموقعية؟ - إنها موقعية بارزة في الفكر المسيحي، لكن ليس هنا مجالها، ويمكنك أن تستشرف هذه الموقعية من خلال تحليلك لأسباب وجود صور للحسين في الكنائس المسيحية. لقد شاهدت بعضا من هذه الصور بنفسي، واذكر أني شاهدت صورا للإمام علي وفاطمة الزهراء أيضا التي لها منطقة خاصة في البرتغال تسمى (فاتيما) وقد اعترف الفاتيكان بقداستها حيث يقال أن فاطمة الزهراء قد تجلّت فيها في زمن ما. وبشكل كلي فإن الأيديولوجية المسيحية تعتبر هؤلاء شخصيات مقدسة لها مكانتها. ودعني لا أحصر موقع الحسين في الفكر المسيحي فحسب، بل هو ذا موقع بارز في مختلف الأديان والعقائد والمذاهب الفلسفية، وذلك لأن الثورة الحسينية ثورة ذات بعد بشري أممي يهدف إلى إعادة صياغة مفاهيم الإنسان بترسيخ مفاهيم الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة ومقاومة الظلم، وهذه المفاهيم حاضرة في أغلب الأيديولوجيات والمعتقدات البشرية. ولهذا فإنك تجد أن ثورة قام بها شخص واحد هو الحسين، مع أنصاره المعدودين، تحولت الآن إلى ثورة عالمية أممية أنصارها من الملايين! المنبر: هل لنا بمعلومات عن طبيعة دراستك التي تعدها حول المقاربات بين المسيحية والإمامية؟ - في الواقع إنني لا أزال في إطار البحث وجمع المعلومات، غير أنني يمكن أن أشير إلى أن ما دفعني إلى ولوج هذا الميدان البحثي هو إحساسي بوجود تقارب ثقافي وفلسفي بين الأيديولوجيتين المسيحية والإمامية. هناك على سبيل المثال مؤشرات إلى وجود الإمام علي في زمن قبل المسيح، فلفظة (إيليا) أو (إليشع) الواردتين في الكتاب المقدس، لا يمكن انطباقها بأوصافها إلا على شخصية الإمام علي. وعلى كل حال إذا آمنا بأن منبع تلك الشخصيات العظيمة هو التوحيد، فليس غريبا أن يكون لها تجلٍّ أو ظهور خاص في أزمان مختلفة وبأدوار مختلفة. شخصيا أعتقد أن الرسول محمد والإمام علي وبقية أهل البيت، وكذلك المسيح وسائر الأنبياء والقديسين والحواريين، كانوا جميعا على ارتباط دائم، وأنهم على علاقة أقرب من علاقة الأسرة الواحدة. ومادام المنبع واحدا - كما أسلفت - فلا نستغرب هذه التوافقات. ويمكن الالتفات إلى عدد (12) الذي يتكرر في النقباء والحواريين والخلفاء، فلا شك أن هذا التكرار لا يمكن أن ينشأ من محض صدفة، بل لابد أن له مدلولية خاصة، وهذا هو ما يحتاج إلى دراسة أكاديمية معمقة لسبر الأغوار. لابد أن الرسول وأهل بيته كانوا حاضرين في أزمان غابرة، ولكننا لا نعرف كيف، بل الذي نعرفه هو أن كل تلك المراحل السابقة إنما كانت مجرد إرهاصات لظهور النبي محمد والأئمة. المنبر: هذا أمر مثير جدا! والغريب أن يهتم أكاديمي مسيحي بمثل هذا البحث! - لماذا التعجب؟ إننا كمسيحيين نحترم كثيرا شخصيات أهل البيت، ونعتبرهم أمثلة للتكامل الإنساني، وأذكر أن مدير مدرستنا الابتدائية وهو مسيحي كاثوليكي كان قد طلب منا كتابة أسماء الأئمة الإثنا عشر كلهم في دفاترنا المدرسية، وهذا يدل على وجود اهتمام مسيحي بشخصيات أهل البيت. المنبر: نحن ننتظر إتمامكم لهذه الدراسة بفارغ الصبر لأنها بلا شك ستكون محورا من محاور (المنبر) في مواضيع غلافها! حالما أنتهي منها؛ لن أبخل عليكم بالنتائج التي سأتوصل إليها، ولكن لكل حادث حديث!
|
||