|
|
|
|
|
موسيقى عند الحسينية.. والأوركسترا (ظاهرة تسييس المنبر)!! |
||
|
كتب: عبد العزيز قمبر
نظر أبو حسين إلى حفيده الشاب ذي التاسعة عشرة من العمر، بنظرة تعبّر عن شعور بالاستهجان والمرارة، ثم زفر زفرة عميقة وأجابه قائلا: (إيه.. زمانكم هذا كل شيء فيه قد تحول.. لم تعد المجالس كما كانت.. ردني إلى البيت يا ولدي)! وبدافع الفضول حاول الحفيد أن يعرف دواعي اتخاذ جده لهذا القرار الغريب وهو الذي لم يُعْهد عنه تفويت أية فرصة للمشاركة في الحسينية القريبة من منزله، وهي الحسينية التي اعتاد أن يتردد إليها على الدوام، حيث كان من عادته إتمام فترة تواجده فيها إلى ما بعد انتهاء المجلس ليتبادل الأحاديث والشجون مع عدد من أقرانه الشيَبة. إلا أن الحاج أبا حسين لم يكن يعطي إجابات واضحة، فقد كان يتأفف تارة وينبس بعبارات غير مفهومة أخرى، ورغم هذا فإن حفيده استطاع أن يكوّن صورة شبه متكاملة عن الأسباب والدواعي التي دفعت الجد إلى موقف كهذا. فكلمات من قبيل (هذولا ييهالو)! و(أحزاب الخراب)! كانت كافية لفهم أحاسيس الجد وما يجول في خاطره. والموضوع يتلخص في أن صاحب الحسينية الذي كان على علاقة وثيقة بالحاج أبي حسين، كان قد توفاه الله تعالى قبل نحو أربع سنوات، ومنذ ذلك الحين والصراع دائر بين أبنائه على الاستفراد في إدارة الحسينية، وفي العام قبل الأخير تمكن أحدهم من لي ذراع اخوته وتسليمه الأمر برمته، وهو ممن يميل إلى توجه سياسي نابع من جمهورية يتموضع اسمها في خانة إسلامية إمامية، وعلى هذا كان طبيعيا أن يستقدم خطباء يسيرون في فلك ذلك التوجه السياسي، الأمر الذي قبله روّاد الحسينية من الرعيل الأول على مضض، لكن أبا حسين - في ليلة من ليالي شهر محرم الماضي - لم يكن قادرا على تحمّل ما يتفوه به الخطيب على المنبر، عندما حصر حديثه في دائرة الدعاية والتمجيد لرمز هواه السياسي، فكان أن أخذ الحاج أبو حسين عصاه وطفق راجعا إلى منزله مشمئزا مستنكرا! وحال الحاج أبي حسين لا تختلف عن حال القطاع الأعرض من المؤمنين في هذا الزمان، خاصة أولئك الذين تقادمت بهم السنون، فهم قد عايشوا كثيرا من الخطباء والمجالس، واعتادوا على أن يشبع من يعتلي المنبر الحسيني لهفتهم تجاه أئمتهم عليهم الصلاة والسلام، فينشط الذكرى ويستحضر المصاب، ويثير الأحاسيس والعبرات، ويشيع العلوم والمعارف المنتهلة من منهل الآل عليهم السلام دون أن يعمد إلى تحجير المنبر سياسيا أو تياريا. بيد أن هذه القاعدة التي كانت تحكم - أدبيا - أداء الخطيب أيا كان توجهه، سقطت مع تشكل وبروز التيارات السياسية الشيعية في العقدين الأخيرين، بحيث غدا المنبر الحسيني وسيلة استقطاب دعائية لبعضها، الأمر الذي أثر كثيرا على ماهية الخطاب المنبري ونوعيته. ولئن كانت معظم التوجهات السياسية قد التزمت بمبدأ حفظ قدسية المنبر من المؤثرات السياسية، فإن الاتجاه السياسي المناصر للجمهورية تلك لم يجد غضاضة في التأسيس لظاهرة جديدة يطلق عليها المختصون (ظاهرة تسييس المنبر). وكان من حيثيات تلك الظاهرة، كما لاحظه المختصون، الإكثار من ذكر الشعارات السياسية وعناوين التعبئة التيارية، والسير بالخطبة إلى منحى يخدم المصلحة النظامية حتى وإن تضمن الحديث مغالطات عقائدية وفقهية. ولعل أكثر ما يثير حنق الحاضرين في تلك المجالس المسيسة، الإقحام المتعمد لأسماء الرموز السياسية والدعوة إليها في ختام كل مجلس بما يوحي أنها - لوحدها - تمتلك أحقية تمثيل الدين كلّه. ويأتي متابعة لذلك ضمن إطار ظاهرة تسييس المنبر؛ تصرفٌ كان ولا يزال محل نفور عام، ويتمثل بقيام بعض الرواديد بتركيب عبارات الدعاية السياسية على المراثي واللطميات الحسينية، فضلا عن إيراد كثير من المضامين الحزبية في تلك المراثي. وينقل شهود عيان كيف أن هؤلاء الرواديد يعمدون إلى إحماء الحاضرين بطريقة فنية عند ذكر اسم رمز سياسي أو الدعوة إلى ولايته، بحيث يجد المرء المجلس أكثر حرارة في تلك اللحظة، إذ تشتد وتيرة اللطم ويرتفع صوت الندب ما إن تصل المرثية إلى هذه الجهة السياسية، بينما الأمر عند ذكر مصاب أبي عبد الله الحسين عليه السلام يجري بشكل رتيب جامد ذا مستوى منخفض في حرارته عن ذلك المستوى! يصف أحد الشهود العيان المشهد بالقول: (بدأ الرادود بتهيئة الحاضرين للطم، ثم بدأ بتأدية لطميته منشدا الأشعار، وظل الجميع يلطمون بشكل اعتيادي، ولكنهم فجأة خرجوا عن أطوارهم عندما بدأ يرتفع صوت الرادود بطريقة عجيبة ذاكرا (مصاب) أحد الولاة معلنا ولاءه له معاهدا إياه على السمع والطاعة.. هنا اشتد اللطم كثيرا وتحول من على الصدور إلى الرؤوس بشكل فني ليس مألوفا، وكنت أتساءل في قرارة نفسي: أين كل هذه الحرارة واللوعة عندما ذُكِر مصاب إمامنا الحسين عليه السلام)؟! ويرى مختصون بأن تمدد هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة، واتساع نطاقها، رغم أنه أضفى كثيرا من السلبيات على الخطاب المنبري، وعلى العلاقة الروحية التي تربط بين جمهور الناس وبين الخطباء والرواديد، فإنه من جانب آخر ضاعف من مدى تعلق الجماهير بخطباء الأصالة وتمسكهم بتراث العزاء الحسيني البعيد عن المؤثرات الحزبية والسياسية. يقول أحد هؤلاء المختصين ممن عكفوا أخيرا على قياس حجم المشاركة الشعبية في إحياء المجالس الحسينية: (لم يعتد الفرد الشيعي أن يستمع ممن يعتلي منبر الحسين عليه السلام إلى أي نوع من أنواع الدعاية حتى وإن كانت دعاية مرجعية، فنحن لم نشهد أن قام أحد الخطباء بالدعوة لتقليد مرجع معين على منبر ما إلا إذا كانت محاضرته متعلقة بموضوع الأعلمية الفقهية، وإن سُجِّلت مواقف خطابية بعيدة عن هذا الإطار فإنها لا تعدو كونها خروقات نادرة للقاعدة التي تقضي بأن يلتزم الخطيب بكلية الطرح الحسيني في خطابه تاركا القضايا السياسية الحزبية الضيقة في معزل عن الحديث. ولئن كان الاتجاه السياسي المناصر للجمهورية تلك قد عكف على إقحام شعاراته وقضاياه ومواقفه في الخطابة الحسينية، بما أسس لظاهرة تسييس المنبر الحسيني، فإن الشريحة الأكبر من جمهور الموالين تشعر الآن بأهمية العودة إلى نمط الخطابة الحسينية الأصيلة المبتعدة عن هذه الدعاية وذلك التمجيد، فتراهم الآن يعبرون عن استنكارهم لذلك النوع وعدم استساغتهم له، وتراهم ينجذبون كثيرا إلى الخطباء الذين يلتزمون بالأصالة. ولعل هذا ما يفسر ذلك النمو السريع المطرد في جمهور منبر الشيخ حسين الفهيد مثلا، فعلى رغم أنه يسلك مسلكا خطابيا إحسائيا، وهو المسلك الذي لم يكن - في نوعيته - حائزا على تفاعل أغلبية الجمهور لاعتيادهم على نوعية الخطابة العراقية، غير أن التزام الشيخ بالأدبيات، وانتهاجه منهجية نشر فضائل المعصومين عليهم الصلاة والسلام وبيان مقاماتهم الملكوتية، كان دافعا لآلاف الناس بمختلف شرائحهم للتواجد في ساحة ذلك المنبر عندما وجدوا فيه ما يروي ظمأهم الولائي لأهل البيت صلوات الله عليهم (...) الواقع أن الجماهير ملّت من المنبر المسيس، بل أصابها الإحباط من مختلف التيارات السياسية الشيعية عندما وجدت أنها تقدم مصالحها على ما يفترض أن يكون من ثوابتها المبدئية، ولذلك فإن الجماهير أشد التصاقا اليوم بمن تجده منصرفا بشكل بحت إلى نشر الولاء لأهل البيت عليهم السلام). ولا تتوقف ظاهرة التسييس عند حدود المنبر فحسب، بل تجري قوانينها على أبعاد دينية شتى، وهو ما خلق واقعا انقساميا غير صحي ساعد التطاحن التياري على تغذيته. ومن صور هذا الواقع الانقسامي؛ انعزال كل تيار في محيط مسجده وحسينيته ومنبره ومؤسساته، بحيثية تجعل من كل ذلك منطقة حظر بالنسبة إلى مختلف التيارات العاملة الأخرى. ويصف أحد العاملين في هيئة تثقيفية إسلامية تطوعية هدفها تنمية المجتمع إيمانيا وفق رسالة أهل البيت عليهم السلام تجربة تدلل على ذلك الواقع. يقول: (قررت الهيئة النهوض بحملة إيمانية متكاملة جرت فعالياتها خلال شهر محرم الحرام، وقد كانت حملة غير مسبوقة في تاريخ النشاط الإسلامي الشيعي في البلاد، حيث أُعدِّ أكثر من عشرين ألف هدية تشتمل على كتب وأشرطة وبوسترات وعناصر أخرى للتوزيع على عموم المؤمنين في المجالس الحسينية خلال ليلتي التاسع والعاشر من محرم. وقد كُلِّفت وزميلا لي بالتوجه إلى مسجد محسوب على تيار سياسي يتبع نظام حكم متقاطع مع الحوزات العلمية، وعندما وصلنا إلى موقع العمل قمنا بإنزال ما كان في جعبتنا من هدايا على الرصيف المقابل للمسجد استعدادا لتوزيعها على الجمهور. ولكننا فوجئنا بأشخاص جاءوا إلينا بشكل غريب، واستفسروا عن الجهة التي أرسلتنا بما يشبه التحقيق، فأخبرناهم بأننا نعمل لدى هذه الهيئة التي ما إن سمعوا باسمها حتى انتفخت أوداجهم، وطلبوا منا الرحيل بدعوى أننا غير مرغوب فينا! فقلت لهم: بأمر من؟ فأجابوني: بأمر إمام المسجد. فقلت: دعونا نحادثه في الأمر ونستفهم منه سبب رفضه. فذهب بعضٌ من أولئك إليه لكنه رفض استقبالنا محرّما دخولنا المسجد!! ومع ذلك فإننا عاودنا الطلب مرارا وتكرارا، لكن من دون جدوى. ولمّا علمنا أن الأمر كذلك قلنا لمن كُلِّفوا بإجلائنا عن المكان: أولا؛ إن إمام المسجد لا يملك أن يجبرنا على تنفيذ أمر ليس له الحق فيه، لأنه إن كان وليا على المسجد فإنما تقع ولايته داخل نطاق المسجد لا خارجه، ونحن واقفون هنا على الرصيف وهو ملك عام. وأما ثانيا؛ فنحن لسنا نرتكب هاهنا ذنبا حتى نمنع من حقنا المشروع في خدمة أبي عبد الله الحسين عليه السلام. فما هي أسباب هذا الموقف الذي تتخذونه ضدنا؟! أجابنا أحد من تجمهروا حولنا قائلا: لأنكم - في مجلة تنطق باسم هيئتكم - معادون للجمهورية! فقلنا: لسنا على عداء شخصي مع أحد، ولا يهمنا أمر تلك الجمهورية بمقدار ما يهمنا ألا يقوم مسؤولوها بتشويه صورة الدين والمذهب عندما ينتهكون حرمة المراجع العظام والعلماء الأعلام، ثم إن هذه الجمهورية شأنها شأن أي نظام سياسي، لا ينبغي أن نعتبر موقف أي طرف منها مفصلا يفصل بين المؤمنين الذين قد تختلف آراؤهم بشأن هذا النظام وغيره. وقبل أن نتم حديثنا قال قائلهم: إنكم تطعنون في مقام ولي أمر المسلمين! فأجبناهم بالقول: حاشى لله أن نطعن في مقام ولي أمر المسلمين، صلوات الله وسلامه عليه، فإن ذلك يخرجنا من الملة! وهل من المعقول أن نقوم بذلك ونحن مؤمنون بولايته على الخلائق أجمعين وندعو الله بأن يعجل فرجه لنكون من أنصاره وأعوانه والمستشهدين بين يديه؟! قال قائلهم: كُفَّ عن اللف والدوران.. إنك تعلم أنني لم أقصد بولي أمر المسلمين الإمام المهدي، وإنما عنيت قائدنا! فأجبناه: لا نعرف وليا لأمر المسلمين غير إمامنا المهدي عليه السلام، وإن كان قائدكم قد اتخذ هذا اللقب لنفسه فعليه وزره. وبعد حوالي الساعة والربع من الجدال، قُضِي الأمر بالقوة، إذ قام جمع ممن كُلِّفوا بإجلائنا بتحميل الهدايا من المكان وإبعادها وأكرهونا على إعادتها إلى الهيئة حارمين الجمهور منها. ولولا وجود بعض العقلاء - ممن كنا على معرفة بهم مسبقا - لتطور الأمر إلى تشابك بالأيدي، خاصة مع مجيء أحدهم وقد كان فظا غليظا فقال: احملوا أغراضكم وإلا ألقيناها في الزبالة!! فقلنا له: لا يجوز لك ذلك شرعا فإنما هي كتب تحوي آيات وأحاديث وأسماء المعصومين عليهم السلام. فقال: لا يهمنا!! فتلاسنت معه وقلت له: كيف تتجرأ على إلقاء كتاب يحمل اسم الإمام الحسين في القمامة.. ألا تخشى أن تُعاقَب دنيا وآخرة؟! فأجاب: (يبه تدري شلون.. ما نعرف لا إمام حسين ولا غيره.. خلاص إحنا صرنا سُنَّه.. إنزين)!! ولمّا وجدنا أن هذه عقلية القوم، قلنا لهم: حسنا لا بأس.. سنعيد ما جئنا به، لكن اعلموا أننا قمنا بتكليفنا، وقد منعتمونا من نشر ما يخدم سيد الشهداء عليه السلام ووقفتم في طريقنا، فهو صلوات الله عليه الحكم بيننا يوم القيامة). ويبدي كثير من فاعليات المجتمع الشيعي ورموزه خشيتهم من أن تتطور حالة الانقسام هذه إلى مقاطعة شبه تامة، عندما يعامل كل تيار نظيره بالأسلوب نفسه، وهو ما يفتح الباب على حساسيات فئوية لا حصر لها، كما أن ذلك يضعف الحالة الإيمانية في البلاد بشكل عام التي تعاني أصلا من الضعف بسبب مثل هذه التصرفات اللامسؤولة. ولدى سؤال أحد المسؤولين في الهيئة التي تعرّضت إلى ذلك الموقف عن الإجراء الذي ستتخذه ردا على ما قام به ذلك التيار السياسي، أجاب: (نحن نتعالى عن الرد بالمثل وإن كنا نتمكن من ذلك في حدود مؤسساتنا، كالمكتبة والتسجيلات اللتان لهما تعامل مع نظيرتيهما في ذلك التيار، إذ يمكننا بكل سهولة منع بيع المنتوجات الصادرة من ذلك التيار وهو ما يحرمه من سوق ربحية كبيرة (...) لن نتخذ موقفا مماثلا ولا نحبذ ذلك وندعو أن يهديهم الله تعالى ليترفعوا عن مثل هذه الأفعال). وضمن سياق الحديث عن المتغيرات التي طرأت على الحالة الإيمانية في البلاد، ثمة ظاهرة أخرى لا تقل خطورة عن ظاهرة التسييس الحزبي، وهي ظاهرة غلبة أعراف السوق على قيم الالتزام الديني عند بعض المؤسسات التي تضطلع بأدوار يفترض أنها تؤديها بهدف زيادة الوعي الإسلامي الإمامي. فهنالك مؤسسات إسلامية تتعامل بالتجارة، بيعا وشراء، كالمكتبات والتسجيلات وغيرها، والمفترض أن هذه المؤسسات ليست ربحية بحتة، بل غرضها الإسهام في خدمة الشرع الحنيف من خلال هذا العمل التجاري لتغطية المصروفات وضمان أجور العاملين. وحتى إن كانت المؤسسة من تلك ربحية، فإن الانطباع الذي يتركه إعلانها عن نفسها بأنها (إسلامية) أنها لا تخالف الأحكام والقواعد الشرعية. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تطورا مأساويا في مسار بعض تلك المؤسسات، عندما بدأت المصلحة التجارية تتقدم في سلم أولوياتها على المبدأ العقائدي والديني، فبدأت لا تكترث ببعض الأحكام بدعوى أنها جزئيات لا يجب الالتفات إليها أو الاهتمام بها! وفي ليلة من ليالي العشر الأوائل من شهر محرم الماضي، كان صحافي يحرر صفحة مثيرة للجدل في مجلة إمامية واسعة الانتشار في طريقه إلى إحدى الحسينيات، وإذ به تطرق أسماعه أنغام موسيقية منبعثة من إحدى بسطات بيع الأشرطة بالقرب من الحسينية! فاقترب الصحافي من البسطة وإذا به يرى أن صاحبها يعرض فيلما عن العتبات المقدسة صاحبته مقطوعات موسيقية. لم يحتمل الصحافي الأمر، خاصة وأنه كان قد وجّه انتقادا شديد اللهجة لأصحاب هذا التجاوز الذي دفع بعضا منهم إلى تلحين آيات قرآنية ضمن سياق موسيقي! وبلهجة حادة؛ جرى حديث بين الصحافي وصاحب البسطة على هذا النحو: الصحافي مستنكرا: ما هذا؟! صاحب البسطة: إنه فيلم عن العتبات. الصحافي: يا للروعة! فيلم عن العتبات بإيقاع البيانو والأورج والكمان!! كيف تسمحون لأنفسكم بعرض هذا؟! صاحب البسطة: وماذا في ذلك؟ الصحافي: فيه ذنب عظيم وجرم كبير! صاحب البسطة: من يقول ذلك؟ الصحافي: الشرع يقول. صاحب البسطة: وهل ترانا لا نفهم بالشرع؟! الصحافي: تصرفكم هذا يدل على ذلك! أخبرني كيف تجيز لنفسك عرض مثل هذا الشريط، ألا تعلم أن آلات اللهو محرمة؟ وأن الأئمة عليهم السلام نهوا عن الاستماع إليها؟ وكيف لكم أن تستمرئوا ذلك في مثل هذه المناسبة الحزينة؟ إن الناس يتوجهون إلى هذه الحسينية للعزاء والبكاء واللطم وأنتم تستقبلونهم بالموسيقى وبهذا الشكل السافر! وقل لي بربك من أجاز لكم التصرف هكذا؟ ألا ترى أن هذا الفيلم الحاوي للموسيقى يخل أساسا بالأجواء الروحانية التي من المفترض أن يعيش فيها المشاهد؟ إلى متى تستمرون في هذه الأفعال؟! (وتجمع عدد من الناس حول المكان) صاحب البسطة: لماذا تنقم على هذا فقط؟ هناك أمور خاطئة كثيرة لماذا لا تتحدث عنها؟ الصحافي: أمور مثل ماذا؟ صاحب البسطة محاولا صرف وجهة الموضوع: أمور أنت تعلم عنها وهي تحدث في هذه الحسينية أيضا ويجب من باب أولى أن تعترض عليها قبل أن تعترض على فعلنا هذا! الصحافي: قل لي مثل ماذا؟ صاحب البسطة: مثل التطبير! الصحافي: ويحك! كيف توازي بين الموسيقى والتطبير؟! ومن قال لك بأن التطبير تصرف خاطئ؟! صاحب البسطة وقد تصبب منه العرق: ولي أمر المسلمين يقول!! الصحافي: هو ولي أمر نفسه لا ولي أمر المسلمين! فالولي الحقيقي يقول مخاطبا جده الحسين عليه السلام: (لأندبنك صباحا ومساء ولأبكين عليك بدل الدموع دما). واعلم أن هناك فقهاء ومراجع كبار هم المؤهلون للإفتاء في مثل هذه القضايا، ولا يحق لأي كان أن يتصدى للإفتاء ارتكازا على أرضية السياسة والمصالح الحزبية. وجميع المراجع متفقون على استحباب ورجحان التطبير الذي هو إحدى أهم مفردات الشعائر الحسينية المقدسة. ولكن مَن مِن الفقهاء يقول بجواز هذا الفعل الشائن الذي تقومون به؟! صاحب البسطة مرتبكا: لا أدري.. سَلْ التسجيلات التي أرسلتني إلى هنا! الصحافي: أية تسجيلات هذه؟ صاحب البسطة: تسجيلات كذا. الصحافي: لا بأس، سأعرف كيف يكون التصرف معهم، ولكن يتوجب عليك أن تحترم المؤمنين هنا، وتمتنع عن عرض هذا الفيلم أو بيعه. إياك والإخلال بقدسية هذه الذكرى الحسينية، وإذا أردت إبراء ذمتك فقم بما أمرتك. صاحب البسطة: حسنا. لم تكن التسجيلات التي ذكرها صاحب البسطة محسوبة على التيار الذي عُهِدت منه هذه السمة، وهي سمة الإخلال بالقواعد الدينية والأحكام الشرعية بالاجترار الموسيقي. وكان هذا محل استغراب الصحافي الذي كان يظن أن هذه التسجيلات بالذات تتورع عن الولوج إلى هذا المنعطف المظلم، وتحاذر من الوقوع في المخالفات الشرعية. إلا أن هذه المحاورة كشفت عكس ذلك. رفع الصحافي الأمر إلى الهيئة التي تصدر المجلة، فما كان منها إلا أن وجهت كتابا إلى تلك التسجيلات داعية إياها إلى مراعاة أحكام الشرع، والامتناع عن بيع وترويج مثل هذه المنتوجات التي تسبب اختلالا في الموازين الشرعية، فضلا عن أنها تنقص من الحالة الروحانية. إلا أنه لا تلوح في الأفق بوادر استجابة لهذا الكتاب وتلك النصيحة. وما يدفع تلك التسجيلات إلى بيع هذه الأشرطة رغم اشتمالها على تلك المحاذير، ليس سوى المصلحة التجارية البحتة. وهو ما يشكل ظاهرة جديدة تعبّر عن غلبة أعراف السوق على القيم الدينية، حيث لم يعد للأحكام الشرعية أية قيمة مقابل متطلبات السوق التجارية وفرص الربح المادي. وهذه ظاهرة أخرى تستحق من المهتمين التوقف عندها، إذ إن تناميها ينذر بضياع معالم الدين وذوبان كثير من المقننات التي كانت تحكم العمل الإسلامي في ما مضى. ويتحدث المراقبون عن أن هناك أصولا كثيرة كانت تحكم العمل الإسلامي الإمامي، إلا أنها في العقدين الأخيرين تحديدا، بدأت بالتلاشي إثر اختلالات سببتها جهات كانت متساهلة - إلى حد التمييع - في الأحكام والنصوص الشرعية. ويبدو أن الاستمرار في التغاضي عن هذه التجاوزات سيتسبب في رسوخها يوما بعد يوم إلى أن تصبح واقعا لا مفر منه. وهذا الاستغلال التجاري للمقدسات الإسلامية ليس الأول من نوعه، بل هو حلقة في مسلسل طويل مؤداه تشويه معالم هذا الدين العظيم من أجل جني مزيد من الأرباح وحصد مزيد من ثمار التسويق التجاري! وليست تلك التسجيلات وحدها في ذلك الميدان.. فالكل اليوم يسير في هذا المنحى بعدما طغت أعراف وآليات السوق على كل قيمة أو أصل من أصول العمل الإسلامي الإمامي. حقا لقد صدق الحاج أبو حسين عندما قال: (إيه.. زمانكم هذا كل شيء فيه قد تحول). فمظاهر اليوم ليست كمظاهر الأمس!
|
||