|
|
|
|
|
(الوحدة) قاعدة ارتكاز الفكر الشيرازي |
||
|
دراسة: الدكتور إياد موسى محمود(*)
وكذلك لا يصح أن تفصل الاجتماع عن الاقتصاد، فلان الفقر من جهة، وإلى جانبه الثراء والغنى الفاحش من جهة أخرى سبب للمظالم والتفرقة بين الناس، ولذا فيجب أن تكون هناك عدالة في توزيع الثروة، وهكذا قل بالنسبة للسياسة وعلاقتها بالاقتصاد والاجتماع. ويمكن تلمّس النزعة التوحيدية في الفكر الاجتماعي الشيرازي، من جهات متعددة، في هذه الرؤى المبثوثة في طوايا المؤلفات العديدة لسماحته، كما تتجلى تلك النزعة في الطموح الحضاري لسماحته مما يمكن تمثّله في ما يلي: أولاً: يجب توحيد البلاد الإسلامية التي هي الآن، متوزعة على أجزاء مشتتة بفعل انعدام العلاقات الجيدة وقوة النزاعات القومية وغيرها، وقيام أعمال التخريب الهادفة إلى تمزيق الأرض الإسلامية، وبلا ريب فإنه، بمجرد الانتصار الإسلامي المأمول على قوى التخريب والظلام التي تعيث فساداً في البلاد بدعم القوى الاستعمارية، ستتوحد البلاد الإسلامية من جديد، انطلاقاً من نظرة الإسلام التوحيدية الشاملة. ومن الخطوات الأولى التي يراها الإمام الشيرازي لوحدة البلاد هو توحيد اسمها تحت اسم هو (دولة الإسلام) أو (الدولة الإسلامية) مبتعداً بذلك عن الشعارات الجوفاء الحديثة من جمهورية أو غيرها. وفي الوقت ذاته، تؤكد الرؤية الشيرازية على ضرورة أن تتحد الدول الإسلامية وحدة حقيقية، ولذلك يجب على الأمة الإسلامية أن تتخذ كل الوسائل للوصول إلى ذلك الهدف النبيل، ومنها زيادة الترابط بين جميع البلدان، وفتح المجال لتنقّل الناس من بلد إلى آخر، كي يسهل على المسلمين الاختلاط ببعضهم بعضا والتعرف على بعضهم بعضاً. ثانيا: المسلمون الذين هم الآن متباعدون بفعل العيش في ظروف الفرقة التي تفصل فيما بينهم، وصعوبة الانتقال من بلد إلى آخر، بحيث ضعفت الوشائج بينهم، وجعلوا انتماءهم لبلدهم بديلاً عن الانتماء لأمتهم ودينهم، وفشلت جهودهم التنموية في بلوغ الأهداف المرجوة، لأنها ممزقة ومبعثرة، وليس لها منظور تكاملي.. هؤلاء أنفسهم سيشكّلون مجتمعا موحدا، ويكون لهم جميعا دورهم في عملية بناء دولة الإسلام، كل من موقعه وبحسب إمكانياته ومدى اندماجه في المسيرة العامة لعملية التغيير. ومنذ بدايات كتابات سماحة الإمام أعلن أن الحكومة الإسلامية والشعب المسلم جزءان من مجموع، يكمل كل منهما الآخر. أي أن الفكر الإسلامي بجوانبه المختلفة من اقتصاد وسياسة واجتماع، ينظر إلى جميع أبناء المجتمع، ومهما كانت مواقعهم وأدوارهم ومسؤولياتهم، باعتبارهم مجموعة واحدة. وهي فكرة منبثقة من التعاليم الإسلامية، بل تكاد تكون تنفيذاً حرفيا لما جاء في الحديث الشريف من أن المؤمنين (في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى(. ولقد أعلن الإمام الشيرازي أن توحيد البلاد الإسلامية لا يمكن أن يتحقق إلا بتطوير الاقتصاد الإسلامي العامل على تحقيق وحدة المجتمع الإسلامي، وهذه الوحدة بدورها لا تتحقق إلا بتوفير احتياجات الناس في ميادين الحياة المتنوعة والمتعددة، من الحرية والصحة والتعليم والمواصلات والطرق. وأعلن الفكر الاجتماعي الشيرازي تشخيصه الصائب لطبيعة مستلزمات التطور والنهضة، فنبّه المسلمين ضرورة بذل الكثير من الجهد والتضحيات للتغلب على المصاعب والعقبات، وأكد على أن المسلمين يجب أن يحملوا هذا العبء بصبر وأن يسيروا في العمل بجد وحزم. ولن يتحقق ذلك إلا بتطبيق الرؤية العلمية الصائبة للإمام الشيرازي الذي استطاع أن يشخص أبرز سبب من أسباب التطور، وهو الوحدة الإسلامية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبالتأكيد، فإن تطبيق الأخلاق الإسلامية، تعمق من تلك الوحدة الاجتماعية، مما يعجل بإنجاح العمل التغييري وزيادة فرص النجاح في تحقيق الأهداف المرتجاة. ولجأ الإمام الشيرازي، من أجل تأصيل رؤيته الاجتماعية، إلى الأخلاق والقيم الإسلامية، واتخذ منها لبنات لترسيخ مفهوم الوحدة الاجتماعية، ومن أبرز تلك القيم العمل المنتج المثمر، ومن هنا جاء تأكيد الإمام الشيرازي على أن العمل الجاد له تأثيره الكبير في بلوغ الغايات وتحقيق الأهداف. ويؤكد الإمام الشيرازي أنه لا وحدة أقوى من تلك التي يحققها الولاء للإسلام. والتمتع بالأخلاق الإسلامية، فهذا التأكيد لم يأت اعتباطا بل كان نتيجة حتمية لرؤية بعيدة المدى تستشرف آفاق الماضي والمستقبل في وقت واحد. فمما لا شك فيه أن الوحدة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق إذا سادت أخلاقيات الاستعلاء والغرور والتكبّر، لذا فإن التواضع هو الصفة الأولى التي يجب أن يتحلى بها الجميع لتتأكد الوحدة الاجتماعية وتأخذ أبعادها ومكانتها في المسيرة الناجحة للبلاد الإسلامية، وقد كتب الإمام الشيرازي فصلاً خاصاً عن (الغرور والتواضع) أكد فيه على أن الغرور (هو سبب سقوط الأمم المنتصرة، غالباً، فإن سبب تحرك الإنسان هو الشعور بالنقص، فإذا اغترّ الإنسان توقف في مكانه، فيأتي قوم آخرون ويعملون ويثابرون حتى يتقدموا على تلك الأمة المغرورة والإنسان المغرور) ثم يرسم سماحته طريق التخلص من الغرور. (شروط الانتصار ص27 وما بعدها). وهكذا يأخذ الإمام الشيرازي، معتمداً على التعاليم الإسلامية، اعتبار مسألة التطور واجباً دينياً قبل أن تكون موظفة لصالح فكرة الوحدة الاجتماعية. فمما لا ريب فيه أن استحضار القيم الدينية الحقيقية في كل عمل سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، سبب رئيسي لتعميق روح الوحدة بين المسلمين وتقريب بعضهم من بعض. وكل هذا يوضح الارتباط المباشر وغير المباشر الذي يتزامن دائما، لدى الإمام الشيرازي، مع الدعوة إلى رص الصفوف وتوحيد الطاقات والسير نحو غد أفضل لعموم المسلمين. وبنفس الطريقة الحاذقة يدعو الإمام الشيرازي إلى تحويل الصعوبات التي تعترض المسيرة إلى قوة عمل إيجابي يرفد يقينه الذي لا يتزعزع بحتمية تحقيق نزعة الإسلام التوحيدية. وبذلك فيجب على كل مسلم أن يدرك أمرين أساسيين: أ - أنه لا بد له من أن يضم جهوده وطاقاته إلى جهود المسلمين الآخرين من أجل إنقاذ البلاد الإسلامية من عبث زمر التخريب وعملاء الاستعمار والحكام الديكتاتوريين، وبهذا تتصاعد الوحدة الاجتماعية عبر التلاحم لتنفيذ ذلك الهدف. ب - أنه لا بد له من أن يزيد من تلاحمه مع السائرين في طريق التغيير والتطوير في ميدان الاكتفاء الذاتي والعمل الاقتصادي المنتج إنقاذا للبلاد من التخلف وسيراً بها إلى آفاق المستقبل. وتعمل كل من هاتين النقطتين على تعميق الوعي بضرورة التلاقي بين المسلمين وزيادة وعيهم بأهمية وحدة بلادهم ومجتمعهم. وبخاصة أن الإمام الشيرازي نفسه يؤكّد لهم أن من واجباتهم الشرعية تحرير البلاد الإسلامية من الاستعمار والتخلف وتوفير الحياة الطيبة لجميع السكان وهذا التأكيد دعوة إلى مزيد من التلاحم الاجتماعي والوحدة المجتمعية التي ينضم إليها كل مسلم ليحقق واجبه تجاه دينه وأبناء مجتمعه. فيقول سماحته: (إن الهدف، كما تعلمون، هو تحرير البلاد الإسلامية التي ترزح تحت نير الاستعمار والديكتاتوريين، وإقامة حكومة إسلامية عالمية ذات ألف مليون مسلم. وكما يوجد لنا دين واحد وإله واحد وقرآن واحد وكعبة واحدة، كذلك يجب أن تكون لنا حكومة واحدة، فتزول هذه الحدود المصطنعة، فيتحرك المسلم من بغداد إلى طهران، ومن طهران إلى القاهرة ومن القاهرة إلى جاكرتا، ومن جاكرتا إلى فاس ومن فاس إلى دمشق وهكذا، كما يتحرك من النجف الأشرف إلى كربلاء المقدسة إلى العمارة ومن طهران إلى مشهد. الهدف هو إعادة هذه الحكومة الواحدة، فلا قوميات في بلادنا بل الكل يعيش في ظل الإسلام الواحد ولا فلسطين يهودية ولا أفغانستان شيوعية ولا عراق بعثية.. الهدف أن توجد انتخابات حرة في إطار الحكومة الواحدة، ويتولى شؤون هذه الحكومة شورى الفقهاء المراجع التي تتوفر فيها العدالة والإدارة و.. وأن يكون القانون السائد هو الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، هذا هو الهدف. أما إنقاذ البلد الفلاني، كالعراق مثلا، فهذا جزء من الهدف، وليس الهدف كله. أما الطريق إلى هذا الهدف فيجب أن تعرفوا في البدء أنكم طاقات كبيرة جداً كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام: أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر إن فوهات العيون وإن بدت في النظر عيوناً صغيرة إلا أنها طريق إلى بحر من الماء كامن تحت تلك الفوهات، وفوهات الآبار النفطية وإن استصغرت الأبصار رؤيتها إلا أنها طريق إلى مخزون هائل من النفط يختبئ وراءها، وهكذا الإنسان، وإن كان صغيراً في الظاهر، إلا أنه كبير جداً في الواقع. إن هؤلاء الذين أقاموا الحكومات الضالة والمنحرفة والديكتاتوريين كاليهود والشيوعيين وأمثالهم لم يكن أغلبهم سوى شباب فجّروا طاقاتهم فاستطاعوا الوصول إلى أهدافهم. ونحن لسنا بأقل عن أمثال هؤلاء، بل ونملك ما لا يملكون (وترجون من الله ما لا يرجون) (سورة النساء الآية 104). أولاً: أن يتقنوا فن الخطابة والكتابة، فإنهما من أهم أسباب انتشار الوعي في الأمة. وثانياً: أن ينزلوا إلى الميدان، فلا يتقوقعوا في الأبراج العاجية، بل يكونوا مع الجماهير وفيهم وذلك من أجل تحقيق الأمور التالية. (شروط الانتصار ص7-10). ثم يحدد سماحته تلك الأمور فيراها في التنظيم والتوعية والاكتفاء الذاتي وتوجيه طاقات الأمة وجمعها، وهذه مسائل تربط بين المجتمع والاقتصاد وشروط التغيير في الاجتماع والسياسة. فالمسلم تزداد رغبته للالتحاق بركب التغيير الذي يتصاعد عمله ويتصاعد وعيه في أرجاء البلاد الإسلامية، مما يساعد على تكوين قاعدة صلبة تشارك بفعالية في تحرير العالم الإسلامي. بالإضافة إلى أن الآخرين في المناطق الأخرى ستتحفّز قواهم أكثر فأكثر ويتجمعون تحت راية الإسلام. كل هذا مظهر من مظاهر التوحد الاجتماعي، والذي نعده واحداً من أبرز صفات الفكر الاجتماعي للإمام الشيرازي، ذلك الفكر الذي يريد أن يصهر المسلمين في بوتقة واحدة فيشاركون في المجتمع الإسلامي الموحّد، وهو أمر ملحوظ بكل جلاء في العلاقات الحميمة التي تربط المسلمين في أخوة حقيقية، بحيث نستطيع القول أنه من غير ذلك الترابط المكين لما أمكن للإسلام أن يصل إلى ما وصل إليه بفضل اجتماع كلمة الأمة على ضرورة النهوض والتغيير، في جميع أنحاء العالم.. والإنجازات العظيمة تلك لن تتحقق إلا بالتلاحم والتآلف والعمل والكفاح والتضحية، ومواجهة المستقبل بإيمان عميق وقلوب ملؤها الثقة والعزيمة والأمل. ولقد أضفى الفكر الاجتماعي للإمام الشيرازي على الوحدة الاجتماعية معنى القداسة باعتبارها أساس بناء الحضارات، والمهاد الذي تنطلق منه معاني طاعة الله سبحانه وتعالى. وكمثال على ذلك نذكر ما جاء في البحوث الشيرازية من احتفاء كبير بالروابط المقدسة والمتينة التي تربط أبناء الإسلام معاً باصدق معاني الحب والولاء والتفاني لدينهم ومجتمعهم الموحد، متذكّرين أمجاد ماضيهم العريق وانتصاراته المجيدة، وناظرين إلى الطريق أمامهم بعين ملؤها الأمل. وبالتأكيد فإن مسيرة التغيير ذاتها وبمقدار حاجتها إلى الوحدة الاجتماعية، فإنها تعمل، في الوقت نفسه، على تعميق تلك الوحدة وتوفير مستلزمات نمائها وتصاعدها وتعميق مفاهيمها. وقد نبّه الإمام الشيرازي إلى حقيقة أن وحدة الهدف حاجة ملحة وضرورية، وذلك لأنها تعمل على تجميع الطاقات والجهود وتوحد الكلمة لما فيه خير المسلمين وإيصالهم إلى أهدافهم. بل إن الإمام الشيرازي لا يكتفي بالدعوة إلى الوحدة الاجتماعية بين المسلمين فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى دعوة الشعوب الأخرى أن يقفوا صفاً واحداً لصنع الأمان والطمأنينة من أجل حاضرهم ومستقبل أجيالهم اللاحقة. كما أن سماحة الإمام الشيرازي يمنع كل أعمال العنف والإرهاب من أجل سيادة الأمن والاطمئنان. (الشباب ص137). وتظل قضية الوحدة الاجتماعية مرافقة لكتابات الإمام الشيرازي، باعتبارها واحدة من أخطر القضايا التي تجابه مجتمعات العالم المختلفة التي بناها الحكام على الاستغلال، استغلال رأس المال الفردي في النظام الرأسمالي، واستغلال رأس المال الحكومي للمواطنين في النظام الاشتراكي والشيوعي. ومن هنا جاء تركيز سماحته على هذه النقطة بالذات، في أكثر من مناسبة، مؤكداً على ضرورة المحافظة على روح التآخي والمحبة التي يريدها الإسلام أن تسود جميع فئات المجتمع وتعكس الترابط المتين بين أبناء الإسلام. كما دعا المسلمين إلى الوقوف صفاً واحداً ضد كل من تسوّل له نفسه محاولة التأثير على هذا الترابط الذي اعتبره الإمام الشيرازي الدعامة الأساسية لقوة وازدهار الأمة الإسلامية في حاضرها ومستقبلها. وكان من نتائج هذه الرؤية الصافية لدور الوحدة الاجتماعية وما تحققه من إنجازات ثرّة أن تبنّى الإمام الشيرازي رؤية سياسية تقوم على الترابط الوثيق بين الحكومة والمجتمع المسلم في الاضطلاع بمسؤولياتهم وواجباتهم تجاه أنفسهم ومجتمعهم، فلا حكومة دون طاعة الله تعالى، وتراضي الناس. وتأكيداً لهذا الترابط، دعا الإمام الشيرازي، بكل قوة، إلى تطبيق الشورى وفقاً لمتطلبات مراحل التطور التي تعيشها البلاد الإسلامية، ووفقاً لمبدأ أساسي يلتزم به الإمام الشيرازي، وهو أن تكون كل محاولات التغيير، وكل الممارسات الحالية والمستقبلية للمسؤولين الإسلاميين، يجب أن تكون نابعة من صميم الواقع الإسلامي، ومتلائمة مع القيم والتقاليد السائدة في المجتمع الإسلامي. وبديهي أن تلك الوحدة الاجتماعية ستصبح قوية ومتماسكة بفعل العوامل التي توفرت لها مما ذكرناه سابقا من وحدة الهدف ونجاح العمل التغييري، وزيادة الوعي.. وغيرها.. وبالتأكيد فإن كل هذه العوامل لا تكون حاسمة إذا لم تتوفر للبلاد وحدة القيادة المتمثلة في شورى الفقهاء، بما يضمن وحدة القرار والتخطيط للنهضة الإسلامية التي تنقل البلاد من مرحلة التخلف والتبعية إلى مرحلة الدولة الإسلامية القادرة على تجاوز العقبات والعراقيل وبناء حضارة حقيقية تظللها أغصان الأمان والطمأنينة، بتفجير طاقات المسلمين وتوجيهها، بدورها، للاضطلاع بمسؤولية المشاركة في تحقيق الأهداف المرسومة لما فيه خير المسلمين وسائر بني الإنسان. * أستاذ الاجتماع في جامعة (سيسكَس) البريطانية
|
||