الفهرس

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

بالدموع والدماء.. نصون كربلاء!

 

 

كتبت: إسراء الموسوي

ذلك الموضوع.. نشر وسط دموع ودماء.

في كل سطر وفي كل كلمة كنت أرى نفسي في جو روحاني احتضنني. وكلما أتممت فقرة من الفقرات، كنت أصعد إلى سماء ملكوتية جديدة.

كانت تلك اللوحة أمامي. هي لوحة سلبت مني فؤادي، وقد علقتها على الجدار. كانت تشع إشعاعا عجيبا. وحينما كنت أرفع راسي عن الأوراق التي بين يدي، كانت عيناي تقعان على تلك اللوحة فتتقاطر مني الدموع، لأن (دمعة واحدة تذرفها على الحسين (عليه السلام) تقيك نار جهنم).

وفي أذناي كان صدى صوت يقول: (كل قطرة دم بشرياني.. تهتف باسمك يا حسين.. روحي شلون تظل بجسمي.. من أذكر جسمك يا حسين.. جسمي مو أغلى من جسمك.. دمي مو أغلى من دمك).

في تلك الليلة، وعندما وضعت قلمي جانبا بعد إذ انتهيت من كتابة الموضوع، أخذتني دموعي إلى عالم يرتفع عن عالمنا الذي نعيش فيه. وأحسست وكأن يدا أخرى هي التي خطت بالقلم، وأنني لم أكتب شيئا من نفسي.

وفي ذلك الصباح، وبعد ما تسلم رئيس التحرير الموضوع، نقل لي أنه قضى ليلته باكيا ولم يستطع أن يراجع مواد التحرير الأخرى، فقد استحوذ الموضوع عليه، وطفق يقرأه مرة ومرتين وثلاث. ثم قرر أن يكون الموضوع هو موضوع الغلاف رغم أن الخطة التحريرية كانت تقضي بأن يكون سواه هو المتصدر. وعندما بعث الموضوع إلى التصميم والإخراج، بلغني أن المصمم قال: (لم أشعر يوما في حياتي بما شعرت فيه أثناء ما كنت أصمم الغلاف. ولما انتهيت من التصميم بكيت بكاء شديدا وأنا أنظر إليه. وبعد ذلك؛ وطوال المدة التي كنت فيها أصمم الصفحات الأخرى وأعدها للطباعة، كنت أشتاق إلى رؤية صفحة الغلاف، فكنت أفتح ملفها على جهاز الكمبيوتر أكثر من مرّة لأتمعن فيها ولتسيل دموعي على خدي).

وبعد النشر، وصلتني تلك المكالمات والاتصالات والرسائل، إحداها كانت من أخت في القطيف قالت في رسالتها الفاكسية: (لم أتمالك نفسي من البكاء منذ قرأت السطور الأولى من موضوعك وحتى خاتمته.. أخبريني لماذا لم تصل لنا هذه المجلة منذ زمن؟ لماذا لم أسمع بها حتى الآن؟ أين أنتم عنّا؟!).

وبعد ذلك بأيام، هاتفني أخي ليخبرني بأن رئيس التحرير عندما طبر وأسال دمه في الأربعين، كان ذلك الموضوع، يهيم في مخيلته، وكان في داخل نفسه يرى صورة: (دماء تنبض (يا حسين) تعيد نبض البشرية). فسقط مغشيا عليه إذ لم يستطع أن يقاوم وجدانه.

أما أنا؛ فإنني مازلت - ويشهد الله - أشعر وكأنني لم أكتب هذا الموضوع، وأن يداً غيبية هي التي كتبته. ولولا أن اليمين عظيم لأقسمت بالله وبمولاي الحسين (عليه السلام) على ذلك.

.. هذه أسجلها بعد إذ خرجت من طور مراعاة العرف الصحافي، وكتبتها لقراء (المنبر) دون أية قيود أو حدود، لأنني ما عدت أستطيع أن أكبت مشاعري، أو أن أوقف سيل دموعي.

.. لقد اقتربت من سماء الحسين، وهذا يكفيني، عند الممات وتغسيلي وتكفيني.

إلى حين كان لازما مثول العدد السابق للطباعة، لم تردنا أية معلومات حول مواكب التطبير في البحرين. وبعد ذلك وصلنا شريط مرئي يصور تلك المواكب العظيمة، بالإضافة إلى بعض المعلومات بشكل مجمل. الأمر الذي دفعنا لأن نستردك موضوعنا ونورد هاهنا تقريرا مفصلا عن الشعائر الحسينية المجيدة في البحرين، التي لا يجب أن يسقط اسمها - وهي قلعة من قلاع الموالين - عن قائمة البلدان التي تهتف باسم (حيدر).

في عاشوراء خرجت مواكب التطبير في المنامة وقد تجاوز عدد المشاركين فيها الثمانمائة، وعلى بعض الأقوال الألف، وسارت تلك المواكب في الشوارع العامة محدثة دويا كبيرا في أجواء العاصمة، التي تعطل دوائرها في يومي تاسوعاء وعاشوراء. كما خرج موكب تطبير آخر في منطقة المحرق.

وشاركت المجالس الحسينية (المآتم) في تنظيم تلك المواكب، وكان من أبرزها مأتم مدن ومأتم الإحسائيين ومأتم القصاب الذي انطلقت من عنده مسيرة التطبير والمواساة لسيد الشهداء عليه أفضل الصلاة والسلام.

كما خرجت هذه المواكب لإحياء الشعيرة المقدسة يوم الأربعين أيضا، وذلك على مرأى ومسمع من الجماهير المحتشدة في الطرقات العامة بغية معاينة عاشقي الحسين عليه الصلاة والسلام.

وشيعة البحرين الذين تربوا على يد سلمان المحمدي رضوان الله تعالى عليه لم يتركوا هذه الشعيرة المقدسة في عهد من العهود، بل واظبوا عليها وأحيوها بدمائهم حفظا لمظلومية أبي الأحرار وصونا لقضيته من الاندراس، فكانت مواكب التطبير تنطلق في المنامة من مختلف المآتم، ومن مآتم أخرى في قرى النابس والديه والمحرق وغيرها. وحتى عندما صدرت (الفتوى إياها) عام 1994 فإن شيعة البحرين لم يتخلوا عن الشعيرة المقدسة، وإن كان الجمع الذي يحييها قد قل في عدد أفراده لما فرضته الأحداث السياسية التي تصادف وقوعها في البلاد آنئذ.

وعاما بعد عام، بدأت مواكب التطبير تتزايد، وأفرادها يكثرون إلى أن سجّلت في هذا العام رقما قياسيا غير معهود من ذي قبل، على المدى القريب. وذلك رغم الحرب الدعائية الشرسة التي شنتها أطراف معادية للشعائر، حيث وزعت منشورات تحت عنوان (لا للتطبير) ضمنتها أقوالا شاذة لعدد من الرموز السياسية الظاهرة بمظهر الرموز الدينية وهي تدعو إلى ترك الشعيرة المقدسة التي أحيت العالم وأعادت نبضه تجاه قيم الحق والحرية والعدالة.

وفي حين كان المفترض أن تسهم تلك المنشورات في التقليل من عدد العاشقين لإمامهم والمسيلين دماءهم لأجله، فإنها على النقيض من ذلك؛ أكثرت منهم ودفعت جمعا كبيرا من الموالين لأن يطبروا للمرة الأولى، خاصة بعد انكشاف كذبة كبيرة وردت في المنشور إياه، إذ ذكر طابعوه أن المرحوم آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم (قدس سره) كان قد اعتبر التطبير (غصة في الحلوق)! وانكشفت الكذبة لأنه من المعروف والمشهور أن للسيد الحكيم فتواه المؤيدة لفتوى أستاذه النائيني (قدس سره)، والتي يفتي فيها باستحباب التطبير ورجحانه كإحدى أهم مفردات الشعائر الحسينية. وهذه الفتوى، مع تأييدات كل المراجع لها، موجودة بأصولها في مختلف الكتب، ومن بينها (فتاوى علماء الدين في الشعائر الحسينية).

وثمة حادثة وقعت في البحرين هذا العام وقد هزت وجدان أهل الولاء كلهم. ففي صباح يوم الأربعين، وإذ انطلق موكب التطبير بالقرب من مأتم القصاب، كان من بين المطبرين رجل مؤمن يدعى عبد النبي عباس، وهو ممن لم يمض من عمره عام إلا وكان فيه يطبر مرتين، في يومي العاشر والأربعين. هكذا كان عبد النبي منذ سنوات وسنوات.

هذا الرجل حظي بشرف ما بعده شرف، وكرامة ما بعدها كرامة، إذ بينما هو يسير في الموكب هاتفا (حيدر.. حيدر) أصابته نوبة قلبية، فسقط على الأرض، وأسعفه الناس، وأوصلوه على مأتم القصاب. هناك كان هذا الموالي الذائب حبا في إمامه، مغشيا عليه، فقام مسؤولو المأتم بإجراء الإسعافات الأولية له، وطلبوا سيارة الإسعاف، وقد جاءت بعد نحو ثلث ساعة.

وشاء الله تعالى أن يفد هذا الإنسان البر التقي على مولاه الحسين عليه الصلاة والسلام بينما هو في الطريق إلى المستشفى، حيث كان في سيارة الإسعاف.

فهنيئا له.. إي والله هنيئا له. لقد وفد على إمامه في يوم أربعينه ودماؤه التي كفنه عنوان لاسترخاصه نفسه فداء لأبي عبد الله الحسين. وتحت راية حيدر وهتافا باسمه؛ ضمن هذا الشهيد الجنة إن شاء الله. لا شك أن الحسين (عليه السلام) استقبله ساعتها بذراعيه، فطوبى له جنان الخلد بشفاعة محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.

في لندن، وللمرة الأولى، جرت مراسم المشي على الجمر في يوم الأربعين، وذلك في حسينية الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم). وقدر عدد المحيين لهذه الشعيرة حوالي الخمسين، كان من بينهم الأطفال الصغار الذين أعلنوها مدوية: فداء لك يا عبد الله الرضيع!

ورغم أن بعض الحضور الذين حضروا لمتابعة المراسم، كانوا غير مؤيدين لإجرائها بسبب ما أحدثته آلات التسييس والانهزامية في عقولهم، إلا أنهم عند ما شاهدوا المنظر المهيب، تملكتهم حالة وجدانية خاصة، فأقدم عدد منهم والدموع تسيل على خديه على المشي هاتفا: (يا حسين.. يا حسين)!

كما شارك بعض البريطانيين الشيعة، خاصة أولئك الذين اسلموا حديثا والتزموا بمذهب الآل الميامين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، في إحياء شعيرة التطبير يوم العاشر، وكذلك في إحياء شعيرة المشي على الجمر يوم الأربعين.

وهكذا يشع نور الحسين، وتصل أصداؤه إلى كل ربوع العالم، من أقصاه إلى أقصاه، فلا تكاد تجد منطقة إلا وفيها ذكره الشريف المبارك، وفيها راية ومنبر، ودموع ودماء!

بالدموع والدماء.. نصون كربلاء!

 

   

أعلى