الفهرس

 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة للرأي والرأي الآخر. المقالات الواردة فيها لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر (المنبر)

 

السمات النسوية في الحركة الحزبية

الشهب الساطعة في الرد على ابن حجر وصواعقه

بهجة الإشراق في ميلاد سيد الآفاق

بهجة الإشراق في ميلاد سيد الآفاق

رسائل إلى المؤمنين

 

 

بقلم: الشيخ حسن شحاتة*

الحمد لله الذي أنار الوجود بطلعة خير البرية وشرف الكائنات بميلاد سيد الإنسانية. قمر الهداية وكوكب العناية الربانية سيدنا ومولانا وحبيبنا وشفيعنا محمد صلى الله عليه وآله الكرام، بن عبد الله بن عبد المطلب (واسمه شيبة الحمد) بن هاشم بن عبد مناف (ومناف معناه العالي وهو من أسماء الله) بن قصي بن كلاب (واسمه حكيم وأطلق عليه هذا الوصف لولعه بتدريب كلاب الصيد وإرسالها) بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر (وإليه تنسب قريش) بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان... بن الذبيح إسماعيل بن الخليل إبراهيم صلى الله عليهم أجمعين وسلم.

سيدي أبا القاسم يا رسول الله:

ذكراك في الأكوان ذكرى عاطرة          ودياجر الدنيا غدت بـك نيرة

يا خـير خلـق الله فـي ملكوته          يا فخـر الدنيا وعـز الآخرة

مـا إن جئتـها وزرت رحبـها          حتـى غدت باسم الإله مكبرة

صلــى عليـــك الله سيدي          وأخيـك المعظـم حيـــدرة

أخي المؤمن يا حبيب أمير المؤمنين أزف إليك البشرى في أرجاء المعمورة بميلاد إمام الأنبياء وسيد المرسلين وخاتمهم ورحمة رب العالمين إلى الخلق أجمعين. صاحب الدين القويم والصراط المستقيم سيد خلق الله على الإطلاق نبينا محمد اللهم صل عليه وآله الطيبين الطاهرين الغر الميامين، أئمة الخلق أجمعين، نور السموات والأرضين، وبارك عليهم بكل بركاتك يا رب العالمين، وسلم عليهم سلامك الكامل إلى يوم الدين اللهم أمين.

أخواني وأحبابي يا شيعة أمير المؤمنين أزف إليكم البشرى والتهاني وأحييكم بأطيب التحيات في ميلاد سيد السادات منبع النفحات والبركات والكرامات وأود أن أذكركم بعدة قواعد تتعلق بسيد الوجود وأصل كل النور والشهود فتنبهوا لذلك:

القاعدة الأولى: يجب أن نعتقد ونؤمن ونتيقن أن أول شيء خلقه الله في الوجود على الإطلاق هو نور نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) وذلك ثابت بالنصوص الصريحة الصحيحة من الكتاب والسنة، وأقوال السادة الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم.

فمن القرآن قول الله تعالى ذكره وتقدس اسمه في سورة الزخرف: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) أي لو كان لله ولد كما تقول اليهود في عزيز وكما تقول النصارى في عيسى وكما تقول الكفار في الملائكة لكان النبي أولى بذلك لأنه أول عابد لله في الوجود، إذا فهو أول موجود. وكما جاء في سورة الأنعام (... وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) ومعلوم أن دين الإسلام هو دين الله الوحيد من لدن خلق الخلق (إن الدين عند الله الإسلام) فما دام النبي أول المسلمين فهو أول المخلوقين من باب منطوق الآية ومفهومها. وأما من السنة الشريفة فأحاديث كثيرة منها حديث مولانا جابر قال سألت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما أول شيء خلقه يا رسول الله فقال: (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر...) وقوله صلوات الله عليه وآله: (كنت نورا بين يدي ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام) وحديث العرباض بن سارية قال رسول الله: (إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمجندل في طينته). قال مولانا الإمام الباقر صلوات الله وتسليماته عليه: (لما خلق الله العرش أمر الملائكة بحمله فعجزوا وضجوا فعلمهم الله أن يقولوا (بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم اللهم صل على محمد وآله الطيبين) فحملوا العرش) بل إن العرش اهتز وتمايل فما سكن حتى كتب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله علي اخو رسول الله. بل ليلة الإسراء قرأ النبي على باب الجنة لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله فاطمة الزهراء خيرة الله الحسن والحسين صفوة خلق الله عليهم صلوات الله وعلى مبغضيهم لعنة الله.

بل ورد عن الإمامين الباقرين الصادقين صلوات الله عليهما أن الكلمات التي تلقاها آدم صفي الله من ربه ودعاه بها فتاب عليه هي: (اللهم إني أسألك بحق محمد وأنت المحمود وبحق علي وأنت الأعلى وبحق فاطمة وأنت فاطر السموات والأرض وبحق الحسن وأنت المحسن وبحق المهدي وأنت الهادي أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تغفر لي ذنبي). فغفر الله له. وقد ورد أن وصي آدم شيث عليهما الصلاة والسلام سأل أباه من أفضل خلق الله أنت أم جبرائيل أم حملة العرش أم إسرافيل؟ فقام آدم: (أفضل خلق الله محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين لأن الله لما خلقني ونظرت إلى العرش ووجدت أسماءهم مكتوبة عليه؛ سألت من هؤلاء يا رب؟ فقال الله: هؤلاء ولدك الذين لولاهم ما خلقتك ولا خلقت السموات والأرض. فقلت: يا رب بحرمة الولد ارحم الوالد). فمن هنا أخي المؤمن تعلم أن أول خلق الله في الوجود هو نور أهل العباءة والكساء الخمسة صلوات الله عليهم النبي والولي والزهراء والحسنان فتنبه أخي المؤمن لهذه القاعدة واعتقدها.

القاعدة الثانية: أن رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مرسل إلى جميع خلق الله من لدن خلق الله الخلق إلى فناء الخلق جميعا. فهو مرسل إلى العوالم العلوية من سكان الحجب والحضرات القدسية وسكان سدرة المنتهى والعرش وعوالمه والكرسي والحافون به واللوح وسفرته وسكان السموات وسكان البيت وسكان البيت المعمور والداخلون له كل يوم والملائكة التي خلقت وتخلق وسكان الكواكب العلوية وسكان النجوم وسكان الأرض والجبال والبحار والصحراء من أجناس العوالم وجميع الإنس والجن والعوالم التي في باطن الأرض وتحتها وما تحت الثرى وما في الهواء من عوالم. ورسول الله رسالته قائمة من الأزل إلى الأبد واسمع معي: كل ما كان الله ربه فالنبي رسوله. وتأمل معي فاتحة الكتاب وآخر سورة الأنبياء: (الحمد لله رب العالمين. وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وأزيدك أخي المؤمن إيضاحا: رب الوجود هو الله، نبي الوجود هو محمد رسول الله، إمام الوجود هو علي ولي الله. وقد وقعت رسالة النبي والولي لكل الرسل والأنبياء من لدن آدم إلى النبي نفسه لأنه مرسل حتى إلى نفسه. وتعال معي إلى القرآن يقول جل ثناؤه في سورة آل عمران: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه...) وفي آخر سورة الفتح بيان عظيم لرسالة النبي والولي (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم...). وفي آية الولاية (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا). واعلم أخي المؤمن أن الله إذا ذكر الإمام في القرآن تارة يذكره باسمه العالي المعظم مثل: (قال هذا صراط علي مستقيم. وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم. وجعلنا لهم لسان صدق عليا). وتارة يذكره بأوصافه العظيمة مثل: (صراط الله المستقيم. الكتاب المبين. القرآن المهجور. صالح المؤمنين. صاحب الأذن الواعية....) وتارة يذكره بـ(الذين آمنوا. المؤمنون الذين معه. ومن اتبعك من المؤمنين....) وهنا نقطة مهمة أنبهك لها أيها المؤمن المحب لولي الإمام؛ لماذا في آية الولاية لم يقل: إنما وليكم الله ورسول الله وعلي معه؟ لماذا لم تكن الآيات هكذا؟ وإنما كانت (والذين آمنوا - والذين معه)؟ اسمع أخي: جاء اللفظ هكذا لأنه كلام العزيز الحكيم وتنزيل العزيز الرحيم، أرى أنا عبيدة حسن بن محمد العناني أن ذكر الإمام جاء بهذا الأسلوب لأسباب:

1- للتعظيم، فإن الله قد يجمع الإنسانية في شخص واحد وقد جمعها بكمالها في الإمام فذكر بلفظ الجمع.

2- إن الإمام من صلبه أحد عشر إماما فلم يهمل الحكيم العليم إماما منهم بل جمعهم مع إمامهم الأعظم بلفظ الجمع.

3- ممثل الإيمان في الخلق جميعا هو الإمام علي عليه الصلاة والسلام فكل إيمان المؤمنين ذرات وإشعاعات من إيمانه وليست هذه والله مبالغة من عبده فإمامنا غني عن المبالغة بغير حق ولكن ذلك وارد بلسان الصادق المصدوق يوم الخندق حين قام الإمام لعمرو بن عبد ود فقال النبي: (قام الإيمان كله للكفر كله).

ألم أقل لك أنه هو الإيمان والقرآن يشهد (أجعلتم سقاية الحاج (العباس) وعمارة المسجد الحرام (عثمان بن طلحة) كمن آمن بالله (الإمام علي).... لا يستوون عند الله) ألم أقل لك سر الجمع في آية الولاية والفتح أنه وأولاده الأئمة الصادقون المعصومون هم (الذين آمنوا) الإيمان الكامل فهم الصف الأول في الإيمان والإحسان والتقوى والهداية وهم الذين مع النبي في كل زمان ومكان، جسداً وروحاً، علماً ويقيناً، كشفاً وفتحاً، بصيراً ونوراً. ألم يقل الإمام: (أولنا محمد وأوسطنا محمد وآخرنا محمد وكلنا محمد)؟ يقول عبدهم حسن: وأشهد بالله وأقسم بكل أسمائه وكتبه أني ذقت هذا المعنى عيانا فقد رأيت وأنا في المعتقل محبوس بتهمة ولاية أمير المؤمنين أدامها الله علي في الدنيا والآخرة حتى ألقاه وهو راض عني؛ رأيت مولاي إمام الزمان في المنام وأنا أنادي عليه: (يا حضرة النبي) وهو ينظر إلي وبينهم! فاللهم صل وسلم وبارك عليهم وعجل فرجنا بإمامنا.

تعال معي أيها المؤمن إلى سيد الكل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إنه رسول الله إلى الأنبياء والمرسلين وأولي العزم بل مرسل حتى إلى نفسه في سورة الفتح: (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله). فالخطاب لنفسه (لتؤمنوا) لأنه لابد أن يؤمن برسالة نفسه لنفسه وبإمامة أخيه لا شريك معه، وتأمل معي لمّا أشار عليه أحد المنافقين أن يشرك أبا بكر وعمر مع الإمام في الإمامة، فأنزل الله قوله في سورة الزمر: (لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) فكان كل رسول يدعو قومه إلى الإيمان بالله وبرسالة محمد رسول الله وبإمامة علي ولي الله، وذلك واضح بالنصوص الصريحة. ففي سورة الأعراف: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عنده في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث... قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) فكل ما هو من جنس الناس من لدن آدم إلى قيام الساعة.

وقال مولانا الصادق عليه الصلاة والسلام في حديث قدسي: قال الله لحبيبه (إني بعثت عليا مع الأنبياء والمرسلين قبلك باطنا وبعثته معك ظاهرا). فإذا قال مولانا الإمام: (أنا الذي نجيت نوح ومن معه في السفينة، أنا الذي فلقت البحر لموسى، أنا...) فقد صدق صلوات الله وسلامه عليه. ولهذه المهمة جمع الله جميع الأنبياء، والمرسلين ليلة المعراج لحبيبه وصلى بهم إماما ليجتمع لهم الإيمان بالحقيقة المحمدية والذات المحمدية. فلينتبه كل مؤمن أن كل نبي كان يقول لأمته آمنوا بالله وبمحمد رسول الله وبعلي ولي الله. وكان الأذان والإقامة بالشهادة لله ولرسوله ولوليه، ولهذا كانت أحبار اليهود ورهبان النصارى إذا رأوا النبي أو الإمام يقرون ويعترفون بأنه يعرفون النبي والإمام بأوصافهما وأخلاقهما. وشهد القرآن بذلك (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم...) وفي حق الإمام كانوا يستنصرون بحقيقته العلوية على أعدائهم فينصرون، وجاء القرآن: (... وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين). ولا تفهم أخي أن رسالات الرسل عطلت بتقريرنا هذا. بل هم مرسلون أدوا الرسالة على أكمل وجهها ولكنهم بالنسبة للنبي نواب ووزراء وصدق من قال:

كل النبيين والرسل الكرام أتوا          نيابـا عنـه فـي تبليـغ دعواه

فهو الرسول إلى كل الخلائـق          في كل الدهور ونابت عنه أفواه

وان أردت أخي أن تعرف عمومية رسالته صلى الله على حضرته وآله فتأمل معي حديث أمير المؤمنين حيث قال: (خرجت مع النبي في بعض نواحي مكة فما مررنا على شجر ولا حجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله).

القاعدة الثالثة: إنه صلى الله على حضرته وآله، جميع آبائه وأمهاته طاهرون مطهرون من لدن آدم إلى أن ولدته أمه. فانتبه أيها المؤمن وإياك أن تسمع إلى كلام الوهابية الخبيثة الذين يكفرون والدي رسول الله، لعنة الله على من آذى النبي والولي.

وهذه القاعدة صريحة واضحة في الكتاب والسنة وضوح الشمس في رابعة النهار. ففي القرآن: (الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين). أي من ظهر ساجد إلى ظهر ساجد وهو صلوات الله عليه يقول: (خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي لم يصب أحد من آبائي بسفاح الجاهلية. إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم فأنا خيار من خيار من خيار). فآباؤه المطهرون من عبد الله إلى آدم ما بين ولي ووصي وحجة ونبي ورسول وخليل للرحمن. وتأمل معي لما جاء أصحاب الفيل يعتدون على البيت وقف السيد عبد المطلب على باب البيت وتعلق بأستاره وضرع إلى ربه وفورا استجاب الله له وفتح واديا في جهنم وأرسل منه الطير الأبابيل عليهم فأهلكهم. ولو أن عبد المطلب موجود الآن ووقف على باب المسجد الأقصى ودعا الله لأراحنا من فجور اليهود وجبن العرب وخنوع المسلمين جميعا وحتى يرينا بقية الله ونائب رسوله إمام الزمان أبو عبد الله صلوات الله عليه وعجل الله فرجه الشريف وأرانا وجهه المبارك في يسر وعافية.

هذه الإمامة الموبؤة تؤمن بالدجال لأنه إمامهم وتنكر إمام الزمان ولي الله أبو القاسم صلوات الله عليه. بل ويضحكون علينا ويسخرون منا أن نؤمن به وننتظره بل إن بعض ملاعين الأزهر ملأ الله قبره نارا كان يقول: (المهدي أكذوبة الشيعة) وكان يتهكم ويقول: (الإمام القائم؟! أما تعب من القيام فليجلس)!!

انظروا إلى جهل هذا الملعون لم يفهم أن (القائم) بدين الله وبأمره وأحكامه وبأسرار كتابه هو إمام الزمان صلوات الله عليه وآبائه المطهرين المباركين. فانتبه أيها المؤمن واعلم أن جميع آباء النبي موحدون طاهرون وإن سألك سائل وقال لك أن (آزر) أبو إبراهيم الخليل كان كافراً يعبد الأصنام؛ قل له إن (آزر) عمّ الخليل وليس والده، والقرآن يطلق على العم لفظ الأب كما في سور البقرة ويوسف. ولكن أبا الخليل كان اسمه (تارح) وكان مؤمنا موحدا. فتنبه أيها المؤمن لذلك جيدا.

القاعدة الرابعة: جميع المعجزات والخصائص والكرامات التي جرت على يدي الأنبياء جرى لنبينا مثلها وأكثر. وتعال معي نقلب صفحات الأنبياء والمرسلين ثم ندخل إلى ميدان سيد المرسلين. آدم أبو البشر صفي الله، خلقه الله من طين، خلقه بيده وأسجد له الملائكة وأسكنه الجنة وبه بدأت الإنسانية. سيد المرسلين أول خلق الله كما علمت من قبل آدم بملايين السنين خلقه الله من نور وجهه وأمر ملائكة السموات والأرض والمؤمنين بالصلاة عليه وآله في كل وقت وحين، وقد خلقت الجنة من نوره وخلقت من أجله وآله. وبآدم بدأت البشرية وبمحمد كملت البشرية (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) والأرض مدت لأجل الحبيب محمد ونورت بأنواره وأرسل لأهلها كافة.

إدريس أسس علم الكتابة والخياطة وبنى الأهرامات ورفع مكانا عليا. الحبيب محمد (صلى الله عليه وآله) جاء بقرآن أعجز الإنس والجن وكان يقرأ من اللوح المحفوظ ويرى ما لا نرى ويعلم ما لا نعلم (... وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما). وبنى صلوات الله عليه وآله صرح الإسلام الخالد ورفعه الله ليلة المعراج إلى ما فوق العرش وإدريس في السماء الرابعة.

بأقدامه في حضرة القدس قد سعى          رسول له فوق المناصب منصب

بأعلــى السمـا أمـس يكلم ربه          وجبريل نـاء والحبيـب مقرب

نوح (عليه السلام) مكث في رسالته 950 سنة واستجاب الله دعوته فأغرق الأرض بالطوفان ونجى نوح ومن معه في السفينة. الحبيب محمد صلوات الله عليه وآله رسالته كما علمت من الأزل إلى الأبد ولو دعا على أهل الأرض لأهلكوا لوقتهم ولكنه قال: (... لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحد الله) فحافظ على الأمانات لأنه الأمين بل هو أمين الله على خزائنه ومستودعها ومقسمها على حسب القوابل وموزعها ودبرت له أربعون مؤامرة لقتله ونجاه الله. وانظر ليلة الهجرة كيف ضحى الإمام وفدى أخاه الحبيب بنفسه صلوات الله عليهما.

الخليل إبراهيم نبي ورسول وخليل وإمام لقنه الله الحجة ونجاه من النار وجعلها بردا وسلاما عليه وامتحن بذبح ولده وفداه الله بذبح عظيم. الحبيب محمد نبي ورسول وخليل الله الأعظم وإمام الأئمة آتاه الله العلم والحكمة فكان أفصح خلق الله وليس فوق أمير المؤمنين في الفصاحة والبلاغة إلا الحبيب محمد فشربهما من عين واحدة وقد نجّى الله الحبيب من كل محاولات الاعتداء، بل نار جهنم الكبرى لن تطفأ عن المؤمنين إلا بسره وسر أخيه علي صلوات الله عليهما، فهما اللذان يسجران النار ويلقيان فيها الأعداء ويخمدانها عن الأحباب كما قال تعالى: (ألقيا (أي يا محمد و يا علي) في جهنم كل كفار عتيد مناع للخير معتد مريب) أي الملاعين الأوائل الأول والثاني والثالث والشجرة الملعونة وأشياعهم والناعقين وراءهم. الحبيب محمد سلم ولده وفلذة كبده للذبح من يوم مولده، وبكاه يوم ميلاده بل وبكى على الحسين صلوات الله عليه جميع الأنبياء والمرسلين.

موسى صلوات الله عليه كبير أنبياء بني إسرائيل وصاحب التوراة فلق الله له البحر وأعطاه العصا وكلمه الله على جبل الطور ووهب له أخاه هارون نبيا ووصيا.

الحبيب محمد كبير الأنبياء على الإطلاق أنزل الله عليه القرآن مهيمنا على كل الكتب وكلمه على بساط النور في أعلى العلياء وفلق له بحار السماء والجو حتى اخترقها ليلة المعراج وسبح الحصى في كفه وسبح الطعام بين يديه وسلمت الجبال والأشجار عليه ووهب الله له أخاه عليا هارونه وصفيه فجعله إماما فاق كل الرسل والأنبياء ووصياً اغترفت من علومه كل العلماء. صاحب الإعلان الوحيد في التاريخ على المنابر (سلوني قبل أن تفقدوني فإن بين جنبي علوما ما وجدت لها حملة) صلى الله عليه.

المسيح عيسى خلقه الله من غير أب وأنطقه في المهد وأعطاه إبراء المرضى وإحياء الموتى ورفعه إلى السماء. الحبيب محمد أصل النور في كل الأنبياء والمرسلين ولم يأتنا طفلا ككل الرسل بل جاءنا رسولا لقد جاءكم رسول من الأزل، إلى الأبد ونطق في المهد قائلاً: (الحمد لله رب العالمين جلال ربي الرفيع). وكان يمسح على الأعمى والأبرص والممسوس بالجن فيبرأ لوقته. وانظر لما مسح على عيني أمير المؤمنين يوم خيبر لم ترمدا إلى أن لقي ربه. ولم يحيي الموتى فقط، بل أحيا الجمادات فحن الجذع لحضرته وأن لفراقه كأنين المرأة عند ولادتها ولم يسكن حتى وضع الحبيب يده عليه وقال: (لو لم ألمسه لظل يئن إلى يوم القيامة). بل تعلق به العرش ليلة المعراج وقال له: (وعزة من أرسلك لابد أن تشهد لي بالبراءة من الجهلة الذين يظنون أني أحمل ربي، كيف أطيق حمل القوي المتين الواسع العليم؟ أنا و حملتي محملون بلطف قدرته ومقهورون تحت قبضته فاشهد لي يا محمد أني بريء ممن قال ذلك عني). فشهد النبي له. وغاب عيسى في السماء وغاب ابن النبي الإمام الثاني عشر الحجة المنتظر بقية الله القائم وقد فسح له في الملك والملكوت تخدمه الملائكة بل الخضر وإلياس من جملة خدمه. ولتعلم عظمة النبي محمد، فإن المسيح عيسى سينزل ويصلي مأموما خلف ولده الإمام الثاني عشر الخليفة المهدي صلى الله عليه وآبائه الطاهرين وعجل الله فرجه الشريف بجاه آبائه الحسين وأمير المؤمنين وسيد المرسلين.

داوود ألان الله له الحديد وألان الله القلوب للحبيب، سبحت معه الجبال والطير والحبيب سلمت عليه الجبال والطير والوحش والشجر وشهدت برسالته.

سليمان أعطاه الله ملكا عظيما. الحبيب جعل الله له الأرض مسجداً وترابها طهورا. سخرت له الإنس والجن الحبيب سخرت له الإنس والجن والملائكة والدواب ويوم الهجرة قال عن ناقته: (اتركوها فإنها مأمورة). سليمان فهم لغة الطير والنمل ولكن لم يعرف أسماءها وتسبيحها وذكورها وإناثها وأخو سيد المرسلين الإمام قال لأبي ذر: (والله إني لأعرف أصنافها وألوانها وذكورها وإناثها ولغاتها وتسبيحها. أليس الله يقول (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) فأنا الإمام المبين يا أبا ذر).

أخي المؤمن، هذه رشحات من بحار النبي الذي أعجز الخلق عن معرفته، واسمع معي وهو يقول لأخيه الإمام من داخل بيت الله الحرام: (يا علي لا يعرف الله إلا أنا وأنت ولا يعرفني إلا الله وأنت ولا يعرفك إلا الله وأنا).

فكما أن أخاه حير الدنيا في ذاته ووصفه وأخلاقه وسياسته كذلك النبي، وفي ليلة ميلاده اهتز العرش فرحا ومال الكرسي عجبا وتعطرت الحور العين ولبست الشمس أزهى حليتها وتدلت نجوم السماء حتى اقتربت من أمه الشريفة وكادت تلمسها بيدها وامتلأت الأرض نورا حتى رأت أمه قصور بصرى بالشام على أنواره وأحاط مكة المكرمة سبعون ألفا من الملائكة بقيادة جبريل ليلة مولده ولما جاء إبليس الملعون ينظر ما الخبر رفسه جبريل بقدمه حتى أوصله إلى عدن فصرخ إبليس وقال: (لا تقتلني فإني منذر إلى يوم الوقت المعلوم). وولد الحبيب صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين مسرورا مختوناً مكحولاً مرهونا فخر لله ساجداً عند نزوله رافعا يده إلى السماء في سجوده قائلا: (الحمد لله رب العالمين) فقال الله عز وجل: (من أجل ذلك سميتك محمدا).

افرحوا أيها المؤمنون بمولده وأطعموا الطعام على شرفه واكسوا الأيتام وأكرموا الفقراء والمساكين. نسأل الله أن يفرحنا الفرح الأكبر بظهور دولته وظهور ولده حتى يعم السلام والرخاء ويظهر الله دينه على الأديان وتنتهي دولة حبتر الملعونة ويحطم أصنامهم كما حطم جده أصنام البيت الحرام اللهم آمين اللهم أمين اللهم أمين. وصلى الله وسلم على أعز مولود وأكرم والد وأبنائه الكرام الأئمة الأعلام.

 

   

الشهب الساطعة في الرد على ابن حجر وصواعقه!

(الجزء الأول)

 

 

(إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد.. فكونوا أحراراً في دنياكم).. إن كان قائل هذه الكلمات إنسانا عاديا لاستوقف السامع نفسه لحظات ليتفكر في معانيها.. فكيف إذا كان القائل هو سيد الشهداء وسيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين بن علي عليهما الصلاة والسلام في خطابه لشيعة بني أمية؟ إن الحر هو ذلك الإنسان الذي يمتلك عقله ويسخره لإنسانيته ليتمكن من التمييز بين الصواب والباطل، ثم الاهتداء إلى الطريق القويم بدلا من الطريق المنحرف بتأثيرات كتاب أو علماء سمهم ما شئت ممن ينظرون إلى القضايا من وجهة واحدة ليأتي بعضهم بآراء مخيفة في المجال وهو يظن أنه أحسن صنعا.. هذا ما قاله العلامة بن عقيل في كتابه النصائح الكافية لمن يتولى معاوية وهو من الكتب التي تحاول شيعة بني سفيان وأده منذ سنوات طويلة إلا أنهم لم ولن يتمكنوا لأن الله سيتم نوره ولو كره الكافرون والمنافقون ومن ظنوا بأنهم يحسنون صنعا بعدما زين لهم الشيطان عملهم.

عندما أغوص في خضم كتب التاريخ أعجب مما وصلت إليه حال المغالين من أولئك الذين يقتدون بالمجرمين الأوائل في بداية عصر التاريخ الإسلامي ليجعلوا منهم أندادا للنبيين والشهداء والصادقين.

يذكر ابن الأثير في كتابه (الكامل في التاريخ) رواية الحسن البصري والذي قال: أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه بعده ابنه سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب الطنابير، وادعاءه زيادا وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقتله حجراً وأصحاب حجر، فيا ويلاً له من حجر! ويا ويلاً له من حجر وأصحاب حجر!

ونقل ابن الجوزي عن القاضي أبي علي قال، قلت: لأبي أن قوما ينسبونا إلى تولي يزيد، فقال يا بني وهل يتولى يزيد أحد يؤمن بالله ولم لا نلعن من لعنه الله في كتابه، فقلت وأين لعن الله يزيد في كتابه، فقال في قوله تعالى: (فهل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم) فهل يكون فساد أعظم من هذا القتل.

فما على الإنسان الذي يدعي بأنه مسلم واصبح في سن الرشد إلا النظر بتجرد لمعرفة الحقيقة من خلال الرجوع إلى كتب التاريخ ليعد ويحصي ويحصر أسماء الصحابة الذين قتلوا على يد معاوية وولاته ومن بعده يزيد. ويذكر ابن الأثير (في ذكر وفاة معاوية بن أبي سفيان)... يقول معاوية لولده (يزيد): (... يا بني إني قد كفيتك الشد والترحال، ووطأت لك الأمور، وذللت لك الأعداء وأخضعت لك رقاب العرب، وجمعت لك ما لم يجمعه أحد.... انظر إلى أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك، فإن رابك من عدوك شيء فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم، فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم، تغيرت أخلاقهم...). لقد مكن معاوية لولده يزيد الأمر وملّكه رقاب المسلمين وابتدع بدعة الحكم الوراثي، وقد طبق يزيد بن معاوية وصايا والده وانتصر بأهل الشام على الصحابة. فكانت فترة حكمه ثلاث سنوات، قتل الإمام الحسين (عليه السلام) في السنة الأولى، وأغار على المدينة المنورة وأباحها لثلاثة أيام في السنة الثانية، وحرق وهدم الكعبة بالمنجنيق وقتل من قتل من الصحابة في مكة في السنة الثالثة، وفي سنته الرابعة التحق إلى زريبة من زرائب التأريخ فراشها من جلود الخنازير!

وفي وقعة الحرّة وحسب ما ذكره المؤرخون في كتبهم الكثيرة نشير إلى ما جاء في الكامل في التاريخ لابن الأثير، حيث بعث يزيد بعبد الله بن زياد لمحاصرة ابن الزبير بمكة، فقال: (والله لا جمعتهما للفاسق، قتل ابن رسول الله وغزو الكعبة)، ثم أرسل إليه يعتذر.

فما كان ليزيد إلا العمل بوصية والده معاوية حينما أوصاه قائلا: (إن لك في أهل المدينة يوما فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة، فإنه رجل قد عرفت نصيحته). وكناه المسلمون بعد ذلك (بمسرف بن عقبة) لإسرافه في إزهاق أرواح أهل المدينة المنورة في وقعة الحرّة. ويضيف المؤرخون.. بأن يزيد قد أمر قائد جيوشه باستباحة المدينة.. (فإن ظهرت عليهم فانهيها ثلاثا، فكل ما فيها من مال أو دابة أو سلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس). وهذا ما حصل، فقد أباح مسرف بن عقبة المدينة ثلاثة أيام لجيش الشام يقتلون الناس ويأخذون المتاع والأموال، وكان الكثير من القتلى من جلة أصحاب الفضيلة من الصحابة. فجرى عليهم ما جرى من الويلات والمصائب في وقعة الحرة بليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة 63 فذكر المؤرخون أن عدد القتلى من المسلمين من المهاجرين والأنصار وقريش والصحابة قد بلغ ألفا وسبعمائة من أهل المدينة، منهم سبعمائة رجل من حملة القرآن، وهتكت أعراض البكارى. فما كان لأهل المدينة إلا أن يستسلموا ويبايعوا يزيد على أن يكونوا عبيداً وقنا له.. قد يكون السبب ما هو إلا غضب السماء لخذلهم الحسين (عليه السلام)!

وروى الواقدي في كتاب الحرة عن أيوب بن بشير المعادي، أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في سفر من أسفاره، عندما مر بحرة زهرة وقد مقت واسترجع: يقتل في هذه الحرة خيار أمتي بعد أصحابي. وعن ابن عباس قال: يرحمهم الله، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يقتل بحرة زهرة خيار أمتي. ويذكر نور الدين علي بن أحمد السمهودي رحمه الله وهو أحد أفاضل علماء إخواننا من أهل السنة في كتابه (وفاء الوفاء) وهو من الكتب الممنوعة.. (واستباح المدينة ثلاثة أيام فسميت وقعة الحرة لذلك، ويقال لها حرة زهرة، فقتل بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التابعين، وهم ألف وسبعمائة، وقتل من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان، وقتل بها من حملة القرآن سبعمائة رجل، ومن قريش سبعة وتسعون قتلوا ظلما في الحرب صبرا). وقال الإمام الحافظ بن حزم في المرتبة الرابعة: وجالت الخيل في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالت وراثت بين القبر والمنبر أدام الله تشريفها، وأكره الناس أن يبايعوا ليزيد على أنهم عبيد له إن شاء باع وإن شاء أعتق، وذكر له يزيد بن عبد الله بن زمعة البيعة على حكم القرآن والسنة، فأمر بقتله، فضربت عنقه صبرا، وذكر الأخباريون أنها حلت من أهلها وبقيت ثمارها للعوافي كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي حال خلائها غدت الكلاب على سوارى المسجد.

وكذلك الحال فعل ما فعل يزيد في هتك حرمة مكة المكرمة بهدم بيت الله الحرام والذي يقدسه المسلمون. فلم يتورع أصحاب يزيد في حرق الكعبة بعد هدمها بالمنجنيق، بل سولت لهم أنفسهم بالارتجاز في بيت الله الحرام وأخذوا يقولن:

خطارة مثل الفنيق المزيد          نرمي بها أعواد هذا المسجد

ومع الأسف يتعمد البعض من المسلمين المرور مرور الكرام على هذه الحوادث التي قبحت تاريخنا ولوثته دون الاكتراث ودون الحكم بالحق والقسط على من تسبب في تحريف الدين وهتك حرمات وأعراض المسلمين بل العكس حيث يعمدون إلى خلق التبريرات والأعذار الواهنة لأولئك الذين يطلق عليهم (أمراء المؤمنين) أمثال يزيد ووالده معاوية.

وعليه يجب الرجوع إلى التاريخ وكتبه ولجم أفواه من يقول: (لا داعي للبحث في هذه القضايا القديمة في التاريخ، لأنها باعثة على الفتنة)، وأن نلجم كذلك أولئك الذين يقولون (نحن أولاد اليوم ولا داعي لنبش الماضي). إن هاتان المقولتان غير صحيحتان، فالماضي هو أساس الحاضر والحاضر لبناء المستقبل، فكيف نستطيع أن نأخذ الدروس لنعتبر؟ ومن شدة جهلهم فإنهم نسخوا في عقولهم ما قاله سبحانه في كتابه في سورة طه: (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا)، وقوله سبحانه في سورة يوسف: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين)، وقوله سبحانه: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) فكيف يريدنا الله سبحانه أن نعتبر ويحرمنا هؤلاء بمقولاتهم الجوفاء بترك الماضي وعدم النظر إليه.. لو كان بيدهم لحرفوا الكلم عن موضعه.. فالقرآن محفوظ رغما عن أنفهم.

وإذا كان القرآن الكريم، مصدراً لتعريف الناس بماضي الأمم، فمن يا ترى يعرفنا بتاريخ أمتنا نحن! أليس هو القرآن والتاريخ المحررين من كل قمع أيديولوجي كل استبداد سياسي؟! أيحق لنا أن نقول ما لنا ومال موسى؟ وما لنا ومال نوح وسفينته؟ وما علينا بلوط وقومه؟ وما لنا ومال يهود يثرب؟

ولكي يعرف المسلم كم هو مقيد في اتخاذ قراره يجب عليه أن يقرأ كتاب الإصابة في تمييز الصحابة، فإنه سيأسف عندما يرى أن البعض من إخواننا من أهل السنة قد اتفقوا أن جميع الصحابة عدول، وذلك على حد تعبير مؤلف الكتاب ابن حجر العسقلاني.. (يجب الاعتقاد بنزاهتهم، إذ ثبت أن الجميع من أهل الجنة ولا يدخل أحدهم النار). ومع الأسف أنه يحدد المقصود بالصحابة كل الصحابة بالمعاني التالية، فيدخل فيمن لقيه (صلى الله عليه وآله وسلم) من طالت مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه ولم يجالسه، ومن لم يره لعارض بالعمى!

وباختصار شديد يذكر ابن حجر في الكتاب نفسه بالحرف الواحد:

(الصحابي هو من لقي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، مؤمنا به ومات على الإسلام). وإذا ما تأملنا ما جاء في قوله فإنه يريد الآتي: أن يجعل من قتلة أهل بيت رسول الله، صلوات الله عليهم أجمعين، ومغتصبي الخلافة من بني أمية من الصحابة وليخرجهم من فئة الطلقاء، وأن يضيف أسماء الدخلاء على الإسلام ضمن سجل أسماء الصحابة بدلا من سجل الطلقاء، وأن يدخل الجميع إلى الجنة وكأنه هو الذي أوجدها، حيث يقول: (إذ ثبت أن الجميع من أهل الجنة ولا يدخل أحدهم النار)، وعليه فإنه ينازع الله في ملكه. بالله عليكم أيها البشر ألا تقرءون القرآن؟ وإن قرأناه ألم نقرأ سورة المنافقين فهل كانت تخص هذه السورة المنافقين بعد وفاة النبي! أو هل خصت هذه السورة لأولئك الناس الذين عاشوا في زمن ما قبل البعثة ألم تقرأ قوله سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)؟ ألم تنزل هذه الآية في أحد صحابة رسول الله حسب ما عرفه لنا ابن حجر. وماذا عن ذاك الذي اسمه مروان بن الحكم والذي لقب بطريد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث طرده النبي من المدينة وأبعده أبو بكر عند خلافته وكذلك فعل عمر. والله إنها مصيبتنا، نأخذ أقوال البعض منهم لنصنفهم بالعلماء ونجعل كلامهم كآيات القرآن لا يأتيه الباطل من بعيد أو قريب!

وللأسف يذكر الخطيب أن عدالة الصحابة ثابتة ومعلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم مستندا بذلك إلى آيات من القرآن الحكيم اعتقد بأنها تخص جميع من خلق أيام حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيقول الخطيب: (إن مفهوم عدالة الصحابة فيما تعنيه، أن كل من عاصر الرسول أو ولد في عصره لا يجوز عليه الكذب والتزوير، ولا يجوز تجريمه، ولو قتل آلافا، وفعل المنكرات)!.. إنه الجهل بعينه.. إنها أم المهازل كما كانت أم المعارك.. فبقوله نسخ آية من القرآن والتي ذكرت بصريح العبارة (ومن يقتل مؤمنا متعمداً فجزاؤه النار).. ليس النار فقط.. بل خالداً فيها.. وأكثر من ذلك.. وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما، فهل أخرجت هذه الآية الصحابة من القصاص الإلهي؟!

أقول تعقيبا على ما ذكره الخطيب في كتابه وعلى أساس ما أوردناه من مقتطفات، فجميع الطبقة الأولى من الأمويين من الطلقاء كأبي سفيان وأولاده ممن أسلموا كرها ثم ارتدوا (حسب ما وصفهم الإمام علي (عليه السلام) ونقله ابن أبي الحديد)، وجميع المروانيين بمن فيهم طريد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمغيرة بن أبي شعبة وولده الذي لم يتجاوز العشر سنوات من عمره حين وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والذي نسب إليه الكثير من الأحاديث التي كتبها عن النبي في صحيحه تسمى الصادقة، وعبد الله بن سلول رأس المنافقين وحيّتهم، من العدول ومروياتهم صحيحة وإن كانوا يجرحون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ورد في صحيح البخاري في حديث عن حذيفة قال: (رأيتني أنا والنبي نتماشى فأتى سباطة قوم خلف حائط فقام كما يقوم أحدكم فبال فانتبذت منه فأشار إلى فجئته فقمت عند عقبه حتى فرغ). ويروي هذا الحديث كذلك الترمذي والنسائي وأبو داود ومسلم. أترضى يا مسلم أن تصلي خلف إمام مسجد يقف ويتبول في الشارع؟!

وبالمقابل، فلا بأس في التفريط والتقديس لعبد الرحمن بن ملجم قاتل إمام المتقين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه. بالطبع يجب أن يكون كذلك فعلي سلام الله عليه قد حارب معاوية بن أبي سفيان. الذين حاربوا وقاتلوا وقتلوا علي بن أبي طالب وسبطا رسول الله الحسن والحسين سلام الله عليهم، لا يجوز إصابتهم أو تجريحهم كما قال هؤلاء النفر. ولكي لا يفضح البلاط الحاكم عن القتل وفعل المنكرات يلفقون الأحاديث على رسول الله (أصحابي كالنجوم بأيهم اهتديتم اقتديتم)، فالذي يهتدي أو يحارب عليا فهو بالجنة والذي يحارب عليا في النهروان والجمل فهو في الجنة، والذي يقتل في جيش علي في النهروان والجمل وصفين فهو في الجنة!!!..

يقول أحد علماء أهل السنة وهو المرحوم المغفور له السيد محمد بن عقيل بن عبد الله بن عمر بن يحيى العلوي المتوفى سنة 1350 هجرية في كتابه (النصائح الكافية لمن يتولى معاوية) وهو كتاب ممنوع تداوله: (إن صحبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، شرف عظيم ومرتبة سامية، ومنزلة عالية، وأصحابه متفاوتون في فضلها وشرفها بقدر ما أحسنوا فيها. وإذا عصى أحد منهم وحاد الله ورسوله وارتكب الكبائر وأصر على معصيته فقد ترك وأوجب له المحبة من الله تعالى ورسوله، إذ ليس عند رسول الله محاباة ولا مداهنة في عداوة من الله وعصاه. ومن الغباوة إن لم تكن من العناد إهدار كل كبيرة وموبقة بدعوى حرمة الصحابة. ولا شك أن للصحبة حرمة عظيمة وشأنا فخما ولكنه مقيد بما قدمنا). ويضيف كذلك: (والصحابة الذين يصدق عليهم التعريف المخترع الحادث وتحوي المعاجم أسماء كثير منهم قسمان: قسم أخلص في الإيمان وأحسن الصحبة ووفى بالحق فهو محمود ممدوح وأهل للثناء والتعظيم والاحترام من كل مسلم. وقسم نافق وأساء الصحبة وخان وغدر وهو مذموم عند كل مصنف، مدعما ما قاله بما جاء في الذكر الحكيم حيث قال تعالى: (فهل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم)، وقال تبارك وتعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا).

يقول العسقلاني في كتابه (الإصابة في تمييز الصحابة) في صحة ما ذهب إليه العامة: (إذا رأيت الرجل ينقص أحداً من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق. والذين ينقصون أحداً على الإطلاق من أصحاب رسول الله هم زنادقة والجرح أولى بهم)، وكذلك قول بعضهم: (ومن عابهم أو انتقصهم فلا تواكلوه ولا تشاربوه ولا تصلوا عليه) من كتاب الكبائر للحافظ الذهبي وراجع آراء علماء المسلمين ص 85 للسيد مرتضى.

فإذا أردنا تطبيق ما قاله ابن حجر فيصبح معاوية بن أبي سفيان زنديقا وكان الجرح أولى به، وذلك حسب ما جاء في صحيح مسلم (باب فضائل علي) عندما أمر معاوية، سعد بن أبي وقاص بسب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فيذكر الحديث: (أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلن أسبه. لأن تكون لي واحدة منهم أحب إلى من حمر النعم، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول له وقد خلفه في بعض مغازيه: فقال له علي: يا رسول الله! خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى. إلا أنه لا نبي بعدي). وروى مسلم في صحيحه، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر). فمن الذي سن سنة سباب الإمام علي على المنابر غير معاوية؟ ومن الذي خرج عن طاعة إمام زمانه وقاتله؟!

ومن كتاب أعلام النساء، كتبت أم سلمة إلى معاوية لما أمر بلعن علي بن أبي طالب عليه السلام على المنابر: (إنكم تلعنون الله ورسوله على منابركم وذلك إنكم تلعنون علياً بن أبي طالب ومن أحبه وأنا أشهد أن الله أحبه ورسوله) فلم يلتفت إلى كلامها.

ويعقب المرحوم السيد محمد بن عقيل بن عبد الله بن عمر والذي أتينا بذكره سابقا بكتابه (النصائح لمن يتولى معاوية) قال: (جاء الشيخ ابن حجر في كتابيه الصواعق المحرقة وتطهير الجنان بما يضحك الثكلى! ويأسف له الحكيم من التحملات الفاسدة والتأويلات البعيدة والتعسفات المتناقضة وروائح النصب تفوح من صفحات ذينك الكتابين ولا غروة أن اغتر بشيء منهما بعض قاصري النظر فقد جمع جواد قلمه بما تقشعر منه الجلود وترجف منه القلوب فزعا وهو لعنه في ذينك الكتابين كل من سب معاوية ولعنه. كأنه لم يقف على لعن النبي، (صلى الله عليه وآله وسلم)، القائد والسائق ومعاوية أحدهما وكأنه لم يبلغه ما بلغ كل الناس تواترا أن علي (عليه السلام) كان يقنت ويلعن معاوية وأصحابه ويسبهم وقد فعل فعله كثير من الصحابة والتابعين وجحاجحة أهل البيت النبوي فما أدري أجهل هذا الشيخ أم تجاهل وإني والله مشفق عليه أن يعاتبه الله ورسوله على ذلك).

فما سر هذا التشدد والإرهاب، إن البعض بهذا قد تجاوز حدود الموقف الفقهي وأعلن الحرب على كل من يتجرأ وينظر للأحاديث الأخرى التي ناقضت وجهة نظرهم والتي رويت في صحاح المسلمين عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث حذّر الصحابة من الخروج عن ملته، ومثل هذا الموقف المتطرف إنما يعكس منهج هؤلاء في مواجهة الباحثين عن الحقيقة. وعليه يجب أن نذعن بالقول بأن عليا (عليه السلام) الذي قاتل مع الإسلام كل معاركه هو تماما كأبي سفيان الذي قاد كل الحروب ضد الإسلام، وهو تماما كمعاوية بن أبي سفيان الذي قاتل الإمام علي (عليه السلام) في كل معاركه. فقول ابن حجر وغيره من الغلاة في عشق بني أمية بعيد عن العدالة، فيصبح أسد الله وشهيد غزوة أحد حمزة (عليه السلام) تماما مثل قاتله وحشي، وعثمان بن عفان المبشر بالجنة (حسب ما ورد في حديث مشكوك فيه حيث يقحم معاوية بنفسه في هذا الحديث) هو تماما مثل قاتليه، فما كان من معاوية إلا أن ينصب قميص عثمان على منبر الشام لكسب عواطف الجهال من الصحابة لمحاربة الصحابة، ولماذا يتّهم البريء الصحابي المظلوم محمد بن أبي بكر بقتل عثمان حيث يقتل ويوضع جثمانه الطاهر الشريف في جيفة حمار ويحرق؟ من الذي يجب أن نتبعه منهم، ومن الذي يجب أن نقتدي به منهم بناء على (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)؟! وأطلب ممن يقتدي بفكر ابن حجر وغيره من أصحاب الآراء المنحرفة أن ينظروا في هذه التساؤلات: بماذا نتهم عمر بن الخطاب في لعنه لخالد بن الوليد حينما قتل مالك بن نويرة؟ وبماذا نتهمه حينما ضرب أبا هريرة لإكثاره بسرد الأحاديث؟ وبماذا نتهم علي بن أبي طالب في لعنه لعبد الله بن الزبير في مقتل عثمان بن عفان إذ لم يدافع عنه؟ وماذا نقول في عبد الله بن عمر للعنه ابنه بلالا عندما اعترض عليه وضع النساء حظوظهن من المساجد فالتفت إليه وقال: لعنك الله، لعنك الله، لعنك الله، تسمعني أقول أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أم أن لا يمنعن! وقام مغضبا؟ وفي ربيع الأبرار للزمخشري، قال: دعا معاوية قيس بن سعد بن عبادة إلى مفارقة علي بن أبي طالب (عليه السلام) حين تفرقت الناس عنه فكتب إلى معاوية: (يا وثني ابن وثني تدعوني إلى مفارقة علي بن أبي طالب والدخول في طاعتك.. إلى آخر حديثه). وأنهي كلامي بما ذكره فخر الدين الرازي في تفسيره عن ابن عباس قال: الشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية.. إلى آخر حديثه.

فلينظر من يشاء إلى أي كتاب من كتاب التاريخ والتفسير ليتأكد بنفسه من عدم خلو أي كتاب من لعن الصحابة بعضهم لبعض، وقتل الصحابة بعضهم لبعض، وسبي نساء الصحابة ومحارم المصطفى بعد قتل رجالهم كما تساق الإماء من قبل من نسميهم وننسبهم إلى زمرة الصحابة، ناهيك عن الحروب الطاحنة التي دارت بين من نسميهم النجوم الذين يجب الإقتداء بهم، حيث خلفت تلك الحروب الكثير من المآسي. وموعدنا الشهر القادم لنبين عدم صحة حديث (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم).

* باحث واقتصادي كويتي

 

   

السمات النسوية في الحركة الحزبية

 

 

بقلم: عباس بن نخي*

في وقفة بعيدة عن حياض الفقه، الذي التزمه بشكل مطلق في معناه وعطائه التقليدي، وبعيده كذلك عن صياغة المفاهيم الدينية، فهذا مما يفتقر إلى التخصص والفقاهة أيضا، حيث لا بد من جولة عريضة تستقصي جميع النصوص الواردة في الباب، ومعالجتها بشكل علمي وفقا لآلية فن الاستنباط الشرعي والتنظير الفكري وأصول هذه الصناعة، حتى تصح نسبة شيء منها إلى الدين وحمله على الإسلام... بعيداً عن ذلك، هناك قراءة مغايرة لما اشتهر عن رؤية الإسلام ونظرته للمرأة.

تنتهي هذه القراءة على ما يجعل (المرأة) أو (الرجل) مفهوما ناظرا إلى ملكة العقل والتعقل وما يترتب عليها من الفكر المبتني على العلم والمنطلق من الحكمة، ومن الأداء المتحقق في الفعل والسلوك السوي... أكثر مما ينظر إلى الطبيعة الجنسية. بمعنى أن (الرجولة) تدور في مدار آخر غير الذكورة والأنوثة وجنس الإنسان.

إذ يلاحظ وجود إطلاقات في لغة الشارع المقدس تنقل الكمالات وتصنفها في مدارج بعيدة عن معناها اللغوي واستعمالها العرفي، لتنتهي بها إلى ما يطرح ويبين القيم الحقيقية، التي قد تقفز على المتبادر وتنتقل بالمعنى عن الوضع الأولي. فعندما يصار إلى طرح العروبة، على سبيل المثال، كقيمة تمثل مفهوم العراقة وسمو النسب وشرف المحتد، نجد أن المعصوم (عليه السلام) حين يواجه هذا الطرح، يجاريه ليعود بالمفهوم إلى قيمته الحقيقية، التي تنطلق من (إن ذكر الخير كنتم أوله وأصله وفرعه ومعدنه ومأواه ومنتهاه)، فيقول (عليه السلام): (نحن العرب، وشيعتنا منا، وسائر الناس همج أو هبج). وإذا صرح العرف العلوم التجريبية والتطورات التقنية كقيمة وصار يرى لها شأنا، نجد أن المعصوم يعود بمفهوم العلم إلى حقيقته ويقول: (نحن العلماء وشيعتنا المتعلمون وسائر الناس غثاء). ونجد المعصوم يرجع جملة من المفاهيم العرفية والاجتماعية ما يحملها من اعتبارات، إلى القيم الحقيقية للأشياء، فيقول الصادق (عليه السلام) (المؤمن هاشمي لأنه هشم الضلال والكفر والنفاق، والمؤمن قرشي لأنه اقر للشيء ونحن الشيء، وأنكر لا شيء الدلام وأتباعه، والمؤمن نبطي لأنه استنبط الأشياء يعرف الخبيث من الطيب، والمؤمن عربي لأنه عرب عنا أهل البيت، والمؤمن أعجمي لأنه أعجم عن الدلام فلم يذكره بخير، والمؤمن فارسي لأنه تفرس في الأسماء).

وعلى هذا المنوال، يرسم البعض صورة (الرجولة) منطلقين من المحتوى المعنوي المنطوي في هذا المفهوم، ويحددون معالمه من القيمة المندكة في قوامه، وهي العقل والسلوك السوي، فهي المناط في (الرجولة).

ومن هنا يمكننا أن ننظر في واقع الحركة الإسلامية اليوم، في ضوء النص الذي خاطب به أمير المؤمنين (عليه السلام) جمعاً من أهل الكوفة الذين ملأوا قلبه قيحاً وشحنوا صدره غيظاً وجرعوه نغب التهام أنفاساً! فيقول: (يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال)... ونعيد قراءته لنعود بهذا المفهوم إلى آفاقه التي منحته التفوق والأفضلية، حين جعلت له الولاية والشهادة والقيومية وإمامة الجماعة والقضاء والمرجعية دون المرأة. فإذا كان للمرأة نصف حصة الرجل من الميراث، فإن بعض الذكور يحجر عليهم ولا يؤتون المال لسفههم. وإذا كانت شهادة المرأة بنصف، فإن بعض الذكور لا تقبل لهم شهادة، إذ لاحظ لهم في العدالة.

كيف صار أولئك (الذكور) أشباه رجال؟ ولماذا ألحق بهم علي (عليه السلام) صفة (عقول ربات الحجال) أي عقول النساء؟ ترى أليسوا هم (الهمج الرعاع) الذين سبق أن وصفهم في قوله: (ينعقون وراء كل ناعق)؟

إن المتأمل في ساحتنا الإسلامية اليوم يرصد معالم (نسوية) تحكم حركة وأداء، التيارات الحزبية وتبلغ بها حضيضا لا يترك للأعداء شيئا يضيفوه! يمكننا عرضها في نقاط أهمها:

أولا: التركيز على الشكل والاهتمام بالمظهر... فما يشغل بال القادة وما يصبون اهتمامهم فيه هو خلق الصورة التي تعجب وتبهر، وإن لم تعكس جوهراً ولم تصور حقيقة ولم تمثل واقعاً، كالتي تلطخ وجهها بالمساحيق وتتبرج في أبهى الثياب لتداري قبح سريرتها وسوء خلقها وفساد منبتها، عسى أن تلفت الأنظار وتغرى الشباب، فلا تحظى إلا بمن على شاكلتها إن جلهم الأحزاب هو حشد أكبر عدد من الحضور الجماهيري، وتعبئة الناس بأعداد تملأ مساجدهم وحسينياتهم ومخيماتهم وميادين نشاطهم الحزبي الأخرى. فتنوجد (الصورة) ويتحقق (الشكل) المطلوب.

أما إذا نظرنا إلى الواقع، بعيداً عن زحام الجموع وبهرجة الظاهر ومساحيق التجميل، فما أكثر الضجيج وأقل الحجيج، فنقف على مأساة وفاجعة على جميع المقاييس وكما قال ابن رشيق: (ألقاب مملكة في غير موضعها * كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد)! فكم عدد من يفقه دينه من بين هذه المئات أو الآلاف؟ وكم هم الذين يحسنون عقيدتهم ويحيطون بشكل علمي بالمباني الفكرية والفروع العقائدية لدينهم ومذهبهم، بل حتى مدرستهم السياسية؟ ثم من من هؤلاء يعي مواقفه ويدرك بوعي وبصيرة ما يفعل؟!

إن مطالعة دقيقة في الدروس والمحاضرات والخطب (وما أدراك ما الخطب!) التي تلقى في محافلهم، وتشكل المادة الثقافية التي تغذي الشباب وتنمي معارفهم، ستكشف ضحالة وركاكة يندى لها الجبين! خصوصا إذا ما قيست بالنمو المطرد والنقلات النوعية المتتالية التي تعيشها حقول الحياة الأخرى، فيقارن الشباب بين المادة الدينية والخطاب الثقافي الذي يتلقاه من حزبه، وبين ما بلغه دعاة المادية وأتباع المدارس الأخرى من تطور، لم يقف عند العلوم التجريبية ولم يكتف بالصناعة والتكنولوجيا، بل مضى ليقحم ميدان العلوم الإنسانية وينافس، بل يتفوق على العرض الباهت الذي يقدمه الإسلاميون، في علم النفس والتربية والاجتماع والسياسة، والطامة الكبرى أن يسجل الشاب اندحار فكره الإسلامي أمام المدارس الروحية الأخرى! أما على الصعيد الإعلامي، فتبدو الحركة الإسلامية وكأنها مستسلمة للقنوات التلفزيونية والفضائيات والصحافة والإصدارات الفكرية، وكل ما يصب في مواجهة الإسلام الأصيل من المدارس العلمانية والمادية، بل حتى المتلبسة بالدين.

ناهيك عن البناء الروحي والبعد المعنوي والأخلاقي في تربية الشباب، وما تتمخض عنه هذه التجمعات، مما يجعل المرء يحدث شكراً إن خرج منها سالما عن المزيد من الانحدارات والسقوط الأخلاقي، أما التكامل والنمو فهو مما يئس منه أكثرهم تفاؤلا!

وهذا من تداعيات تسييس الدين والتفعيل العشوائي للدور السياسي في المدرسة الإسلامية، الذي جعل الهدف السياسي هو الغاية. فالمهم أن تتحقق المحصلة، وهي أن يدلي الشاب بصوته ويقترع لصالح الحزب، سواء في انتخابات مجلس الأمة أو البلدي أو الجمعيات التعاونية والأندية الرياضية، ثم ليذهب بعدها ويتسكع في المقاهي ويقضي يومه وشهره وسنته دون أن يقرأ كتابا أو يتلو جزءاً من القرآن أو يفتح (مفاتيح الجنان) لدعاء أو زيارة.

ثانيا: الإنس بأجواء اللغو، والنشوة في الكلام والهذر.. فأنت تجدهم يتألقون في الغيبة والنميمة والقذف والسب والطعن وتناقل الأخبار الخاصة والنيل من سيرة الأفراد. حتى غدت محافلهم كمجالس (شاي الضحى) النسائية، وأصبحت نواديهم ميادين للثرثرة واجترار الأحاديث. لا بحوث علمية ولا محاورات ثقافية ولا مناقشات فكرية. وإذا تنزه المجلس للحظات عن هذا السلوك (النسائي)، تجده يخوض في السياسة ومواضيعها، ولكن من منطلقات نسائية وطفولية أيضا! وبلغة سطحية وآلية ضحلة، تدخل في التعبئة الإعلامية وشحن الأجواء أكثر منها في البحث والحوار الذي يتناول القضايا السياسية من جذورها وأسسها، ويحاكم الأحداث ويحللها بوعي وبصيرة تجمع الأرقام وتسوق الإحصائيات وتستقصي الآراء المطروحة.

إنها جلسات ومجالس ليس فيها إلا ألفاظ يفنى بكثرتها الريق وتضيق من دونها أصمخة الآذان!

ثالثا: التبعية والانقياد... ولعمري، فهذه ذروة الفصل بين العقل والهوى وبين العلم والجهل وبين (الرجل) و(المرأة). فالحرية سنام السلوك وغرته ورأسه وأساسه، ومن فقدها سقط عن الرجولة وتردى في (النسوية) مهما قويت بنيته وصلبت عضلاته وفتل ساعداه وعرض منكباه وغلظت شواربه!

إن حالة الانقياد الأعمى والتبعية و(الإمعية) التي يخضع لها الإخوة الحزبيون تنم عن عقل جمعي، يخلق إيحاءاته ويزرع توجهاته شخص واحد يلقن الجماعة أفكاره ويهيمن عليهم بتحليلاته ورؤاه وتشخيصاته للمواضيع المختلفة وفق تقديراته للمصالح والمفاسد، ثم يملي أوامره لتحكم حركتهم العامة وسلوكياتهم الخاصة... إن هذه الحالة تشكل أخطر المعالم والسمات (النسوية)، ولا أريد أن أقسو فأنعتهم وأصنفهم اقرب إلى قطعان الماشية منهم إلى الجماعة المؤمنة العالمة المجاهدة!

إذا كانت الحركة الإسلامية بقيادة (صم ذوو أسماع وبكم ذوو كلام وعمي ذوو أبصار) وإدارة (سفهاء) ويمسك بزمامها (أشباه رجال)، يعيشون على إنجازات الثمانينات، ويقتاتون على فتات موائد تدفع المقاومة الإسلامية في لبنان فواتيرها... فإن هذا يعني أن الوضع في أتعس صوره وأردى أشكاله وأخس أحواله. وإذا استمر (الرجال) في الإحجام عن القيام بدورهم في الساحة، فإن فرص استدراك ما يمكن إنقاذه تتضاءل يوما بعد آخر.

إن في نساء مجتمعنا من بدأت في طريق التكامل العقلي، فتمردت على هذا الواقع المقيت ونفضت عنها ثوب الانقياد للجهل والسفه والعمى والصمم والبكم، فانشقت وخطت خطوتها الأولى صوب النجاة. ولكننا لم نسجل - حتى الآن - للذكور في هذا التيار ما يدخل في التمرد والموقف الرجولي الحقيقي ... اللهم إلا حركة خجولة، يبدو أنها تنتظر الانتصار الحاسم للجناح الإصلاحي في إيران، حتى تتجرأ وتقوم بانتفاضتها.

لا تحسب المجد تمرا أنت آكله          لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

* ناشط ولائي كويتي

 

   

أعلى