|
|
|
بقية الله (ع) يتحدث لابن مهزيار عن وصية أبيه العسكري (ع) إليه |
||
|
علي بن إبراهيم بن مهزيار أحد أصحاب الأئمة الثقات، وهو من الذين انتقلوا من مذهب العامة على مذهب الآل المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين. وبعد غيبة الإمام العسكري (عليه السلام) اجتهد ابن مهزيار في لقاء صاحب الزمان (عليه السلام)، وكان له ما أراد بعد صبر طويل. يقول كما أورده عنه الشيخ الصدوق في (حق اليقين): حججت عشرين حجة كلا أطلب به عيان الإمام (عليه السلام) فلم أجد إلى ذلك سبيلا، فبينا أنا ليلة نائم في مرقدي إذ رأيت قائلا يقول: يا علي بن إبراهيم قد أذن الله لك في الحج. فانتبهت وأنا فرح مسرور فما زلت في الصلاة حتى انفجر عمود الصبح وفرغت من صلاتي وخرجت أسأل عن الحاج، فوجدت فرقة تريد الخروج فبادرت مع أول من خرج، فما زلت كذلك حتى خرجوا وخرجت بخروجهم أريد الكوفة.. فلما وافيتها نزلت عن راحلتي وسلمت متاعي إلى ثقات أخواني وخرجت أسأل عن أبي محمد (عليه السلام)، فما زلت كذلك فلم أجد أثراً ولا سمعت خبراً وخرجت في أول من خرج أريد المدينة، فلما دخلتها لم أتمالك أن نزلت عن راحلتي وسلمت رحلي إلى ثقات أخواني وخرجت أسأل عن الخبر وأقفو الأثر، فلا خبراً سمعت ولا أثرا وجدت. فلم أزل كذلك إلى أن نفر الناس إلى مكة وخرجت مع من خرج حتى وافيت مكة، ونزلت واستوقفت من رحلي وخرجت أسأل عن آل أبي محمد (عليه السلام) فلم أسمع خبرا ولا وجدت أثرا، فما زلت بين الاياس والرجاء متفكرا في أمري وعائبا على نفسي وقد جن الليل. فقلت: أرقب إلى أن يخلو لي وجه الكعبة لأطوف بها وأسأل الله عز وجل أن يعرفني أملي فيها، فبينما أنا كذلك وقد خلالي وجه الكعبة إذ قمت على الطواف فإذا أنا بفتى مليح الوجه، طيب الرائحة متزر ببردة متشح بأخرى وقد عطف بردائه على عاتقه فرعته. فالتفت إلي فقال: ممن الرجل؟ فقلت: من الأهواز. فقال: أتعرف بها ابن الخصيب؟ فقلت: رحمه الله دعي فأجاب. فقال: رحمه الله... لقد كان بالنهار صائماً، وبالليل قائماً، وللقرآن تالياً، ولنا موالياً. فقال أتعرف بها علي بن إبراهيم بن مهزيار. فقلت: أنا علي. فقال: أهلا وسهلا بك يا أبا الحسن أتعرف الصريحين. قلت: نعم، قال: ومن هما؟ قلت: محمد وموسى. ثم قال: ما فعلت العلامة التي بينك وبين أبي محمد (عليه السلام). فقلت: معي. فقال: أخرجها إلى فأخرجتها إليه خاتماً حسناً على فصه (محمد وعلي) فلما رأى ذلك بكى ملياً ورن شجياً وهو يقول: رحمك الله يا أبا محمد، فلقد كنت إماماً عادلاً، ابن أئمة وأبا إمام، أسكنك الله الفردوس الأعلى مع آبائك (عليهم السلام). ثم قال: يا أبا الحسن صر إلى رحلك وكن على أهبة من كفايتك حتى إذا ذهب الثلث من الليل وبقي الثلثان فالحق بنا فإنك ترى مناك إن شاء الله. قال ابن مهزيار: فصرت على رحلي أطيل التفكر، حتى إذا هجم الوقت فقمت إلى رحلي وأصلحته وقدمت راحلتي وحملتها وصرت في متنها حتى لحقت الشعب، فإذا أنا بالفتى هناك يقول: أهلا وسهلا يا أبا الحسن، طوبى لك فقد أذن لك، فسار وسرت بسيره حتى جاز بي عرفات ومنى وصرت في أسفل ذروة جبل الطائف. فقال لي: يا أبا الحسن انزل وخذ في أهبة الصلاة، فنزل ونزلت حتى فرغ وفرغت، ثم قال لي: خذ في صلاة الفجر وأوجز فأوجزت فيها وسلم وعفر وجهه في التراب، ثم ركب وأمرني بالركوب فركبت، ثم سار وسرت بسيره حتى علا الذروة، فقال: المح هل ترى شيئا؟ فلحمت فرأيت بقعة نزهة كثيرة العشب والكلأ. فقلت: يا سيدي أرى بقعة نزهة كثيرة العشب والكلأ. فقال لي: هل ترى في أعلاها شيئا؟ فلمحت فإذا أنا بكثيب من رمل فوق بيت من شعر يتوقد نوراً. فقال لي: هل رأيت شيئا؟ فقلت: أرى كذا وكذا. فقال لي: يا ابن مهزيار طب نفساً وقرعيناً.. فإن هناك أمل كل مؤمل. ثم قال لي: أنطلق بنا، فسار وسرت حتى صار في أسفل الذروة، ثم قال: انزل فها هنا يذل لك كل صعب، فنزل ونزلت حتى قال لي: يا ابن مهزيار خل عن زمام الراحلة. فقلت: على من أخلفها وليس هاهنا أحد؟ فقال: إن هذا لا يدخله إلا ولي ولا يخرج منه إلا ولي. فخليت عن الراحلة فسار وسرت، فلما دنا من الخباء سبقني وقال لي: قف هنا على أن يؤذن لك، فما كان هنيئة فخرج إلى، وهو يقول: طوبى لك قد أعطيت سؤلك. قال: فدخلت عليه صلوات الله عليه وهو جالس على نمط، عليه نطع أديم أحمر متكئ على مسوره أديم، فسلمت عليه ورد علي السلام، ولمحته فرأيت وجهه مثل فلقة قمر، لا بالخرق ولا بالبزق، ولا بالطويل الشامخ ولا بالقصير اللاصق، ممدود القامة صلت الجبين، أزج الحاجبين، أدعج العينين، أقنى الأنف، سهل الخدين، على خده الأيمن خال، فلما أن بصرت به عليه السلام حار عقلي في نعته وصفته. فقال لي: يا ابن مهزيار كيف خلفت إخوانك في العراق؟ قلت: في ضنك عيش وهناء قد تواترت عليهم سيوف بني الشيطان. فقال: قاتلهم الله أنى يؤفكون، كأني بالقوم قد قتلوا في ديارهم وأخذهم أمر ربهم ليلا ونهارا، لتملكونهم كما ملكوكم وهم يومئذ أذلاء. ثم قال: إن أبي العسكري صلوات الله عليه عهد إلى أن لا أوطن من الأرض إلا أخفاها وأقصاها، إسراراً لأمري وتحصينا لمحلي من مكائد أهل الضلال والمردة من أحداث الأمم والضوال... أعلم أنه قال صلوات الله عليه: يا بني، إن الله جل ثناؤه لم يكن ليخلي أطباق أرضه وأهل الجد في طاعته وعبادته بلا حجة يستعلي بها، وإمام يؤتم به ويقتدى بسبل سنته ومنهاج قصده، وأرجو يا بني أن تكون أحد من أعده الله لنشر الحق ووطي الباطل وإعلاء الدين وإطفاء الضلال، فعليك يا بني بلزوم خوافي الأرض وتتبع أقاصيها، فإن لكل ولي من أولياء الله عز وجل عدواً مقارعا، وضدا منازعا... فلا يوحشنك ذلك. واعلم أن قلوب أهل الطاعة والإخلاص نزع إليك مثل الطير إلى أوكارها، وهم معشر يطلعون بمخائل الذلة والاستكانة وهم عند الله بررة أعزاء يبرزون بأنفس مختلة محتاجة وهم أهل القناعة والاعتصام، استنبطوا الدين فوازروه على مجاهدة الأضداد. حضهم الله باحتمال الضيم في الدنيا ليشملهم باتساع العز في دار القرار وجبلهم على خلائق الصبر لتكون لهم العاقبة الحسنى وكرامة حسن العقبى، فاقتبس يا بني نور البصر على موارد أمورك تفز بدرك الصنع في مصادرها، واستشعر العز فيما ينوبك تحظ مما تحمده غبه إن شاء الله. وكأنك يا بني بتأييد نصر الله وقد آن وتيسر الفلج وعلو الكعب قد حان، وكأنك بالرايات الصفر والأعلام البيض تخفق على أثناء أعطافك ما بين الحطيم وزمزم، وكأنك بترادف البيعة وتصادفي الولاء يتناظم عليك تناظم الدر في مثاني العقود، وتصافق الأكف على جنبات الحجر الأسود. تلوذ بفنائك من ملأ برأهم الله من طهارة الولادة، ونفاسة التربة، مقدسة قلوبهم من دنس النفاق، مهذبة أفئدتهم من رجس الشقاق، لينة عرائكهم للدين، خشنة ضرائبهم عن العدوان، واضحة بالقبول أوجههم، نضرة بالفضل عيدانهم، يدينون بدين الحق وأهله، فإذا اشتدت أركانهم وتقوت أعمارهم فدنت بمكانفتهم طبقات الأمم إلى إمام إذ تبعتك في ظلال شجرة دوحة تشبعت أفنان غصونها على حافات بحيرة الطبرية فعندها يتلألأ صبح الحق وينجلي ظلام الباطل ويقصم الله بك الطغيان ويعيد معالم الإيمان، يظهر بك استقامة الآفاق وسلام الرفاق يود الطفل في المهد لو استطاع إليك نهوضا ونواشط الوحش لو تجد نحوك مجازاً، تهتز بك أطراف الدنيا بهجة، وتنشر بك أغصان العز نضرة، وتستقر بواني الحق في قرارها وتؤوب شوارد الدين إلى أوكارها، تتهاطل عليك سحائب الظفر، فتخنق كل عدو وتنصر كل ولي، فلا يبقى على وجه الأرض جبار قاسط ولا جاحد غامط ولا شانئ مبغض ولا معاند كاشح ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدرا. ثم قال: ليكن مجلسي هذا عندك مكتوماً إلا عن أهل الصدق والأخوة الصادقة في الدين.. قال إبراهيم بن مهزيار: فمكثت عنده حيناً أقتبس ما أؤدي إليهم من موضحات الأعلام ونيرات الأحكام وأروى النبات الصدور من نضارة ما ادخره الله في طبائعه من لطائف الحكم وطرائف فواضل القسم... فاستأذنته بالقفول وأعلمته عظيم ما أصدر به عنه من التوحش لفرقته والتجرع للظعن عن محاله، فأذن وأردفني من صالح دعائه ما يكون ذخرا عند الله ولعقبي وقرابتي إن شاء الله. فلما أزف ارتحالي وتهيا اعتزام نفسي غدوت عليه مودعا ومجدداً للعهد وعرضت عليه مالا كان معي يزيد على خمسين ألف درهم، وسألته أن يتفضل بالأمر بقبوله مني. فابتسم وقال: أستعن به على مصرفك، فإن الشقة قذفة وفلوات الأرض أمامك جمة.. ثم دعا لي كثيراً وانصرفت إلى وطني.
|
||