|
|
|
ذكرى ولادة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في العاشر من ربيع الآخر |
||
|
كتب: إبراهيم محمد الإمام أبو محمد الحسن العسكري (عليه الصلاة والسلام)، هو الإمام الحادي عشر من أئمة أهل بيت النبوة والرسالة الخاتمة، على صاحبها وعليهم أفضل الصلاة والسلام.
نصبه الله تعالى إماما بعد أبيه الهادي وهو ابن اثنين وعشرين سنة، وكانت مدة إمامته خمس سنين وثماني أشهر وثلاثة عشر يوما. حبسه المتوكل مع أبيه، وعاصر أيام إمامته المعتزم، ثم المهتدي و خمس سنين من ملك المعتمد الذي استشهد على يديه الإمام صلوات الله عليه مسموما في الثامن من ربيع الأول عام 260 للهجرة. كانت سياسة العباسيين تجاه أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تتمحور حول دمجهم بالجهاز الحاكم لا متصاص ثورة الشيعة من جهة والضمان مراقبة الأئمة مراقبة دقيقة من جهة ثانية ولعزلهم عن قواعدهم ومحبيهم من جهة ثالثة، وكانت هذه السياسة قائمة منذ عهد الإمام الرضا (عليه السلام) الذي أجبره المأمون على قبول ولاية العهد، وكانت هذه السياسة العامة لا تمنع العباسيين من سجن الأئمة ودس السم لهم كلما لزوم الأمر. ولقد بقيت هذه السياسة متبعة حتى عهد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) فكان كوالده مجبراً على الإقامة في سامراء، ملزما بالحضور إلى بلاط الخليفة كل يوم اثنين وخميس. تميز موقف الإمام العسكري من الحكام بالاحتراس الشديد والحذر التام، الاحتراس من ممارسة أي دور مع هؤلاء الحكام يمكن له أن يضفي صفة الشرعية على جورهم وطغيانهم ومظالمهم؛ والحذر من إثارة حفيظة هؤلاء، وإعطائهم أي مبرر للهجوم عليه، وإن كان مجرد وجود إمام من أئمة أهل البيت سينغص عيش هؤلاء الحكام ويثير حفيظتهم، فكيف بتخيل وجود شيعة له يحبونه ويميلون إليه، ويطيعونه، فكيف لا تتاجح نار الغيرة منهوالحقد عليه في قلوبهم؟! وخاصة مع وجود الواشين عليه، والساعين لدى السلطان بالشر والوقيعة بالإمام وما أكثرهم!! إن موقف الإمام السلبي هذا وحكمة سلوكه والتزام الحيطة والحذر في كل تصرفاته إضافة إلى تقواه وهيبته، أكسبته احترام الحكام والوزراء والقواد رغم ما لاقى على أيديهم من الحبس والتشريد وأنواع الأذى، حتى أن أشد الناس حقداً على الإمام وانحرافا عن أهل البيت عليهم السلام، وهو أحمد بن عبيد الله بن خاقان الوزير الأول للمعتمد العباسي، كان يقول: (ما رأيت ولا عرفت بسر من رأى رجلا من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن على الرضا، في هديه وسكونه، وعفافه ونبله عند أهل بيته وبني هاشم وتقديمهم إياه عن ذوي السن منهم والخطر. وكذلك كانت حاله عند القواد والوزراء وعامة الناس ولم أرله ولياً ولا عبداً إلا ويحسن القول فيه والثناء عليه). قدم الإمام (عليه السلام) على الصعيد العام حهداً كبيرا ترك بصماته الواضحة على الحركة العلمية والنشاط الثقافي، تمثل في الردود المضخمة على الشبهات التي ظهرت في عصره، وقد سلك في هذه الردود أسلوب المناقشات العلمية والجدل الموضوعي والحوار الرصين، وإصدار البيانات وتأليف الكتب سوى ذلك من الأساليب. ومن ذلك بياناته العلمية لتلميذه أبي هاشم الجعفري في مسألة خلق القرآن وفي مسائل تفسير القرآن وإحباطه لمشروع الكتاب الذي كان فيلسوف زمانه أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي يزمع كتابته حول ما سماه (متناقضات القرآن)! حيث استطاع الإمام بأسلوبه العلمي الرصين أن يقنع الكندي بخطأ أفكاره مما دفعه إلى التوبة وإحراق أوراقه تلك. كما قدم الإمام على الصعيد الخاص جهداً كبيراً أخر تمثل في الإشراف على قواعده الشعبية ذات الوزن السياسي والثقافي والاجتماعي المتعاظم، ولم يمنعه تطبيق الحكام عليه، ومراقبتهم الشديدة لتحركاته، من تنظيم هذه القواعد وحماية وجودها ومدها بكل أسباب البقاء والنمو، والصمود والارتفاع إلى مستوى الطليعة المؤمنة. وفي هذا السبيل كون سبكة التواصل السري بينه وبين هذه القواعد، ومتن نظام الوكلاء الذين كانوا يؤدون إليه، ويؤدون عنه بأمره، وبواسطة هؤلاء الوكلاء تم تنظيم الأمور الاقتصادية والمعاشية لشيعته، وانتقال الأموال منهم إليه ومنه إليهم طبقا للحاجات والمصالح التي كان يراها، وكل ذلك بسرية تامة وبأساليب وطرق تخفى على السلطة رغم شدة مراقبتها وبذلها أقصى الجهد لكشف أساليب الإمام في هذا المجال. كما كان يحذر اصحابه عند كل بادرة تتحرك ضدهم، فيأمرهم بوقف النشاط والكف عن الحركة، ريثما يزول الخطر وتستقر الأمور، وقد فعلت السلطة الكثير من أجل فتنة أصحاب الإمام وشرذمتهم واتمييع أطروحة الإمام لدى قواعده. واعتمدت في سبيل ذلك وسيلتي الترغيب والترهيب بأبعد وأشمل ما تعنيانه كشراء الضمائر بالمال، والوعد بالعيش الرغيد، وزج الناس في السجون والمعتقلات، وصب أنواع الحرمان والعذاب والتشريد والقتل عليهم، أنواع الحرمان والعذاب والتشريد والقتل عليهم، فكان الإمام يكتب مثلا لأصحابه محذراً: (فتنة تظلكم، فكونوا على أهبة)! كان خط الإمام مناقضا ومعارضا لخط الحكام، فلكل من الخطين أطروحته الفكرية والسياسية، وكان الحكام على ثقة تامة من زيف أطروحتهم وسلامة أطروحة الإمام، والقاعدة العريضة الواسعة التي تؤمن بخطه وأطروحته، ولذلك كانوا لا يغفلون عن مراقبة الإمام مراقبة دقيقة ولا يتوانون عن محاسبته ومساءلته عن كل بادرة نشاط أو تحرك مهما كانت صغيرة، بل حتى ولو كانت مجرد تهمة ملفقة أو وشاية كاذبة. ولما كانت الروايات مستفيضة في أخبار الأئمة الاثني عشر، فإن غيبة الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) حتى يحين أو ان دولته الكبرى كان أمرا معلوما عند حكام بني العباسمن أن ظهور الإمام المهدي إنما يعني القضاء على سلطانهم وذهاب ريح دولتهم، فقد جد هؤلاء الحكام بمراقبة الإمام الحسن العسكري بشكل خاص ومراقبة زوجاته وحملهن وولادتهن ليقضوا على الإمام قبل أن يولد إن استطاعوا، وإلا ففي حين الولادة، حتى لا تكون هناك أي فسحة لغياب الإمام الثاني عشر. ومن هنا فقد بدأ الإمام العسكري يخطط لهذا الأمر عرى كل الأصعدة، ذلك أن فكرة غياب الإمام صعبة التقبل لدى القواعد الشعبية، والطلائع المؤمنة، لأنه حدث غير عادي، وأمثلته في التاريخ نادرة جداً، والأخبار عنها قليلة ومقتضبة، كما أن مجرد وجود الإمام بين أنصاره وأتباعه أنس لهم وتثبيت لقلوبهم ووحي لهم بالأمل بنصر قريب، أما غيابه عنهم فيحرمهم من الأنس به وتثبيت قلوبهم بوجوده المبارك ويهزفي نفوسهم فكرة الأمل بالنصر مشروعا مع وقف التنفيذ إلى أجل غير محدد ولا معروف ولا قريب. ورغم الإرهاصات المسبقة، والنصوص الكثيرة المتوالية، التي جاءت تبشر بالمهدي عليه السلام، وتتحدث عن غيبته، وعن ظهوره وعن دولته المباركة، التي ستملأ الدنيا قسطا وعدلا، بعد ما ملئت ظلما وجورا، تلك النصوص المتواترة الصحيحة عن النبي (صلى الله عليه وآله)، والتي رواها إضافة، إلى أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عامة المحدثين والرواة، وفيهم البخاري ومسلم، والنسائي والترمذي وابن حنبل وغيرهم، وأثر كل تلك الروايات والإرهاصات في ترسيخ فكرة النتظار المهدي خلال فترة غيبته، في نفوس المسلمين بشكل عام، إلا أمر غيبة الإمام يبقى صعباً وخاصة لدى شيعته وماليه، ولذلك كان لابد للإمام الحسن العسكري أن يمهد لهذا الموضوع ويخطط له ويعد له عدته اللازمة حتى يهيئ أذهان الناس لاستقبال موضوع حلول وقت الغيبة وزمانها دون رفض أو إنكار أو ردود أفعال تضر بتماسك القواعد الشعبية وخاصة طلائعها المؤمنة، ثم تجسيد موضوع الغيبة في شخص ولده المهدي دون أن يعرض ابنه لأي خطر من قبل الحكام. والقع أن الخطوات التمهيدية التي قام بها الإمام بدأت في وقت مبكر، فمنذ تزوج الإمام الحسن، تلك الأمة المملوكة التي قدر الله لها أن تكون أماً للإمام المهدي عجل الله فرجه، بدأ يطلق عليها أسماء مختلفة تمويها بذلك على السلطات، فلا تعرف السلطات من هذه الأسماء أي منها هو المسجون وأي منها هو الطليق، وأي منها هي الحامل وأي منها التي ولدت لأن تعدد الأسماء يشعر بتعدد النساء ويبعد احتمال تعدد الأسماء في امرأة واحدة، وقد نجحت هذه الخطة نجاحا باهراً، حيث استطاع الإمام أن يخفي نبا ولادة ابنه الإمام المهدي (عليه السلام) عن جميع خدمه وأهل بيته وأقاربه. وهنا تبدأ مرحلة مهمة تتسم بالحذر الشديد، والدقة البالغة في الكتم على ولادة المهدي مع قيام الإمام في الوقت نفسه بواجب التعريف به والإشارة إليه واثبات وجوده تجاه التاريخ وتجاه الأمة الإسلامية وتجاه قواعد ومواليه. ومن هنا فقد كتب الإمام الحسن العسكري لأحمد بن إسحاق وكان من خاصته يقول له: (ولد لنا مولود، فليكن عندك مستوراً، وعن جميع الناس مكتوماً)،. ثم جعل يشير أمام بعض خاصته إلى ولده دون أن يصرح باسمه ويقول: (هذا صاحبكم). ويعتبر هذا أصرح وأوضح بيان للإمام الحسن العسكري تضمن: 1 - وجود الإمام المهدي الفعلي (عليه السلام)، وكان يومئذ قد أنهى الخامسة من عمره الشريف. 2 - التصريح بإمامته وخلافته بعد أبيه. 3 - النص على غيبته ووجوب انتظار ظهوره. وكان الإمام الحسن العسكري قد قام قبل هذا بتمهيد آخر، عود أصحابه من خلاله على فكرة الغيبة، واختبر كذلك متانة نظام الوكلاء الذين تكونت منهم شبكة النواصل السري بين القيادة والقاعدة، ذلك التمهيد الآخر تمثل باحتجاب الإمام الحسن العسكري نفسه عن قواعده. لقد كان لهذا الاحتجاب أهمية خاصة، إذ قرب لأتباعه مفهوم الغيبة، وعودهم على عدم رؤية الإمام وعلمهم كيفية الأداء إليه والتلقي منه عن طريق شبكة التواصل السري تلك التي تمثلت بنظام الوكلاء، بحيث انتظمت أمور تلك الشبكة، واستقر أمر نظام الوكلاء هؤلاء، الذين كانوا ينقلون إلى الإمام مكاتبات وقضايا ومسائل من شيعته ومواليه ثم يعودون إلى هؤلاء بتوقيعات الإمام على المسائل وردوده على المكاتبات وحلوله لتلك القضايا والمشكلات. ذلك النظام؛ كان من المهم جداً أن تسد كل ثغراته وأن يرسخ ويستقر لأن الإمام الابن بهذا النظام الذي رسخه الإمام الأب، سيكون خير أسلوب له خلال فترة غيبته الصغرى، على الأقل، فإذا حل موعد غيبته الكبرى عن جميع أفراد شيعته دون استثناء، والتي ستدوم حتى زمان الظهور المبارك، وقيام دولة الحق، فسيصبح أمر هؤلاء الأتباع المنتشرين على كل أرض من رقعة العالم الإسلامي، في أيدي علماء أتقياء أمناء، أتقنوا فقه الأئمة وأحسنوا حفظ حديثهم وروايته، وذلك حسب الرواية المعروفة عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عن جده الإمام الصادق (ع): «من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفا لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه». وهكذا رسخ الإمام الحسن العسكري (صلوات الله عليه) لمواليه من الشيعة نظام المرجعية الرشيدة حيث تعاظم دور علماء الشيعة كوكلاء ونواب وسفراء عن الإمام المعصوم، تلك المرجعية، الرشيدة التي لا تزال حتى يومنا هذا تمارس دورها المرسوم مهتدية بأنوار أهل البيت (عليهم السلام). ونختم بحثنا هذا بوصيتين للإمام الحسن العسكري (عليه السلام): كتب إحداهما إلى الفقيه المشهور ابن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق يقول له فيها: «... وأوصيك بمغفرة الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، ومواساة الإخوان، والسعي في حوائجهم في العسر واليسر، والحلم عن الجهل، والتفقه في الدين، والترتيب في الأمور، والتعهد للقرآن، وحسن الخلق والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش كلها، وعليك بصلاة، الليل، وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة الليل، من استخف بصلاة الليل فليس منا. فاعمل بوصيتي، وأمر شيعتي أن يعملوا بها، وعليك بانتظار الفرج، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج. ولا يزال شيعتنا في حزن حتى يظهر ولدي الذي بشربه النبي (صلى الله عليه وآله) أنه يملأ الدنيا قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجوراً». أما وصيته الثانية سلام الله عليه لعموم شيعته، فقد جاء فيها: «أوصيكم بتقوى الله، والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم من برّ أو فاجر، وطول السجود، وحسن الجوار... صلوا في عشائرهم (أوقال: مساجدهم) واشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدوا حقوقهم، فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق في حديثه، وأدى الأمانة، وحسن خلقه مع الناس، قيل: هذا شيعي، فيسيرني ذلك، اتقوا الله وكونوا لنازينا، ولا تكونوا علينا شيناً، جروا إلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل قبيح، فإنه ما قيل فينا من حسن فنحن أهله، وما قيل عنا من سوء فما نحن كذلك، لنا حق في كتاب الله، وقرابة من رسول الله، وتطهير من الله لا يدعيه أحد غيرنا إلا كذاب... احفظوا ما وصيتكم به، واستودعكم الله، واقرأ عليكم السلام». وعلى الإمام وآبائه المعصومين وابنه الحجة القائم المنتظر أعطر وأزكى الصلاة والسلام.
|
||
|
وسط شعور المؤمنين بالأسف: غادر الكويت سماحة آية الله السيد محمد الرضا الشيرازي دام ظله عائدا إلى قم المقدسة بعد تسع سنوات كان فيها ملاذا لكل ذي حاجة، وموئلا لكل ذي فاقة.
عندما جاء السيد الرضا إلى الكويت، استبشر أهل هذه الديار خيرا بوصول سماحته، خاصة بعد فترة انقطاع خلت فيها البلاد من أمثاله إلا من ندر. وأمضى سماحته سنوات كان همه فيها تقوية الروح الإيمانية في المجتمع، وهداية أبنائه، وغرس بذرة الولاء في محيط العامة، وهو ما تحقق بالفعل على يديه الكريمتين، عند ما اعتنق عدد من أبناء العامة مذهب الميامين الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وما بين المحراب والمنبر، والحوزة والمجالس، كان سماحته حاضرا، إماما في الصلاة فإذا ائتممت به شعرت وكأن الصلاة تسموبك وتعلو. ومحاضرا في خطبة الجمعة: فإذا أنصت إليه وجدت العلم يتدفق من جوانبه. ومدرسا للفقيه والأصول؛ فلا يحضر في حلقة درسه الصباحية غلا الذين يقصدون فقيها كبيرا، ولا يحضر في حلقة بحثه الليلية إلا المجتهدون ومن هم على عتبة الاجتهاد، ومع هذا فإنه لم يغفل الناشئة فتواضع وألقمهم علمه في دورة حوزوية. ساعيا إلى الخير، دافعا إلى التقوى، واصلا للبر، مصلحا ومربيا. قبل قدومه: كانت البلاد تعاني من ضعف مستشر في العمل الإيماني، كانت المؤسسات رثة بالية، والمتطوعون قلائل، وحركة الدعوة ساكنة، أو تسير ببطئ وركود. وعندما شرفت البلاد بمقدمه الميمون، أشرقت شمس العمل، فنشطت المؤسسات، و ازداد المتطوعون العاملون، وكثرت مشاريع الخير، ودارت عجلة الدعوة. احتضنه المؤمنون لما عرفوه، فكان خير ملجأ لهم في الشدائد، يقصدونه عندها، ويسألونه الدعاء والشفاعة. كان لا يتوانى عن مديد العون لأي محتاج، معنويا أو ماديا. كان كريما ذا لطف، وحليما ذا خلق، فإذا به يسكن الأفئدة. وحتى في سنوات المحنة، عندما سجنوا أخاه، وحاصروا أباه، لم يغلق بابه ولم ينهر سائليه، فكان يضحي بمواصلة خدمة الناس، رغم ما عليه من مسؤوليات جسام، داخل البلاد وخارجها، تفرضها عليه محنة عائلته التي كانت دوما مرمى لسهام أعداء الدين. لم يذكره أحد إلا وجلله وعظمه، فقد خبروه طالبا للآخرة لا الدنيا. ورعه كان مضرب الأمثال، فمن شدته، أنه تكون فيه ذرة من رياء يمكن أن تطرأ على باله أثناء صلاة الجماعة. هو في صفاته يشبه بجده المقدس، الميرزا مهدي الشيرازي الذي كان نموذجا للعالم التقي الورع الزاهر العابد الذي لم يرله العلماء نظيرا. اليوم غادرنا السيد الرضا، غادر تاركا لوعة الفراق مخيمة على أهل هذه الديار، وعاد إلى والده الذي اشتاق إليه، بعد أعوام تسعة لم يره فيها. عاد لكي يحمل قليلا من العبْ عنكاهل أبيه وعمه، ولكي يواصل دوره في الحوزة مدرسا لبحث الخارج، ولكي يجاور عمته، السيدة المعصومة صلوات الله عليها، وهي التي تحسر على فراقها طوال هذه السنين العصيبة. قد كتبت هذه الكلمات لأني لم أوفّق لأن أودع سماحته قبل رحيله، كم دمعت عيناي على تفريطي. وددت لو أكون خادما له إلى ابد الدهر، فالله يعلم ما له في عنقي مما لن أتمكن من أداء عشر معشاره. لكنى أبوح وأقول، أني كنت في أحيان في حال تضرع إلى الله لحاجة من الحاجات، فيقع في قلبي أن أتوسل إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه بحق ابنه هذا السيد الطاهر، فلا أجد إلا قضاء لحاجتي. ياسر الحبيب
|
||